الجواب عن قولهم: إن أفعال الصلاة معقولة المعنى وأي معنى في رفع اليدين؟

١٢ فقرة، ج ٢ ص ١٣٣

  1. أصل ثابتٍ بالسنة، فإذا تضمّن القياس مخالفة ما ثبت بالسنة كان باطلًا في نفسه فكيف يُقدّم على السنة؟!

    قالوا: وأين في القياس الذي ذكرتموه أيضًا اختصاص الرفع بالتكبيرة الأولى دون سائر الانتقالات، وما للقياس وهذا التخصيص؟ ولو قال لكم قائل: أول الركعة كآخرها، ولهذا يبتدئها بالتكبير ويختمها بالتكبير، فكما لا يسوغ الرفع بعد انتهاء الركعة لا (١) يسوغ في ابتدائها.

    ج ٢ ص ١٣٣
  2. وأيضًا الدخول في الصلاة أحد طرفيها، فلا يسوغ فيه رفع اليدين كطرف الخروج منها. أكنتم تقبلون هذا القياس مع أنه من جنس قياسكم لا فرق بينهما؟ وإن رددتموه لمخالفته السنة الصريحة، لزمكم ردّ ما ذكرتموه من القياس لأجل مخالفة السنة الصحيحة (٢) الصريحة، ولا فرق بينهما ألبتة، وبالله التوفيق.

  3. فصل

    * قالوا: وأما قولكم: إن أفعال الصلاة معقولة المعنى ظاهرة العبودية، وأيُّ معنى في رفع اليدين؟ وأي خضوع واستكانة فيه؟ فما أشبه حال فاعله بحال من يريد الطيران!

  4. فهذا من الكلام الباطل الذي تُصان عنه وعن أمثاله سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تُعارَضَ به، وأن تُضْرَب لها به الأمثال، وهل هذا إلا اعتراضٌ مَحْضٌ

    ج ٢ ص ١٣٤على السنة ودَفْع لها بالرَّاح؟

  5. ثم نقول: فإذا كان الأمر كما زعمتم، فِلمَ رفعتم أيديكم في أول الصلاة؟ وهلّا حكمتم بترك الرفع في هذا المحل لِمَا ذكرتموه؟ وإن كان الرافع يشبه من يريد أن يطير، فلِمَ سوَّغتم له أن يطير في أول الصلاة ولم تسوّغوا له الطيران عند الركوع والرفع منه؟!

  6. وبهذا أجابَ عبد الله بن المبارك لأبي حنيفة ــ رحمهما الله ــ حين صلى إلى جانبه، فرفع يديه عند الركوع والرفع منه، فلمَّا سلَّم قال له أبو حنيفة: أتريد أن تطير؟ فقال عبد الله: لو أردت أن أطير لطرت أول مرة! (١)

    قالوا: والرفع هو من زينة الصلاة ومحاسنها، وله بكل إشارة عشر حسنات.

    قال عقبة بن عامر: له بكل إشارة عشر حسنات، ذكره الإمام أحمد عنه (٢) .

    وقال عبد الله بن عمر: لكل شيء زينة، وزينة الصلاة رفع الأيدي عند الافتتاح، وحين يريد أن يركع، وحين يريد أن يرفع (٣) .

  7. وقال [ق ٤٢] الشافعي وقد سُئل عن معنى رفع اليدين في الصلاة، فقال:

    ج ٢ ص ١٣٥هو تعظيم لأمر الله وزينة للصلاة واتباع للسنة (١) .

    وقال ابن عبدالبر (٢) : معنى رفع اليدين في الافتتاح وغيره: خضوع واستكانة، وابتهال وتعظيم لله عز وجل، واتباع لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

  8. وقد قال بعض العلماء: إنه من زينة الصلاة.

  9. ذكر ابن وهب قال: أخبرني عياض بن عبد الله الفهري، أن عبد الله بن عمر كان يقول: لكل شيء زينة، وزينة الصلاة التكبير ورفع الأيدي فيها (٣) .

  10. وعن ابن لهيعة، عن ابن عجلان، عن النعمان بن أبي عياش قال: كان يقال: لكل شيء زينة، وزينة الصلاة التكبير ورفع الأيدي عند الافتتاح، وحين يريد أن يركع، وحين يريد أن يرفع (٤) .

    وقال عقبة بن عامر: له بكل إصبع حسنة.

  11. وقد ذكر الناس لذلك عللًا وحِكمًا كثيرة، لا تجري على علل الفقهاء وما يذكرونه من الحِكَم والمناسبات، فرأينا ترك ذكرها أولى، وليس المُعوَّل إلا على اتباع السنة، والتسليم للعبودية، والبراءة من الامتثال بدون ظهور الحكمة، فإنَّ هذا يقدح في العبودية، ويخرج عن الامتثال، بل تُتَلقى السنة بالسمع والطاعة والإذعان، سواء ظهر لنا وجه حُكمه أو لم يظهر.

  12. ولو رُدَّت السنن بعدم ظهور الحكمة والمناسبة، لكان ذلك ردًّا على الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وخروجًا عن المتابعة، وخَلعًا لرِبْقة العبودية من العنق، ولو ساغ للعبد أن لا يقبل من السنة إلا ما رأى فيه الحكمة والمناسبة؛ لبطل الدين وتلاعب به المبطلون، وصار عُرضةً لردّ الرادين، وعياذًا بالله من هذا الرأي الباطل، وبالله التوفيق.

    ج ٢ ص ١٣٦