مالك، عن محمد بن المنكدر
١٥٢ فقرة، ج ٨ ص ٦٥
الصفحة ١ من ٤
- ج ٨ ص ٦٥
مدنيٌّ، تابِعيٌّ، ثِقةٌ فاضِلٌ، وهُو محمدُ بن المُنكدِرِ بن عبدِ الله بن الهُدَيرِ بن عبدِ العُزَّى، ويُقالُ: الهُديرُ بن مُحرِزِ بن عبدِ العُزَّى بن عامرِ بن الحارِثِ بن حارِثةَ بن سَعْدِ بن تَيْم بن مُرَّةَ القُرَشيُّ التَّيميُّ، يُكْنَى أبا عَبدِ الله، وقيل: يُكْنَى أبا بكرٍ، وأُمُّهُ أُمُّ ولدٍ، وكان من فُضَلاءِ هذهِ الأُمَّةِ وعُبّادِها وفُقَهائها وخيارِها، كان أهلُ المدينةِ يقولونَ: إنَّهُ كان مُجابَ الدَّعوةِ، وكان مُقِلًّا، وكان مع ذلك جَوادًا.
-
تُوفِّي بالمدينةِ سنةَ ثلاثينَ ومئةٍ، أو إحْدَى وثلاثينَ ومئةٍ.
-
وذكر الأُوَيسيُّ عن مالكٍ، قال: كان محمدُ بن المُنكدِرِ سيِّدَ القُرّاءِ، وكان كثيرَ البُكاءِ عِندَ الحديثِ، وكُنتُ إذا وجدتُ من نَفْسي قَسْوةً آتيهِ فأنظُرُ إليه، فأتَّعِظُ به وأنتفِعُ بنفسي أيّامًا، وكان كثيرَ الصلاةِ باللَّيلِ.
قال أبو جَعْفرٍ الطَّبَريُّ: كان محمدُ بن المُنكدِرِ ثِقةً كثيرَ الحديثِ، أمينًا على ما رَوَى ونَقَلَ من أثرٍ في الدِّينِ.
قال أبو عُمر: لمالكٍ عنهُ في "المُوطَّأ" من حديثِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - خَمْسةُ أحاديث، منها أربعةٌ مُسْندةٌ، وواحِدٌ مُرسلٌ.
- ج ٨ ص ٦٦
حديثٌ أوَّلُ لمحمدِ بن المُنكدِرِ
مالكٌ (١) ، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، عن جابرِ بن عبدِ الله: أنَّ أعرابيًّا بايَعَ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - على الإسلام، فأصابَ الأعْرابيَّ وَعْكٌ (٢) بالمدينةِ، فأتى النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسُولَ الله، أقِلْني بَيْعتي، فأبَى، ثُمَّ جاءَهُ، فقال: أقِلْني بَيْعتي، فأبَى، ثُمَّ جاءَهُ، فقال: أقِلْني بَيْعتي، فأبَى، فخرَجَ الأعرابيُّ، فقال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّما المدينةُ كالكيرِ تَنْفي خَبَثَها، ويَنْصَعُ طيبُها" .
-
هكذا رواهُ جماعةُ الرُّواةِ عن مالكٍ فيما عَلِمتُ بهذا اللَّفظِ (٣) ، إلّا عبدَ الله بن إدريسَ، فإنَّهُ قال فيه عن مالكٍ بإسنادِهِ: "إنَّها طيِّبةٌ تَنْفي الخبَثَ" .
-
وقولُهُ في الحديثِ: "طيِّبةٌ" غريبٌ، لم يقُلْهُ فيه غيرُهُ، واللهُ أعلمُ.
قال أبو عُمر: في هذا الحديثِ من العِلم: أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يُبايعُ النّاس على حُدُودِ الإسلام، ومعنى ذلكَ: أنَّهُ كان يُبايعُهُم على شُرُوطِ الإسلام ومَعالِمِهِ،
ج ٨ ص ٦٧وهذا معرُوفٌ في غيرِ ما حديثٍ، وكان ذلكَ الوقتَ من حُاودِ الإسلام وفَرائضِهِ: البَيْعةُ على هِجْرةِ الأوطانِ، والبَقاءِ معَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ولذلكَ كان قطعُ الله وَلايةَ المُؤمنينَ المُهاجِرينَ مِمَّن لم يُهاجِرْ منهُم، فقال: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} [الأنفال: ٧٢] . وقال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أنا بريءٌ من كلِّ مُسْلم باقٍ مع مُشْرِك" (١) .
-
وكان يَشترِطُ عليهمُ السَّمعَ والطّاعةَ، في العُسرِ واليُسرِ، والمَنْشَطِ والمَكْرهِ، إلى أشياءَ كثيرةٍ كان يَشْترِطُها، قد وردَ في الآثارِ ذِكرُها: كبَيْعة النِّساءِ (٢) وغيرِها.
-
وقد وردَ القُرآن (٣) بنصِّ بَيْعتِهِ للنِّساءِ المهاجِراتِ وسكَتَ عن الرِّجالِ، لدُخُولهِم في المعنى، كدُخُولِ من أُحصنَ من الرِّجالِ، في قولِهِ: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} [النور: ٤] ومِثلُ هذا كثيرٌ.
-
وقد ذكرَ جريرٌ: أنَّهُ اشترطَ عليهمُ النُّصحَ لكلِّ مُسْلم (٤) .
-
ومعنى هذه المُبايعةِ، واللهُ أعلمُ، الإعلامُ بحُدُودِ الإسلام وشَرائعِهِ وآدابِه.
وقال الشّافِعيُّ رحِمهُ الله: أمّا بيعةُ النِّساءِ، فلم يَشْترِط فيها السَّمعَ والطّاعةَ؛ لأنَّهُنَّ ليسَ عليهنَّ جِهادُ كافِرٍ ولا باغ، وإنَّما كانت بَيْعتُهُنَّ على الإسلام وحُدُودِهِ.
ج ٨ ص ٦٨قال أبو عُمر: قد كانتِ البيعةُ على وُجُوهٍ:
منها: أنَّها كانت أوَّلًا على القِتالِ، وعلى أن يَمْنعُوهُ مِمّا يمنعُونَ منهُ أنفُسهُم وأبناءَهُم ونِساءَهُم، وعلى نحوِ ذلك كانت بَيْعةُ العَقَبةِ الثّانيةُ قبلَ الهِجْرةِ.
-
ثُمَّ لمّا هاجَرَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينةِ، بايعَ النّاسَ على الهِجْرةِ، وقال: "أنا بَرِيءٌ من كلِّ مُسْلم مع مُشرِك" (١) ، فكان على النّاسِ فرضًا أن يَنْتقِلُوا إلى المدينةِ، إذ لم يكُن للإسلام دارٌ (٢) ذلكَ الوقتَ غيرَها، ويَدَعُوا دارَ الكُفرِ.
-
وعلى هذا، واللهُ أعلمُ، كانت بيعةُ هذا الأعرابيِّ المذكُورِ في هذا الحديثِ على (٣) الإسلام والهِجرةِ، فلمّا لحِقهُ من الوَعْكِ ما لحِقهُ، تَشاءَم بالمدينةِ وخرجَ عنها، مُنصرِفًا إلى وَطنِهِ من أهلِ الكُفرِ، ولم يَكُن مِمَّن رسخَ الإيمانُ في قلبِهِ، ورُبَّما كان من جِنْس الأعرابِ الذين قال الله عزَّ وجلَّ فيهم: {الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} [التوبة: ٩٧] .
-
ولمّا فُتِحت مكّةُ، لم يُبايعْ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أحدًا على الهِجْرةِ، وإنَّما كانتِ البَيْعةُ على الإقامَةِ بدارِ الهِجْرةِ قبلَ أن يفتحَ الله على رسُولِهِ مكّةَ.
-
وكان المعنى في البَيْعةِ على الهِجْرةِ: الإقامةُ بدارِ الهِجْرةِ، وهي المدينةُ، عندَ (٤) رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في حَياتِهِ، حتَّى يَصْرِفَهُم فيما يحتاجُ إليه من غَزْوِ الكُفّارِ، وحِفْظِ المدينةِ، وسائرِ ما يُحتاجُ إليه.
- ج ٨ ص ٦٩
وكان خُرُوجُهُم راجِعينَ إلى دارِ أعرابيَّتِهِم حَرامًا عليهم؛ لأنَّهُم كانوا يكونون بذلك مُرتدِّينَ إلى الأعرابيَّةِ من الهِجْرةِ، ومن فعلَ ذلكَ كان ملعُونًا على لِسانِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -.
-
ألا تَرى إلى حديثِ شُعْبةَ (١) والثَّوريِّ (٢) ، عن الأعْمَشِ، عن عبدِ الله بن مُرَّةَ، عن الحارِثِ بن عبدِ الله، عن عبدِ الله بن مَسْعُودٍ، قال: آكِلُ الرِّبا، ومُوكِّلُهُ وكاتِبُهُ وشاهِداهُ إذا عَلِمُوا به، والواشِمةُ والمُسْتوشِمةُ للحُسْنِ، ولاوي الصَّدَقةِ، والمُرتدُّ أعرابيًّا بعد هِجْرتِهِ، ملعُونُونَ على لِسانِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - يومَ القيامة؟
-
ورُوي عن عُقبةَ بن عامرٍ الجُهنيِّ، قال: بَلَغني قُدُومُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - المدينةَ وأنا في غُنَيمةٍ لي، فرفَضتُها، ثُمَّ أتيتُهُ فقلتُ: جِئتُ أُبايعُكَ، فقال: "بيعةً أعرابيَّةً، أو بيعةَ هِجْرةٍ؟ " قلتُ: بَيْعةَ هِجْرةٍ. قال: فبايعتُهُ وأقمتُ (٣) .
قال أبو عُمر: ففي قولِ عُقبةَ في هذا الحديثِ: فبايَعتُهُ وأقمتُ، دليلٌ على أنَّ البَيْعةَ على الهِجرةِ تُوجِبُ الإقامةَ بالمدينةِ، وأنَّ البَيْعةَ الأعرابيَّةَ بخِلافِها (٤) ، لا تُوجِبُ الإقامَةَ بالمدينةِ على أهْلِها، ويدُلُّك على ذلك، أنَّ مالكَ بن الحُوَيرِثِ وغيرَهُ من الأعْرابِ بايَعُوا رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وأقامُوا عِندهُ أيّامًا، ثُمَّ رَجَعُوا إلى بلادِهِم، وقال
ج ٨ ص ٧٠لهُم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "ارْجِعُوا إلى أهليكُم، فأقيمُوا فيهم، وعَلِّمُوهُم، وصلُّوا كما رأيتُمُوني أُصلِّي" (١) .
-
وهذا الأعرابيُّ المذكُورُ في حديثِ مالكٍ، كان واللهُ أعلمُ، مِمَّن بايَعَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - على المُقام بدارِ الهِجْرةِ، فمنْ هُنا أبَى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من إقالَةِ بَيْعتِهِ.
-
وفي إباءِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - من إقالَةِ البَيْعةِ، دليلٌ على أنَّ من العُقودِ عُقودًا إلى المرءِ عَقدُها، وليسَ لهُ حلُّها ولا نَقْضُها، وذلك أنَّ من عقَدَ عقدًا، يجِبُ عَقْدُهُ، ولا يحِلُّ نَقْضُهُ، لم يجُزْ لهُ أن يَنْقُضَهُ، ولم يحِلَّ لهُ فسخُهُ، وإن كان الأمرُ كان إليه في العقدِ، فليسَ إليه ذلك في النَّقضِ.
-
وليسَ كلُّ ما للإنسانِ عَقدُهُ، لهُ فَسْخُهُ، ولم يَكُنْ لرسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يُقيلَهُ بَيْعَتهُ؛ لأنَّ الهِجْرةَ كانت مُفتَرضةً يومَئذٍ، كما لم يكُنْ لهُ أن يُبيحَ لهُ شيئًا حَظَرتْهُ عليه الشَّريعةُ إذا دخَلَ فيها، ولَزِمتهُ أحكامُها إلّا بوَحي من الله، وأمّا من بَعدَهُ، فليسَ ذلك حُكْمَهُ بوَجْهٍ من الوُجُوهِ، لأنَّ الوَحْيَ بعدَهُ قدِ انْقَطعَ - صلى الله عليه وسلم -.
-
وفي هذا الحديث: بيانُ فَضْلِ المدينةِ، وأنَّها بُقعةٌ مُبارَكةٌ لا يَسْتوطِنُها إلّا المَرْضيُّ من النّاس، وهذا عِنْدي إنَّما كان بالنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مُنذُ نَزَلَها، وقد كانت قبلَهُ كسائرِ ديارِ الكُفْرِ، ولمّا تُوفِّي رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بَقِيَ فضلُ قبرِهِ ومَسْجِدِهِ، والمدينةُ لا يُنكَرُ فضلُها.
- ج ٨ ص ٧١
وأمّا قولُهُ: "تَنْفي خَبَثَها، وينصَعُ طِيبُها" ، فمعناهُ أنَّها تَنْفي حُثالةَ النّاس، ولا يَبْقَى فيها إلّا الطَّيِّبُ الذي اختارَهُ الله عزَّ وجلَّ، لصُحبةِ نَبيِّهِ - صلى الله عليه وسلم -، والخَبَثُ: رذالةُ الحَديدِ ووَسَخُهُ الذي لا يثبُتُ عِندَ النّار.
-
وأمّا قولُهُ: "ويَنْصَعُ" فإنَّهُ يعني: يَبْقَى ويثبُتُ ويَظْهرُ، وأصلُ النُّصُوع في الألوان: البَياضُ، يُقالُ: أبيضُ ناصِعٌ، ويَقَقٌ (١) ، كما يُقالُ: أحمرُ قانِئٌ، وأسودُ حالِكٌ، وأصفرُ فاقِعٌ، والمُرادُ بهذه الكلماتِ: الثُّبُوتُ والصِّحَّةُ، والنّاصِعُ: الخالِصُ السّالِمُ، قال النّابِغةُ الذُّبيانيُّ (٢) :
أتاكَ بقولٍ هَلهلِ النَّسجِ كاذِبٍ ... ولم يأتِ بالحقِّ الذي هُو ناصِعُ
أي: خالِصٍ سالم من الاختلاف.
-
وأمّا الخَبَثُ، فلا يثبُتُ، وما لا يثبُتُ فليسَ ظُهُورُهُ بظُهُور.
-
وشبَّه رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - المدينةَ في ذلك الوَقْتِ بالكيرِ والنّارِ، الذي لا يبقى على عَملِهِ إلّا طيِّبُهُ، ويدفعُ الخَبَثَ. وكذلك كانتِ المدينةُ، لا يبقى فيها ولا يثبُتُ إلّا الطَّيِّبُ من النّاسِ، لصُحبتِهِ - صلى الله عليه وسلم -، وللفَهْم عنهُ، فلمّا ماتَ خرجَ عنها كثير من جِلَّةِ أصحابِهِ، لنَشرِ عِلمِهِ، والتَّبليغ لدينِهِ - صلى الله عليه وسلم -.
-
فإن قِيلَ: إنَّ عُمرَ بنَ عبدِ العزيزِ قد خَشِيَ أن يكونَ مِمَّن نَفِتِ المدينةُ، وليسَ ذلكَ في المعنى الذي ذكَرتَ من صُحْبةِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - والأخْذِ عنهُ، بل ذلكَ لفَضْلِ المدينةِ الباقي إلى يوم القيامة؟
-
قيل لهُ: لا يُنكِرُ فضلَ المدينةِ عالم، ولكنَّ قولَهُ: "تَنْفي خَبَثَها، وينصَعُ طيبُها" ليسَ إلّا على ما قُلنا، بدليلِ خُرُوج الفُضَلاءِ الصحابةِ الطَّيِّبينَ منها إلى الشّام
ج ٨ ص ٧٢والعِراقِ، ولا يجُوزُ أن يُقالَ في واحِدٍ منهُم: إنَّهُم كانوا خُبَثاءَ رضي الله عنهُم. وقد يقولُ العالِمُ القولَ على الإشْفاقِ على نفسِهِ، فلا يكونُ في ذلكَ حُجَّةً على غَيرِهِ.
قال أبو عُمر: كان خُرُوجُ عُمرَ بن عبدِ العزيزِ من المدينةِ، حينَ قال هذا القول، فيما ذكَرَ أهلُ السِّيرِ، في شَهرِ رمضانَ، من سَنةِ ثلاثٍ وتِسعينَ، وذلك أنَّ الحَجّاجَ كتبَ إلى الوليدِ، فيما ذَكرُوا: أنَّ عُمرَ بنَ عبدِ العزيزِ بالمدينةِ كَهْفٌ للمُنافِقين، فجاوَبهُ الوليدُ: إنِّي أعزِلُهُ، فعَزَلهُ وولَّى عُثمانَ بنَ حيّانَ المُرِّيَّ، وذلكَ في شَهْرِ رمضان المذكُور. فلمّا صارَ عُمرُ بالسُّوَيداءِ قال لمُزاحِم: يا مُزاحِمُ، أتخافُ أن نكونَ مِمَّن نَفتِ المدينةُ (١) ؟
وقال ميمُونُ بن مِهْران: ما رَأيتُ ثلاثةً في بَيْتٍ خيرًا من عُمرَ بن عبدِ العزيزِ، وابنِهِ عبدِ الملكِ، ومولاهُ مُزاحِم (٢) .
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَير، قال (٣) : حدَّثنا هارُونُ بن مَعْرُوفٍ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال:
ج ٨ ص ٧٣أخبرني عَمرُو بن الحارِثِ، عن ابن (١) شِهاب، أنَّ عَمرَو بنَ عبدِ الرَّحمنِ بن أُميَّةَ حدَّثهُ، أنَّ أباهُ أخبَرهُ، أنَّ يَعْلَى بنَ أُميَّةَ قال: جِئتُ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - بأبي أُميَّةَ يومَ الفتح، فقلتُ: يا رسُولَ الله، بايِعْ أبي على الهِجْرةِ، فقال: "أُبايعُهُ على الجِهادِ وقدِ انْقَطعتِ الهِجْرةُ؟ " .
-
وأخبرنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَير، قال (٢) : حدَّثنا محمدٌ (٣) ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن زكريّا، عن عاصِم، عن أبي عُثمانَ، قال: حدَّثني مُجاشِعُ بن مسعُودٍ، قال: أتيتُ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لأُبايعَهُ على الهِجْرةِ، قال: "قد مَضَتِ الهِجْرةُ لأهلِها، ولكنْ على الإسْلام والجِهادِ والخَيْرِ" .
-
وذكر البُخاريُّ، قال (٤) : حدَّثنا إسحاقُ بن يزيدَ، قال: حدَّثنا يحيى بن حَمْزةَ، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، عن عَطاءِ بن أبي رَباح، قال: زُرتُ عائشةَ معَ عُبيدِ بن عُمَير، فسألتُها عن الهِجْرةِ، فقالت: لا هِجْرةَ اليومَ، كان المُؤمنُ يفِرُّ بدينِهِ إلى الله عزَّ وجلَّ، وإلى رسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم -، مخافةَ أن يُفتَنَ عليه، فأمّا اليومَ فقد أظهَرَ الله الإسلام، فالمُؤمنُ يعبُدُ ربَّهُ حيثُ شاءَ، ولكنْ جِهادٌ ونيَّةٌ.
- ج ٨ ص ٧٤
حديثٌ ثانٍ لمحمدِ بن المُنكدِرِ (١)
-
مالكٌ (٢) ، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، عن أُمَيمةَ بنتِ رُقَيقةَ (٣) ، قالت: أتَيتُ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - في نِسْوةٍ بايَعْنَهُ (٤) على الإسلام، فقُلنا: يا رسُولَ الله، نُبايعُكَ على أن لا نُشرِكَ بالله شيئًا، ولا نَسْرِقَ، ولا نَزْنيَ، ولا نقتُلَ أولادَنا، ولا نأتيَ ببُهتانٍ نَفْتريهِ بين أيدينا وأرجُلِنا، ولا نَعْصيَكَ في معرُوفٍ، فقال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "فيما اسْتَطعتُنَّ وأطقتُنَّ" . قالت: فقُلنا: الله ورسُولُهُ أرحمُ بنا من أنفُسِنا، هلُمَّ نُبايعْكَ يا رسُولَ الله، فقال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنِّي لا (٥) أُصافِحُ النِّساءَ، إنَّما قَوْلي لمئةِ امرأةٍ، كقَوْلي لامرأةٍ واحِدة" . أو: "مِثلِ قولي لامرأةٍ واحِدةٍ" (٦) .
قال أبو عُمر: لا خِلافَ عن مالكٍ في إسنادِ هذا الحديثِ ومَتْنِهِ عِندَ أحدٍ من رُواتِهِ عنهُ فيما عَلِمتُ (٧) .
- ج ٨ ص ٧٥
وهكذا رواهُ الثَّوريُّ، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، سمِعَ أُمَيْمةَ بنت رُقَيقةَ، مِثلَ حديثِ مالكٍ هذا، سَواءٌ إلى آخِرِهِ، إلّا أنَّهُ قال بعدَ قولِهِ: "الله أرْحَمُ بنا من أنفُسِنا" : قالت: فقُلنا: يا رسُولَ الله، ألا تُصافِحُنا؟ فقال: "إنِّي لا أُصافِحُ النِّساءَ" . ثُمَّ ذكرهُ سَواءً (١) .
-
ورواهُ ابنُ عُيَينةَ، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، مُختصرًا (٢) .
-
في هذا الحديثِ من الفِقْهِ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يُبايعُ النّاسَ على الإسلام، وشُرُوطِهِ، وشَرائعِهِ، ومَعالِمِهِ، على حَسَبِ ما ذكَرْنا في البابِ قبلَ هذا، وهذه البَيْعةُ على حَسَبِ ما نصَّ الله في كِتابِهِ، وأنَّهُ لا يُكلِّفُ نفسًا إلّا وُسْعَها، وكلُّ ما كلَّفهُم وافتَرضَ عليهم، ففي وُسْعِهِم وطاقتِهِم ذلك كلُّهُ وأكثرُ منهُ.
-
وأمّا قولُ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديثِ: "فيما اسْتَطعتُنَّ وأطَقْتُنَّ" فإنَّما ذلك مردُودٌ إلى قولِها: "ولا نَعْصيَكَ في معرُوفٍ" . فكلُّ معرُوفٍ يأمُرُ به، يَلزَمُهُنَّ إذا أطَقْنَ القيامَ به، وقد ثَبتَ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّهُ قال: "إذا أمَرْتُكُم بشيءٍ، فخُذُوا منهُ ما اسْتَطعتُم" (٣) ، وهذا كلُّهُ داخِل تحتَ قولِهِ عزَّ وجلَّ: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: ٢٨٦] .
- ج ٨ ص ٧٦
وأمّا المعرُوفُ في هذا الحديثِ، فجاءَ بلَفْظِ النَّكِرةِ، فكلُّ ما وقَعَ عليه اسمُ مَعرُوفٍ، لَزِمَهم، وكان - صلى الله عليه وسلم - لا يأمُرُ إلّا بمَعرُوف، وقد قيلَ: إنَّ المعرُوفَ هاهُنا: أنْ لا يَنُحْنَ على موتاهُنَّ، ولا يَخلُوَنَّ رجُلٌ بامرأة، ذكر مَعْمرٌ، عن قَتادةَ، قال: أخَذَ عليهنَّ أن لا ينُحْنَ، ولا يَخلُونَّ بحديثِ الرِّجالِ، إلّا مع ذي مَحْرم (١) .
-
أخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ، قِراءةً منِّي عليه، أنَّ قاسمَ بن أصبَغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا موسى بن مُعاويةَ، قال حدَّثنا: وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصُورٍ، عن سالم، في قولِهِ: {وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} [المتحنة: ١٢] قال: النَّوحُ (٢) .
قال: وحدَّثنا وكيعٌ، عن يزيدَ مولى الصَّهباءِ، عن شَهْرِ بن حَوْشبٍ، عن أُمِّ سَلَمةَ (٣) ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "النَّوحُ" (٤) .
قال: وحدَّثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن زيدِ بن أسلمَ: {وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} قال: لا يَنْشُرْنَ شعرًا، ولا يَخدِشْنَ وَجْهًا، ولا يَدْعُونَ وَيْلًا (٥) .
ج ٨ ص ٧٧قال: وحدَّثنا وكيعٌ، عن أبي جَعْفرٍ، عن الرَّبيع، عن أبي العاليةِ، في قولِهِ: {وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} قال: في كلِّ شيءٍ وافقَ طاعةً. ولم يرَ لنبيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - أن يُطاعَ في مَعْصية (١) .
-
وقرأتُ على أحمدَ بن عبدِ الله بن محمدٍ، أنَّ أبا محمدٍ الحَسَنَ بن إسماعيلَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بن بَحْرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ بن سالم، قال: حدَّثنا سُنَيدُ بن داود، قال: حدَّثنا حجّاجُ بن محمدٍ، عن أبي جَعْفرٍ، عن أبي العاليةِ، قال: في كلِّ شيءٍ وافقَ طاعةً، فلم يَرْضَ لنبيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - أن يُطاعَ في مَعْصية، فكيف بغيرِه!
قال سُنَيدٌ: حدَّثنا حجّاجٌ، عن ابن جُرَيْج، عن عَطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عبّاسٍ: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - اشْتَرطَ عليهنَّ فيما يَمْتحِنُهُنَّ به نياحةَ الجاهِليَّةِ: "أن لا ينُحْنَ بها، ولا يخلُونَّ بالرِّجالِ في البُيُوتِ" (٢) .
قال: وحدَّثنا حجّاجٌ، عن ابن جُرَيْج، عن مُجاهِدٍ، في قولِهِ: {وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} قال: لا يخلُو الرَّجُلُ بالمرأةِ.
قال: حدَّثنا حجّاجٌ، عن ابن جُرَيْج، عن الزُّهريُّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالت: كان المُؤمناتُ إذا هاجَرْنَ إلى رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يَمْتحِنُهُنَّ بهذه الآية: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا} [الممتحنة: ١٢] ولا، ولا، ولا (٣) ... قالت عائشةُ: فمن أقرَّ من المُؤمناتِ بهذه، فقد أقرَّ بالمِحْنةِ،
ج ٨ ص ٧٨فإذا أقْرَرْنَ بذلك، قال لهُنَّ: "انْطَلِقنَ، فقد بايَعتكُنَّ" . قالت عائشةُ: ولا والله ما مَسَّتِ امرأةٌ قَطُّ يَدَهُ، غير أنَّهُ يُبايعُهُنَّ بالكَلام (١) .
قال: وحدَّثنا حجّاجٌ، عن ابن جُرَيْج، قال: أخْبَرني موسى بن عُقبةَ، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، أنَّهُ سمِعَ أُمَيمةَ بنت رُقَيقةَ تَزْعُمُ أنَّها بايَعْت رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فاشْتَرطَ عليها ما يَشْتَرطُ على المُؤمناتِ في كِتابِ الله، ثُمَّ قال: "فيما أطَقْتِ يا ابْنةَ (٢) رُقيقةُ" (٣) .
قال: وحدَّثنا حجّاجٌ، عن ابن جُرَيْج في قولِهِ: {وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ} [الممتحنة: ١٢] قال: كانتِ المرأةُ في الجاهِليَّةِ تَلِدُ الجاريةَ، فتأخُذُ الغُلام فتَجْعلُهُ في مكانِها، وتقولُ لزَوجِها: هُو ولدُكَ (٤) .
قال: وحدَّثنا سُنيدٌ، قال: حدَّثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا هشامٌ، عن حَفْصةَ بنتِ سِيرينَ، عن أُمِّ عَطيَّةَ، قالت: أخذَ علينا رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: {وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} ومن المعرُوفِ: أن لا ينُحْنَ. قالت: فما (٥) وفَتِ امرأةٌ منهُن، إلّا امرأتينِ: أمَّ سُلَيم، وابنةَ الرَّبيع (٦) .
ج ٨ ص ٧٩قال (١) : وحدَّثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا يُونُسُ، عن الحَسَنِ، قال: كان فيما أُخِذَ عليهنَّ: أن لا يَتَحدَّثْنَ معَ الرِّجالِ، إلّا أن يكونَ مَحْرمًا، فإنَّ الرَّجُلَ قد تُلاطِفُهُ المرأةُ في الكلام، فيُمني في فَخِذِه (٢) .
-
حدَّثنا سعيدُ بن نَصْرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شَيْبةَ، قال (٣) : حدَّثنا أبو مُعاويةَ، عن عاصِم، عن حَفْصةَ، عن أُمِّ عطيَّةَ، قالت: لمّا نَزَلت: {إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ} إلى قولِهِ: {وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} [الممتحنة: ١٢] قالت: كانت منهُ النِّياحةُ، فقلتُ (٤) : يا رسُولَ الله، إلّا آلَ فُلانٍ، فإنَّهُم كانوا أسْعَدُوني (٥) في الجاهِليَّةِ، فلا بُدَّ أن أُسْعِدَهُم، فقال: "إلّا آلَ فُلانٍ" .