جوابهم عن حديث ابن عمر
١٩ فقرة، ج ٢ ص ١٣٧
- ج ٢ ص ١٣٧
قال الخافضون أيديهم: لقد استنفد الرميُ سهامَكم، ولم تدعوا حَجَرًا ولا مَدَرًا ولا قِشَعًا (١) إلا رميتمونا به، وظننتم أن الدولة كانت لكم في هذه الكرَّة، وأن الهزيمة بلغت بمنازعيكم إلى حيث أمِنْتُم كَرَّتهم، وأن الحرب قد وضعت أوزارَها، وقد برَدَت الغنائمُ لأربابها، وهيهات! الآن حَمِيَ الوطيس، واستدارت رَحى الحرب، وقال الفرسان: هل من مبارز؟ فاستعدّوا الآن للقاءِ كمينٍ من جيوش المناظرة لم يكن لكم في حساب، فإن ثبتّم له وكسرتموه، كنتم أولى بالحق في هذه المسألة منّا، وإلا فالرجوع إلى الحق أولى بكم، وبالله المستعان.
[ق ٤٣] (٢) فأما حديث [عبدالله بن عمر الذي] عليه تُعوِّلون وبه تصولون، فهذا الحـ [ـديث، يرويه] ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعنه نافع، وعنه مالك [ ... ... ] إمام أهل المدينة في وقته، وأهلها يقتدون به.
-
وقد قال ابن القاسم: سألتُ مالكًا عن رفع اليدين عند الركوع والرفع منه؟ [فقال: يرفع في أول] مرة. وذهب إلى أن الحديث منسوخ.
ج ٢ ص ١٣٨وقال مالك في «المدونة» (١) : لا أعرف رفع اليدين في شيء من التكبير في خفضٍ ولا رفع إلا في افتتاح الصلاة شيئًا خفيفًا.
قال ابن يونس: يريد به لا يعرف [العمل به] (٢) .
قال ابن القاسم: وكان مالك يرى رفع اليدين في الصلاة ضعيفًا, وقال: إن كان ففي الإحرام (٣) .
-
وقد قال الشافعي ليونس بن عبدالأعلى: إذا رأيت [مُتقدّم أهل] المدينة [على شئ فلا يدخل عليك شك أنه الحق (٤) ] (٥) .
وقال عبد الرحمن بن مهدي: السنة المتقدمة عن (٦) أهل المدينة خير من الحديث (٧) .
وقال رجل لأبي بكر بن حزم: [ما أدري] كيف أصنع بالاختلاف؟ فقال: يا
ج ٢ ص ١٣٩ابن أخي إذا وجدتَ أهل المدينة مجمعين على أمر فلا تشكّ أنه الحق (١) .
-
فهذا مالك إمام دار الهجرة [الذي] ضرب الناسُ أكبادَ الإبل في زمانه فلم يجدوا عالمًا أعلم منه.
قال الشافعي: إذا جاء الأثر فمالك النجم (٢) .
وقال ابن معين: كان مالك من حجج الله على خلقه (٣) .
وقال النسائي: أُمناء الله على علم رسوله: شعبة ومالك ويحيى القطان (٤) .
قال محمد بن رُمح: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام منذ أكثر من خمسين سنة، فقلت: يا رسول الله، إن مالكًا والليث يختلفان فبأيهما نأخذ؟ قال: مالك مالك (٥) .
وقال الدراوردي: رأيت في منامي أني دخلت مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فوافيت رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يخطبُ الناسَ؛ إذ أقبل مالكُ بن أنس، فدخل من باب المسجد، فلما أبصره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إليّ إليّ حتى دنا منه، فسلّ
ج ٢ ص ١٤٠خاتمه من خِنصره، فوضعه في خِنصر مالك (١) .
وقال مصعب بن عبد الله الزُّبيري عن أبيه: كنت جالسًا مع مالك في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إذ أتاه رجل فقال: أيكم مالك بن أنس؟ فقالوا: هذا، فسلّم عليه واعتنقه وضمّه إلى صدره، وقال: والله لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البارحة جالسًا في هذا الموضع، فقال: ائتوا بمالك فأُتيَ بك تُرْعَد فرائصُك، فقال: ليس بك بأسٌ يا أبا عبد الله ــ وكَنَّاك ــ وقال: اجلس فجلست، قال: افتح حجرك ففتحته، فملأه مِسكًا منثورًا، وقال: ضمه إليك وبثّه في أمتي. قال: فبكى [ق ٤٤] مالك، وقال: الرؤيا تسرّ ولا تغرّ، وإن صدقت رؤياك فهو العلم الذي أودعني الله عز وجل (٢) .
-
وذكر أبو عمر بن عبدالبر (٣) : أن رجلًا رأى في المنام أن الناس اجتمعوا في جَبّانة الإسكندرية يرمون في غَرَض، فكلهم يخطئ الغرض، وإذا برجل يرمي فيصيب القرطاس، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا مالك بن أنس.
قالوا (٤) : وقد أنكر مالكٌ الرفعَ ورآه ضعيفًا، وهو راوي الحديث وأعلم به، وهذا يدل على نسخه عنده. وراوي الحديث إذا عمل بخلافه دلّ
ج ٢ ص ١٤١على ضعف الحديث أو نسخه؛ إذ لولا ذلك لقدح في عدالته، فبطلت روايته.
-
ولم يزل أئمةُ الحديث يعلِّلون الحديث بمخالفة مذهب الراوي له، كما علل البخاريُّ حديثَ الزُّهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة في الفأرة تقع في السمن، فقال: «إن كان جامدًا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعًا، فلا تقربوه» (١) = بأن ابنَ شِهاب سُئل عن الفأرة تقع في السمن؛ فقال: تُلقى وما حولها، ويؤكل السمن ولم يفصِّل (٢) .
-
وكذلك مخالفة ابن عمر أيضًا للحديث كما روى أبو بكر بن أبي شيبة
ج ٢ ص ١٤٢في «مصنفه» (١) : حدثنا أبو بكر بن عياش عن حُصين عن مجاهد قال: ما رأيت ابنَ عمر يرفع يديه إلا في أول ما يفتتح.
-
وهذا سند صحيح على شرط مسلم.
قال الطحاويّ (٢) : «فهذا ابن عمر قد رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يرفع يديه، ثم قد ترك هو الرفع بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلا يكون ذلك إلا وقد ثبت عنده نسخ ما قد رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلَه، وقامت عليه الحجة بذلك.
قال: فإن قال قائل: هذا حديث منكر.
-
قيل له: وما دلَّك (٣) على ذلك؟ فلن يجد إلى ذلك سبيلًا.
-
فإن قال: فإنّ طاووسًا قد ذكر أنه رأى ابن عمر يفعل ما يوافق ما رُوي عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك (٤) .
-
قيل له: فقد ذكر طاووسٌ ذلك، وقد خالفه مجاهد. فقد يجوز أن يكون ابن عمر فعل ما رآه طاووس يفعله قبل أن تقوم عنده الحجةُ بنسخه، ثم قامت عنده الحجة بنسخه، فتركه وفعل ما ذكره مجاهد.
-
هكذا ينبغي أن يُحمل ما روي عنهم، ويُنفى عنه الوهم، حتى يتحقق
ج ٢ ص ١٤٣ذلك، وإلا سقط أكثر الروايات» (١) .
-
وكذلك عمر بن الخطَّاب، قال ابن أبي شيبة: حدثنا يحيى بن آدم، عن الحسن بن عيَّاش، عن عبد الملك بن أبجر، عن الزُّبير بن عدي، عن إبراهيم، عن الأسود قال: صليت مع عمر فلم يرفع يديه في شيء من صلاته إلا حين افتتح الصلاة، [قال عبد الملك] (٢) : ورأيتُ الشعبي وإبراهيم وأبا إسحاق لا يرفعون (٣) إلا حين يفتتحون الصلاة (٤) .
-
وهذا سند صحيح على شرط مسلم أيضًا.
-
وذكر الطحاوي (٥) عن أبي بكر بن عيَّاش قال: ما رأيت فقيهًا قط يرفع يديه في غير التكبيرة الأولى.
وقال أيضًا (٦) : ثبت (٧) عن عمر بن [ق ٤٥] الخطاب أنه لم يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى.
-
فهؤلاء أهل المدينة قاطبةً، وهم القاطنون في مهبط الوحي، ومحلّ
ج ٢ ص ١٤٤التنزيل، ومأْرِز الإيمان، ومقرّ الأحكام، المشاهدون لأسباب التنزيل، المطّلِعون على قرائن الأحوال، وقد وافقهم على تركه فقهاء الكوفة قديمًا وحديثًا.
قال محمد بن نصر المروزي (١) : لا نعلم مِصرًا (٢) من الأمصار تركوا بأجمعهم رفعَ اليدين عند الخفض والرفع في الصلاة إلا أهل الكوفة، فكلهم لا يرفع إلا في الإحرام، فمنهم علي وابن مسعود وأصحابهما.
قال ابن أبي شيبة (٣) : حدثنا وكيع وأبو أسامة، عن شعبة، عن أبي إسحاق قال: كان أصحاب عبد الله وأصحاب عليّ لا يرفعون أيديهم إلا في افتتاح الصلاة. قال وكيع: ثم لا يعودون.
قال الشعبي: ما كان أفقه صاحبًا من عبد الله بن مسعود (٤) .
وقال سعيد بن جُبير: كان أصحاب عبد الله سُرُج هذه القرية (٥) . ومنهم الشعبي.
-
روى ابن أبي شيبة، عن ابن المبارك، عن أشْعث بن سوَّار، عن
ج ٢ ص ١٤٥الشعبي: أنه كان يرفع يديه في أول تكبيرة ثم لا يرفعهما (١) .
قال مكحول: ما رأيتُ أعلمَ بسنةٍ ماضية من الشعبي (٢) .
-
ومنهم إمام أهل الكوفة سفيان الثوري، كان لا يرفع يديه (٣) .
-
وقد قال أبو عاصم: سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث (٤) . ولو كان الرفع ثابتًا غير منسوخ لما خفي على هؤلاء الأعلام، مع كثرتهم وكثرة من نزل بالكوفة من الصحابة، فقد ذكر بعض الحفَّاظ أنه نزل بها أربعمائة منهم، والناسُ في العلم تَبَعٌ لهذين المِصرَين المدينة والكوفة، وفقهاؤهما أئمة الناس، وهذان المِصران هما اللذان كانا يتباريان، ويردّ بعضُهم على بعض، وكان علماء الكوفة ينا
ظرون علماء المدينة ويبارونهم، وكان علماء المدينة لا يرون مقابلتهم غير علماء الكوفة , فإياهم يقصدون ولهم يستعِدُّون، فَمَن الناسُ غير هؤلاء؟!