ابن شهاب، عن عثمان بن إسحاق بن خرشة حديث واحد مرسل

٨٢ فقرة، ج ٧ ص ٢٣٦

الصفحة ١ من ٣

  1. وعُثمانُ (١) هذا لا أعرِفُهُ بأكثرِ من رِوايةِ ابن شِهابٍ عنهُ، حديث الجَدَّةِ هذا، عن قَبِيصةَ بن ذُؤَيبٍ، وأقولُ فيه كما قال ابن مَعين في ابن أُكَيمةَ، إذ سُئل عنهُ، وقال: حَسْبُك برِوايةِ ابن شِهابٍ عنهُ. هذا عِلْمي فيه من جِهَةِ الرِّوايةِ.

    ج ٧ ص ٢٣٦
  2. وأمّا أهلُ النَّسبِ، فينسُبُونهُ: عُثمان بن إسحاقَ بن عبدِ الله بن أبي خَرَشَةَ بن عَمرِو بن ربيعةَ بن الحارِثِ بن خُبَيِّبِ بن جَذِيْمَة بن مالكِ بن حِسْلِ بن عامرِ بن لُؤَيٍّ. هكذا ذكرهُ الزُّبيرُ: "ابن أبي خَرَشةَ" في مَواضِع من كِتابِهِ في النَّسبِ، وقال: فولَدَ إسحاقُ بن عبدِ الله: عُثمانَ بن إسحاقَ بن عبدِ الله بن أبي خَرَشةَ، وروى عنهُ ابن شِهاب، عن قَبِيصةَ حديثَ الجَدَّةِ. هذا لفظُ الزُّبيرِ بن بكَّارٍ (٢) .

  3. وأخبرنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: أخبرنا مُصعبُ، قال (٣) : عُثمانُ بن إسحاقَ بن عبدِ الله بن أبي خَرَشةَ، روى عنهُ ابن شِهاب، عن قَبِيصةَ بن ذُؤَيبٍ، حديث الجَدَّةِ.

    ثُمَّ قال: أخبَرَنا ابن زُهَيرٍ، قال (٤) : حَدَّثَنَا مُصعبٌ، قال: حدَّثني مالكُ بن أنَسٍ، عن ابن شِهاب، عن عُثْمانَ بن إسحاقَ بن خَرَشةَ، عن قَبِيصةَ بن ذُؤَيبٍ، أنَّهُ قال: جاءَتِ الجَدَّةُ إلى أبي بكرٍ، فذكَرَ الحديث إلى آخِرِهِ.

    ج ٧ ص ٢٣٧وقال: كذا قال مالكٌ، عن الزُّهْريِّ، عن عُثمان بن إسحاق بن خَرَشةَ.

  4. ولم يُتابِعهُ أحدٌ على هذا.

    وقال مُفضَّلُ بن غسّان: سألتُ مُصعبًا الزُّبيريَّ، عن عُثمانَ بن إسحاقَ بن خَرَشةَ، فقال: من بني عامرِ بن لُؤَيٍّ، وهُو ابن أخي أروي، الذي يُقالُ: عُمِّيت عمى أروى.

    قال أبو عُمر: هذا مَثَلٌ، قد ذكرنا الخبرَ بذلك، في بابِ سعيدِ بن زيدٍ، في الصَّحابةِ (١) ، لأنَّهُ هُو الذي دَعا على أروى بنتِ أُوَيسٍ، في قِصَّةٍ عَرَضَتْ لهُ معها.

    قال الزُّبيرُ: والعامَّةُ تُصحِّفُ المثل، فتقولُ: أعماكَ الله عَمَى الأروي، يُريدُونَ الأرْوَى التي في الجبَلِ، يظُنُّونها شَدِيدةَ العَمَى.

    قال أبو عُمر: لَمْ يختلِفْ أصحابُ ابن شِهابٍ عنهُ فيما علِمتُ، أنَّهُ ابن خَرَشَةَ، لا ابن أبي خَرَشةَ، وكان ابن شِهابٍ ينسُبُهُ إلى جدِّهِ، يقولُ: عُثمانُ بن إسحاقَ بن خَرَشةَ. ولم يَرْوِ ابن شِهاب، عن عُثْمانَ هذا، غيرَ هذا الحديث فيما عَلِمتُ، وهُو حديثٌ مُرسلٌ عِندَ بعضِ أهْلِ العِلم بالحدِيثِ، لأنَّهُ لَمْ يذكر فيه سماعٌ لقبيصةَ من أبي بكرٍ، ولا شُهُودٌ لتِلكَ القِصَّةِ. وقال آخرُونَ: هُو مُتَّصِلٌ، لأنَّ قَبِيصةَ بن ذُؤَيب أدركَ أبا بكرٍ الصِّدِّيق، ولهُ سِنٌّ لا يُنكَرُ معها سَماعُهُ من أبي بكرٍ رضي الله عنهُ، وسنذكُرُ بعدُ في هذا البابِ خَبَر قَبِيصةَ بن ذُؤَيبٍ، إن شاءَ الله.

  5. مالكٌ (١) ، عن ابن شِهابٍ، عن عُثمان بن إسحاقَ بن خَرَشةَ، عن قَبِيصةَ بن ذُؤَيبٍ، قال: جاءَتِ الجَدَّةُ إلى أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ تسألُهُ مِيراثها، فقال: ما لكِ في كِتابِ الله من شيءٍ، وما عَلِمتُ لَكِ في سُنَّةِ رسُولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شيئًا، فارْجِعي حتَّى أسأَلَ النّاس، فسألَ النّاسَ، فقال المُغيرةُ بن شُعبةَ: حَضَرتُ رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعْطاها السُّدُسَ. فقال أبو بكر: هل معكَ غيرُكَ؟ فقامَ محمدُ بن مَسْلمةَ، فقال مِثلَ ما قال المُغيرةُ بن شُعبةَ، فأنْفَذهُ لها أبو بكرٍ، ثُمَّ جاءَتِ الجدَّةُ الأُخْرَى إلى عُمرَ تسألُه مِيراثها، فقال لها: ما لكِ في كِتابِ الله شيءٌ، وما كانَ القَضاءُ الذي قُضِيَ به إلّا لغيرِكِ، وما أنا بزائدٍ في الفَرائضِ من شيءٍ، ولكِنْ هُو السُّدُسُ، فإنِ اجْتَمعتُما، فهُو بَيْنكُما، وأيَّتُكُما (٢) خَلَتْ به، فهُو لها.

    ج ٧ ص ٢٣٨
  6. قد مَضَى القولُ في عُثْمانَ بن إسحاق بن خَرَشةَ.

  7. وأمّا قَبِيصةُ بن ذُؤَيب (٣) ، فقيل: إنَّهُ تُوُفِّي سنةَ سِتٍّ وثمانين، ولهُ سِتٌّ وثمانُون سنةً، كان مولِدُهُ في أوَّلِ سَنةٍ من الهِجْرةِ، وهُو أحَدُ العُلماءِ. ذكَرَ وكيعٌ وغيرُهُ، عن الأعمشِ، عن أبي الزِّنادِ قال: أدْرَكتُ الفُقهاءَ بالمدينةِ أربعةً، أحدُهُم: قَبِيصةُ بن ذُؤَيب. وقال الأعمشُ مرَّةً أُخرى: أربعةٌ، سعيدُ بن المُسيِّبِ، وعُروةُ بن الزُّبيرِ، وقَبيصةُ بن ذُؤَيب، وعبدُ الملكِ بن مَرْوان. وذكَرَ ابن المُباركِ، عن محمدِ بن راشِدٍ، عن مَكْحُولٍ قال: ما رأيتُ أحدًا أعلمَ من قَبِيصةَ بن ذُؤَيب.

  8. وكان سعيدُ بن المُسيِّبِ يَحمِلُ على قَبِيصةَ بن ذُؤَيب، لمُخالَطةِ السُّلطانِ.

  9. حدَّثني أحمدُ بن محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن الفضلِ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن

    ج ٧ ص ٢٣٩جَرِيرٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو كُرَيب، قال: حَدَّثَنَا ابن إدريسَ، قال: سمِعتُ الأعمشَ يقولُ: فُقَهاءُ المدينةِ أربعةٌ: سعيدُ بن المُسيِّبِ، وعُروةُ، وقَبِيصةُ، وعبدُ الملك (١) .

  10. وحدَّثني خَلَفُ بن القاسم، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بن محمدِ بن ناصِح، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن عليِّ بن سَعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو كُريبٍ، قال: حَدَّثَنَا وكيع، عن الأعْمَشِ، عن ذَكْوانَ، أو ابن ذكوانَ، قال: أدركتُ فُقهاءَ المدينةِ أربعةً: سعيدُ بن المُسيِّبِ، وعُروةَ بن الزُّبيرِ، وقَبِيصةَ بن ذُؤَيب، وعبد الملكِ بن مروانَ (٢) .

  11. هكذا يقولُ الأعمشُ في هذا الحديث: عن (٣) ذكوانَ أو ابن ذكوان. وإنَّما هُو عبدُ الله بن ذَكْوان أبو الزِّنادَ.

  12. ولم يَروِ أحدٌ في عِلمي (٤) عن أبي الزِّناد: أنَّ فُقهاءَ المدينةِ أربعة، على حَسَبِ ما ذَكَرنَا، غيرَ الأعمشِ.

  13. والمعرُوفُ عن أبي الزِّنادِ في كِتابِ "السَّبعةِ" وغيرِه: أنَّ فُقهاءَ المدينةِ في وقتِهِ من شُيُوخِهِ سَبْعة، أو أكثرُ من سَبْعةٍ.

  14. ولعلَّ الأعمشَ إنَّما حَكَى ما حكاهُ عن ذَكْوانَ أبي صالح السَّمّانِ، فهُو شيخُهُ، ولكنَّ النّاس يقولُون: إنَّما أرادَ أبا الزِّنادِ عبدَ الله بن ذَكْوانَ، وكيف كانتِ الحالُ، فقد أدركَ أبو الزِّنادِ بالمدينةِ جَماعةً كلُّهُم أفقَهُ من قَبِيصةَ بن ذُؤَيبٍ، وعبدِ الملكِ بن مروانَ، وما أعلمُ أحدًا جعلَ عبد الملكِ بن مروان في الفِقْهِ كسعيدٍ وعُروةَ، إلّا ما جاءَ في هذا الخبرِ، واللّه أعلمُ.

  15. وأبو صالح ذكوانُ لا يصلُحُ أيضًا أنَّ يُضافَ لهُ هذا الخبرُ؛ لأَنَّهُ أدركَ أبا هُريرةَ وغيرَهُ من الصَّحابةِ، وكِبارَ التَّابِعينَ، ومن هاهُنا قال العُلماءُ: إنَّ الأعمشَ لَمْ يُرِد بقولِهِ إلّا أبا الزِّنادِ، فلم يَقِف على اسْمِهِ، فقال: ذَكْوانُ، أو ابن ذكوانَ.

    ج ٧ ص ٢٤٠
  16. وقَبِيصةُ بن ذُؤَيبٍ خُزاعيٌّ، وهُو: قَبِيصةُ بن ذُؤَيبِ بن حَلْحلةَ بن عَمرِو بن كُلَيبِ بن أصرمَ بن عبدِ الله بن قُمَير (١) بن حُبشيَّةَ بن سلُولِ بن كعبِ بن عَمرِو خُزاعةَ، ولأبيه ذُؤَيبٍ صُحبةٌ، وقد ذَكَرناهُ، وذَكَرنا الاختِلاف في خُزاعةَ، في كِتابِ "الصَّحابةِ" (٢) و "القبائل الرُّواةِ" (٣) .

  17. وماتَ قَبِيصةُ سنةَ سَبْع وثمانينَ، فيما قال يحيى بن مَعينٍ. وقال الواقِديُّ: مات قَبِيصةُ بن ذُؤَيبٍ سنةَ سِتٍّ وثمانينَ، في خِلافةِ عبدِ الملكِ بن مروانَ.

  18. وكان قَبِيصةُ مِمَّن قاتَلَ يومَ الحرَّةِ، حتَّى ذهَبَت عينُهُ، ويُكنى قَبِيصةُ: أبا إسحاقَ، كان من ساكِني المدينةِ، وكان مُعلِّم كُتّابٍ، ثُمَّ تحوَّل إلى الشّام، فصَحِبَ عبد الملكِ بن مَرْوانَ، وكان على خاتمِهِ، وكانَ (٤) إليه البريدُ، وعرضُ الكُتُبِ الوارِدةِ على عبدِ الملكِ عليه.

  19. وأمّا رِوايةُ مالكٍ لهذا الحديثِ، عن ابن شِهاب، عن عُثمانَ بن إسحاقَ بن خَرَشةَ، عن قَبِيصةَ بن ذُؤَيبٍ، فلم يُتابِعهُ أحدٌ على ذلكَ، إلّا أبو أُوَيسٍ، ولم يُجوِّدهُ، وجاءَ به على وَجْهِهِ غيرُهُما من بينِ أصحابِ ابن شِهاب.

    قال محمدُ بن يحيى الذُّهليُّ: حَدَّثَنَا إسماعيلُ بن أبانٍ الورّاقُ، قال: حَدَّثَنَا

    ج ٧ ص ٢٤١أبو أُوَيسٍ، قال: أخبرني محمدُ بن شِهاب، أنَّ عُثمانَ بن إسحاقَ بن خَرَشةَ حدَّثهُ، عن قَبِيصةَ بن ذُؤَيب: أنَّ الجَدَّةَ جاءَت إلى أبي بكرٍ الصدِّيقِ.

  20. ورواهُ مَعْمرٌ (١) ، ويُونُسُ بن يزيدَ، وأُسامةُ بن زيدٍ، وسُفيانُ بن عُيينةَ، فيما روى عنهُ ابن أبي شَيْبةَ (٢) كلُّهُم، عن ابن شِهاب، عن قَبِيصةَ بن ذُؤَيبٍ قال: جاءَتِ الجَدَّةُ إلى أبي بكرٍ الصدِّيقِ تَطلُبُ ميراثَها من ابن ابْنِها، أو ابن ابْنتِها. لَمْ يُدخِلُوا بينَ ابن شِهاب، وبين قَبِيصةَ أحدًا.

    وقال محمدُ بن يحيى: رواهُ ابن عُيينةَ، عن الزُّهْريِّ، عمَّن حدَّثهُ، عن قَبِيصةَ. ومرَّةً قال: سمِعتُ الزُّهريَّ يُحدِّثُ، عن رجُلٍ، عن قَبِيصةَ بن ذُؤَيب: أنَّ الجدَّةَ جاءَت إلى أبي بكرٍ. فذَكَرهُ (٣) .

    قال محمدُ بن يحيى: والحديثُ حديثُ مالكٍ، وأبي أُوَيسٍ، لإدْخالِهِما بين ابن شِهابٍ وقَبِيصةَ: عُثمان بن إسحاقَ بن خَرَشةَ (٤) .

    قال: وقد حدَّثني أبو صالح، قال: حدَّثني اللَّيثُ، قال: حدَّثني عبدُ الرَّحمنِ بن خالدٍ، عن ابن شِهاب، عن عُثمانَ بن إسحاقَ بن خَرَشةَ، عن قَبِيصةَ بن ذُؤَيب: أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ كان أوَّل من وَرَّث الجَدَّتينِ، وجمعَ بينهُما في الميراثِ. قال: وهذا مُختصرٌ من حديثِ مَعْمرٍ، ومالكٍ، وأبي أُويسٍ.

    قال أبو عُمر: أمّا حديثُ مَعْمر:

    ج ٧ ص ٢٤٢فحَدَّثَنَا خلَفُ بن سعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بن إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرَّزّاقِ، قال (١) : أخبرنا مَعْمرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن قَبِيصةَ بن ذُؤَيبٍ قال: جاءَتِ الجَدَّةُ إلى أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ تطلُبُ مِيراثها من ابن ابْنِها أو ابن ابْنتِها، لا أدري أيَّتُهُما هي، فقال أبو بكر: لا أجِدُ لكِ في الكِتابِ شيئًا، وما سَمِعتُ من رسُولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْضي لكِ بشيءٍ، وسأسألُ النّاس العَشِيَّةَ. فلمّا صلَّى الظُّهرَ، أقبَلَ على النّاسِ فقال: إنَّ الجَدَّةَ أَتَتْني تَسْألُني مِيراثها من ابن ابْنِها، أو ابن ابْنتِها، وإنِّي لَمْ أجِدُ لها في الكِتابِ شيئًا، ولم أسْمَع النَّبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْضي لها بشيءٍ، فهل سَمِعَ أحدٌ من رسُولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيها شيئًا؟ فقامَ المُغيرةُ بن شُعبةَ فقال: سمِعتُ رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْضي لها بالسُّدُسِ. فقال: هل سمِعَ ذلكَ معكَ أحدٌ، فقامَ محمدُ بن مَسْلمةَ، فقال: سمِعتُ رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقضي لها بالسُّدُسِ. فأعْطاها أبو بكرٍ السُّدُس. فلمّا كانت خِلافةُ عُمرَ جاءَتِ الجَدَّةُ التي تُخالِفُها، فقال عُمرُ: إنَّما كان القَضاءُ في غيرِكِ، ولكن إذا اجْتَمعتُما، فالسُّدُسُ بينكُما، وأيُّتكُما (٢) خَلَت به، فهُو لها.

  21. وكذلك رواهُ ابن المُباركِ، عن مَعْمرٍ، عن الزُّهْريِّ، عن قَبِيصةَ.

  22. وابنُ المُباركِ أيضًا، عن أُسامةَ بن زيدٍ، عن الزُّهْريِّ، عن قَبِيصةَ.

  23. وابنُ وَهْب، عن يُونُس بن يزيد، وأُسامةَ بن زيدٍ، أنَّهُما أخبراهُ عن ابن شِهاب، أنَّهُ أخبرهُم، عن قَبِيصةَ بن ذُؤَيبٍ الكعبيِّ هذا الحديث، بمعنَى حديثِ مالكٍ سَواءً (١) .

    قال أبو عُمر: في هذا الحديثِ من رِوايةِ مالكٍ وغيرِهِ من الفِقه: أنَّ القَضاءَ إلى الخُلفاءِ، أو إلى منِ اسْتُخلفُوهُ على ذلكَ، وجعلُوهُ إليهِ، وعِندَهُم تُطلبُ الحُقُوقُ حتَّى يُوصَل إليها.

    ج ٧ ص ٢٤٣
  24. وفيه دليلٌ على أنَّ أبا بكرٍ لَمْ يَكُن لهُ قاضٍ. وهذا أمرٌ لَمْ أعلم فيه خِلافًا.

  25. وقدِ اختُلِف في أوَّلِ منِ اسْتَقضَى، فذهَبَ العِراقيُّون إلى أنَّ أوَّل من اسْتَقضَى عُمرُ، وأنَّهُ بعثَ شُريحًا إلى الكُوفةِ قاضيًا، وبعثَ كعبَ بن سُورٍ (٢) إلى البَصْرةِ قاضيًا.

    قال مالكٌ: أوَّلُ من اسْتَقضَى مُعاويةُ (٣) .

  26. والكلامُ في هذا طويلٌ، وليسَ هذا موضِعَ ذِكرِهِ.

  27. وفيه: أنَّ الفَرائض في المَواريثِ لا يثبُتُ منها إلّا ما كانَ نصًّا في الكِتابِ والسُّنَّةِ.

  28. ولو استدلَّ مُستدِلٌّ بقولِ أبي بكرٍ وعُمرَ هذا، على أنَّ لا عِلمَ إلّا الكِتابُ والسُّنَّةُ، لجازَ لهُ ذلكَ، ولكن للعُلماءِ في القياسِ كلامٌ قد ذكرتُ منهُ ما يكفي في كِتابِ "العلم" .

  29. والاستِدلالُ الصَّحيحُ من قولِ أبي بكرٍ وعُمرَ للجَدَّة: ما لكِ في كِتابِ الله شيءٌ. على أنَّ الفَرائض والسِّهام في المواريثِ لا تُؤخذُ إلّا من جِهةِ نَصِّ الكِتابِ والسُّنَّةِ، استِدلالٌ صحيحٌ، ولا خِلافَ في ذلكَ بين العُلماءِ فأغْنَى عن الكلام فيه، إلّا أنَّهُم أجمعُوا: أنَّ فرضَ الجَدَّةِ والجدّاتِ السُّدُسُ، لا مزيدَ فيه بسُنَّةِ رسُولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، والفَرائضُ والسِّهامُ مأخُوذةٌ من كِتابِ الله عزَّ وجلَّ نصًّا، ما عدا الجَدَّةَ، فإنَّ فَرْضها بسُنَّةِ رسُولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، من نَقْلِ الآحادِ، على ما ذكَرْنا في هذا البابِ، ومن إجماع العُلماءِ، أنَّ رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضى بذلك، وقد قال رسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عامَ حجَّةِ الوداع: "إنَّ الله قد أعْطَى كلَّ ذي فَرْضٍ فرضَهُ، فلا وَصِيَّةَ لوارِثٍ" (١) . وفي هذا ما يدُلُّ على صِحَّةِ ما ذكَرْنا، وباللّه توفيقُنا.

    ج ٧ ص ٢٤٤
  30. واختلفَ العُلماءُ من الصَّحابةِ ومن بَعدهُم في تَوْريثِ الجَدّاتِ على ما أصِفُ لكَ، فكان زيدُ بن ثابتٍ يقولُ: سواءٌ كانتِ الجدَّةُ لأُمٍّ، أو لأبٍ، ميراثُها السُّدُسُ، فإنِ اجْتَمعتا، فالسُّدُسُ بينهُما، وكذلكَ إن كَثُرنَ لا يزِدنَ على السُّدُسِ، إذا تساوَيْنَ في القُعْدُدِ (٢) ، فإن قرُبتِ التي من قِبَلِ الأُمِّ، كان السُّدُسُ لها دُون غيرِها، وإن قرُبتِ التي من قِبَلِ الأبِ، كان السُّدُسُ بينها وبينَ التي من قِبَلِ الأُمِّ وإن بَعُدت، ولا ترِثُ من قِبَلِ الأُمِّ إلّا جدَّةٌ واحِدةٌ، ولا تَرِثُ الجدَّةُ أُمُ أبِ الأُمِّ على حالٍ، ولا يَرِثُ مع الأبِ أحدٌ من جَدّاتِهِ، ولا تَرِثُ جَدَّةٌ

    ج ٧ ص ٢٤٥وابنُها حَيٌّ، يعني الابن الذي جَرَّها إلى الميراثِ، فأمّا أن تكون جَدَّةٌ أُمَّ عمٍّ لأبٍ وأُمٍّ، فلا يَحجُبُها هذا الابنُ عن الميراثِ، ولا يَرِثُ أحدٌ من الجدَّاتِ مع الأُمِّ (١) . فهذا كلُّهُ قولُ زيدِ بن ثابتٍ.

  31. وبه يقولُ مالكٌ، والشّافِعيُّ، وأصحابُهُم، إلّا أنَّ مالكًا لا يُورِّثُ إلّا جدَّتيِنِ، أُمَّ أُمٍّ، وأُمَّ أبٍ، وأُمَّهاتِهِما (٢) .

  32. وهُو معنى قولِ سعدِ بن أبي وقّاصٍ، وذلكَ أنَّهُ كان يُوتِرُ بركعةٍ، فعابَهُ ابن مسعُودٍ، فقال: أتعيبُني أن أُوتِرَ برَكْعةٍ، وأنت تُورِّثُ ثلاثَ جدَّاتٍ (٣) .

    قال ابن أبي أُوَيس: سألتُ مالكًا عن اللَّتينِ تَرِثانِ، والثَّالِثةِ التي تُطرحُ وأُمَّهاتِها، فقال: اللَّتانِ تَرِثان: أُمُّ الأُمِّ، وأُمُّ الأبِ، وأُمَّهاتُهُما، إذا لَمْ يكونا، والثَّالِثةُ التي تُطرحُ: أُمِّ الجدِّ، أبِ الأبِ، وأُمَّهاتُها. قال ابن أبي أُوَيس: فأمّا أُمُّ أبِ الأُمِّ، فلا ترِثُ شيئًا (٤) .

  33. وكان الأوزاعيُّ لا يُورِّثُ أكثرَ من ثَلاثِ جدَّاتٍ، واحِدةٍ من قِبَلِ الأُمِّ، والاثْنَتينِ من قِبَلِ الأبِ. وهُو قولُ أحمد بن حَنْبل (٥) .

  34. ومن حُجَّةِ من ورَّثَ ثلاث جدَّاتٍ، ما حدَّثني محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن مُطرِّفٍ، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بن عُثمانَ، قال: حَدَّثَنَا يُونُسُ بن عبدِ الأعلى،

    ج ٧ ص ٢٤٦قال: حدَّثَنَا سُفيانُ بن عُيينةَ، عن منصُورٍ، عن إبراهيمَ: أنَّ النَّبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ورَّثَ ثلاث جدَّاتٍ، ثِنْتينِ من قِبَلِ الأبِ، وواحِدةً من قِبَلِ الأُمِّ (١) .

  35. وأمّا عليُّ بن أبي طالبٍ، فكانَ قولُهُ في الجدّاتِ كقَوْلِ زيدِ بن ثابتٍ، إلّا أنَّهُ كان يُورِّثُ الدُّنيا من قِبَلِ الأبِ، أَو من قِبَلِ الأُمِّ، ولا يُشرِكُ مَعَها من ليس في قُعدُدِها (٢) .

  36. وبه يقولُ الثَّوريُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهُ، وأبو ثورٍ (٣) .

  37. وأمّا عبدُ الله بن مسعُودٍ، وابنُ عبّاسٍ (٤) ، فكانا يُورِّثانِ الجَدّاتِ الأرْبَع.

  38. وهُو قولُ الحَسَنِ (٥) ، وابنِ سيرين (٦) ، وجابرِ بن زيدٍ (٧) .

  39. وروى حمّادُ بن سلمةَ، عن حجّاج، عن سُليمانَ الأعمشِ، عن إبراهيمَ، أنَّ عبد الله بن مسعُودٍ قال: تَرِثُ الجدّاتُ الأربعُ، قَرُبن أو بَعُدن.

  40. وحمّادُ بن سلمةَ، عن لَيْثٍ، عن طاوُوسٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: تَرِثُ الجدَّاتُ الأرْبَعُ (٨) .