مالك، عن أبي الزبير المكي

١٨٩ فقرة، ج ٨ ص ٥

الصفحة ١ من ٥

  1. واسمُ أبي الزُّبيرِ هذا محمدُ (١) بن مُسلم بن تدرُس، مولى حكيم بن حِزام، وقيل: مولى محمدِ بن طَلْحةَ. والأوَّلُ أصحُّ وأكثرُ. سكنَ مكّةَ، وماتَ بها سنةَ ثمانٍ وعِشرينَ ومئةٍ، في خِلافَةِ مروان بن محمدٍ، وهُو ابنُ أربَع وثمانينَ سَنة. هذا قولُ الواقِديِّ (٢) .

    وقال عليُّ بن المدينيِّ (٣) : مات أبو الزُّبيرِ قبلَ عَمرِو بن دينارٍ بسنةٍ، ومات عَمرُو بن دينارٍ سنةَ ستٍّ وعِشرينَ ومئةٍ.

    قال أبو عُمر: كان أبو الزُّبيرِ ثِقةً حافِظًا، روى عنهُ مالكٌ، والثَّوريُّ، وابنُ جُرَيْج، واللَّيثُ بن سعد، وابنُ عُيَينةَ، وجماعةٌ من الأئمَّةِ، وكان شُعبةُ يتكلَّمُ فيه، ولا يُحدِّثُ عنهُ، ونسَبهُ مرَّةً إلى أنهُ كان يُسيءُ صَلاتَهُ، ومرَّةً إلى أنَّهُ وَزَنَ فأرجَحَ (٤) .

    ج ٨ ص ٥
  2. وهُو عِند أهلِ العلم مقبُولُ الحديثِ، حافِظٌ مُتقِنٌ، لا يُلتفتُ فيه إلى قولِ شُعبةَ.

    قال مَعْمرٌ: لَيْتني لم أكُن رأيتُ شُعبةَ، جَعلَني أنِّي لا أكتُبُ عن أبي الزُّبيرِ، ولا أحمِلُ عنهُ، وخَدَعني (٥) .

    وقال يحيى بن مَعينٍ: أبو الزُّبيرِ ثِقةٌ (٦) .

    وقال أحمدُ بن حَنْبل: أبو الزُّبيرِ ليسَ به بأسٌ (٧) .

  3. وروى هُشَيمٌ، عن الحجّاج بن أرطاةَ وابنِ أبي ليلى، عن عَطاءٍ، قال: كُنّا نكونُ عِندَ جابرِ بن عبدِ الله فيُحدِّثُنا، فإذا خَرَجنا من عِنده، تذاكَرْنا حديثهُ، فكان أبو الزُّبيرِ من أحْفَظِنا للحديثِ.

    ج ٨ ص ٦
  4. حدَّثناهُ خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا ابنُ المُفسِّرِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عليِّ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن مَنيع، قال: حدَّثنا هُشيمٌ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي ليلى والحجّاجُ بن أرطاةَ، قالا: قال عَطاء. فذكرهُ.

  5. وذكرهُ عبدُ الرَّزّاقِ، قال: أخبرنا عَمرُو بن قيسٍ، قال: كان عَطاءُ بن أبي رباح وأصحابُهُ إذا قدِمَ جابرٌ، قدَّمُوا أبا الزُّبيرِ أمامَهُم يتحفّظُ (١) لهُم.

  6. أخبرنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن عُمرَ البَجَليُّ، قال: حدَّثنا أبو زُرْعةَ، قال: أخبرنا ابنُ أبي عُمَر، قال: سمِعتُ سفيانَ بن عُيَينةَ يقولُ: ما نازَعَ أبو الزُّبيرِ عَمرو بن دينارٍ في حديثٍ قطُّ، إلّا زادَ عليه أبو الزُّبيرِ.

  7. وأخبرنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفضلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَريرٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن الصبّاح، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن أبي الزُّبيرِ، قال: كان عَطاءٌ يُقدِّمُني إلى جابرٍ، فأتحفَّظُ لهُمُ الحديث. وكان عَطاءٌ رُبَّما سُئلَ عن شيءٍ، فيقولُ للسّائل: سَلْ أبا الزُّبيرِ.

  8. لمالكٍ عنهُ في "المُوطَّأ" من حديثِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ثمانيةُ أحاديثَ مُتَّصِلة (٢) .

  9. حديثٌ أوَّلُ لأبي الزُّبيرِ

    مالكٌ (١) ، عن أبي الزُّبيرِ المكِّيِّ، عن جابرِ بن عبدِ الله، أنَّهُ قال: نَحَرْنا مع رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - عام الحُديبيةِ البَدَنةَ عن سَبْعةٍ، والبَقَرةَ عن سَبْعةٍ.

    ج ٨ ص ٧
  10. هذا حديثٌ صحيحٌ عِندَ أهلِ العِلم.

  11. والحُديبيةُ: مَوْضِعٌ من الأرضِ في أوَّلِ الحَرَم، منهُ حِلٌّ، ومنهُ حُرْمٌ، بينهُ وبينهُ مكّةَ نحوُ عَشَرةِ أميالٍ أو خَمْسةَ عشرَ ميلًا، وهُو وادٍ قَريب من بَلْدح (٢) ، على طريقِ جُدَّة.

  12. ومَنْزِلُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بها معرُوفٌ ومشهُورٌ، بينَ الحِلِّ والحُرْم، نَزلهُ - صلى الله عليه وسلم - واضْطَربَ به بناؤُهُ حينَ صدَّهُ المشرِكُون عن البيتِ، وذلك سنةَ ستٍّ من الهِجْرةِ، ونزلَ مَعهُ أصحابُهُ، فعَسْكرتْ قُرَيش لصدِّ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بذي طُوًى، وأتاهُ الحُلَيسُ بن علقمةَ أو ابن زبّانَ، أحدُ بني الحارثِ بن عبدِ مَنَاةَ بن كِنانةَ، فأخبرَهُ أنَّهُم قد عَسْكرُوا بذي طُوًى، وحَلَفُوا أن لا يدخُلَها عليهم عَنوةً أبدًا.

  13. وكان رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قد قَصدَ مكّةَ زائرًا للبيتِ ومُعظِّمًا لهُ، ولم يَقْصِد لقِتالِ قُرَيش، فلمَّا اجتمَعُوا لصدِّهِ عن البيتِ، بعثَ إليهِم عُثمانَ بن عفّان، يُخبِرُهُم أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لم يَأتِ لحربٍ، وإنَّما جاءَ زائرًا للبَيْتِ ومُعظِّمًا لحُرمتِهِ، فخرجَ عُثمانُ حتّى أتى مكّةَ، فأخَبَرهُم بذلك، فقالوا لهُ: إن شِئتَ أنتَ أن تطُوفَ بالبيتِ فطُف، وأمَّا محمدٌ فلا في عامِهِ هذا، فقال عُثمانُ: ما كُنتُ لأفعلَ حتّى يطُوفَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فاحْتَبسَتْهُ قُرَيشٌ عِندَها. فبلَغَ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم -:

    ج ٨ ص ٨أنَّ عُثمان قُتِلَ، فقال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - حين بلَغهُ ذلك: "لا نَبْرَحُ حتّى نُناجِزَ القومَ" (١) .

  14. ودَعا رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى البَيْعةِ، فكانت بيَعْةُ الرِّضوانِ تحتَ الشَّجرةِ، فكان النّاسُ يقولون: بايَعهُم على الموتِ، وكان جابرُ بن عبدِ الله يقولُ: لم يُبايعْنا على الموتِ، وإنَّما بايَعَنا على أن لا نَفِرَّ (٢) .

  15. ثُمَّ أتى رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم -: أنَّ الذي قيلَ من أمرِ عُثمانَ، وذُكِر من قتلِهِ باطِلٌ.

  16. ثُمَّ بَعَثتْ قُريشٌ سُهَيلَ بنَ عَمرٍو العامريَّ، إلى رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فصالحَهُ عنهُم، على أن يرجِعَ عامَهُ ذلك، ولا يدخُلَ عليهم مكّةَ، وأنَّهُ إذا كان عامُ قابِل، خَرَجت قُريشٌ عن مكّةَ، فدَخَلها رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابُهُ، فأقامُوا بها ثلاثًا. إلى سائرِ ما قاضَوْهُ وصالحُوهُ عليه، مِمَّا قد ذكرَهُ أهلُ السِّيرِ. فسُمِّي عام القَضيَّةِ، وهُو عامُ الحُدَيبيةِ.

  17. فلمَّا فرغَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من الصُّلح، قامَ إلى هَدْيِهِ فنَحَرهُ، وحل من إحرامِهِ، وأمرَ أصحابَهُ أن يَحِلُّوا، فنحَرَ ونحرُوا، وحلقوا رُؤُوسَهُم، وقصَّرَ بعضُهُم، فدعا للمُحلِّقين ثلاثًا، وللمُقصِّرينَ واحِدةً، وحلُّوا من كلِّ شيءٍ.

  18. وكان رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قد أحرمَ يومَئذٍ بعُمرة ليأمنَ النّاسُ من حَرْبِهِ، وليَعْلمُوا أنَّهُ خرجَ زائرًا للبيتِ، ومُعظِّمًا لهُ.

  19. واختُلِفَ في مَوْضِع نحرِه - صلى الله عليه وسلم - (١) ، فقال قومٌ: نَحَرَ في الحِلِّ، وقال آخرُونَ: بل نَحرَ في الحُرْم، وقال اللهُ عزَّ وجلَّ: {هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} [الفتح: ٢٥] .

    وقالوا: كان بناءُ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في الحِلِّ، وكان يُصلِّي في الحُرم.

    ج ٨ ص ٩
  20. ذكرَ محمدُ بن إسحاق، عن الزُّهريِّ، قال: كان بناءُ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - مَضْروبًا (٢) في الحِلِّ، وكان يُصلِّي في الحُرْم (٣) .

    وقال عَطاءٌ: في الحُرْم نحرَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - هديَهُ يومئذ (٤) . وكان عطاءٌ يقولُ: إذا بلغ الهَدْيُ الحُرْم، فقد بلغ محِلَّهُ.

    قال أبو عُمر: ظاهِرُ قولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} يرُدُّ قولَ عطاءٍ، واللهُ أعلمُ، وقد قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: ٣٣] .

  21. واختلفَ الفُقهاءُ فيمن حصَرهُ العدُوُّ في غيرِ الحُرْم (٥) :

    فقال مالكٌ: المُحصَرُ بعدُوٍّ، ينحَرُ هَدْيَهُ حيثُ حُصِرَ، في الحُرْم وغيرِهِ.

  22. وهُو قولُ الشّافِعيِّ وداودَ بن عليٍّ.

    وقال أبو حَنِيفةَ: لا ينحَرُ هَدْيَهُ إلّا في الحُرْم.

    وقال عطاءٌ: لا يَحِلُّ المُحصَرُ إلّا أن ينحَرَ هديَهُ في الحُرْم. وقد رُوي عنهُ إجازَةُ نحرِ الهدي للمُحصَرِ في الحِلِّ والحُرْم. وهُو قولُ ابن مسعُودٍ، وابنِ عُمرَ،

    ج ٨ ص ١٠وابنِ الزُّبيرِ. وهُو قولُ مالكٍ، والحُجَّةُ لمالك (١) : أنَّ الهَدْيَ تابِعٌ للتَّحلُّل، قياسًا على من تمَّ حجُّهُ، ألا تَرَى أنَّ من تمَّ حجُّهُ، نحرَ بمِنًى، ومن تمَّتْ عُمرتُهُ، نحرَ بمكّةَ، فكذلك المُحصَرُ ينحرُ حيثُ يحِلُّ، وكلُّ مُتحلِّل، فهديُهُ منحُورٌ حيثُ يحِلُّ، والله أعلمُ.

    وقال مالكٌ: من حصَرهُ المرضُ، فلا يُحِلُّهُ إلّا الطَّوافُ بالبيتِ، فإن أُحصِرَ بعدُوٍّ، فإنَّهُ ينحَرُ هَدْيَهُ حيثُ حُصِر، ويتحلَّلُ وينصرِفُ، ولا قَضاءَ عليه، إلّا أن يكونَ صَرُورةً (٢) . وهذا كلُّهُ قولُ الشّافِعيِّ وداودَ بن عليٍّ.

    وقال أبو حنيفةَ: المُحصَرُ بالعدُوِّ والمرضِ سواءٌ، يذبحُ هديهُ في الحُرْم، ويَحِلُّ يومَ النَّحرِ إن شاءَ، وعليه حَجَّةٌ وعُمرة. وهُو قولُ الطَّبريِّ (٣) .

    وقال أبو يوسُفَ ومحمدٌ: ليسَ ذلك لهُ، ولا يَتحلَّلُ دُونَ يوم النَّحرِ. وهُو قولُ الثَّوريِّ، والحسنِ بن صالح (٤) .

    وقال مالكٌ: من أُحصِرَ بعدُوٍّ، فحالَ بينهُ وبين البيتِ، فإنَّهُ يَحِلُّ من كلِّ شيءٍ، وينحَرُ هديَهُ، ويَحلِقُ رأسَهُ حيثُ حُبِسَ، وليسَ عليه قضاءٌ.

    قال مالكٌ (٥) : وبلغني أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - حَلَّ هُو وأصحابُهُ بالحُديبيةِ، فنحرُوا الهَدْيَ، وحَلَقوا رُؤُوسَهُم، وحلُّوا من كلِّ شيءٍ قبلَ أن يطُوفُوا بالبيتِ، وقبلَ أن يصِلَ إليه الهديُ، ثُمَّ لم يُعلَمْ أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أصحابَهُ، ولا أحدًا مِمَّن كان مَعهُ أن يقضُوا شيئًا، ولا يُعيدُوا الشيءَ.

    ج ٨ ص ١١قال مالكٌ: وعلى هذا الأمرُ عِندَنا فيمن حُصِرَ بالعدُوِّ، كما حُصِرَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابُهُ، فأمّا من حُصِرَ بغيرِ عدُوٍّ، فإنَّهُ لا يَحِلُّ دُونَ البيت (١) . وقولُ الشّافِعيِّ في هذا البابِ كلِّهِ، كقولِ مالكٍ سَواءٌ.

  23. واختلفُوا إذا حَصَرهُ العدُوُّ بمكّةَ (٢) .

    فقال مالكٌ: يَتحلَّلُ بعَمَلِ عُمرةٍ، كما لو حَصَرهُ العدُوُّ في الحِلِّ، إلّا أن يكونَ مكِّيًّا، فيخرُجَ إلى الحلِّ، ثُمَّ يتحلَّل بعُمرة (٣) .

    وقال الشّافِعيُّ: الإحصارُ بمكّةَ وغيرِها سواءٌ.

    وقال أبو حنيفةَ: إذا أتى مكّةَ مُحرِمًا بالحجِّ، فلا يكونُ محُصرًا.

    وقال مالكٌ: من وقفَ بعرَفةَ، فليسَ بمُحصرٍ، ويُقيمُ على إحرامِهِ، حتّى يطُوفَ بالبيتِ ويَهدي (٤) . ونحوَ ذلك قال أبو حَنِيفةَ، وهُو أحَدُ قولي الشّافِعيِّ.

    وقال الحسنُ بن حيٍّ: يكونُ مُحصَرًا. وهُو أحدُ قولي الشّافِعيِّ أيضًا.

    وقال مالكٌ: من فاتَهُ الحجُّ، تحلَّل بعَملِ عُمرةٍ، وعليه الحجُّ من قابِلٍ والهديُ. وهُو قولُ الثَّوريِّ.

    وقال أبو حنيفةَ: يتَحلَّلُ بعُمرةٍ، ولا هَدْيَ عليه، وعليه الحجُّ من قابل (٥) .

    وقال الأوزاعيُّ: يعمَلُ ما أدرَكَ من عَملِ الحجِّ ويقضي.

  24. واختلفَ أهلُ اللُّغةِ في لفظِ الإحصارِ، والحَصْرِ، فقال بعضُهُم: أحْصَرهُ

    ج ٨ ص ١٢المرضُ، وحَصَرهُ العدُوُّ. واحتجَّ من ذهبَ هذا المذهبَ بقولِ ابن عبّاسٍ: لا حصْرَ إلّا حَصْرُ العدُوِّ (١) .

    وقال بعضُهُم: يُقالُ فيهما جميعًا: أحصرهُ. واحتجَّ من ذهَبَ إلى هذا بقولِ الله عزَّ وجلَّ: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} [البقرة: ١٩٦] وأنَّها نزلت بالحُديبيةِ.

  25. والحِلاقُ عِندَ مالكٍ وأصحابِهِ نُسُكٌ واجِبٌ على الحاجِّ والمُعتمِرِ، وعلى المُحصَرِ بعدُوٍّ أو بمَرض (٢) .

    قال أبو حنيفةَ: ليسَ على المُحصَرِ تَقْصيرٌ ولا حِلاقٌ (٣) .

  26. وقد رُويَ عن أبي يوسُفَ، أنَّ ذلكَ عليه لا بُدَّ لهُ منهُ، يحلِقُ أو يُقصِّرُ (٤) .

  27. واختلفَ أصحابُ الشّافِعيِّ في هذه على قَوْلينِ، أحدِهِما: أنَّ الحِلاقَ نُسُكٌ. والآخر: ليسَ الحِلاقُ من نُسُكٍ (٥) .

  28. واختلفَ العُلماءُ أيضًا في وُجُوبِ الهدي على المُحصَرِ (٦) .

    فقال مالكٌ: لا هديَ على المُحصَرِ بعدُوٍّ (٧) .

    وقال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ: عليه الهديُ. وهُو قولُ الشّافِعيِّ وأشهَبَ (٨) .

  29. واختلفُوا في البَدَنةِ والبَقَرةِ، هل تُجزِئُ عن سبعةٍ مُحصَرينِ أو مُتمتِّعينَ أم لا؟

    ج ٨ ص ١٣فقال مالكٌ: لا يجُوزُ الاشتِراكُ في الهَدْي، لا تُجزِئُ البَدَنةُ ولا البَقَرةُ، عمَّن وجبَ عليه دمٌ، إلّا عن واحدٍ. قال: ولا يجُوزُ الاشتِراكُ في الهَدْي الواجِبِ، ولا في الضَّحايا (١) .

    قال أبو عُمر: لم يُختَلَفْ عن مالكٍ وأصحابِهِ: أنَّهُ لا يجُوزُ الاشتِراكُ في الهدي الواجِبِ، إلّا رِوايةٌ شذَّت عِندَ أصحابِهِ عنهُ، وكذلك لا يجُوزُ عِندَهُ الاشتِراكُ في الضَّحايا، إلّا على ما نَصِفُهُ عنهُ هاهُنا.

  30. واختلَفَ قولُهُ في الاشتِراكِ في هدي التَّطوُّع، فذكَرَ ابنُ عبدِ الحكم عنهُ: أنَّهُ لا بأسَ بذلكَ، وكذلك ذَكَر ابنُ الموّازِ.

    قال مالكٌ: تفسيرُ حديثِ جابرٍ في التَّطوُّع: ولا يُشتَركُ في شيءٍ من الواجِبِ. قال: وأمّا في العُمرةِ تَطوُّعًا، فلا بأسَ بذلكَ (٢) .

    وقال ابنُ الموّازِ: لا يُشتَركُ في واجِبٍ، ولا في التَّطوُّع. قال: وأرجُو أن يكونَ خفيفًا في التَّطوُّع (٣) .

  31. ورَوَى ابنُ القاسم، عن مالكٍ، وهُو قولُهُ: لا يُشتَركُ في هديِ تطوُّع، أو واجِبٍ، أو نَذْرٍ، أو جزاءٍ، أو فِديةٍ.

    قال: وأمّا الضَّحايا فجائزٌ أن يذبحَ الرَّجُلُ البَدَنةَ أو البَقَرةَ، عن نفسِهِ، وعن أهل بيتِهِ، وإن كانوا أكثرَ من سَبْعةٍ يُشرِكُهُم فيها. ولا يجُوزُ عِندَهُ أن يشترُوها بينهُم بالشَّرِكةِ فيَذْبحُوها، إنَّما يُجزِئُ إذا تَطوَّعَ عن أهلِ بيتِهِ، ولا يُجزِئُ عن الأجنبيِّينَ.

    وقال في "مُوطَّئهِ" (٤) : أحسنُ ما سمِعتُ أنَّ الرَّجُلَ يَنحَرُ عنهُ وعن أهلِ بيتِهِ

    ج ٨ ص ١٤بَدَنةً، أو يذبحُ بقرةً أو شاةً، وهُو يملِكُها ويُشرِكُهُم فيها، فأمّا أن يَشْترِكَ فيها ناسٌ في نُسُكٍ، أو ضَحيَّةٍ، ويُخرِجَ كلُّ واحِدٍ منهُم حِصَّتَهُ من ثَمنِها، فإنَّ ذلك يُكرَهُ.

  32. وقال اللَّيثُ بن سعدٍ مِثلَهُ في البَقَرِ والإبِلِ.

  33. ومن حُجَّةِ مالكٍ فيما ذهَبَ إليه من ذلكَ: حديثُ ابن شِهاب، عن عَمْرةَ وعُروةَ، عن عائشةَ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نحَرَ عن نِسائهِ بَقَرةً واحِدةً في حَجَّةِ الوداع بَيْنهُنَّ (١) . يعني: أنَّهُ تَطوَّعَ بذلكَ عنهُنَّ، والله أعلمُ.

  34. ورَوَى الأوزاعيُّ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِثلَهُ (٢) .

  35. وأشرَكَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عليًّا في هديهِ عامَ حجَّةِ الوداع، تَطوَّعَ عنهُ بذلك. وقد تقدَّم ذِكرُ حديثِهِ في بابِ جَعْفرِ بن محمدٍ، من كتابِنا هذا، فأغْنَى عن إعادتِهِ هاهُنا.

  36. واحتجَّ لهُ ابنُ خُوَيْزمَنْداد (٣) بإجماعِهِم على أنَّهُ لا يجُوزُ الاشتِراكُ في الكَبْشِ الواحِدِ، قال: وكذلكَ البَدَنةُ والبقرةُ؛ لأنَّهُ دمٌ أُريِقَ بواجِبٍ، وما زادَ منِ احتجَّ بهذا على أن جمعَ بين ما فرَّقتِ السُّنّةُ.

    وقال الأَبْهريُّ: الاشتِراكُ في الضَّحايا والهَدايا يُوجِبُ القِسْمةَ بين الشُّركاءِ. قال: والقِسْمةُ بيعٌ من البُيُوع، ولا يجُوزُ أن يُباعَ النُّسُكُ بإجماع، فلذلك (٤) لا يجُوزُ الاشتِراكُ في الضَّحايا والهدايا.

    قال أبو عُمر: إجماعُ العُلماءِ على أنَّ بيعَ الهَدْي التَّطوُّع لا يجُوزُ، مع إجازتِهِمُ الاشْتِراكَ فيه، يُبطِلُ ما اعتلَّ به الأبهريُّ، رحِمهُ الله، ويدُلُّك ذلك، على أنَّ هذا ليسَ من بابِ البُيُوع في شيءٍ، وإنَّما هُو من بابِ الصَّدَقةِ بالمُشاع، فكيفَ وقد وردَ

    ج ٨ ص ١٥في الاشْتِراكِ في الهَدْي ما وردَ عن السَّلفِ، الذي لا يجُوزُ عليهم تحريفُ التَّأويلِ، ولا الجهلُ به، ويصِحُّ الاحتِجاجُ لمالكٍ في هذا البابِ على مذهبِهِ، في أنَّ الهَدْيَ الذي ساقَهُ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يومَ الحُدَيبيةِ كان تطوُّعًا، فأشْرَكهُم في ثوابِهِ لا في المِلكِ بالثَّمنِ، كما صنعَ بعليٍّ في حَجَّةِ الوداع، إذ أشْرَكهُ في الهَدْيَ الذي ساقَهُ تطوُّعًا أيضًا عِندَ مالكٍ؛ لأنَّهُ كان مُفْرِدًا - صلى الله عليه وسلم -، وفي المسألةِ ضُرُوبٌ من النَّظر.

    وقال الشّافِعيُّ، وأبو حنيفةَ، والأوزاعيُّ: تُجزِئُ البَدَنةُ عن سَبْعةٍ، والبَقَرَةُ عن سبعةٍ كلِّهِم، قد وجبَ عليه دمٌ من تَمتُّع، أو قِرانٍ، أو حَصْرِ عدُوٍّ، أو مَرضٍ، وكلُّ من وجبَ عليه ما استَيسَرَ من الهَدْي، وذلك شاةٌ: أجزأهُ شركٌ في بَقرةٍ أو بَدَنة إذا كان ذلك الشِّركُ سُبعَها، أو أكثرَ من سبعِها، ولا تُجزِئُ البَدَنةُ ولا البَقَرةُ عن أكثرَ من سَبْعة (١) .

  37. وهذا كلُّهُ قولُ الثَّوريِّ، وأحمدَ بن حَنْبل، وأبي ثورٍ، وداودَ بن عليٍّ، والطَّبريِّ، وعامَّةِ الفُقهاءِ.

  38. ورُوي ذلكَ عن جَماعةٍ من أصحابِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، منهُم: عليٌّ، وابنُ مسعُود (٢) .

  39. وكان زُفَرُ بن الهُذيلِ يقولُ: إن كان الهَدْيُ الواجِبُ على السَّبعةِ نَفرٍ، وجَبَ من بابٍ واحِدٍ، مِثلَ أن يكونُوا مُتمتِّعينَ، أو قارِنِينَ، أو نحوَ ذلك، جازَ لهُمُ الاشتِراكُ في البَدَنةِ أو البَقَرةِ، إذا كانوا سَبْعةً فأدنى. قال: فإنِ اختلفَ الوَجْهُ الذي منهُ وجَبَ عليهمُ الدَّمُ، لم يُجْزِهِم ذلك (٣) .

  40. وكان أبو ثَوْرٍ يقولُ: إن شارَكهُم ذِمِّيٌّ، أو من لا يُريدُ الهَدْي، وأرادَ حِصَّتَهُ من اللَّحم، أجْزَأ من أراد منهُمُ الهَدْيَ حِصَّتُهُ، يعني: إذا كانت سُبُعَ البَدَنةِ فما فوقَهُ، ويأخُذُ الباقون حِصَصَهُم من اللَّحم.

    ج ٨ ص ١٦وقال أبو حَنِيفةَ، وأبو يوسُفَ، ومحمدٌ: إذا كان فيهم ذِمِّيٌّ، أو مَن لا يُريدُ أن يَهْديَ، فلا يُجزيهِم من الهَدْي.