ابن شهاب، عن رجل من آل خالد بن أسيد حديث واحد

٩٤ فقرة، ج ٧ ص ٣١٧

الصفحة ١ من ٣

  1. مالكٌ (١) ، عن ابن شِهاب، عن رجُلٍ من آل خالدِ بن أسِيدٍ، أنَّهُ سألَ عبدَ الله بن عُمرَ، فقالَ: يا أبا عبدِ الرَّحمنِ إنّا نجِدُ صلاةَ الخوفِ، وصلاةَ الحَضَرِ في القُرآنِ، ولا نجدُ صَلاةَ السَّفرِ؟ فقال ابن عُمرَ: يا ابن أخي، إنَّ الله بعثَ إلينا محمدًا - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ولا نعلَمُ شيئًا، فإنَّما نفعلُ كما رأيناهُ يفعَلُ.

    ج ٧ ص ٣١٧
  2. هكذا رواهُ جماعةُ الرُّواةِ (٢) عن مالكٍ، ولم يُقِم مالكٌ إسنادَ هذا الحديثِ أيضًا، لأنَّهُ لَمْ يُسمِّ الرَّجُل الذي سألَ ابن عُمر، وأسقَطَ من الإسنادِ رجُلًا، والرَّجُلُ الذي لَمْ يُسمِّهِ، هُو أُميَّةُ بن عبدِ الله بن خالدِ بن أسِيدِ بن أبي العيصِ بن أُميَّةَ بن عبدِ شَمْسِ بن عبدِ مَنافٍ.

  3. وهذا الحديثُ يرويهِ ابن شِهاب، عن عبدِ الله بن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ بن الحارِثِ بن هشام، عن أُميَّةَ بن عبدِ الله بن خالدِ (٣) بن أسِيدٍ، عن ابن عُمر.

  4. كذلك رواهُ مَعْمرٌ، واللَّيثُ بن سعدٍ، ويونُسُ بن يزيدَ، من غيرِ رِوايةِ ابن وَهْبٍ.

    وقال ابن وَهْب: عن يُونُسَ، عن ابن شِهاب، عن عبدِ الملكِ بن أبي بكرٍ، عن أُميَّةَ بن عبدِ الله بن خالدٍ (٤) . فجعَلَ موضِع عبدِ الله بن أبي بكرٍ: عبد الملكِ بن أبي بكرٍ، فغلِطَ، ووهِمَ.

  5. ولابنِ شِهاب، عن عبدِ الملكِ بن أبي بكرٍ غيرُ هذا الحديثِ روى عنهُ، عن أبي هُريرةَ، قولُهُ: إنِّي لأُصلِّي في الثَّوبِ الواحِدِ، وإنَّ ثيابي لعَلَى المِشْجَبِ (١) . ورِوايةُ ابن شِهاب، عن أيِّهما (٢) لا تُجهلُ.

    ج ٧ ص ٣١٨
  6. فأمّا حديثُ مَعْمرٍ، فذكر عبدُ الرَّزّاقِ، قال (٣) : أخبرنا مَعْمرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن عبدِ الله بن أبي بكرٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أُميَّةَ بن عبدِ الله، أنَّهُ قال لابنِ عُمرَ: هذه صلاةُ الخَوْفِ، وصلاةُ الحَضَرِ في القُرآنِ، ولا نَجِدُ صلاةَ المُسافرِ؟ فقال ابن عُمرَ: بعَثَ الله إلينا نبيَّهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، ونحنُ أجْفَى النّاسِ، نصنعُ كما صنَعَ رسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

  7. هكذا في كِتابِ عبدِ الرَّزّاقِ: عبدُ الله بن أبي بكرٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أُميَّةَ. وإنَّما هُو: عبدُ الله بن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أُميَّةَ بن عبدِ الله. وهُو من غلطِ الكاتِبِ، واللّه أعلمُ.

  8. وإنَّما قُلنا: إنَّ ذلكَ في كِتابِ عبدِ الرَّزّاقِ، لأنَّا وجدناهُ في كِتابِ الدَّبَريِّ وغيرِهِ عنهُ كذلكَ، وكذلكَ ذكَرهُ الذُّهليُّ محمدُ بن يحيى، وقال: لا أدري هذا الوَهْمُ أمنْ مَعْمرٍ جاءَ، أم من عبدِ الرَّزّاقِ؟

    قال أبو عُمر: هُو عِندي من كِتابِ عبدِ الرَّزّاقِ، واللّه أعلمُ (٤) .

  9. وأخبرنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن سعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن زبّانَ، قال؛ حَدَّثَنَا محمدُ بن رُمح، قال: أخبرنا اللَّيثُ بن سعدٍ، قال: أخبرنا ابن شِهاب، عن عبدِ الله بن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أُميَّةَ بن عبدِ الله بن خالدِ بن أسِيدٍ، أنَّهُ قال لعبدِ الله بن عُمر: إنّا نَجِدُ صلاةَ الحَضَرِ، وصلاةَ الخَوْفِ في القُرآنِ، ولا نجِدُ صلاةَ السَّفرِ؟ فقال ابن عُمرَ: إنَّ الله تعالى بعَثَ إلينا محمدًا - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ونحنُ لا نعلمُ شيئًا، فإنَّما نَفْعلُ كما رأيناهُ يفعلُ (١) .

    ج ٧ ص ٣١٩
  10. وأخبرنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بن أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا مُطّلِبُ بن شُعيبٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بن صالح، قال: حدَّثني اللَّيثُ، قال: حدَّثني يُوُنسُ، عن ابن شِهاب، أنَّ عبد الله بن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ أخبرَهُ، أنَّ (٢) أُميَّةَ بن عبدِ الله بن خالدِ بن أسِيدٍ أخبرَهُ: أنَّهُ سألَ عبد الله بن عُمر. فذكرهُ (٣) .

  11. وذكَرَ النَّيسابُوريُّ قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن شَبِيبِ بن سعيدٍ، مولى الحَبَطةِ (٤) قال: حدَّثني أبي، عن يُوُنس، عن ابن شِهابٍ قال: أخبرني عبدُ الله بن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ بن الحارِثِ، أنَّ أُميَّةَ بن عبدِ الله بن خالدِ بن أسِيدٍ، أخبرَهُ، أنَّهُ سألَ عبد الله بن عُمرَ. بهذا الخبرِ.

    ج ٧ ص ٣٢٠قال أبو عُمر: أُميَّةُ بن عبدِ الله بن خالدِ بن أسِيدٍ، كان عامِلًا لعبدِ الملكِ بن مروانَ على خُراسانَ، ولهُ إخوةٌ كثيرةٌ، ذكرهُم أهلُ النَّسبِ، ومن أعمامِهِ من يُسمَّى أُميَّةَ بن خالدٍ، ولخِالدِ بن أسِيدٍ جدِّهِ بنُونَ كثيرٌ أيضًا، أسنُّهُم عبدُ الرَّحمنِ بن خالدٍ.

  12. في هذا الحديثِ من الفِقهِ: أنَّ قَصْرَ الصَّلاةِ في السَّفرِ من غيرِ خوفٍ، سُنَّةٌ لا فَرِيضةٌ، لأنَّها لا ذِكرَ لها في القُرآنِ، وإنَّما القَصْرُ المذكُورُ في القُرآنِ إذا كان سفَرًا، وخوفًا، واجتمعا جميعًا، قال الله عزَّ وجلَّ: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: ١٠١] . فلم يُبحِ القَصْرُ إلّا مع هذينِ الشَّرطَيْنِ.

  13. ومِثلُهُ في القُرآنِ، قولُهُ عزَّ وجلَّ: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} يعني الحَرائِرَ {فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ .... } إلى قوله {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ} [النساء: ٢٥] فلم يُبح نِكاحُ الإماءِ، إلّا بعدَم الطَّولِ إلى الحُرَّةِ، وخَوْفِ العَنَتِ جميعًا.

    ثُمَّ قال عزَّ وجلَّ: {فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [النساء: ١٠٣] أي: فأتِمُّوا الصَّلاةَ، فَهذه صلاةُ الحَضَرِ.

  14. وقد تقدَّمت صلاةُ الخَوْفِ (١) مع السَّفرِ، وقد نَصَّ عليهما جميعًا القُرآنُ، وقَصَرَ رسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلاةَ من أربع، إلى اثنتينِ، إلّا المغرِبَ، في أسفارِه كلِّها، آمنًا لا يخافُ إلّا الله تعالى، فكان ذلكَ منهُ سُنّةً مسنُونةً - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، زيادةً منهُ في أحكام الله، كسائرِ ما سنَّهُ وبَيَّنهُ، مِمّا ليسَ لهُ في القُرآنِ ذِكرٌ، مِمّا لو ذكَرْنا بعضهُ، لطالَ

    ج ٧ ص ٣٢١الكِتابُ بذِكرِهِ، وهُو ثابِتٌ عندَ أهلِ العِلم، أشْهَرُ من أن يُحتاج فيه إلى القولِ في غيرِ موضِعِهِ.

  15. فحديثُ ابن عُمرَ في هذا البابِ، قولُهُ: إنَّما نَفْعلُ كما رأينا رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يفعلُ. مع حديثِ عُمر، حيثُ سألَ رسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، عن القَصْرِ في السَّفرِ، من غيرِ خوفٍ، فقال لهُ: "تِلكَ صَدَقةٌ تصدَّق الله تعالى بها عليكُم، فاقبَلُوا صَدَقتهُ" . يدُلّانِ على أنَّ الله عزَّ وجلَّ قد يُبيحُ في كِتابِهِ الشَّيءَ بشرطٍ، ثُمَّ يُبيحُ ذلكَ الشَّيءَ على لسانِ رسُولِهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بغيرِ ذلكَ الشَّرطِ، أَلَا تَرَى أنَّ القُرآن إنَّما أباحَ القَصْرَ لمن كانَ خائفًا ضارِبًا في الأرضِ، وأباحَهُ رسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آمنًا.

  16. والدَّليلُ على أنَّ قصرَ الصَّلاةِ في السَّفرِ من غيرِ خوفٍ، سُنَّةٌ مسنُونةٌ، مع ما تقدَّمَ من حديثِ هذا البابِ:

    ما حَدَّثَنَا عبدُ الله، قال: حَدَّثَنَا محمدِ بن بكرٍ (١) ، قال: حَدَّثَنَا أبو داود، قال (٢) : حَدَّثَنَا أحمدُ بن حَنْبل ومُسدَّدٌ، قالا: حَدَّثَنَا يحيى بن سعيدٍ، عن ابن جُرَيج، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن أبي عمّارٍ، عن عبدِ الله بن بابَيْهِ، عن يعْلَى بن أُميَّةَ قال: قلتُ لعُمرَ بن الخطّابِ: إقْصارُ النّاسِ الصَّلاةَ اليومَ، وإنَّما قال الله عزَّ وجلَّ: {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: ١٠١] فقد ذهَبَ ذلكَ، فقال:

    ج ٧ ص ٣٢٢عَجِبتُ مِمّا عجِبت منهُ، فذكرتُ ذلكَ لرسُولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: "صَدَقةٌ تصدَّقَ الله بها عليكُم، فاقبلُوا صَدَقتهُ" .

    قال أبو داود (١) : وحَدَّثَنَا خُشَيشُ بن أصْرَمَ، حَدَّثَنَا عبدُ الرَّزّاقِ، عن ابن جُرَيج، فذكَرَ بإسنادِهِ مِثلهُ.

    قال عليُّ بن المدينيِّ: عبدُ الرَّحمنِ بن أبي عمّارٍ، وعبدُ الله بن بابيهِ، مكِّيّانِ ثِقَتانِ.

    قال أبو عُمرَ: اختُلِف على عبدِ الرَّزّاقِ في اسم ابن أبي عمّارٍ، فرَوَى عنهُ خُشيشُ بن أصرم، أنَّهُ قال فيهِ، كما قال يحيى بن سعيدٍ القطّانُ: عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن أبي عمّارٍ، فيما ذكَرَ أبو داود.

  17. وقد رُوي عن عبدِ الرَّزّاقِ، أنَّهُ قال فيه: عن ابن جُرَيج، عن عبدِ الله بن أبي عمَّارٍ (٢) . وكذلك (٣) قال فيه محمدُ بن بكرٍ البُرساني (٤) ، وأبو عاصم النَّبيلُ (٥) ، وحمّادُ بن مسعدةَ (٦) ، عن ابن جُرَيج، قال: سمِعتُ عبد الله بن أبي عمّارٍ. وقال فيه ابن إدريس (٧) ، وأبو إسحاقَ الفزاريُّ: عن ابن أبي عمّارٍ. لَمْ يقُل: عبدُ الله، ولا عبدُ الرَّحمنِ.

  18. ورواهُ الشّافِعيُّ (٨) ، عن عبدِ المجيدِ بن عبدِ العزيزِ، عن ابن جُرَيج، قال: حدَّثني عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن أبي عمّارٍ. كما قال يحيى القطّانُ.

  19. وهُو الصَّوابُ إن شاءَ الله لا شكَّ فيهِ، فرَوَى عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن أبي عمّارِ (١) : ابن جُرَيج وغيرُهُ. وأمّا أبوهُ عبدُ الله بن أبي عمّارٍ (٢) ، فرَوَى عنهُ: ابن أبي مُليكةَ، وعِكرِمةُ بن خالدٍ، ويُوسُفُ بن ماهِكٍ (٣) ، ويروي هذا: عن عُمرَ بن الخطّابِ، ومُعاذِ بن جَبَل.

    ج ٧ ص ٣٢٣
  20. وأمّا عبدُ الله بن بابَيْهِ (٤) ، ويُقالُ: ابن باباهُ، ويُقالُ: ابن بابي، فرَجُلٌ مكِّيٌّ أيضًا، مولى آلِ حُجَيرِ بن أبي إهابٍ، يروى عن: جُبيرِ بن مُطْعِم، وابنِ عُمرَ، وعبدِ الله بن عَمرٍو. روى عنهُ: عَمرُو بن دينارٍ، وأبو الزُّبيرِ، وابنُ أبي نَجِيح (٥) . وكلُّهُم ثِقاتٌ (٦) .

  21. حَدَّثَنَا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن إسماعيل التِّرمِذيُّ أبو إسماعيلَ، قال: حَدَّثَنَا أبو نُعيم، قال: حَدَّثَنَا مالكُ بن مِغْوَلٍ، عن أبي حَنْظلةَ قال: سألتُ ابنَ عُمرَ عن صلاةِ السَّفرِ، فقال: رَكْعتينِ، فقلتُ: وأين قولُهُ: {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} ونحنُ آمنُونَ؟ فقال: سُنّة رسُولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (٧) .

  22. فهذا ابن عُمرَ قد أطلَقَ عليها سُنّةً، وكذلكَ قال ابن عبّاسٍ، فأينَ المذهبُ عنهُما؟

    ج ٧ ص ٣٢٤
  23. حَدَّثَنَا قاسِمُ بن محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا خالدُ بن سَعْدٍ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن عُمرَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن سَنْجَرٍ، قال: حَدَّثَنَا هشامُ بن عبدِ الملكِ، عن شُعبةَ، عن قَتادةَ، عن مُوسى بن سَلَمةَ، قال: سألتُ ابن عبّاسٍ قال: قلتُ أكُونُ بمكَّةَ فكيفَ أُصلِّي؟ قال: رَكْعتينِ، سُنَّةَ أبي القاسم - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (١) .

  24. وأخبرنا عبدُ الرَّحمنِ بن أبانٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن يحيى بن عبدِ العزيزِ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن خالدٍ. وحَدَّثَنَا خلفُ بن سعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بن إبراهيمَ، قال: أنبأنا عبدُ الرَّزّاقِ قال (٢) : أنبأنا ابن جُرَيج، قال: سألَ حُميدٌ الحِمْيَريُّ (٣) ابن عبّاسٍ، فقال: إنِّي أُسافِرُ، أفأقْصُرُ الصلاةَ في السَّفرِ، أم أُتِمُّها؟ فقال ابن عبّاسٍ: ليسَ بقَصرِها، ولكن (٤) تمامُها، وسُنَّةٌ رسُولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، خرجَ رسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آمنًا لا يخافُ إلّا الله، فصلَّى ركعتينِ، حتّى رجعَ، ثُمَّ خرج أبو بكرٍ آمنًا لا يخافُ إلّا الله، فصلَّى ركعتينِ حتّى رجَعَ، ثُمَّ خرج عُمرُ آمنًا لا يخافُ إلّا الله، فصلَّى اثْنَتينِ حتّى رجعَ، ثُمَّ فعلَ ذلكَ عُثمانُ ثُلُثي إمارتهِ أو شَطْرَها، ثُمَّ صلّاها أربعًا، ثُمَّ أخذَ بها بنُو أُميَّةَ. قال ابن جُرَيج: وبَلَغني أنَّهُ إنَّما أوفاها عُثمانُ أربعًا بمِنًى فقَطْ، من أجل أنَّ أعرابيًّا ناداهُ في مسجِدِ الخيفِ بمِنًى فقال: يا أميرَ المُومنينَ، ما زِلتُ أُصلِّيَهِما رَكْعتينِ، مُنذُ

    ج ٧ ص ٣٢٥رأيتُكَ عامَ الأوَّلِ. فخَشِيَ عُثمانُ أن يظُنَّ جُهّالُ النّاسِ، أنَّما الصَّلاةُ رَكْعتانِ. قال ابن جُرَيج: وإنَّما أوْفاها بمِنًى فقط.

    قال عبدُ الرَّزّاقِ (١) : وأخبرنا مَعْمرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن سالم، عن ابن عُمر قال: صلَّيتُ مع رسُولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بمِنًى ركعتينِ، ومعَ أبي بكرٍ ركعتينِ، ومع عمرَ رَكْعتينِ، ومع عُثمانَ صدرًا من خِلافتِهِ، ثُمَّ صلّاها أرْبَعًا. قال الزُّهْريُّ: فبَلَغني أنَّ عُثمانَ إنَّما صلّاها أربعًا، لأنَّهُ أزْمَعَ أن يَعْتمرَ (٢) بعدَ الحجِّ.

    قال (٣) : وأخبرنا معمرٌ، عن أيُّوبَ، عن ابن سيرينَ، عن ابن عبّاسٍ قال: كان رسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسافِرُ من المدينةِ إلى مكَّةَ، لا يخافُ إلّا الله، فيُصلِّي ركعتينِ ركعتينِ.

    قال (٤) : وأخبرنا هشامُ بن حسّانَ، عن ابن سِيرينَ، عن ابن عبّاسٍ، مِثلهُ.

    وقال الأثْرَمُ، عن أحمد بن حَنْبل قال: زَعَمُوا أنَّ عُثمانَ إنَّما أتمَّ في سَفرِهِ، لأنَّهُ تزوَّج بمِنًى، فصلَّى أربعًا. قال: وابنُ عبّاسٍ يقولُ: إذا قدِمتَ على أهلِكَ أو ماشيةٍ لكَ، فأتِمَّ الصَّلاةَ (٥) .

    ج ٧ ص ٣٢٦قال: وقال بعضُ النّاسِ: لا، إنَّما صلَّى خلفهُ أعرابيٌّ رَكْعتينِ، فجعَلَ يُصلِّي أبدًا رَكْعتينِ، فبَلَغهُ ذلكَ، فصلَّى أربعًا، ليَعْرِف النّاسُ كيفَ الصَّلاةُ.

    قال الأثرمُ: وحَدَّثَنَا عفّانُ، قال: حَدَّثَنَا حمّادُ بن سَلَمةَ، قال: حَدَّثَنَا أيُّوبُ، عن الزُّهْريِّ: أنَّ عُثْمانَ أتمَّ الصَّلاةَ، لأنَّ الأعرابَ حَجُّوا، فأرادَ أن يُعلِّمهُم أنَّ الصَّلاةَ أربعٌ (١) .

  25. حَدَّثَنَا قاسِمُ بن محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا خالدُ بن سعدٍ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن عَمرٍو، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن سَنْجرٍ، قال: حَدَّثَنَا الفَضْلُ بن دُكينٍ، قال: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عن جابرٍ، عن عامِرٍ، عن ابن عبّاسٍ وابنِ عُمرَ قالا: سَنَّ رسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعتينِ، وهُما تمامٌ.

  26. وقالا: الوِترُ في السَّفرِ من السُّنَّةِ (٢) .

    قال (٣) : وحَدَّثَنَا ابن جُرَيج، عن عَطاءٍ قال: قلتُ لهُ: فيما جُعِلَ القَصْرُ، وقد أمنَ النّاسُ؟ يعني: فما لهم يَقْصُرُونَ آمنين؟ قال: السُّنَّةُ. قلتُ: رُخصةٌ؟ قال: نعم.

    قال (٤) : وقال لي عَمرُو بن دينارٍ: أمّا قولُهُ: {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: ١٠١] فإنَّما ذلكَ إذا خافُوا، وسنَّ النَّبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعدُ الرَّكعتينِ، فهُما وفاءٌ، وليس بقَصْرٍ.

  27. فهذا عَطاءُ بن أبي رباح، يُصرِّحُ بأنَّهُما سُنَّةٌ، وعَمرُو بن دينارٍ مِثلُهُ، وكذلك قال القاسِمُ بن محمدٍ.

    ج ٧ ص ٣٢٧
  28. حدَّثني عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بن محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن داودَ، قال: حَدَّثَنَا سحنُونٌ، قال: أنبأنا ابن وَهْب، قال: أنبأنا ابن لَهيعةَ، عن بُكَيرِ بن الأشجِّ، عن القاسم بن محمدٍ: أنَّ رجُلًا قال: عَجِبتُ من عائشةَ حينَ كانت تُصلِّي أربعًا في السَّفرِ، ورَسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصلِّي رَكْعتينِ. فقال لهُ القاسِمُ بن محمدٍ: عليكَ بسُنَّةِ رسُولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فإن (١) من النّاسِ من لا يُعابُ (٢) .

    قال أبو عُمرَ: قولُ القاسم هذا في عائشةَ، يُشبِهُ قولَ سعيدِ بن المُسيِّب، حيثُ قال: ليسَ من عالِم، ولا شَريفٍ، ولا ذُو فَضْلٍ إلّا وفيه عيبٌ، ولكن من النّاسِ من لا يَنْبغي أن تُذكَر عُيُوبُهُ، ومن كانَ فَضْلُهُ أكثَرَ من نَقْصِهِ، ذهَبَ نَقْصُهُ لفَضْلِهِ (٣) .

    قال أبو عُمرَ: وقد قال قومٌ في إتمام عائشةَ أقاويلَ، ليس منها شيءٌ يُروَى عنها، وإنَّما هي ظُنُون، وتأويلاتٌ، لا يصحبُها دليلٌ.

    قال ابن شِهاب: تأوَّلَتْ ما تأوَّل عُثمانُ (٤) .

  29. وهذا ليسَ بجوابٍ مُوعِبٍ، وأضعفُ ما قيل في ذلكَ: إنَّها أُمُّ المُؤمنين، وإنَّ النّاسَ حيثُ كانُوا بَنُوها، وكان مَنازِلُهُم مَنازِلها.

  30. وهذا أبعَدُ ما قيلَ في ذلكَ من الصَّوابِ، وهل كانت أُمًّا للمُؤمنين، إلّا أنَّها زوجُ أبي المُؤمنين - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهُو الذي سَنَّ القَصْرَ (١) في أسفارِهِ في غَزَواتِهِ، وحَجِّهِ، وعُمَرِهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وفي قِراءَةِ أُبيِّ بن كعبٍ ومُصحفِهِ: "النَّبيُّ أوْلَى بالْمُؤْمنينَ منْ أنفُسِهِمْ وَأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُم" (٢) وهُو أبٌ لهُم" (٣) .

    ج ٧ ص ٣٢٨
  31. أخبرني خلفُ بن القاسِم، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن صالح بن عُمرَ المُقرِئُ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن جعفرٍ المُنادي، قال: حَدَّثَنَا العبّاسُ بن محمدِ بن حاتِم الدُّوريُّ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرَّحمنِ بن مُصعبٍ أبو يزيدَ القطّانُ، قال: حَدَّثَنَا سُفيانُ الثَّوريُّ (٤) ، عن ليثٍ، عن مُجاهِدٍ، في قولِهِ عزَّ وجلَّ: {هَؤُلَاءِ بَنَاتِي} [هود: ٧٨] قال: كلُّ نبيٍّ أبو أُمَّتِهِ.

  32. وذكر الفِريابيُّ، عن سُفيانَ، عن طَلْحةَ، عن عطاءٍ، عن ابن عبّاسٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرأُ هذه الآيةَ: النَّبيُّ أولى بالمُؤمنين من أنفُسِهِم، وهُو أبٌ لهم، وأزواجُهُ أُمَّهاتُهُم (٥) .

  33. وأخبرنا عبدُ الوارِثِ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمٌ، قال: حَدَّثَنَا ابن وضّاح، قال: حَدَّثَنَا مُوسى بن مُعاويةَ، قال: حَدَّثَنَا وكيعٌ، عن سُفيانَ، عن ليثٍ، عن مُجاهِدٍ، في قولِهِ: {هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} [هود: ٧٨] قال: لَمْ يكُنَّ بناتِهِ، ولكِن نِساءُ أُمَّتِهِ، وكلُّ نبيٍّ هُو أبو أُمَّتِهِ (٦) .

  34. وأحسنُ ما قيلَ في قَصْرِ عائشةَ، وإتمامِها، أنَّها أخذَتْ برُخْصةِ رسُولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لتُري النّاس أنَّ الإتمام ليسَ فيه حرجٌ، وإن كانَ غيرُهُ أفضلَ، فإنَّ الله يُحِبُّ أن تُؤتى رُخَصهُ، كما يُحِبُّ أن تُؤتى عَزائمُهُ.

    ج ٧ ص ٣٢٩
  35. ولعلَّها كانت تذهبُ إلى أنَّ القصرَ في السَّفرِ رُخصةٌ، وإباحةٌ، وأنَّ الإتمامَ أفضلُ، فكانت تفعلُ ذلكَ، وهي التي رَوَت عن رسُولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنَّهُ لَمْ يُخيَّر بينَ أمْرَينِ قطُّ، إلّا اختارَ أيسرَهُما، ما لَمْ يكُن إثمًا (١) .

  36. فلعلَّها ذهَبَتْ إلى أنَّ رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَخْترِ القصرَ في أسفارِهِ، إلّا تَوْسِعةً على أُمَّتِهِ، وأخذًا بأيَسْرِ أمرِ الله.

  37. وبنَحْوِ هذا القولِ، ذكَرنا جوابَ عطاءِ بن أبي رباح، فيما تقدَّمَ عنهُ: أنَّ القصرَ سُنَّةٌ، ورُخصةٌ. وهُو الذي روى عن عائشةَ، ما حَدَّثَنَا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا ابن وضّاح، قال: حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٢) : حَدَّثَنَا وكيعٌ، قال: حَدَّثَنَا المُغيرةُ بن زيادٍ، عن عطاءٍ، عن عائشةَ: أنَّ رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يُتِمُّ في سَفرِهِ ويَقْصُرُ.

  38. وقد أتمَّ جماعةٌ في السَّفرِ، منهُم: سعدُ بن أبي وقّاصٍ (٣) ، وعُثمانُ بن عفّانَ، وعائشةُ. وقد عابَ ابن مسعُودٍ عُثمان بالإتمام وهُو بمنى، ثُمَّ لمّا أقامَ الصَّلاةَ عُثمانُ، مرَّ ابن مسعُودٍ، فصلَّى خلفهُ، فقيل لهُ في ذلكَ، فقال: الخِلافُ شرٌّ. ولو أنَّ القصرَ عِندهُ فَرْضٌ، ما صلَّى خلفَ عُثمان أربعًا.

  39. أخبرنا أحمدُ بن قاسِم بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بن أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حَدَّثَنَا أبو نُعيم، قال: حَدَّثَنَا طَلْحةُ، عن عطاءٍ، عن عائشةَ، قالت: كُلًّا (١) قد فعلَ رسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قد صامَ وأفطَرَ، وأتمَّ وقصرَ في السَّفرِ (٢) .

    ج ٧ ص ٣٣٠
  40. وحَدَّثَنَا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بن أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن الجهم، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الوهّابِ، قال: أخبرنا طَلْحةُ بن عَمرٍو، عن عَطاءٍ، عن عائشةَ، أنَّها قالت: كلُّ ذلكَ كان يَفْعلُ رسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، صامَ وأفطَرَ، وقصَرَ الصلاةَ وأتمَّ.