الجواب عن حديث ابن الزبير: أنه رأى رجلا يرفع يديه

١٤ فقرة، ج ٢ ص ١٠٧

  1. * وأما ما رووا عن عمر أنه قال: «رفع الأيدي في الصلاة بدعة» (١) ، فمِنْ وَضْع بعض الغُلاة المنحرفين عن السنة، وكذلك المرويّ عن علي (٢) . والصحيح عن عمر وعلي يكذّب الروايةَ عنهما بخلافه.

    ج ٢ ص ١٠٧
  2. وكذلك ما رووه عن مجاهد أنه قال: صليت خلف ابن عمر سنتين فلم يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى (٣) .

  3. وقد تقدم من الروايات الصحيحة عن ابن عمر ما يشهد بكَذِبِ هذه الرواية، وأنها مُخْتَلقة موضوعة عليه.

  4. * وأما حديث ابن عباس: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرفع يديه كلما ركع وكلما رفع، ثم صار إلى افتتاح الصلاة وترك ما سوى ذلك» (٤) ، فلا يُعرف (٥) له إسناد وهو موضوع بلا ريب.

  5. * وأما ما رُوي عن ابن الزّبير: أنه رأى رجلًا يرفع يديه، فقال: هذا شيء فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم تركه (٦) . فلا يُعرف هذا ولا الذي قبله في شيء من كتب الحديث والآثار التي يُعتمد عليها.

  6. ومثل هذا لا يجوز الاحتجاجُ به باتفاق أهل العلم، فضلًا عن أن تعارَض به الأحاديثُ الصحيحة الثابتة المستفيضة التي لا يمكن دفعُها، التي هي متواترة تواترًا خاصًّا عند أهل الحديث، يقطعون بها أعظم من قَطْع أتْباع الأئمة بما اشتهر من فتاوى أئمتهم بكثير؛ إذ توفُّر هِمم الصحابة والتابعين ومن بعدهم على نقلها وإظهارها وبثِّها في الأمة، وحرصهم على ذلك أعظم من توفّر هِمم أتْباع الأئمة على نقل فتاويهم وبثّها وإظهارها في الأمة، بما لا نسبةَ بينهما، فإذا جاز [ق ٣٣] أن يقال: مذهب أبي حنيفة ترك رفع اليدين عند الركوع والرّفع منه، ومُستند هذه الإضافة نقل ثلاثة أو أربعة عنه، فلا يشكّ أصحابُه أنَّ هذا مذهبه وقوله، فكيف بالنقل المستفيض المتواتر عند أهل العلم بالحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بالرفع؟ فأين النقلُ من النقل، والكثرةُ من الكثرة، والاستفاضةُ من الاستفاضة؟!

    قال البخاري (١) : ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعله وروايته عن أصحابه. يُروى عن سبعة عشر نفسًا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم كانوا يرفعون أيديهم عند الركوع ... وعدَّهم.

    ثم قال: وقال الحسن وحُمَيد بن هلال: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرفعون أيديهم. فلم يستثن أحدًا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - دون أحد، ولم يثبت عند أحدٍ من أهل العلم عن أحدٍ من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه لم يرفع يديه.

    ج ٢ ص ١٠٨
  7. ويروى أيضًا عن عِدّة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما وصفنا. وكذلك رُوِّيناه عن عِدّة من علماء أهل مكة، وأهل الحجاز، وأهل العراق، وأهل الشام، والبصرة، واليمن، وعِدّة من أهل خُراسان.

    ج ٢ ص ١٠٩
  8. وكذلك يروى عن أم الدرداء أنها كانت ترفع يديها.

    ثم قال: وكان عبد الله بن الزبير، وعلي بن عبد الله، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم يثبتون عامة هذه الأحاديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويرونها حقًّا. وهؤلاء أهل العلم من أهل زمانهم (١) .

    قلت (٢) : ومن المعلوم جواز إضافة القول بذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، [وأنهم] يرون هذا، وأن يُقال: القولُ بالرفع في هذه المواضع هو قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه.

  9. فصل

    * قالوا: وأما استدلالكم بما رواه مسلم في «صحيحه» (٣) عن جابر ابن سَمُرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيلٍ شُمْس، اسكنوا في الصلاة» ، فمن جنس الاستدلال بقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [النساء/٧٧] .

  10. فيا لله العجب! كيف ينكر عليهم رفع الأيدي عند الركوع والرفع منه

    ــ بزعمكم ــ وهو يفعله دائمًا، وهم يشاهدونه ويأخذونه عنه، ويفعلونه في حياته وبعده، ويَحْصُب بعضُهم من لم يفعله، ويخبر عمر بن عبد العزيز: أنهم كانوا يؤدَّبون على تركه؟! وكيف لم يَنْتهوا عنه بعد هذا النهي؟! وكيف فهموا من هذا الترك الرفع عند الركوع والرفع منه، ولم يفهموا تركه عند الافتتاح؟!

    ج ٢ ص ١١٠
  11. أفترى إذا رُفِعت الأيدي عند الافتتاح لم تكن كأذناب الخيل؟! وإذا رُفِعت للركوع صارت حينئذٍ كأذناب الخيل فيتناولها النهي؟! إن هذا من عَجب (١) العَجَب!

  12. وأعجبُ منه أن يكون قد نهاهم عنه وأمرهم بضده، ولم يثبت عن أحدٍ منهم أنه أطاع هذا الأمر وانتهى عما نهى عنه، إلا ما يُروى [ق ٣٤] عن ابن مسعود وحده إن صح.

  13. وأعجبُ منهما رواية الصحابة عنه - صلى الله عليه وسلم - الرفعَ الذي قد نهى عنه

    ــ بزعمكم ــ وتبليغه للأمة وتعليمهم إياه وإشاعتهم له مع كونه منهيًّا عنه!

  14. فليتأمل المُنصف ما تبلغ نُصرةُ أقوال الرجال والتعصّب للمذاهب بصاحبها، فنسأل الله التوفيق بمنّه وكرمه.

    ج ٢ ص ١١١قالوا (١) : ولا ندري أعَلِمَ صاحبُ هذا الاستدلال سبب الحديث، وأن القوم كانوا إذا سلَّموا من الصلاة رفع أحدُهم يدَه اليمنى مشيرًا بها إلى مَنْ عن يمينه، ثم رفع اليسرى مشيرًا بها إلى مَن عن شماله كذلك، فنُهوا عن ذلك وأُمِروا بالاقتصار على السلام، وقيل لهم: إنما يكفي أحدكم أن يسلّم على أخيه مِن عن يمينه وعن شماله: السلامُ عليكم ورحمة الله، السلامُ عليكم ورحمة الله، أم لم يعلم أن ذلك هو المنهيّ عنه؟

    فإن كان لا يدري فتلك مصيبة ... وإن كان يدري فالمصيبة أعظم (٢)

    قال إمام السُّنة محمد بن إسماعيل البخاري (٣) : «وأما احتجاج من لا يعلم بحديث وكيع، عن الأعمش، عن المسيّب بن رافع، عن تميم بن طَرَفَة، عن جابر بن سَمُرة، قال: دخل علينا النبي - صلى الله عليه وسلم - ونحن رافعو (٤) أيدينا في الصلاة فقال: «ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شُمْس اسكنوا في الصلاة» (٥) ، فإنما كان هذا في التشهد لا في القيام، كان يُسَلِّم بعضُهم على بعض، فنهى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن رفع الأيدي في التشهد. ولا يحتجُّ بمثل هذا من له حظٌّ من العلم، هذا معروف مشهور لا اختلاف فيه.