ابن شهاب، عن ابن محيصة حديثان مرسلان عند جماعة الرواة
٥٤ فقرة، ج ٧ ص ٢٢٠
الصفحة ١ من ٢
- ج ٧ ص ٢٢٠
واسمُهُ حرامُ (١) بن سَعْدِ بن مُحيِّصةَ بن مَسْعُودِ بن كعبِ بن عامرٍ الأنصاريُّ، من بني حارِثةَ بن الحارِثِ، لجدِّهِ مُحيِّصةَ بن مسعُودٍ صُحبةٌ ورِوايةٌ، وقد ذكرناهُ في الصَّحابةِ (٢) .
-
وحرامٌ هذا يُكْنَى أبا سَعْدٍ، من ساكِني المدينةِ، قليلُ الرِّوايةِ، تُوُفِّي سنةَ ثلاث عشرةَ ومئةٍ، وهُو ابن سبعينَ سنةً، وهُو ثِقةٌ، روى عنهُ ابن شِهاب.
- ج ٧ ص ٢٢١
حديث أوَّلُ لابنِ شِهاب، عن ابن مُحيِّصةَ
مالكٌ (١) ، عن ابن شِهاب، عن ابن مُحيِّصةَ الأنصاريِّ، أحدِ بَني حارِثةَ: أنَّهُ اسْتَأذنَ رسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في إجارةِ الحجّام، فنَهاهُ عنها، فلم يزل يَسْأُلُه ويستأذِنُهُ، حتَّى قال لهُ: "اعلِفهُ نُضّاحَكَ" . يعني رقيقَكَ.
-
هكَذا قال يحيى في هذا الحديث: عن ابن مُحيِّصةَ، أنَّهُ اسْتَأذنَ رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وتابَعهُ ابن القاسم.
-
وذلكَ من الغَلَطِ الذي لا إشْكالَ فيه على أحَدٍ من أهلِ العِلم، وليسَ لسَعدِ بن مُحيِّصةَ صُحبةٌ، فكيفَ لابنِهِ حَرام، ولا يَخْتلِفُون أنَّ الذي رَوَى عنهُ الزُّهْريُّ هذا الحديثَ، وحديثَ ناقةِ البَراءِ (٢) هُو حَرامُ بن سعدِ بن مُحيِّصةَ.
-
وقال ابن وَهْب (٣) ، ومُطرِّفٌ، وابنُ بُكيرٍ (٤) وابنُ نافِع، والقعنبيُّ (٥) : عن مالكٍ، عن ابن شِهاب، عن ابن مُحيِّصةَ، عن أبيه. والحديثُ مع هذا كلِّهِ مُرسلٌ.
قال يحيى: "نُضّاحَكَ. يعني رقيقَكَ" .
وقال القعنبيُّ: "ناضِحَكَ، رَقِيقَكَ (٦) " . وهُو معنى حديثِ يحيى سواءً.
وقال ابن بُكير: "نُضّاحَكَ ورقيقَكَ" .
ج ٧ ص ٢٢٢وقال ابن القاسم: النُّضّاحُ: الرَّقيقُ، ويَكُونُ في الإبِلِ.
قال أبو عُمر: أمّا الخليلُ فقال (١) : النّاضِحُ الجملُ يُسْقَى عليه.
-
وأمّا أصحابُ ابن شِهاب، فاتَّفقَ معمرٌ (٢) ومالكٌ في رِوايةِ أكثرِ أصحابِهِ عنهُ، وابنُ أبي ذِئبٍ (٣) ، وابنُ عُيَينةَ، ويُونُسُ بن يزيدَ، على أنَّ قالوا فيه: "عن أبيه" لَمْ يزيدُوا.
وقال اللَّيثُ: عن ابن شِهاب، عن ابن مُحيِّصةَ: أنَّ أباهُ اسْتَأذنَ النَّبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في خَراج الحجّام، فأبَى أن يأذَنَ لهٌ، فلم يَزَل به، حتَّى قال لهُ: "أطْعِمهُ رَقيقكَ، واعْلِفهُ ناضِحكَ" (٤) . هكذا رواهُ اللَّيثُ، عن ابن شِهاب.
-
وقد رواهُ اللَّيثُ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن خالدِ بن مُسافِرٍ، عن ابن شِهاب، عن حَرام بن سعدِ بن مُحيِّصةَ، عن مُحيِّصةَ رَجُلٍ من بني حارِثةَ، كان لهُ غُلامٌ حجّامٌ: فسالَ رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن كَسْبِهِ، فنَهاهُ أن يأكُلَ كسبَهُ، ثُمَّ عادَ فنَهاهُ، ثُمَّ عادَ فنَهاهُ، ثمَّ عادَ فنَهاهُ (٥) ، فلَمْ يَزَلْ يُراجِعُهُ، حتَّى قال لهُ: "اعلِفْ كسبَهُ ناضِحكَ، وأطْعِمهُ رَقِيقكَ" (٦) .
ج ٧ ص ٢٢٣وقال ابن عُيينةَ فيه: عن ابن شِهاب، عن حَرام بن سَعْدِ بن مُحيِّصةَ، عن أبيه، أنَّ مُحيِّصةَ سألَ النَّبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (١) . فذكَرَ الحديثَ، وجوَّدَ إسنادهُ.
وقال فيه ابن إسحاقَ: عن ابن شِهاب، عن حَرام بن سعدِ بن مُحيِّصةَ، عن أبيه، عن جَدِّهِ مُحيِّصةَ، أنَّهُ كانَ لهُ غُلامٌ حَجّامٌ يُقالُ لهُ: أبو طيبةَ (٢) .
-
لم يُسمِّهِ من أصحابِ الزُّهْريِّ غيرُهُ، ولا يتَّصِلُ هذا الحديثُ عن ابن شِهاب، إلّا من رِوايةِ ابن إسحاق هذه، ورِوايةُ ابن عُيينةَ مِثلُها، وسائرُها مُرسلات.
-
وقد رُوي من غيرِ حديثِ ابن شِهابٍ مُتَّصِلًا مُسندًا.
-
حدَّثني عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بن صالح، قال: حدَّثني اللَّيثُ، قال: حدَّثني يزيدُ بن أبي حبيبٍ، عن أبي عُفيرٍ (٣) الأنصاريِّ، عن محمدِ بن سَهْلِ بن أبي حَثمةَ، عن مُحيِّصةَ بن مسعُودٍ الأنصاريّ: أنَّهُ كانَ لهُ غُلامٌ حَجّامٌ يُقالُ لهُ: نافِعٌ أبو طيبةَ، فانطلَقَ إلى رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْألُهُ عن خَراجِهِ، فقال: "لا تَقْربهُ" ، فَردَّد على رسُولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: "اعلِفْ به النّاضح، اجعلهُ في كَرِشِهِ" (٤) .
-
عِندَ اللَّيثِ في هذا الحديثِ ثلاثةُ أسانيد.
- ج ٧ ص ٢٢٤
وقد (١) مَضَى القولُ في أُجرةِ الحجّام مُسْتوعبًا، في بابِ حُميدٍ الطَّويلِ (٢) من كِتابِنا هذا، فأغنَى عن إعادتِهِ هاهُنا.
-
ومعنى حديثِ مُحيِّصةَ هذا، التَّنزُّهُ، لا التَّحريمُ، وذلكَ واللّهُ أعلمُ، لأنَّهُ عمِلَ على ثوابٍ غيرِ معلُوم قبل العَملِ، فأشبَهَ الإجارةَ المجهُولةَ من ناحيةٍ لما عَسَى أن لا تطيبَ به نفسُ أحَدِهِما من العِوَضِ، ومن هاهُنا كان جماعةٌ من العُلماءِ الصّالحِين يُرضُونَ الحجّامين بأكثرِ من المُتعارَفِ عِندَهُم، واللّه أعلمُ.
-
وقد بيَّنّا ذلكَ في بابِ حُميدٍ، بما فيه كِفايةٌ.
-
حدَّثني عبدُ الوارِثِ، قال: حَدَّثَنَا قاسمٌ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن شاذانَ، قال: حَدَّثَنَا هَوْذةُ بن خليفةَ، قال: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عن محمدٍ، أنَّ ابن عبّاسٍ سُئلَ عن كَسْبِ الحجّام، فقال: لقدِ احْتَجَمَ رسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وأعطاهُ أجرَهُ، ولو كانَ حَرامًا، لَمْ يُعْطِه (٣) .
-
حَدَّثَنَا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حَدَّثَنَا سليمانُ بن حربٍ، قال: حَدَّثَنَا حمّادٌ، عن أيُّوبَ، عن محمدٍ، عن ابن عبّاس: أنَّهُ سُئلَ عن الحجّام، فقال: إنَّ رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - احتجَمَ، وأعْطَى الحجّام أجرَه، ولو كانَ حرامًا، لَمْ يُعطِه (٤) .
- ج ٧ ص ٢٢٥
وذكرَ ابن وَهْب، عن مُوسَى بن عُلَيِّ بن رَباح، عن أبيه قال: كُنتُ عِندَ ابن عبّاسٍ، فأتَتهُ امرأةٌ فقالت: إنَّ لي غُلامًا حجّامًا، وإنَّ أهَّل العِراقِ يَزْعُمُونَ أنِّي آكُلُ ثمنَ الدَّم. فقال ابن عبّاس: كَذبُوا، إنَّما تأكُلين خراجَ غُلامِكِ (١) .
وقال اللَّيثُ بن سعدٍ، عن رَبِيعةَ، قال: كانَ للحجّامين سُوقٌ على عَهدِ عُمر بن الخطّابِ (٢) .
قال اللَّيثُ: قال لي يحيى بن سعيد: لَمْ يَزلِ المُسلِمُونَ يُقِرُّون بأُجرةِ الحجّام، ولا يُنكِرُونها (٣) .
- ج ٧ ص ٢٢٦
حديثٌ ثانٍ لابنِ شِهاب، عن ابن مُحيِّصةَ
مالكٌ (١) ، عن ابن شِهاب، عن حَرام بن سَعْدِ بن مُحيِّصةَ: أنَّ ناقَةً للبَراءِ بن عازِبٍ دَخَلتْ حائطَ رجُلٍ فأفْسَدَتْ فيه، فقَضَى رسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنَّ على أهْلِ الحَوائطِ حِفْظَها بالنَّهارِ، وأنَّ ما أفْسَدتِ المَواشي باللَّيلِ، ضامِنٌ على أهْلِها.
-
هكذا رواهُ جميعُ رُواةِ "المُوطَّأ" فيما عَلِمتُ مُرسلًا (٢) ، وكذلكَ رواهُ أصحابُ ابن شِهاب، عن ابن شِهابٍ أيضًا هكذا مُرسلًا، إلّا أنَّ ابن عُيينةَ، رواهُ عن الزُّهْريِّ، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، وحَرام بن سعدِ بن مُحيِّصةَ: أنَّ ناقَةً للبَراءِ دَخَلَتْ حائطَ قوم. فذكر مِثلهُ بمعناهُ، وجعَلَ مع حَرام بن سعد: سعيد بن المُسيِّبِ (٣) .
-
ورواهُ ابن أبي ذِئبٍ، عن ابن شِهاب، أنَّهُ بَلَغهُ: أنَّ ناقَةً للبَراءِ بن عازِبٍ دخلَتْ حائطَ قوم (٤) . مِثلَ حديثِ مالكٍ سَواءً، ولم يَصْنعِ ابن أبي ذِئبٍ شيئًا، لأَنَّه أفسَدَ إسنادَهُ.
-
ورواهُ عبدُ الرَّزّاقِ (٥) ، عن مَعْمرٍ، عن الزُّهْريِّ، عن حَرام بن مُحيِّصةَ،
ج ٧ ص ٢٢٧عن أبيه، عن النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. ولم يُتابَع عبدُ الرَّزّاقِ على ذلكَ، وأنْكَرُوا عليه قولهُ فيه: "عن أبيه" .
-
حَدَّثَنَا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِن، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن بكرِ بن عبدِ الرَّزّاقِ التَّمّارُ، قال: سمِعتُ أبا داود يقولُ: لَمْ يُتابِعْ أحدٌ عبد الرَّزّاقِ على قولِهِ في هذا الحديث: "عن أبيه" .
-
هكذا قال أبو داود: لَمْ يُتابع عبدُ الرَّزّاقِ. قال محمدُ بن يحيى الذُّهليُّ: لَمْ يُتابَع معمر على ذلكَ.
-
فجعلَ محمدُ بن يحيى الخَطأ فيه من مَعْمرٍ، وجعلهُ أبو داود من عبدِ الرَّزّاقِ، على أنَّ محمد بن يحيى لَمْ يَرْوِ حديث مَعْمرٍ هذا، ولا ذكرَهُ في كِتابِهِ في "عِللِ حديثِ الزُّهْريِّ" إلّا عن عبدِ الرَّزّاقِ لا غيرَ.
ثُمَّ قال محمدُ بن يحيى: اجتمعَ مالكٌ، والأوزاعيُّ، ومحمدُ بن إسحاقَ، وصالحُ بن كَيْسان، وابنُ عُيينةَ على رِوايةِ هذا الحديثِ، عن الزُّهْريِّ، عن حرام، لَمْ يقولوا: "عن أبيه" إلّا مَعْمرًا، فإنَّهُ قال فيه: "عن أبيه" فيما حَدَّثَنَا عنهُ عبدُ الرَّزّاقِ، إلّا أنَّ ابن عُيينةَ جمعَ إلى حرام: سعيدَ بن المُسيِّبِ.
قال: وأمّا حديثُ كَسْبِ الحجّام، فمَحْفُوظٌ فيه: "عن أبيه" . وقال فيه محمدُ بن إسحاقَ: "عن أبيه، عن جدِّهِ" .
-
هذا كلُّهُ كلامُ محمدِ بن يحيى.
قال أبو عُمر: هذا الحديثُ وإن كانَ مُرسلًا، فهُو حديث مشهُورٌ أرسلَهُ الأئمَّةُ، وحدَّثَ به الثِّقاتُ، واسْتَعملهُ فُقهاءُ الحِجازِ، وتلقَّوهُ بالقَبُولِ، وجَرَى في المدينةِ به العملُ، وقد زعَمَ الشّافِعيُّ: أنَّهُ تَتبَّعَ مَراسيل سعيدِ بن المُسيِّبِ، فألفاها صِحاحًا، وأكثرُ الفُقهاءِ يحتجُّون بها (١) .
- ج ٧ ص ٢٢٨
وحسبُك باسْتِعمالِ أهلِ المدينةِ، وسائرِ أهلِ الحِجازِ لهذا الحديثِ.
-
حدَّثني عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن إبراهيمَ بن جامِع، قال: حَدَّثَنَا المِقدامُ بن داود، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بن عبدِ الحكَم، قال: قال مالكٌ: وما أفسَدَتِ المَواشي والدَّوابُّ من الزُّرُوع والحَوائطِ باللَّيلِ، فضَمانُ ذلكَ على أهْلِها، وما كان بالنَّهارِ، فلا شَيءَ على أصْحابِ الدَّوابِّ، ويُقَوَّمُ الزَّرعُ الذي أفْسَدت باللَّيلِ على الرَّجاءِ والخَوْفِ.
قال: والحَوائطُ التي تُحرَسُ، والتي لا تُحرَسُ سَواءٌ، والمُحَظَّرُ عليه وغيرُ المُحَظَّرِ سواءٌ، يُغرَّمُ أهلُها ما أصابَتْ باللَّيلِ، بالغًا ما بلَغَ، وإن كان أَكْثَر من قِيمَتِها.
قال مالكٌ: فإذا انْفَلتَتْ دابَّةٌ باللَّيلِ، فوَطِئَت على رجُلٍ نائم، لَمْ يُغرَّم صاحِبُها شيئًا، وإنَّما هذا في الحَوائطِ والزَّرع والحَرْثِ.
قال: وإذا تَقدَّم إلى صاحِبِ الكلبِ الضاري، أو البعيرِ، أو الدّابَّةِ، فما أفْسَدَت ليلًا أو نهارًا، فعليهِم غُرمُهُ (١) .
وقال ابن القاسم: ما أفْسَدتِ الماشيةُ باللَّيلِ، فهُو في مالِ ربِّها، وإن كان أضْعاف قيمتِها، لأنَّ الجِنايةَ من قِبلِهِ، إذ لَمْ يَرْبِطها، وليستِ الماشيةُ كالعَبيدِ. حكاهُ سحنُونٌ (٢) وأصبغُ وأبو زيدٍ، عن ابن القاسم.
-
وحدَّثني أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثني أبي، قال: حَدَّثَنَا أسْلَمُ بن عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثني المُزنيُّ، قال: قال الشّافِعيُّ (٣) : والضَّمانُ عن البهائم بوَجْهين: أحدُهُما: ما أفْسَدَتْ من الزَّرع باللَّيلِ، ضَمنهُ أهلُها، وما أفسدَتْ
ج ٧ ص ٢٢٩بالنَّهارِ لَمْ يَضْمنُوا. واحتجَّ بحديثِ مالكٍ، عن ابن شِهاب، عن حرام بن سَعْدِ بن مُحيِّصةَ، المذكُورِ في هذا البابِ، وبحديثِ ابن عُيينةَ فيه، على حَسَبِ ما أوردناهُ عنهُ.
قال: والوجهُ الثّاني: إذا كانَ الرَّجُلُ راكِبًا، فأصابت بيدِها، أو برِجلِها، أو فِيها، أو ذَنَبِها، من كَسْرٍ، وجُرح، فهُو ضامِنٌ لهُ، لأنَّ عليه مَنْعها في تلكَ الحالِ من كلِّ ما تُتلِفُ به أحدًا.
قال أبو عُمر: قد مَضَى القولُ في ضمانِ ما جَنَتهُ البهائمُ مُسْتوعبًا كافيًا مُهذَّبًا، في بابِ ما رَواهُ ابن شِهاب، عن سَعيدِ بن المُسيِّبِ من هذا الكِتابِ عِندَ قولِهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "جَرْحُ العَجْماءِ جُبارٌ" (١) . فأغْنَى عن إعادتِهِ هاهُنا.
-
فأمّا فَسادُ الزُّرُوع، والحوائطِ، والكُرُوم، فقال مالكٌ، والشّافِعيُّ، وأهلُ الحِجازِ في ذلكَ ما ذَكَرناهُ عنهُم في هذا البابِ، وحُجَّتُهُم حديثُ البَراءِ بن عازِبٍ (٢) المذكُورُ فيه، مع ما دلَّ عليه القُرآنُ في قِصَّةِ داود وسُليمان: {إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ} [الأنبياء: ٧٨] .
-
ولا خِلافَ كَانَ أهْلِ اللُّغةِ، أنَّ النَّفشَ لا يكونُ إلّا باللَّيلِ، وكذلكَ قال جَماعةُ العُلماءِ بتأويلِ القُرآنِ، وقال الله عزَّ وجلَّ لمحمدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عندَ ذكرِ من ذكَرَ من أنبيائهِ في سُورةِ الأنعام {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: ٩٠] .
-
فجازَ الاقتِداءُ بكلِّ ما ورَدَ به القُرآنُ من شَرائع الأنبياءِ، إلّا أن يمنعَ من ذلكَ ما يجِبُ التَّسليمُ لهُ، من نَسْخ في الكِتابِ، أو سُنَّةٍ وارِدةٍ عن النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بخِلافِ ذلكَ تُبيِّنُ مُرادَ الله، فيُعلَمُ حينئذٍ أنَّ شَرِيعتنا مُخالِفةٌ لشَرِيعتِهِم، فتُحملُ على ما يَجِبُ الاحتِمالُ عليه من ذلكَ، وباللّه التَّوفيقُ.
- ج ٧ ص ٢٣٠
وهذه مَسْألةٌ من مَسائلِ الأُصُولِ، وقد ذكَرْناها في مَوْضِعِها، وأوردنا الاخْتِلافَ فيها، واللّه المُسْتعانُ لا شريكَ لهُ.
-
وقد قال جُمهُورُ فُقهاءِ الحِجازِ بحديثِ البراءِ بن عازِبٍ في هذا البابِ.
وقال اللَّيثُ بن سعد: يَضْمنُ ربُّ الماشيةِ كلَّ ما أفْسَدت باللَّيلِ والنَّهارِ، ولا يَضْمنُ أكثر من قيمةِ الماشيةِ (١) .
-
ولا أعلمُ من أينَ قال اللَّيثُ هذا، إلّا أن يَجْعلهُ، قياسًا على العَبْدِ الجاني: أنَّهُ لا يُفْتَكُّ بأكثر من قيمتِهِ، ولا يَلْزمُ سيِّدهُ جِنايتُهُ بأكثرِ من قيمتِهِ. وهذا ضعيفُ الوجهِ.
-
واختُلِف فيه عن الثَّوريِّ، فَرَوى ابن المُباركِ عنهُ: أن لا ضَمانَ على صاحِبِ الماشيةِ (٢) . وروى الواقِديُّ عنهُ في شاةٍ وَقَعت في غَزْلِ حائكٍ بالنَّهار: أنَّهُ يَضْمنُ.
وقال الطَّحاويُّ (٣) : تَصْحيحُ الرِّوايتينِ عن الثَّوريّ: أنَّهُ إذا أرسلها سائبةً ضَمِن، وإذا أرسلها محفُوظةً، لَمْ يضمن باللَّيلِ، ولا بالنَّهار.
-
واختلَفَ أصحابُ داود في هذا البابِ، فقال بعضُهُم بقَولِ مالكٍ، والشّافِعيِّ، وقال بعضُهُم: لا ضمانَ على ربِّ الماشيةِ والدّابَّةِ، لا في لَيْلٍ، ولا في نَهارٍ، ولا على الرّاكِبِ، والسَّائقِ، والقائدِ، إلّا أن يَتَعدَّى في إرْسالِها، وربطِها في مَوْضِع لا يجِبُ لهُ رَبْطُها فيه، أو يُعنِّفُ عليها في السِّياقِ، فيَضْمنُ بجِنايةِ نفسِهِ، وأمّا إذا لَمْ يَكُن لهُ في ذلكَ سببٌ، فلا ضمانَ عليه، لقولِهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "جَرْحُ العَجْماءِ جُبارٌ" (٤) .
-
إنَّما معناهُ على ما قدَّمنا في بعضِ المُتْلفاتِ دُونَ بعضٍ، لحديثِ البَراءِ بن عازِبٍ، وهُو حديثٌ مشهُورٌ صحيحٌ (٥) من حديثِ الأئمَّةِ الثِّقاتِ معَ عملِ
ج ٧ ص ٢٣١أهلِ المدينةِ به، وسائرِ أهلِ الحِجازِ، وهُم يروُون حديثَ: "العَجْماءُ جَرْحُها جُبارٌ" وعنهُم نُقِلَ، وليسَ لهُ مخرجٌ إلّا عن أهلِ المدينةِ، فكيفَ يجهلُونَ معناهُ، وهُم رُواتُهُ، مع عِلمِهِم وموضِعِهِم من الفِقهِ والفهْم، هذا ما لا يظُنُّهُ ذُو فَهْم.
وقال أبو حنيفةَ، وأصحابُهُ (١) : لا ضمانَ على أربابِ البَهائم فيما تُفسِدُهُ، أو تَجْني عليه، لا في ليلٍ، ولا في نهارٍ، إلّا أن يكونَ راكِبًا، أو سائقًا، أو قائدًا. وحُجَّتُهُم في ذلكَ، قولُهُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "العَجْماءُ جَرْحُها جُبارٌ" .
-
ومن حُجَّتِهِم أيضًا: أنَّ الذِّمَّةَ بريئةٌ لا يثبُتُ فيها شيءٌ، إلّا بما لا مدفَعَ فيه.
-
وجعلُوا حديث: "جَرْحُ العَجْماءِ جُبارٌ" مُعارِضًا لحديثِ البَراءِ بن عازِبٍ، وليسَ كما ذهَبُوا إليه، لأنَّ التَّعارُضَ في الآثارِ، إنَّما يَصحُّ إذا لَمْ يُمكِنِ استِعمالُ أحدِهِما إلّا بنَفْيِ الآخَرِ، وحديثُ: "العَجْماءِ جَرْحُها جُبارٌ" معناهُ على الجُملةِ، لَمْ يخُصَّ حديث البَراءِ، وتبقَى لهُ أحكامٌ كثيرةٌ، على حَسَبِ ما ذكَرْناها فيما سَلَفَ من كِتابِنا هذا، لأنَّ رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لو جاءَ عنهُ في حديثٍ واحِد: العَجْماءُ جَرْحُها جُبارٌ، نهارًا لا ليلًا، وفي الزَّرع، والحوائطِ، والحَرْثِ، دُون غيرِهِ، لَمْ يكُن هذا مُسْتحيلًا من القولِ، فكيفَ يجُوزُ أن يُقال في هذا مُتعارِض، وإنَّما المُتعارِضُ والمُتضادُّ، المُتنافي الذي لا يثبُتُ بعضُهُ، إلّا بنفيِ بعضٍ، وإنَّما هذا من بابِ المُجْملِ، والمُفسَّرِ، ومِن بابِ العُمُوم، والخُصوصِ، وقد بُيِّنَ ذلكَ في كِتابِ "الأُصُولِ" بما فيه كِفايةٌ.