ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر حديث واحد متصل

٤٤ فقرة، ج ٧ ص ٢٥٦

الصفحة ١ من ٢

  1. وهُو أبو بكر (١) بن عُبيدِ الله بن عبدِ الله بن عُمر بن الخطّابِ، ثِقةٌ شريفٌ، لَمْ يَرْوِ عنهُ ابن شِهابٍ غير هذا الحديثِ الواحِدِ، ومما أحسبُهُ روى عنهُ غيرُ ابن شِهابٍ.

    ج ٧ ص ٢٥٦
  2. وأبو بكرٍ هذا، هُو والِدُ خالدِ بن أبي بكرٍ، النَّسّابةِ المُحدِّثِ المدنيِّ، شيخ ابن وَهْب، ويُقالُ: إنَّ اسمَ أبي بكرٍ هذا: القاسِمُ، وقيل: بلِ القاسِمُ أخُوهُ، فاللّهُ أعلمُ فإن كان أبو بكرٍ هذا هُو القاسِم، فقد روى عنهُ عُمرُ بن محمدِ بن زيدِ بن عبدِ الله بن عُمر أيضًا، فاللّهُ أعلمُ.

  3. وقد روى الزُّهْريُّ أيضًا، عن عُبيدِ الله بن عبدِ الله بن عُمر، والِدِ أبي بكرٍ هذا، وروى عن عبدِ الله بن عبدِ الله بن عُمر، وعن سالم بن عبدِ الله بن عُمر، وعن حمزةَ بن عبدِ الله بن عُمر.

  4. ولعبدِ الله بن عُمرَ بنُون، لَمْ يروِ عنهُمُ الزُّهْريُّ، منهُم: بلالُ بن عبدِ الله بن عُمر، وواقِدُ بن عبدِ الله بن عُمر، وزيدُ بن عبدِ الله بن عُمر.

  5. وهؤُلاءِ بنُو عبدِ الله بن عُمر، فأُمُّ سالم، وعُبيدِ الله، وحمزةَ واحِدةٌ، أُمُّ ولدٍ، وأُمُّ عبدِ الله بن عبدِ الله بن عُمرَ: صفيَّةُ بنتُ أبي عُبيدِ بن مسعُودٍ الثَّقفيِّ، وإلى عبدِ الله هذا أوْصَى أبوهُ ابن عُمر، ولم يُوصِ إلى سالم، وكان عبدُ الله بن عُمر يُدارُ على أنَّ لا يُوصي إليه، فقال:

    يُديرُونَني في سالمٍ وأُديرُهُم ... وجِلدةُ بين الأنفِ والعينِ سالمُ

    ولأبي بكرٍ شيخ ابن شِهابٍ هذا، أخٌ يُقالُ لهُ: القاسِمُ بن عُبيدِ الله بن عبدِ الله بن عُمرَ، على اختِلافٍ في ذلكَ، وأخٌ ثانٍ ويُقالُ لهُ: أبو سَلَمةَ بن عُبيدِ الله بن

    ج ٧ ص ٢٥٧عَبدِ الله بن عُمر، رُوي عنهُ الحديث أيضًا، وفي ولدِ أبي سلمةَ هذا قُضاةٌ، وأُمراءُ بالمدينةِ، وأخٌ ثالِثٌ يُسمَّى: عبد العزيزِ بن عُبيدِ الله بن عبدِ الله بن عُمرَ.

    وقال العدويُّ: شرفُ بيتِ عبدِ الله بن عُمر، وذِكرُهُم في عُبيدِ الله بن عبدِ الله بن عُمر، وولِدِهِ.

    قال أبو عُمر: من حديثِ عُبيدِ الله بن عبدِ الله بن عُمر، والِدِ أبي بكرٍ هذا، عن أبيهِ (١) ابن عُمر، عن النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حديثُ القُلَّتينِ (٢) . من حَديثِ عاصِم بن المُنذِرِ، وغيرِهِ عنهُ.

  6. ومن حديثِ عُبيدِ الله بن عبدِ الله بن عُمر، والِدِ أبي بكرٍ هذا، عن أبيهِ ابن عُمر، عن النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "من جاءَ منكُمُ الجُمُعةَ فَلْيغتسِل" ، من حديثِ ابن شِهابٍ أيضًا (٣) .

  7. مالكٌ (١) ، عن ابن شِهاب، عن أبي بكر بن عبدِ الله (٢) بن عبدِ الله بن عُمر، عن ابن عُمر، أنَّ رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إذا أكَلَ أحدُكم فليأكُلْ بيمينِهِ، وليَشْرَبْ بيمينِهِ، فإنَّ الشَّيطانَ يأكُلُ بشِمالِهِ، ويشربُ بشِمالِهِ" .

    ج ٧ ص ٢٥٨
  8. هكذا قال يحيى: عن مالكٍ، عن ابن شِهاب، عن أبي بكر بن عبدِ الله بن عبدِ الله بن عُمر.

  9. وهُو وهمٌ وغلطٌ لا شَكَّ عندَ أحدٍ من أهلِ العِلم، والآثارِ، والأنسابِ، والصَّحيحُ أنَّهُ أبو بكر بن عُبيدِ الله، على حَسَبِ ما قدَّمنا ذِكْرهُ، لا يختلِفُونَ في ذلكَ، وكذلكَ قال جماعةُ أصحابِ مالكٍ عنهُ في هذا الحديثِ، وجَماعةُ أصحابِ ابن شِهاب، منهُمُ: ابن عُيينةَ (٣) ، وعُبيدُ الله بن عُمرَ، وعبدُ الرَّحمنِ بن إسحاقَ.

  10. ومن قال فيه: عن أبي بكر بن عبدِ الله، فقد أخطأ.

    وقال ابن بُكيرٍ في هذا الحديثِ: عن مالكٍ، عن ابن شِهاب، عن أبي بكر بن عُبيدِ الله بن عَبدِ الله بن عُمر، عن أبيهِ، عن ابن عُمر.

  11. ولم يُتابِعهُ أحدٌ من أصحابِ مالكٍ على ذلكَ فيما عَلِمتُ، وإنَّما يجعلُون الحديث لأبي بكر بن عُبيدِ الله، عن جدِّهِ، لا يقولونَ فيه: عن أبيهِ، كما قال ابن بُكيرٍ (٤) .

    ورواهُ إبراهيمُ بن طَهْمان، عن مالكٍ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي بكر بن عُبيدِ الله بن عُمرَ، عمَّن حدَّثهُ، أنَّهُ سمِعَ ابن عُمر، قال: قال رسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إذا أكلَ أحدُكُم ... " فذكرهُ سواءً.

    ج ٧ ص ٢٥٩قال الدّارقُطنيُّ (١) : رَوَى هذا الحديث عُمرُ بن محمدِ بن زيدٍ، عن القاسم بن عُبيدِ الله بن (٢) عبدِ الله بن عُمر (٣) . وهُو أبو بكرٍ (٤) الذي روى عنهُ الزُّهْريُّ، وقال: عن سالم، عن ابن عُمرَ. فأشْبَهُ أن يكونَ قولُ إبراهيمَ بن طهمانَ لهُ وجهٌ، واللّه أعلمُ.

  12. واختُلِفَ في ذلكَ عن ابن شِهابٍ أيضًا بعضُ الاختِلافِ، والصحيحُ أنَّهُ لأبي بكرٍ بن عُبيدِ الله، عن جدِّهِ، لأَنَّ أكثرَ أصحابِ مالكٍ يقولونَ ذلكَ، وكذلكَ قال ابن عُيينةَ، وعُبيدُ الله (٥) بن عُمرَ.

  13. وغيرُ مُسْتَنكرٍ أن يرويهُ أبو بكرٍ هذا، عن جدِّهِ عبدِ الله بن عُمرَ، وقد روى عن عبدِ الله بن عُمرَ من حَفَدتِهِ: محمدُ بن زيدِ بن عبدِ الله بن عُمر، وعبدُ الله بن واقدِ بن عبدِ الله بن عُمر، وروى عنهُ من دُونِ هؤُلاءِ في السِّنِّ (٦) .

  14. وقد روى هذا الحديث: مَعْمر، عن الزُّهْريِّ، عن سالم، عن ابن عُمرَ. وأخْشَى أن يكونَ خطأً، من مَعْمرٍ، لأنَّهُ لَمْ يروِهِ غيرُهُ (١) ، ولا يُحفظ هذا الحديثُ من حديثِ الزُّهْريِّ، عن سالم، ولو كانَ عندَ الزُّهْريِّ عن سالم، ما حدَّثَ به عن أبي بكرٍ، واللّه أعلمُ. وهُو مِمّا حدَّثَ به مَعْمر باليمنِ، وبالبصرةِ، لأنَّهُ رواهُ عنهُ عبدُ الأعلى (٢) ، وعبدُ الرَّزّاقِ، وسعيدُ بن أبي عَرُوبةَ (٣) .

    ج ٧ ص ٢٦٠
  15. حَدَّثَنَا خلفُ بن سعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بن إبراهيمَ، قال: أخبرنا عبدُ الرَّزّاقِ (٤) ، عن معمرٍ،

    ج ٧ ص ٢٦١عن الزُّهْريِّ (١) ، عن سالم، عن ابن عُمرَ قال: قال رسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إذا أكَلَ أحدُكُم فليأكُلْ بيَمينِهِ، وإذا شرِبَ فلْيَشْرَبْ بيمينِهِ، فإنَّ الشَّيطانَ يأكُلُ بشمالِهِ، ويشربُ بشِمالِهِ" .

  16. وقد روى هذا الحديث معمرٌ، عن مالكٌ:

    فيما حَدَّثَنَا خلفُ بن قاسِم، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن عبدِ الله بن زَكَريّا بن حَيُّويةَ (٢) ، قال: حَدَّثَنَا العبّاسُ بن محمدٍ البصريُّ، قال: حَدَّثَنَا سلَمةُ بن شبيبٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرَّزّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمر، عن مالكٍ، عن ابن شِهاب، عن أبي بكر بن عُبيدِ الله بن عُمر، عن عبدِ الله بن عُمر، عن النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فذكرهُ.

    قال أبو عُمر: الصَّوابُ في إسْنادِ هذا الحديثِ: الزُّهْريُّ، عن أبي بكر بن عُبيدِ الله بن عبدِ الله بن عُمرَ، عن جَدِّهِ عبدِ الله بن عُمرَ، واللّه أعلمُ.

  17. وإن صحَّ حديثُ مَعْمرٍ، عن الزُّهْريِّ، عن سالم، فهُو إسنادٌ آَخرُ.

  18. حَدَّثَنَا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن مُطرِّفٍ، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بن عُثمانَ، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بن إسماعيل الأيليُّ العُثمانيُّ، قال: حَدَّثَنَا سُفيانُ بن عُيينةَ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي بكر بن عُبيدِ الله بن عبدِ الله بن عُمرَ، عن جدِّهِ عبدِ الله بن عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إذا أكلَ أحدُكُمْ، فليأكُلْ بيمينِهِ، وإذا شرِبَ فليشرَبُ بيمينِهِ، فإنَّ الشَّيطانَ يأكُلُ بشِمالِهِ، ويشربُ بشِمالِهِ" (٣) .

  19. وكذلكَ رواهُ عليُّ بن المدينيِّ (١) ، والحُميديُّ (٢) ، ومُسدَّدٌ، وابنُ المُقرِيّ، وغيرُهُم، عن ابن عُيينةَ.

    ج ٧ ص ٢٦٢
  20. حَدَّثَنَا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حَدَّثَنَا مُسدَّدٌ، قال؛ حَدَّثَنَا يحيى بن سعيدٍ، قال: حدَّثني عُبيدُ الله بن عُمرَ، قال: حدَّثني الزُّهْريُّ، عن أبي بكر بن عُبيدِ الله بن عبدِ الله بن عُمرَ، عن عبدِ الله بن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لا يأكُل أحدُكُم بشِمالِهِ، ولا يشرَبْ بشِمالِهِ" (٣) .

  21. وبهذا الإسْنادِ عن مُسدَّدٍ، قال: حَدَّثَنَا بشرُ بن المُفضَّلِ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرَّحمنِ بن إسحاقَ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي بكر بن عُبيدِ الله بن عبدِ الله بن عُمرَ، قال: قال عبدُ الله بن عُمر: قال رسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "كُلُوا بأيمانِكُم، واشرَبُوا بأيمانِكُم، فإنَّ الشَّيطانَ يأكُلُ بشِمالِهِ، ويشربُ بشِمالِهِ" .

  22. وفي هذا الحديثِ أدبُ الأكلِ والشُّربِ، ولا يجُوزُ لأحَدٍ أن يأكُل بشِمالِهِ، ولا أن يشرَبَ بشِمالِهِ، لنَهْي رسُولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ذلكَ.

  23. وفي أمْرِهِ عليه السَّلامُ بالأكلِ باليمينِ، والشُّربِ بها، نَهْيٌ عن الأكلِ بالشِّمالِ، والشُّربِ بها، لأنَّ الأمْرَ يَقْتضي النَّهي عن جَميع أضْدادِهِ، فمن أكَلَ بشِمالِهِ، أو شرِبَ بشِمالِهِ، وهُو بالنَّهي عالِمٌ، فهُو عاصٍ للّه، ولا يحرُمُ عليه مع ذلكَ طَعامُهُ ذلكَ ولا شرابُهُ، لأنَّ النَّهي عن ذلكَ نهيُ أدبٍ، لا نهيُ تحريم، والأصلُ في النَّهي أنَّ

    ج ٧ ص ٢٦٣ما كانَ لي مِلكًا، فنُهيتُ عنهُ، فإنَّما النَّهيُ عنهُ تأدُّبٌ، وندبٌ إلى الفَضْلِ والبِرِّ، وإرْشادٌ إلى ما فيه المَصْلحةُ في الدُّنيا، والفضلُ في الدِّينِ، وما كان لغيري، فنُهيتُ عنهُ، فالنَّهيُ عنهُ نهيُ تحريم وتحظيرٍ، واللّه أعلمُ.

  24. وقد جاءَتِ السُّنَّةُ المُجتمعُ عليها، أنَّ اليمين للأكْلِ والشُّربِ، والشِّمال للاسْتِنجاءِ، ونَهَى رسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يُسْتَنجى باليمينِ (١) . كما نَهَى أن يُؤكَلَ أو يُشرَبَ بالشِّمالِ.

  25. وما عدا الأكْلَ والشُّرب والاسْتِنجاءَ، فبأيِّ يَدَيهِ فعَلَ الإنسانُ ذلكَ، فلا حرجَ عليه، إلّا أنَّ التَّيامُنَ كان رسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحِبُّهُ في الأمرِ كلِّهِ، فيَنْبغي للمُؤمنِ أن يُحِبَّ ذلكَ، ويرغَبَ فيهِ، ففي رسُولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الأُسوةُ الحسَنةُ على كلِّ حالٍ.

  26. حَدَّثَنَا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى وأحمد بن فَتْح، قالا (٢) : حَدَّثَنَا حمزةُ بن محمدٍ، قال: أخبرنا القاسِمُ بن اللَّيثِ، قال: أخبرنا هشامُ بن عمّارٍ، قال: حَدَّثَنَا هِقلُ بن زيادٍ، قال: حَدَّثَنَا هُشامٌ، عن يحيى بن أبي كَثيرٍ، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إذا أكَلَ أحدُكُم فليأكُل بيَمينِهِ، وليَشْرَبْ بيمينِهِ، وليأخُذ بيَمينِهِ، وليُعطِ بيمينِهِ، فإنَّ الشَّيطانَ يأكُلُ بشِمالِهِ، ويشرَبُ بشِمالِهِ، ويُعطي بشِمالِهِ، ويأخُذُ بشِمالِهِ" (٣) .

  27. وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ الشَّياطينَ يأكُلُونَ ويشربُونَ.

  28. والشَّيطانُ المقصُودُ إلى ذِكرِهِ في هذا الحديثِ من الجِنِّ، جِنسٌ من أجْناسِهِم، نحو قولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ} [الشعراء: ٢١٠، ٢١١] ومِثلُهُ كثيرٌ.

    ج ٧ ص ٢٦٤
  29. وقد يكونُ الشَّيطانُ من الإنسِ، على طريقِ اتِّساع اللُّغةِ، كما قال الله عزَّ وجلَّ: {شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ} [الأنعام: ١١٢] ، وإنَّما قيل لهؤلاءِ شياطينُ، لبُعدِهِم من الخيرِ، من قولِ العربِ: نوًى شطُونٌ. أي: بعيدةٌ، قال جريرٌ (١) :

    أيام يدعُونني الشَّيطان من غَزَلي ... وكُنَّ يَهْوَيْنَني إذ كُنتُ شيطانا

    وقال منظُورُ بن رَواحةَ (٢) :

    فلمّا أتاني ماتقولُ ترقَّصَتْ ... شياطينُ رأسي وانْتَشَيْنَ من الخمرِ

    وقال ابنُ ميادةَ (٣) :

    فلمّا أتاني ما تقولُ مُحارِبٌ ... تَغَنَّت (٤) شياطيني وجُنَّ جُنُونُها

    وقال أبو النَّجم (٥) :

    إنِّي وكلُّ شاعرٍ من البَشَرْ

    شَيْطانُهُ أُنثى وشَيْطاني ذَكَرْ

    ولا خِلافَ أنَّها لشياطينِ الجِنِّ، أو من الجِنِّ، اسْمٌ لازِمٌ لهم من أسمائهِم للصّالِح منهُم والطّالِح، فأغْنَى ذلكَ عن الإكثارِ، والأسماءُ لا تؤخذُ قياسًا، فإنَّما هي على حِسَبِ (٦) ما عَلَّمها الله آدم - عَلَيْهِ السَّلَامْ - أسماءٌ، عَلاماتٍ للمُسمَّياتِ.

  30. وقد حمَلَ قَوْمٌ هذا الحديث، وما كان مِثلهُ على المَجازِ، فقالوا في قولِهِ: "إنَّ الشَّيطانَ يأكُلُ بشِمالِهِ" .

    ج ٧ ص ٢٦٥
  31. أي (١) : أنَّ الأكلَ بالشِّمالِ أكلٌ يُحِبُّهُ الشَّيطانُ، كما قال في الحُمْرةِ: "زينةُ الشَّيطانِ" (٢) . وفي الاقْتِعاطِ (٣) بالعِمامةِ: "عِمامةُ الشَّيطانِ" (٤) . أي: أنَّ الحمرةَ، ومِثلَ تِلكَ العِمَّةِ، يُزِّينُها الشَّيطانُ، ويدعُو إليها، وكذلكَ يدعُو إلى الأكلِ بالشِّمالِ، ويُزيِّنه.

  32. وهذا عِندي ليسَ بشيءٍ، ولا معنى لحَمْلِ شيءٍ من الكلام على المَجازِ، إذا أمكنت فيه الحقيقةُ بوجهٍ ما.

    وقال آخرُونَ: أكلُ الشَّيطانِ صحيحٌ، ولكنَّهُ تَشمُّمٌ، واسْتِرواحٌ، لا مَضْغٌ، ولا بلعٌ، وإنَّما المضغُ والبَلْعُ لذوي الجُثثِ، ويكونُ اسْتِرواحُهُ وشمُّهُ، من جِهةِ شِمالِهِ، ويكونُ بذلكَ مُشارِكًا في الماله.

    قال أبو عُمر: أكثرُ أهلِ العِلم بالتَّأويلِ، يقولون في قولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ} قالوا: الإنفاقُ في الحرام {وَالْأَوْلَادِ} [الإسراء: ٦٤] قالوا: الزِّنا.

  33. ومن الدَّليلِ على أنَّ الشَّياطينَ من الجِنِّ، يأكُلُونَ ويشربُونَ:

    قولُهُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في العَظْم والرَّوثةِ، في حديثِ الاستِنجاءِ: "هي زادُ إخوانِكُم من الجِنِّ" (٥) .

  34. وفي غيرِ هذا الحديثِ: إنَّ طعامهُم ما لَمْ يُذكَرِ اسمُ الله عليه، وما لَمْ يُغسل من الأيدي والصِّحافِ، وشرابُهمُ الجَدَفُ (١) . وهي الرَّغوةُ والزَّبدُ.

    ج ٧ ص ٢٦٦
  35. وهذه أشياءُ لا تُدركُ بعَقْلٍ، ولا تُقاسُ على أصلٍ، وإنَّما فيها التَّسليمُ لمن آتاهُ الله من العِلم ما لَمْ يُؤتِنا، وهُو نبيُّنا - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

  36. وفي هذا الحديثِ، حديثِ ابن عُمر المذكُورِ في هذا البابِ ما يرفعُ الإشكال، قولُهُ: "إنَّ الشَّيطانَ يأكُلُ بشِمالِهِ، ويشربُ بشِمالِهِ" . ويُحتملُ أن يكونَ الجِنُّ كلُّهُم يأكُلُونَ ويشربُونَ، ويُحتملُ أن يكونَ كذلك بعضُهُم جِنسٌ منهُم.

  37. وحَدَّثَنَا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن عبدِ السَّلام الخُشنيُّ، قال: حَدَّثَنَا المُسيَّبُ بن واضِح السُّلميُّ، قال: حَدَّثَنَا الحكمُ بن محمدٍ الطَّبَريُّ (٢) ، عن عبدِ الصَّمدِ بن مَعْقِلٍ، قال: سمِعتُ وَهْب بن مُنبِّهٍ يقولُ، وسُئلَ عن الجِنِّ ما هُم، وهل يأكُلُونَ ويشربُونَ، ويمُوتُونَ، ويتناكحُونَ؟ قال: هُمْ أجْناسٌ، فأمّا الذين هُم خالِصُ الجِنِّ، فهُم ريحٌ لا يأكُلُونَ، ولا يَشْربُونَ، ولا يتوالدُونَ، ومنهُم أجْناسٌ يأكُلُونَ ويشربُونَ، ويَتَناكحُونَ ويتوالدُونَ، ويمُوتُون، ومنهُمُ السَّعالى، والغُولُ، والقطُربُ، وأشباهُ ذلكَ (٣) .

  38. فهذا وَهْبُ بن مُنبِّهٍ قد قال ما تري، واللّه أعلمُ.

  39. ولأهل الكلام وغيرِهِم أقاويلُ في إدراكِ الجِنِّ بالأبصارِ، وفي دُخُولِهِم في الإنسانِ، وهل هُم مُكلَّفُونَ، أو غيرُ مُكلَّفين، ليسَ بنا حاجةٌ إلى ذِكرِ شيءٍ من ذلكَ في كِتابِنا هذا، لأنَّهُ ليسَ بموضِع ذلكَ.

    ج ٧ ص ٢٦٧
  40. وهُم عندَ الجماعةِ مُكلَّفُونَ مُخاطَبُونَ، لقولِهِ تعالى: {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ} [الأنعام: ١٣٠] ، وقولِهِ تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: ٣٤] ، وقولِهِ: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ} [الرحمن: ٣١] ، وقولِهِ: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ} [الرحمن: ٥٦] .