ابن شهاب، عن رجل من آل خالد بن أسيد حديث واحد
٩٤ فقرة، ج ٧ ص ٣١٧
الصفحة ٣ من ٣
- ج ٧ ص ٣٤١
فهذه تِسعةُ أقوالٍ في هذه المسألةِ، وفيها قولٌ عاشِرٌ: أنَّ المُسافِرَ يَقْصُرُ أبدًا حتّى يرجِعَ إلى وطنِهِ، أو ينزِل وطنًا لهُ.
-
ورُوي عن أَنَسٍ: أنَّهُ أقامَ سنتينِ بنيسابُور يَقْصُرُ الصلاةَ (٢) .
وقال أبو مِجلزٍ: قلتُ لابنِ عُمر: آتي المدينةَ فأُقيمُ بها السَّبعةَ أشهُرٍ والثَّمانيةَ، طالبًا حاجةً؟ فقال: صلِّ ركعتينِ (٣) .
وقال أبو إسحاق السَّبيعيُّ: أقمنا بسِجِستانَ، ومعنا رِجالٌ من أصحابِ ابن مسعُودٍ سَنَتينِ نُصلِّي ركعتينِ (٤) .
-
وأقامَ ابن عُمرَ بأذربيجان سِتَّةَ أشهُرٍ يُصلِّي ركعتينِ ركعتينِ. وكان الثَّلجُ حال بينهُم وبين القُفُولِ (٥) .
-
وأقامَ مسرُوقٌ بالسِّلسِلةِ (٦) سنتينِ، وهُو عامِلٌ عليها يُصلِّي ركعتينِ ركعتينِ، حتّى انصرفَ، يلتمِسُ بذلك السُّنَّةَ (٧) .
- ج ٧ ص ٣٤٢
وذكر يعقوبُ بن شَيْبةَ، قال: حَدَّثَنَا مُعاويةُ بن عُمرو، قال: حَدَّثَنَا زائدةُ، عن منصُورٍ، عن شقيقٍ، قال: خرجتُ مع مسرُوقٍ إلى السِّلسِلةِ حينَ استُعمِلَ عليها، فلم يَزَل يَقصُرُ حتّى بلغَ، ولم يزل يقصُرُ في السِّلسِلةِ حتّى رجَعَ، فقلتُ: يا أبا عائشةَ، ما يحمِلُكَ على هذا؟ قال: اتِّباعُ السُّنَّةِ (١) .
وقال أبو جمرةَ (٢) نصرُ بن عِمران: قلتُ لابنِ عبّاسٍ: إنّا نُطيلُ المُقامَ بالغزوِ بخُراسانَ، فكيف تَرَى؟ قال: صلِّ رَكْعتينِ، وإن أقمتَ عشرَ سِنينَ (٣) .
قال أبو عُمرَ: مَحْملُ هذه الأحاديثِ عندَنا، على من لا نيَّةَ لهُ في الإقامة لواحد من هؤلاء المقيمين هذه المُدَد المتقاربة، وإنما ذلك (٤) مِثلُ أن يقول: أخرُجُ اليومَ، أخرُجُ غدًا، وإذا كانَ هكذا، فلا عَزِيمةَ هاهُنا على الإقامةِ.
وقال الأثرمُ: سُئلَ أحمدُ بن حَنْبل، عن حديثِ أَنَسٍ: أنَّ النَّبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أقامَ عشرًا يقصُرُ الصَّلاةَ (٥) . فقال: قدِمَ النَّبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مكَّةَ لصبح رابعةٍ. قال: فرابعةٌ، وخامِسةٌ، وسادِسةٌ، وسابعةٌ، وثامنةٌ يومَ التَّرويةِ، وتاسِعةٌ، وعاشرةٌ. قال: فإنَّما حسَبَ أنسٌ مُقامَهُ بمكَّةَ ومِنًى، لا وجه لحديثِ أَنَسٍ غيرُ هذا. قال أحمدُ: فإذا قدِمَ لصُبح رابعةٍ قصرَ، وما قبل ذلكَ يُتِمُّ. قال: أقام النَّبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اليومَ الرّابعَ، والخامِسَ، والسّادِسَ،
ج ٧ ص ٣٤٣والسّابعَ، وصلَّى الصُّبح بالأبطح في اليوم الثّامنِ، فهذه إحْدَى وعِشرُونَ صلاةً قصَرَ فيها في هذه الأيام، وقد أجمعَ على إقامتِها، فمن أجمَعَ أن يُقيمَ كما أقامَ النَّبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قصَرَ، فإن أجمعَ على أكثرَ من ذلكَ أتمَّ. قلتُ لهُ: فلِمَ لا تقصرُ فيما زادَ على ذلكَ؟ قال: لأنَّهُمُ اختلفُوا فنأخُذُ بالاحتياطِ، ونُتِمُّ. قيل لأحمدَ بن حَنْبل: فإذا قال: أخرجُ اليومَ، أخرجُ غدًا، يقصُرُ؟ قال: هذا شيءٌ آخرُ، هذا لَمْ يعزِمْ.
قال أبو عُمر: أصحُّ شيءٍ في هذه المسألةِ قولُ مالكٌ، ومن تابَعهُ، والحُجَّةُ في ذلكَ حديثُ العلاءِ بن الحَضرميِّ، عن النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنَّهُ جعلَ للمُهاجِرِ أن يُقيمَ بمكَّةَ ثلاثةَ أيام، ثُمَّ يصدُرُ (١) .
-
ومعلُومٌ أنَّ الِهجْرةَ إذا كانت مُفْتَرضةً قبلَ الفتح، كان المُقامُ بمكَّةَ لا يجُوزُ ولا يحِلُّ، فجعَلَ رسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للمُهاجِرِ ثلاثةَ أيام، لتَقْضيةِ حَوائجِهِ، وتهذيبِ أسبابِهِ، ولم يحكُم لها بحُكم المُقام، ولا جعَلَها في حيِّزِ الإقامةِ، لأنَّها لَمْ تكُن دار مُقام، فإذا لَمْ يكُن كذلكَ، فما زادَ على الثَّلاثةِ أيام إقامةٌ لمن نَواها، وأقلُّ ذلكَ أربعةُ أيام، ومن نَوَى إقامةَ ثلاثةِ أيامٍ فما دُونها، فليسَ بمُقيم، وإن نَوَى ذلكَ، كما أنَّهُ لو نَوَى إقامةَ ساعةٍ أو نحوِها، لَمْ يكُن بساعتِهِ تِلكَ داخِلًا في حُكم المُقيم، ولا في أحوالِهِ.
-
ومن الحُجَّةِ أيضًا في ذلكَ، أنَّ عُمرَ رضي الله عنهُ حين أجْلَى اليهُودَ، جعل لهم إقامةَ ثلاثةِ أيام في قَضاءِ أُمُورِهِم (٢) . وإنَّما نفاهُم عُمرُ، لقولِ رسُولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا يَبْقَى دينانِ بأرضِ العربِ" (٣) . إلا تَرَى أنَّهُم لا يجُوزُ تركُهُم بأرضِ العربِ
ج ٧ ص ٣٤٤مُقيمينَ بها، فحينَ نفاهُم عُمرُ، وأمرهُم بالخُرُوج، لَمْ يكُن عِندهُ الثَّلاثةُ أيام إقامةً، وهذا بيِّنٌ لمن لَمْ يُعانِد، ويصدُّهُ عن الحقِّ هواهُ وعماهُ.
-
حَدَّثَنَا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بن أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (١) : حَدَّثَنَا يحيى بن عبدِ الحميدِ (٢) ، قال: حَدَّثَنَا سُفيانُ بن عُيينةَ وحفصٌ، عن (٣) عبدِ الرَّحمنِ بن حُميدٍ، قال: سمِعتُ السّائب بن يزيدَ، يُحدِّثُ عُمرَ بن عبدِ العزيزِ، عن العَلاءِ بن الحَضْرميِّ، أنَّهُ سمِعَ رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقولُ: "يُقيمُ المُهاجِرُ" قال سُفيانُ: "بعدَ نُسُكِهِ ثلاثًا" . قال حفصٌ: "بعد الصدَرِ (٤) ثلاثًا" .
-
وأخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن يحيى، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن جعفرِ بن مالكٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بن أحمد بن حَنْبل، قال: حدَّثني أبي، قال (٥) : حَدَّثَنَا سُفيانُ بن
ج ٧ ص ٣٤٥عُيينةَ، قال: حدَّثني عبدُ الرَّحمنِ بن حُميدِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن عَوْفٍ، عن السّائبِ بن يزيدَ، عن العَلاءِ بن الحَضْرميِّ إن شاءَ الله: أنَّ رسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "يمكُثُ المُهاجِرُ بمكَّةَ بعد قَضاءِ نُسُكِهِ ثلاثًا" . قال عبدُ الله: قال أبي: ما كانَ أشدَّ على ابن عُيينةَ أن يقول: حَدَّثَنَا.
-
واحتجَّ أبو ثورٍ لقولِهِ في هذه المسألةِ بأن قال: لمّا أجمعُوا على ما دُونَ الأربع، أنَّهُ يقصُرُ فيها، واختلفُوا في الأربع فما فوقها، كان عليه أن يُتِمَّ، وذلك أنَّ فرض التَّمام لا يزُولُ باختِلافٍ.
-
واختلفَ الفُقهاءُ أيضًا في المُسافِرِ يدخُلُ في صلاةِ المُقيم (١) .
فقال مالكٌ: إذا أدركَ منها رَكْعةً، صلَّى صلاةَ المُقيم، وإن لَمْ يُدرِك ركعةً، صلَّى ركعتينِ. وهُو قولُ الزُّهْريِّ، وقتادةَ، وقولُ الحسنِ البصريِّ، وإبراهيم النَّخعيِّ، على اختِلافٍ عنهما (٢)
وقال الشّافِعيُّ، وأبو حنيفةَ، والثَّوريُّ، والأوزاعيُّ، وأصحابُهُم: يُصلِّي صلاةَ مُقيم، وإن أدركهُ في التَّشهُّدِ. ورُوي ذلكَ عن ابن عُمرَ، وابنِ عبّاسٍ، والحسنِ، وإبراهيمَ، وسعيدِ بن جُبيرٍ، وجابرِ بن زيدٍ، ومكحُولٍ (٣) . وهُو قولُ مَعْمرِ بن راشِدٍ، وبه قال أحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ.
-
واختلفُوا أيضًا في مُسافرٍ صلَّى بمُقيمينَ.
ج ٧ ص ٣٤٦فقال مالكٌ: إذا سلَّم المُسافِرُ، فأحَبُّ إليَّ أن يُقدِّمُوا رَجُلًا يُتِمُّ بهِم، وفي ذلكَ سِعةٌ. وقال الشّافِعيُّ، والثَّوريُّ، وأبو حَنِيفةَ، والأوزاعيُّ: يُصلُّونَ فُرادي، ولا يُقدِّمُون أحدًا (١) .
-
وحُجَّتُهُم قولُ رسُولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأهل مكَّةَ: "أتِمُّوا صلاتكُم، فإنّا قومٌ سَفرٌ" (٢) . وقد فعلهُ عُمرُ، ولم يأمُر أن يُتِمَّ أحدُهُم بهِم.
-
واختلفُوا أيضًا في المُسافِرِ يؤُمُّ قومًا فيهِم مُسافِرُونَ ومُقيمُونَ، فيُحدِثُ بعد رَكْعةٍ، فيُقدِّمُ مُقيمًا (٣) .
فقال مالكٌ: يُصلِّي المُقيمُ تمامَ صلاةِ الأوَّلِ، ثُمَّ يُشيرُ إلى من خلفهُ بالجُلُوسِ، ثُمَّ يقومُ وحدهُ فيُتِمُّ صلاتهُ أربعًا، ثُمَّ يقعُدُ، ويتشهَّدُ، ويُسلِّمُ من خلفهُ من المُسافِرينَ، ويقومُ من خلفهُ من المُقيمينَ، فيُتِمُّوا لأنفُسِهِم. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ، والثَّوريُّ: يُتِمُّ المُسْتخلفُ صلاةَ الأوَّلِ، ثُمَّ يتأخَّرُ، ويُقدِّمُ مُسافِرًا يُسلِّمُ بهِم، فيُسلِّمُ معهُ المُسافِرُون، ويقومُ المُقيمُونَ فيقضُونَ وُحْدانًا.
وقال الشّافِعيُّ، والأوزاعيُّ، واللَّيثُ بن سعدٍ: يُتِمُّون كلُّهُم صلاةَ مُقيم (٤) .
قال أبو عُمر: مسائلُ السَّفرِ تَكثُرُ جِدًّا، وإنَّما ذكَرْنا منها ما كانَ في معنى حديثنا، وما يُعينُ على فَتْح ما انغلَقَ منها من معناهُ، وباللّه التَّوفيقُ.