ابن شهاب، عن عبد الرحمن الأعرج القارئ ثلاثة أحاديث مسندة
١١٢ فقرة، ج ٧ ص ٤٥
الصفحة ١ من ٣
- ج ٧ ص ٤٥
وهُو عبدُ الرَّحمنِ (١) بن هُرمُز، مولى محمدِ بن ربيعةَ بن الحارِثِ بن عبد المُطَّلبِ، يُكْنَى أبا داود.
-
كان من أعلم أهلِ المدينةِ بالقِراءةِ، وهُو أحدُ أئمَّةِ القِراءةِ بالمدينةِ، وهو ثِقةٌ مأمُونٌ، حُجَّةٌ فيما نقل.
-
روى عنهُ: ابنُ شِهاب، وأبو الزِّنادِ، ويحيى بن سعيدٍ، وغيرُهُم. وقرأ عليهِ نافِعٌ.
-
وتُوفِّي بالإسكندريَّةِ سنة سبعَ عشْرةَ ومئةٍ، فيما قال مُصعبٌ. وقال المدائنيُّ: مات أبو داود عبدُ الرَّحمنِ الأعرجُ، مولى محمدِ بن ربيعةَ، بالإسكندريَّةِ سنة تِسعَ عَشْرةَ ومئةٍ.
- ج ٧ ص ٤٦
حديثٌ أوَّلُ لابنِ شِهاب، عن الأعْرَج
مالكٌ (١) ، عن ابن شِهاب، عن الأعرج، عن أبي هُريرةَ، أنَّهُ كان يقولُ: شرُّ الطَّعام طعامُ الوَليمةِ، يُدْعَى لها الأغْنِياءُ، ويُتركُ المساكينُ، ومن لم يأتِ الدَّعْوةَ، فقد عَصَى اللهَ ورسُولَهُ.
-
هذا حديثٌ مُسندٌ عِندهُم، لقولِ أبي هُريرة: قد عَصَى الله ورسُولهُ. وهُو مِثلُ حديثِ أبي الشَّعثاءِ، عن أبي هُريرة: أنَّهُ رأى رجُلًا خارِجًا من المسجِدِ بعد الأذانِ، فقال: أمّا هذا فقد عَصَى أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم - (٢) .
-
ولا يختلِفُونَ في هذا وذاكَ أنَّهُما مُسْندانِ مرفُوعانِ.
-
وقد رَوَى هذا الحديثَ مرفُوعًا إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: روحُ بن القاسم، عن مالك؛ حدَّثنا ابنُ القاسم، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن داود الصَّوّافُ، قال: حدَّثنا يحيى بن غَيْلانَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن بَزيع (٣) ، قال: حدَّثنا روحُ بن القاسم، قال: حدَّثني مالكٌ، عن الزُّهْريِّ، عن عبدِ الرَّحمنِ الأعرج، عن أبي هُريرة، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "شرُّ الطَّعام طعامُ الوليمةِ، يُدعَى إليها الأغنياءُ، ويُتركُ الفُقراءُ، ومن لم يُجِبِ الدَّعْوةَ فقد عَصىَ الله ورسُولهُ" .
- ج ٧ ص ٤٧
وتابع رَوْحَ بنَ القاسم، عن مالكٍ، على ذلك: إسماعيلُ بن مَسْلمَةَ بن قَعْنَبٍ؛ أخبرنا محمدٌ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عُمر، قال (١) : حدَّثنا أبو بكرٍ النَّيسابُوريُّ، قال: حدَّثنا مالكُ بن سيفٍ التُّجيبيُّ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن مَسْلَمةَ، قال: حدَّثنا مالكُ بن أنسٍ، عن ابن شِهاب، عن الأعرج، عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "شرُّ الطَّعام طعامُ الوَليمةِ، يُدعَى إليها الأغنياءُ، ويُتركُ الفُقراءُ، ومَنْ لم يأتِ الدَّعْوةَ، فقد عَصىَ اللهَ ورسُولَهُ - صلى الله عليه وسلم -" . قال أبو الحسنِ: قال لنا أبو بكرٍ النَّيسابُوريُّ: هذا عندَ جُمهُورِ رُواةِ "المُوطَّأ" من كلام أبي هُريرةَ.
قال أبو عُمر: ورواهُ مَعْمرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن ابن المُسيِّبِ والأعرج، جميعًا عن أبي هُريرة، قال: شرُّ الطَّعام طعامُ الوليمةِ، يُدعَى الغنيُّ، ويُتركُ المِسكينُ، وهي حقٌّ، من تَرَكها فقد عَصىَ.
-
ذكرهُ عبدُ الرَّزّاقِ (٢) عن مَعْمرٍ، بهذا الإسنادِ وهذا اللَّفظِ، من قولِ أبي هُريرةَ. قال عبدُ الرَّزّاقِ: ورُبَّما قال مَعْمرٌ (٣) في هذا الحديثِ: ومن لم يأتِ الدَّعوةَ، فقد عَصىَ الله ورسُولهُ.
-
ورواهُ الأوزاعيُّ، عن الزُّهْريِّ، بمِثلِ إسنادِ مالكٍ ولفظِهِ سواءً (٤) .
-
ورواهُ ابنُ جُريج، عن ابن شِهاب، فجعلهُ من كلام النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
- ج ٧ ص ٤٨
حدَّثني يعيشُ بن سعيدٍ وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ البِرْتيُّ، قال: حدَّثنا أبو مَعْمرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بن جُريج، عن الزُّهْريِّ، عن عبدِ الرَّحمنِ الأعرج، عن أبي هُريرةَ قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "بئسَ الطَّعامُ الوليمةُ، يُدعَى لهُ الأغنياءُ، ويُتركُ الفُقراءُ، ومن لم يُجِبِ الدَّعوةَ، فقد عَصَى الله ورسُولهُ" (١) .
-
وقد رُوي عن ابن عُيينة مرفُوعًا أيضًا (٢) .
-
فأمّا قولُهُ: "شرُّ الطَّعام طعامُ الوليمةِ" . لم يُرِدْ ذمَّ الطَّعام في ذاتِهِ وحالِهِ، وإنَّما ذمَّ الفِعلَ، الذي هُو الدُّعاءُ للأغنياءِ إليه دُونَ الفُقراءِ، فإلى فاعِلِ ذلك توجَّه الذَّمُّ، لا إلى الطَّعام، واللهُ أعلمُ.
-
وقد مَضَى القولُ في وُجُوبِ إتيانِ الدَّعوةِ، في بابِ إسحاقَ، ومَضَى هُناكَ من الآثارِ في ذلك ما فيه كِفايةٌ.
-
واختلَفَ الفُقهاءُ فيما يجِبُ إتيانُهُ من الدَّعواتِ إلى الطَّعام.
فقال مالكٌ والثَّوريُّ: يجِبُ إجابةُ وليمةِ العُرسِ، ولا يجِبُ غيرُها (٣) .
وقال الشّافِعيُّ (٤) : إجابَةُ وليمةِ العُرسِ واجِبةٌ، ولا أُرخِّصُ في تركِ غيرِها
ج ٧ ص ٤٩من الدَّعواتِ التي يَقَعُ عليها اسمُ الوليمةِ: كالإمْلاكِ (١) ، والنِّفاسِ، والخِتانِ، وحادِثِ سُرُور، ومن تركها لم يَبِنْ (٢) لي أنَّهُ عاصٍ، كما يَبِينُ في وليمةِ العُرسِ.
وقال عُبيدُ (٣) الله بن الحسنِ العَنْبريُّ القاضِي البصريُّ: إجابةُ كلِّ دعوةٍ اتَّخذَ (٤) صاحِبُها للمدعُوِّ فيها طعامًا، واجِبةٌ (٥) .
وقال الطَّحاويُّ (٦) : لم نجِدْ عن أصحابِنا، يعني: أبا حنيفةَ وأصحابَهُ، في ذلك شيئًا، إلّا في إجابةِ دعوةِ (٧) وليمةِ العُرْسِ خاصَّةً، واللّهُ أعلمُ.
قال أبو عُمر: وقد قال صاحِبُ "العينِ" (٨) : الوليمةُ: طعامُ العُرسِ، وقد أوْلَم، أي: أطعَمَ.
-
ورُوي عن الحسنِ قال: دُعِيَ عُثمانُ بن أبي العاص إلى خِتانٍ، فأبى أن يُجيبَ، قال: وقد كُنّا على عهدِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - لا نأتي الخِتانَ ولا نُدعى لهُ (٩) .
- ج ٧ ص ٥٠
وقال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لعبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ: "أوْلِم ولو بشاةٍ" (١) .
وقال: "إذا دُعيتُم فأجيبُوا" (٢) .
-
و "إذا دُعي أحدُكُم فليُجِب، فإنْ كان صائمًا دَعا، وإن كان مُفطِرًا أكَلَ" (٣) .
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "من دُعيَ إلى وليمةٍ فليأتِها" (٤) .
-
ولا نعلمُ (٥) خِلافًا في وُجُوبِ إتيانِ الوليمةِ لمن دُعي إليها، إذا لم يَكُن فيها مُنكرٌ ولهوٌ.
-
وفي قولِهِ في هذا الحديثِ: "فقد عَصَى الله ورسُولهُ" ما يرفعُ الإشكالَ ويُغني عن الإكْثار.
-
وأمّا غيرُ الوليمةِ من الطَّعام المدعُوِّ إليه، فمَنْ أوجبَ الإجابةَ إليه من أهلِ العِلم، فحُجَّتُهُ ظاهِرُ الآثارِ التي أوردناها في بابِ إسحاقَ بن أبي طلحَةَ، ومَنْ أبى حقَّ ذلكَ ذهَبَ إلى أنَّ المُرادَ بها وليمةُ العُرسِ، وفي بابِ إسحاق (٦)
- ج ٧ ص ٥١
بيانُ ما اخترنا من ذلك. وهذا إذا لم يكُن هُناكَ من المُنكرِ واللَّهوِ ما يمنعُ من الإجابةِ (١) .
-
وقدِ اختلفَ الفُقهاءُ في هذا المعنى أيضًا:
فقال مالكٌ: إنَّ (٢) اللَّهوَ الخفيف - مِثلَ الدُّفِّ والكَبَرِ (٣) - فلا يرجِعُ، فإنِّي أراهُ خفيفًا (٤) . وقالهُ ابنُ القاسم.
وقال أصبغُ: أرى أن يرجِعَ. قال: وقد أخبر في ابنُ وهبٍ، عن مالكٍ، أنَّهُ قال: لا ينبغي لذي الهيئةِ أن يحضُرَ موضِعًا فيه لعِبٌ (٥) .
وقال الشّافِعيُّ: إذا كان في وليمةِ العُرسِ مُسكِرٌ، أو خمرٌ، أو ما أشبَهَهُ من المعاصي الظّاهِرةِ، نهاهُم، فإن نحَّوا ذلكَ، وإلّا لم أُحِبَّ لهُ أن يجلِس، وإن علِمَ ذلك عِندهُم، لم أُحِبَّ لهُ أن يُجيب (٦) . قال: وضربُ الدُّفِّ في العُرسِ لا بأسَ بهِ، وقد كان على عهدِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - (٧) .
وقال أبو حنيفةَ: إذا حضرَ الوليمةَ، فوجَدَ فيها لعِبًا، فلا بأسَ أن يقعُدَ ويأكُل (٨) .
ج ٧ ص ٥٢وقال هِشامٌ الرازيُّ، عن محمدِ بن الحسنِ: إن كان الرَّجُلُ مِمَّن يُقتَدَى بهِ، فأحَبُّ إليَّ أن يخرُج (١) .
وقال اللَّيْثُ بن سعدٍ: إن كان فيها الضَّربُ بالعُودِ واللَّهوِ، فلا يشهدها (٢) .
قال أبو عُمر: الأصلُ في هذا البابِ: ما حدَّثناهُ سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدِ بن شاكِرٍ، قال: حدَّثنا عفّانُ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سلمَةَ، قال: أخبرنا سعيدُ بن جُمهان، قال: حدَّثنا سفينةُ أبو عبدِ الرَّحمن: أنَّ رجُلًا أضافهُ عليُّ بن أبي طالبٍ، فصنَعَ لهُ طعامًا، فقالت فاطِمةُ: لو دَعَونا رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فأكَلَ معنا، فدَعَوهُ، فجاء، فوضَعَ يدهُ على عُضادَتَي البابِ، فرأى قِرامًا (٣) في ناحيةِ البيتِ، فرجَعَ، فقالت فاطِمةُ لعليٍّ: ألحَقْهُ. فقال لهُ: ما رجَعكَ يا رسُولَ الله؟ فقال: "إنَّهُ ليسَ لي أن أدخُلَ بيتًا مُزوَّقًا" (٤) .
-
كأنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قد كَرِهَ دُخُول بيتٍ فيه تصاويرُ، لتقدُّم نهيهِ - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك (٥) ، وقولِهِ: "لا تدخُلُ الملائكةُ بيتًا فيه كلبٌ أو تماثيلُ" (٦) . وكذلكَ كلُّ مُنكرٍ
ج ٧ ص ٥٣مُنكرٍ إذا كان في البيتِ، فلا ينبغي دُخُولُهُ - واللّهُ أعلمُ - لرُجُوع رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - عن طَعام دُعي إليه، لمّا رأى في البيتِ ما يُنكِر مِمّا تقدَّم نهيُهُ عنهُ.
قال أهلُ اللُّغةِ: طعامُ الوليمةِ، هُو طعامُ العُرسِ، والإملاكِ خاصَّةً. قالوا: ويُقالُ للطَّعام الذي يُصنعُ للنُّفساءِ: الخُرْسُ والخُرْسَةُ، وللطَّعام الذي يُصنعُ عِند الخِتانِ: الإعذارُ، وللطَّعام الذي يُصنعُ للقادِم من سفرٍ: النَّقيعةُ، وللطَّعام الذي يُعملُ عِند بناءِ الدّار: الوكيرةُ، وأنشدَ ثعلبٌ لبعضِ العرب (١) :
كلَّ الطَّعامِ (٢) تشتهي ربيعهْ
الخُرسَ والإعذارَ والنَّقيعهْ
وقال ثعلبٌ: والمأدُبةُ: كلُّ ما دُعي إليه من الطَّعام. قال: ويُقالُ: طعامٌ أُكِل على ضَفَفٍ (٣) ، إذا كثُرت عليهِ الأيدي، وكان قليلًا.
- ج ٧ ص ٥٤
حديثٌ ثانٍ لابنِ شِهاب، عن الأعرج
مالكٌ (١) ، عن ابن شِهاب، عن عبدِ الرَّحمنِ الأعرج، عن عبدِ الله بن بُحَيْنةَ قال: صلَّى لنا رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتينِ، ثُمَّ قامَ فلم يجلِسْ، فقامَ النّاسُ معهُ، فلمّا قَضَى صلاتهُ، فانتظرنا تَسْليمَهُ، كبَّر فسجَدَ سَجْدتينِ وهُو جالِسٌ قبل التَّسليم، ثُمَّ سلَّمَ.
-
قد ذكرنا ابنَ بُحَيْنةَ في الصَّحابةِ (٢) بما يُغني عن ذِكرِهِ هاهُنا.
-
وفي هذا الحديثِ: بيانُ أنَّ الوهَمَ والنِّسيانَ لا يَسْلَمُ منهُ أحدٌ من المخلُوقينَ، وقد يكونُ ما نزلَ بهِ من ذلك، ومن مِثلِه، ليَسُنَّ (٣) لأُمَّتِهِ - صلى الله عليه وسلم -، ألا تَرَى إلى قولِهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إنِّي لأنسَى، أو أُنسَّى، لأسُنَّ" (٤) .
-
وفي هذا الحديثِ من الفِقهِ: أنَّ المُصلِّيَ إذا قامَ مِنِ اثْنَتينِ، واعتدَلَ قائمًا، لم يكُن لهُ أن يرجِعَ، وإنَّما قُلنا: واعتدلَ قائمًا؛ لأنَّ النّاهِض لا يُسمَّى قائمًا حتَّى يعتدِلَ على الحقيقةِ، وإنَّما القائمُ: المُعتدِلُ.
-
وفي حديثنا هذا: "ثُمَّ قام" . وإنَّما قُلنا: لا ينبغي لهُ إذا اعتدلَ قائمًا أنَّ يرجِعَ؛ لأنَّهُ معلُومٌ أنَّ من اعتدلَ قائمًا في هذه المسألةِ، لا يخلُو من (٥) أن يذكُر بنفسِهِ، أو يُذكِّرهُ من خلفهُ بالتَّسبيح، ولا سيَّما قوم قيل لهم: "من نابهُ شيءٌ في صلاتِهِ، فليُسبِّح" (٦) . وهُم أهلُ النُّهَى، وأولى من عمِلَ بما حَفِظَ ووعَى.
- ج ٧ ص ٥٥
وأيَّ الحالينِ كانت، فلم ينصرِف رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الجُلُوسِ بعد قيامِهِ، فكذلك ينبغي لكلِّ من قامَ منِ اثنتينِ، أن لا يرجِعَ، فإن رجَعَ إلى الجُلُوسِ بعد قيامِهِ، لم تفسُد صلاتُهُ عندَ جُمهُورِ العُلماءِ، وإنِ اختلفُوا في سُجُودِ سهوِهِ، وحالِ رُجُوعِهِ، وقد قال بعضُ المُتأخِّرين: تفسُدُ صلاتُهُ. وهُو قولٌ ضعيفٌ لا وجه لهُ؛ لأنَّ الأصلَ ما فَعلهُ، وتركُ الرُّجُوع رُخصةٌ، وتَنْبيهٌ على أنَّ الجَلْسَةَ لم تكُن فرضًا، واللهُ أعلمُ.
-
واختلف العُلماءُ في هذه المسألةِ، فقال مالكٌ: من قام منَ اثنتينِ تمادَى ولم يجلِسْ، وسجَدَ لسهوِهِ قبل السَّلام، على حديثِ ابن بُحَيْنةَ هذا، فإن عادَ إلى الجُلُوسِ بعد قيامِهِ هذا، فصلاتُهُ تامَّةٌ، وتُجزئهُ سجدَتا السَّهوِ (١) .
قال ابنُ القاسم وأشهبُ: يسجُدُهُما بعد السَّلام. وقال عليُّ بن زيادٍ: يسجُدُهُما قبل السَّلام؛ لأنَّهُ قد وجبَ ذلك (٢) عليهِ في حينِ قيامِهِ ورُجُوعِهِ إلى الجُلُوسِ زيادةٌ، فكأنَّهُ زادَ ونقصَ (٣) .
وقال الشّافِعيُّ (٤) : إذا ذَكَر ولم يَسْتتِمَّ قائمًا جلسَ، فإنِ اسْتَتمَّ قائمًا، لم يرجِع. وهُو قولُ عَلْقمةَ، والأسودِ، وقَتادةَ، والضَّحّاكِ بن مُزاحِم، والأوزاعيِّ (٥) .
-
وفي قولٍ للشّافِعيِّ: إذا رجَعَ إلى الجُلُوسِ، سجدَ سَجْدتيِ السَّهوِ. وفي قولٍ للأسودِ وعَلْقمةَ: لا يسجُدُ للسَّهوِ إن رجَعَ (٦) .
ج ٧ ص ٥٦وقال حمّادُ بن أبي سُليمان: إذا ذكرَ ساعةَ يقومُ: جلسَ (١) .
وقال إبراهيمُ النَّخعيُّ: يقعُدُ ما لم يَسْتفتِح القِراءةَ (٢) .
-
وقد رُوي عن مالكٍ: أنَّ المُصلِّيَ إذا فارقتِ الأرضَ ألْيتُهُ وهَمَّ بالقيام، مَضَى كما هُو ولا يرجِعُ.
وقال حسّانُ بن عطيَّة: إذا تجافت رُكبتاهُ عن الأرضِ مضى (٣) .
وقال الحسنُ البصريُّ: ينصرِفُ ويقعُدُ وإن قَرَأ، ما لم يركَعْ (٤) .
قال أبو عُمر: قد رُوي في هذا البابِ حديثٌ، وإن كان في إسنادِهِ من لا تقومُ بهِ حُجَّةٌ، وهُو جابرٌ الجُعفيُّ، فإنَّهُ أولَى ما قيلَ بهِ في هذا البابِ، وعليهِ أكثرُ أهلِ الفتوى.
-
أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ (٥) ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٦) : حدَّثنا الحسنُ بن عَمرٍو، عن عبدِ الله بن الوليدِ.
- ج ٧ ص ٥٧
وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا محمدُ بن عَمرٍو، قال: حدَّثنا مُصعبُ بن ماهان، جميعًا عن سُفيان، عن جابرٍ، قال: حدَّثنا المُغيرةُ بن شُبيل الأحْمَسيُّ (١) ، عن قيسِ بن أبي حازِم، عن المُغيرةِ بن شُعبةَ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا قامَ الإمامُ في الرَّكعتينِ، فإن ذكَرَ قبلَ أن يَسْتويَ قائما، فليَجْلِسْ، وإنِ استَوَى قائمًا، فلا يجلِسْ، ويسجُدُ سَجْدتي السَّهوِ" . قال أبو داود: وليسَ في كِتابي عن جابرٍ الجُعفيِّ إلّا هذا الحديثُ.
قال أبو عُمر: في هذا الحديثِ، وفي حديثِ ابن بُحينَةَ وغيرِهِ، من تركِ الرُّجُوع لمن قام من اثْنَتينِ، دليلٌ على صِحَّةِ ما ذهبَ إليه أصحابُنا، ومن قال بقولهم: إنَّ الجَلْسةَ (٢) الوُسْطَى سُنّةٌ ليست بفريضةٍ؛ لأنَّها لو كانت من فرائضِ الصَّلاةِ، لرجَعَ السّاهي عنها (٣) إليها مَتَى ذكَرَها فقَضاها، ثُمَّ سجَدَ لسهوِهِ، كما يصنعُ من تركَ ركعةً أو سجدةً، ولَكان (٤) حُكمُها حُكمَ الرُّكُوع والسُّجُودِ والقيام ولرُوعي فيها ما يُراعى في السُّجُودِ والرُّكُوع، من الوِلاءِ والرُّتبةِ، ولم يكُن بُدٌّ من الإتيانِ بها. فلمّا لم يكُن ذلك حُكمَها، وكانت سَجْدتا السَّهوِ تنُوبُ عنها، ولم يَنُبْ عن شيءٍ من عَملِ البدَنِ غيرُها، عُلِم أنَّها ليست بفريضةٍ، وأنَّها سُنَّةٌ، ولو كانت فريضةً ما تركَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الرُّجُوعَ إليها. ألا تَرَى أنَّهُ أمرَ بالبِناءِ على اليَقينِ كلَّ مَن سَهَا في رُكُوعِهِ أو سُجُودِهِ، لتَكمُلَ فريضتهُ على يقين؟
- ج ٧ ص ٥٨
وأجمع العُلماءُ، على أنَّ الرُّكُوعَ والسُّجُودَ والقيامَ والجَلْسةَ الأخيرة في الصَّلاةِ، فرضٌ كلُّهُ، وأنَّ من سها عن شيءٍ منهُ وذكرهُ، رجعَ إليه فأتمَّهُ وبنى عليه، ولم يتمادَ وهُو ذاكِرٌ لهُ؛ لأنَّهُ لا يُجبَرُ بسجودِ (١) السَّهوِ.
-
وبهذا يتبيَّنُ لكَ وُجُوبُ فرضِهِ، والدَّليلُ من القُرآنِ على ذلك، قولُهُ تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: ٢٣٨] فأمَرَ بالقيام في الصَّلاةِ لمن قدَر عليهِ؛ لأنَّهُ لا تُكلَّفُ نفسٌ إلّا وُسعَها.
-
ولا خِلافَ بين العُلماءِ: أنَّ من صلَّى جالِسًا فريضةً وهُو قادِرٌ على القيام، أنَّ ذلك لا يُجزئه، وأنَّ القيامَ فرضٌ على كلِّ من قدرَ عليه، وكذلك الرُّكُوعُ والسُّجُودُ، لقولِ الله عزَّ وجلَّ: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: ٧٧] .