ابن شهاب، عن رجل من آل خالد بن أسيد حديث واحد

٩٤ فقرة، ج ٧ ص ٣١٧

الصفحة ٢ من ٣

  1. وقد روى زيدٌ العمِّيُّ، وإن لَمْ يَكُن مِمَّن يُحتجُّ به، فإنَّهُ مِمَّن يُسْتظهرُ به، عن أَنَسٍ، قال: كُنّا أصحابَ رسُولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نُسافِرُ، فيُتِمُّ بعضُنا، ويقصُرُ بعضُنا، ويَصُومُ بعضُنا، ويُفطِرُ بعضُنا، فلا يَعِيبُ أحدٌ على أحَدٍ (٣) .

    ج ٧ ص ٣٣٠
  2. وإن كان زيدٌ العمِّيُّ، وطلحةُ بن عَمرٍو مِمَّن لا يُحتجُّ بهما، فإنَّ الأحاديثَ الثَّابِتةَ، والاعْتِبار بالأُصُولِ، تُصَحِّحُ ما جاءا به، مع فِعْلِ عائشةَ رحِمَها الله تعالى.

  3. فإن قال قائلٌ: ما معنى قولِ عائشةَ: فُرِضتِ الصَّلاةُ رَكْعتينِ ركعتينِ في السَّفرِ والحَضَرِ، فزِيدَ في حَلاةِ الحَضَرِ، وأُقِرَّت صلاةُ السَّفرِ على الفَرِيضةِ الأُولى (٤) . قيل لهُ: أمّا ظاهِرُ هذا القَوْلِ، فيدُلُّ على أنَّ الرَّكْعتينِ في السَّفرِ فرضٌ، ولكِنَّ الآثارَ، والنَّظَرَ، والاعْتِبارِ، كلُّ ذلكَ يدُلُّ على غيرِ ما دلَّ عليه ظاهِرُ الحديثِ.

  4. وسنُبيِّنُ ذلكَ في بابِ صالح بن كَيْسانَ، من كِتابِنا هذا، إن شاءَ الله تعالى.

    ج ٧ ص ٣٣١
  5. وقد أوْرَدنا في هذا البابِ ما فيه بيانٌ لمن تَدبَّرَ، وحسبُكَ بتَوْهينِ ظاهِرِ حديثِ عائشةَ، وخُرُوجِهِ عن ظاهِرِهِ، مُخَالفتُها لهُ، وإجماعُ جُمهُورِ فُقهاءِ المُسلِمينَ، أنَّهُ ليسَ بأصلٍ يُعتَبرُ في صلاةِ المُسافِرِ خلفَ المُقيم.

  6. ومن الدَّليلِ أيضًا، على أنَّ القصرَ في السَّفرِ سُنَّةٌ وتَوْسِعةٌ، وإن كانَ ما ذكَرْنا في هذا البابِ كافيًا، حديثُ يعلَى بن أُميَّةَ، عن عُمر بن الخطّابِ.

  7. حَدَّثَنَا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالْ حَدَّثَنَا قاسِمُ بن أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن وضّاح، قال: حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (١) : حَدَّثَنَا عبدُ الله بن إدريسَ، عن ابن جُرَيج، عن ابن أبي عمّارٍ، عن عبدِ الله بن بابَيْهِ، عن يَعْلَى بن أُميَّةَ قال: سألتُ عُمرَ بن الخطّابِ قلتُ: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: ١٠١] ، وقد أمنَ النّاسُ؟ فقال: عَجِبتُ مِمّا تَعْجَبُ منهُ، فسألتُ رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ذلكَ، فقال: "صَدَقةٌ تَصدَّقَ الله بها عليكُم، فاقْبلُوا صَدَقتهُ" .

  8. وهذا كلُّهُ يدُلُّ على أنَّ القَصْرَ سُنَّةٌ وتَوْسِعةٌ، وكذلكَ قال ابن عُمرَ، وابنُ عبّاسٍ، وعَطاءٌ، وعَمرُو بن دينارٍ، والقاسِمُ بن محمدٍ، كلُّهم قال: سُنَّةٌ مَسْنُونةٌ، ولم يَقُل واحِدٌ منهُم: إنَّها فَرِيضةٌ، وقد ذكرنا الأخبارَ عنهُم فيما تقدَّم من هذا البابِ، فتدبَّر.

  9. ومعلُومٌ أنَّ الصَّلاةَ رُكنٌ عظيمٌ من أرْكانِ الدِّينِ، بل هي (٢) أعظمُ أرْكانِهِ بعد التَّوحيدِ، ومُحالٌ أن يُضافَ إلى أحَدٍ من الصَّحابةِ الذينَ أتمُّوا في أسْفارِهِم،

    ج ٧ ص ٣٣٢وإلى سائرِ السَّلفِ الذين فَعلُوا فِعلهُمْ، أنَّهُم زادُوا في فَرْضِهِم عامِدينَ، ما يُفسِدُ عليهم به فَرْضهُم، هذا ما لا يحِلُّ لمُسلم أن يَتأوَّلهُ عليهم، ولا ينسُبهُ إليهم.

  10. وقد حَكَى أبو مُصعبٍ، عن مالكٍ، وأهلِ المدينةِ، في "مُخْتَصَرِهِ" قال: القَصْرُ في السَّفرِ سُنَّةٌ للرِّجالِ والنِّساءِ. وحسبُك بهذا في مَذْهبِ مالكٍ، مع أنَّهُ لَمْ يختلِفْ قولُهُ: أنَّ من أتمَّ في السَّفرِ يُعيدُ، ما دامَ في الوقتِ. وذلك استِحبابٌ عِند من فهِمَ، لا إيجابٌ.

  11. أخبرنا إبراهيمُ بن شاكِرٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بن عُثمان، قال: حَدَّثَنَا سعدُ (١) بن مُعاذٍ، قال: حَدَّثَنَا الرَّبيعُ بن سُليمانَ، عن الشّافِعيِّ قال: القَصْرُ في الخَوْفِ مع السَّفرِ بالقُرآنِ والسُّنَّةِ، والقَصْرُ في السَّفرِ من غيرِ خوفٍ بالسُّنَّةِ (٢) .

  12. أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُومنِ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الحميدِ بن أحمد الورّاقُ، قال: أخبرنا الخَضِرُ بن داود، قال: أخبرنا أبو بكرٍ، يعني الأثرمَ، قال: حَدَّثَنَا مُوسى بن إسماعيلَ، قال: حَدَّثَنَا أبانٌ، قال: حَدَّثَنَا قَتادةُ، عن صَفْوانَ بن مُحرِزٍ المازنيِّ (٣) ، أنَّهُ سألَ عبد الله بن عُمرَ عن الصَّلاةِ في السَّفرِ، فقال: رَكْعتانِ، من خالفَ السُّنَّةَ فقد كفَرَ (٤) .

  13. ورواهُ مَعْمرٌ، عن قَتادةَ، عن مُورِّقٍ العِجْليِّ قال: سُئلَ ابن عُمرَ عن صَلاةِ السَّفرِ، فقال: رَكْعتينِ رَكْعتينِ، من خالف السُّنَّةَ كفَرَ (٥) .

    ج ٧ ص ٣٣٣قال أبو عُمر: الكُفرُ هاهُنا كُفرُ النِّعمةِ، وليسَ بكُفرٍ ينقُلُ عن المِلَّةِ.

  14. كأنَّهُ قال: كفَرَ نِعْمةِ (١) التَّأسِّي التي أنعمَ الله على عِبادِهِ بالنَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ففيه الأُسوةُ الحَسَنةُ في قبُولِ رُخْصتِهِ، كما في امتِثالِ عَزِيمتِهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

  15. والكلامُ في هذا على قَوْلِ المُعتزِلةِ والخَوارج يطُولُ، وليسَ هذا مَوْضِعهُ، لخُرُوجِنا عمّا لهُ قصدنا، وباللّه توفيقُنا.

  16. واختلَفَ الفُقهاءُ فيمن صلَّى أربعًا في السَّفرِ، عامِدًا أو ساهيًا (٢) .

    فقال مالكٌ: من صلَّى في سَفَرٍ تُقصرُ فيه الصَّلاةُ أربعًا، أعادَ في الوقتِ صَلاةَ سَفَرٍ. ولم يُفرِّق بين عامِدٍ وناسٍ. هذه رِوايةُ ابن القاسِم (٣) .

    قال ابن القاسم (٤) : ولو رجَعَ إلى بيتِهِ في الوقتِ، لأعادَها أربعًا. قال: ولو أحرمَ مُسافِرٌ، وهُو يَنْوي أربعًا، ثُمَّ بَدا لهُ فَسلَّم من اثْنَتينِ، لَمْ يُجزِهُ.

  17. ورَوَى ابن وَهْب، عن مالكٍ، في مُسافِرٍ أمَّ قومًا، فيهِم مُسافِرٌ ومُقيمٌ، فأتمَّ الصَّلاةَ بهِم جاهِلًا. قال: أرَى أن يُعيدُوا الصَّلاةَ جميعًا. وهذا قد يُحتملُ أن تكُون الإعادةُ في الوقتِ.

    وقال ابن الموّازِ (٥) : من صلَّى أربعًا ناسيًا لسفرِهِ، أو لإقْصارِهِ، أو ذاكِرًا لذلكَ، وقال سحنُونٌ: أو جاهِلًا، فليُعِد في الوقتِ، ولو افتتَحَ على ركعتينِ فأتمَّها

    ج ٧ ص ٣٣٤أربعًا تعمُّدًا، أعادها أبدًا، وإن كان سَهْوًا، سجَدَ لسهوِهِ، وأجزأتهُ. وقال سحنُونٌ: بل يُعيدُ لكثرةِ سهوِهُ. وقال محمدٌ: ليسَ هُو سهوٌ مُجتمعٌ عليه.

    وقال أبو حنيفةَ، وأصحابُهُ: إن قعدَ في اثنتينِ قدرَ التَّشهُّدِ، مَضَتْ صلاتُهُ، وإن لَمْ يَقْعُد، فصلاتُهُ فاسِدةٌ (١) .

    وقال الثَّوريُّ: إذا قعد، في اثْنتينِ لَمْ يُعِد (٢) .

    وقال: حمّادُ بن أبي سُليمانَ: إذا صلَّى أربعًا مُتعمِّدًا أعادَ، وإن كان ساهيًا لَمْ يُعِد" (٣) .

    وقال الحسنُ بن حيٍّ: إذا صلَّى أربعًا مُتعمِّدًا أعادَ، إذا كان ذلكَ منهُ الشَّيءُ اليسيرُ، فإذا طالَ ذلكَ في سفرِهِ وكَثُرَ، لَمْ يُعِد.

    وقال عُمرُ بن عبدِ العزيزِ: الصَّلاةُ في السَّفرِ رَكْعتانِ حَتْمٌ، لا يصلُحُ غيرُهُما (٤) .

    وقال الأوزاعيُّ: إن قامَ المُسافِرُ لثالثةٍ، وصلّاها، ثمَّ ذِكرٍ، فإنَّهُ يُلغيها، ويسجُدُ سَجْدتي السَّهوِ.

    وقال الحسنُ البصريُّ، فيمن صلَّى في سِفَرٍ أربعًا مُتعمِّدًا: بئسَ ما صنَعَ، وقَضَت عنهُ.

    ثُمَّ قال للسّائل: لا أبا لكَ، ترى أصحاب محمدٍ تركُوها، لأنَّها ثَقُلت عليهم.

    وقال الشّافِعيُّ: القَصْرُ في غيرِ الخوفِ سُنَّةٌ، وأمّا في الخَوْفِ مع السَّفرِ، فبالقُرآنِ والسُّنَّةِ، ومن صلَّى أربعًا، فلا شيءَ عليه، ولا أُحِبُّ لأحَدٍ أن يُتِمَّ في السَّفرِ رَغْبةً عن السُّنَّةِ، كما لا أُحِبُّ لأحَدٍ نزعَ خُفَّيهِ رَغْبةً عن السُّنَّةِ، وليسَ

    ج ٧ ص ٣٣٥للمُسافِرِ أن يُصلِّي رَكْعتينِ، إلّا أن يَنْوي القَصْرَ مع الإحرام، فإن أحرَمَ، ولم يَنْو القصرَ، كان على أصلِ فَرْضِهِ أربعًا (١) .

    قال أبو عُمر: قولُ الشّافِعيِّ في هذا البابِ، أعدلُ الأقاويلِ إن شاءَ الله، وقولُ مالكٍ قريبٌ منهُ نحوهُ، لأنَّ أمرهُ بالإعادةِ في الوقتِ استِحبابٌ، وكذلكَ قولُ أحمدَ بن حَنْبل في هذا البابِ.

    قال الأثرمُ: قلتُ لهُ: للرَّجُلِ أن يُصلِّي في السَّفرِ أربعًا؟ قال: لا يُعجِبُني. ثُمَّ قال: السُّنَّةُ رَكْعتانِ (٢) .

  18. وأمّا قولُ الكُوفيِّين فضعيفٌ لا أصلَ لهُ، إلّا أصلٌ لا يثبُتُ، وقد أوْضَحنا فسادَ أصلِهِم، واعْتِبارهُمُ القُعُود مِقدارَ التَّشهُّدِ في غيرِ هذا الموضِع.

  19. ومِمَّا يدُلُّ على ما اخْتَرناهُ، إتمامُ من أتمَّ من الصَّحابةِ، ولم يُنكَرُ ذلكَ عليه، وقد أخبَرَ الله عنهُم أنَّهُم خيرُ أُمَّةٍ أُخرِجت للنّاسِ، يأمُرُون بالمعرُوفِ، وينهَوْنَ عن المُنكرِ (٣) ، فما لَمْ يُنكِرُوهُ وأقرُّوهُ، فحقٌّ وصوابٌ.

  20. وقُلنا: إنَّ القَصْرَ أوْلَى، لأنَّهُ المشهُورُ من فِعْلِ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سفرِهِ، وهُو فِعلُ أكثرِ الصَّحابةِ والتَّابِعين، فإن تَكُن رُخصةً، ويُسرًا، وتَوْسِعةً، فلا وجهَ للرَّغبةِ عنها، فإنَّ الله قد أحَبَّ أن تُقبَلَ رُخْصتُهُ وصَدَقتُهُ ونأتِيَها، وإن تَكُن فَضِيلةً، فهُو الذي ظَنَنَّا.

  21. وكيف كانتِ الحالُ، فامتِثالُ فِعْلِهِ في كلِّ ما أُبِيحَ لنا، أفضلُ إن شاءَ الله، وعلى هذا قال جماعةٌ من أهلِ العِلم: إنَّ المسحَ، أفضلُ من الغَسْلِ، لأنَّهُ كان

    ج ٧ ص ٣٣٦يمسَحُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على خُفَّيهِ، وهُو المُبيِّنُ لعِبادِ الله عزَّ وجلَّ مُرادَ الله من كِتابِهِ، وهُو الهادي إلَى صِراطٍ مسْتَقيم، صِراطِ الله، - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (١) .

  22. أخبرنا عبدُ الرَّحمنِ بن أبانَ بن عُثمانَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن يحيى بن

    عبدِ العزيزِ. وأخبرنا خلفُ بن سعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بن محمدِ بن عليٍّ، قال: أخبرنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بن إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرَّزّاقِ، قال (٢) : أخبرنا ابن جُرَيج، عن عَطاءٍ قال: لا أعلمُ أحدًا من أصْحابِ النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يُوفِّي الصلاةَ في السَّفرِ، إلّا سعدَ بن أبي وقّاصٍ وعائشةَ، فإنَّهُما كانا يُوفِّيانِ الصَّلاةَ في السَّفرِ، ويصُومانِ. قال: وسافَرَ سعدٌ في نفرٍ من أصحابِ النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأوْفَى سعد الصَّلاةَ وصامَ، وقصَرَ القومُ وأفطرُوا، فقالوا لسَعْدٍ: كيف نُفطِرُ ونقصُرُ الصَّلاةَ، وأنتَ تُتِمُّها وتصومُ؟ فقال: دُونكُم أمركُم، فإنِّي أعلمُ شأني قال: فلم يُحرِّمهُ سعدٌ عليهم، ولم ينههُم عنهُ. قال ابن جُرَيج: فقلتُ لعطاءٍ: فأيُّ ذلكَ أحبُّ إليكَ؟ قال: قَصْرُها، وكلُّ ذلكَ قد فَعَلهُ الصّالِحُون، والأخيارُ.

    قال عبدُ الرَّزّاقِ (٣) : أخبرنا معمرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ: أنَّها كانت تُتِمُّ في السَّفرِ.

    قال (٤) : وأخبرنا الثَّوريُّ، عن عاصم، عن أبي قِلابةَ، أنَّهُ كان يقولُ: إن صلَّيتُ في السَّفرِ أربعًا، فقد صلَّى من لا بأس به، وإن صلَّيتُ رَكْعتينِ، فقد صلَّى من لا بأسَ به.

  23. واختلف الفُقهاءُ أيضًا في مِقدارِ السَّفرِ الذي تُقصَرُ فيه الصلاةُ (١) .

    فقال مالكٌ والشّافِعيُّ واللَّيثُ: أربعةُ بُرُدٍ (٢) . وهُو قولُ ابن عبّاسٍ، وابنِ عُمر (٣) . قال مالكٌ: ثمانيةٌ وأربعُونَ ميلًا، ومَسِيرةُ يوم وليلةٍ. وهُو قولُ اللَّيثِ.

    ج ٧ ص ٣٣٧
  24. وقال الشّافِعيُّ (٤) ؛ سِتَّةٌ وأربعُون ميلًا بالهاشِميِّ، أو يومٌ وليلةٌ. وهُو قولُ الطَّبريِّ.

    وقال الأوزاعيُّ: اليومُ التَّامُّ. وهذه كلُّها أقاويلُ مُتقارِبةٌ (٥) .

    وقال أبو حنيفةَ، وأصحابُهُ، والثَّوريُّ، والحسنُ بن حيٍّ: لا يَقْصُرُ أحدٌ في أقلَّ من مَسِير ثلاثةِ أيام ولياليها (٦) .

    وقال داودُ: من سافَرَ في حَجٍّ أو عُمرةٍ أو غَزْوٍ، قصَرَ في قصيرِ السَّفرِ وطويلِهِ، ومن حُجَّتِهِ حديثُ شُعبةَ، عن يزيدَ بن خُميرٍ، عن حَبِيبِ بن عُبيدٍ، عن جُبيرِ بن نُفيرٍ قال: خرجتُ مع شُرَحبيلِ بن السِّمطِ، إلى قَرْيةٍ لهُ، على رأسِ سبعةَ عشرَ، أو ثمانيةَ عشَرَ ميلًا، فصلَّى رَكْعتينِ فقلتُ لهُ، فقال: رأيتُ عُمرَ صلَّى بذي الحُليفةِ رَكْعتينِ، فقلتُ لهُ، فقال: إنَّما أفعلُ كما رأيتُ رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فعَلَ (٧) .

  25. واختلفُوا أيضًا فيمن لهُ أن يقصُرَ، فقال مالكٌ: من خرجَ إلى الصَّيدِ مُتلذِّذًا، لَمْ أُحِبَّ لهُ أن يقصُرَ، ومن خرجَ في مَعْصيةٍ، لَمْ يَجُزْ لهُ أن يقصُرَ، ومن كان الصَّيدُ مَعاشَهُ قصرَ (١) .

    وقال الشّافِعيُّ (٢) : إن سافر في مَعْصيةٍ فلا يقصُرُ، ولا يمسحُ مسح المُسافِرِ. وهُو قولُ داود والطَّبريِّ.

    وقال أحمد بن حَنْبل: لا يَقْصُرُ مُسافرٌ إلَّا في حَجٍّ، أو عُمرةٍ، أو غزوٍ (٣) .

    ج ٧ ص ٣٣٨
  26. ورواهُ عن ابن مسعُودٍ (٤) . وهُو قولُ داود، إلّا أنَّ داود قال: في حجٍّ، أو عُمرةٍ، أو غَزْوٍ.

  27. ولأحمد بن حَنْبل قولٌ آخرُ مِثلُ قولِ الشّافِعيِّ: من سافَرَ في غيرِ مَعْصيةٍ قصَرَ ومسَحَ.

  28. وقصَرَ عليٌّ رضي الله عنهُ في خُرُوجِهِ إلى صِفِّين (٥) ، وخرج ابن عبّاسٍ إلى مالِهِ بالطّائفِ فقصر الصَّلاةَ (٦) .

    وقال نافِعٌ: كان ابن عُمرَ يُطالِعُ مالهُ بخيبرَ، فتقْصُرُ الصَّلاةَ (٧) .

  29. وأكثرُ الفُقهاءِ على إباحَةِ القَصْرِ للمُسافِرِ تاجِرًا، وفي أمرٍ أُبيحَ لهُ الخُرُوجُ إليه.

  30. وكان الأوزاعيُّ يقولُ، في رجُلٍ خرج في بَعْثٍ إلى بعضِ المُسلِمين: يَقْصُرُ، ويُفطِرُ في رمضانَ في مسير ذلكَ، وافق ذلكَ طاعةً أو مَعْصيةً.

    ج ٧ ص ٣٣٩
  31. واختلف أصحابُ داود في ذلكَ، فقال بعضُهُم بقولِهِ: لا قصَرَ إلّا في حجٍّ، أو عُمرةٍ، أو جِهادٍ. وقال بعضُهُم: للعاصي أن يقصُرَ.

    وقال أبو حنيفةَ، وأصحابُهُ، والثَّوريُّ، والأوزاعيُّ: يقصُرُ المُسافِرُ عاصيًا كان أو مُطيعًا (١) .

  32. واختلفُوا في مُدَّةِ الإقامَةِ، فقال مالكٌ، والشَّافِعيُّ، والطَّبريُّ، وأبو ثَوْرٍ: إذا نَوَى إقامةَ أربعةِ أيام أتمَّ (٢) . وهُو قولُ سعيدِ بن المُسيِّبِ في رِواية عَطاءٍ الخُراسانيِّ عنهُ (٣) .

    وقال أبو حنيفةَ، وأصحابُهُ، والثَّوريُّ: إذا نَوَى إقامةَ خمس عشرةَ يومًا أتمَّ، وإن كان أقلَ قصَرَ (٤) .

  33. وهُو قولُ ابن عُمر (٥) . وقولُ سعيدِ بن المُسيِّبِ، في رِوايةِ هُشيم، عن داود بن أبي هِندٍ (٦) عنهُ (٧) .

    وقال الأوزاعيُّ (٨) : إن نَوَى إقامَةَ ثلاثةَ عشَرَ يومًا أتمَّ، وإن نَوَى أقلَّ، قصَرَ.

  34. وعن سعيدِ بن المُسيِّبِ قولٌ ثالِثٌ: إذا أقامَ ثلاثًا أتمَّ (٩) .

  35. وعنِ السَّلفِ في هذه المسألةِ أقاويلُ مُتبايِنةٌ منها: إذا أزمَعَ المُسافِرُ على مُقام اثْنَتي عشرةَ، أتمَّ الصَّلاةَ؛ رواهُ نافِعٌ، عن ابن عُمرَ. قال نافِعٌ: وهُو آخِرُ فِعلِ ابن عُمرَ وقولِهِ (١) .

    ج ٧ ص ٣٤٠
  36. وروى عِكْرَمةُ، عن ابن عبّاسٍ قال: أقامَ رسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تِسعَ عَشْرةَ يقصُرُ الصَّلاةَ، فنحنُ إذا سافَرْنا تِسْعةَ عشَرَ قصرْنا، وإن زِدْنا أتْمَمْنَا (٢) .

  37. ورُوي عن عليٍّ، وابنِ عبّاسٍ: من أقامَ عشرَ ليالٍ أتمَّ الصَّلاةَ (٣) . والطُّرُقُ عنهُما في ذلكَ ضعيفةٌ (٤) .

  38. وبذلكَ قال محمدُ بن عليٍّ (٥) ، والحسنُ بن صالح (٦) .

  39. ورُوي عن سعيدِ بن جُبيرٍ (٧) ، وعبدِ الله بن عُتبةَ: من أقامَ أكثَرَ من خمس عشرةَ أتمَّ. وبه قال اللَّيثُ بن سعدٍ.

  40. ورُوي عن الحسنِ: أنَّ المُسافِر يُصلِّي ركعتينِ أبدًا، حتّى يدخُل مِصرًا من الأمصارِ (٨) .

    ج ٧ ص ٣٤١وقال أحمدُ بن حَنْبل: إذا أجمعَ المُسافِرُ مُقامَ إحْدَى وعِشرينَ صَلاةً مكتُوبةً قصَرَ، وإن زادَ على ذلكَ أتمَّ (١) .