فصل فيما رووه عن عمر: أنه لم يكن يرفع يديه في شيء من الصلاة إلا

٢٥ فقرة، ج ٢ ص ١٩٣

  1. يعني حديث أبي بكر بن عياش، عن حُصين، عن مجاهد، عن ابن عمر: أنه لم يرفع يديه إلا في أول مرة.

    ج ٢ ص ١٩٣
  2. وحتى لو صحت هذه الرواية عن ابن عمر (١) كانت رواية من ذكرنا عنه أولى أن يؤخَذ بها لوجوه:

    أحدها: كثرة رواتها.

  3. والثاني: تميُّزهم بالحفظ والإتقان.

  4. والثالث: أنها متضمِّنة للإثبات فتُقَدَّم على النفي.

    قالوا: ولم يكن ابن عمر لِيَرْوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئًا، ثم يعمل بخلافه مع تحرِّيه لاتِّباع سنته. وقد أعاذ الله ابنَ عمر من ذلك، فصحت الروايةُ عنه بالرفع من فعله. وصِحَّتُها عنه روايةً عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يرفعُ هذه الرواية الشاذَّة الباطلة، هذا موجب العلم والعدل والظن بالصحابة، والله أعلم.

  5. فصل

    * وأما ما رويتم عن عمر (٢) : أنه لم يكن يرفع يديه في شيء من الصلاة إلا حين افتتح الصلاة، فحاشا لله أن يصح ذلك عن عمر.

    قال البخاري (٣) : ولم يثبت عند أهل العلم عن أحد من أصحاب النبي

    ج ٢ ص ١٩٤- صلى الله عليه وسلم - أنه لم يرفع يديه.

    قال البخاري: وقال الحسن وحُميد بن هلال: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرفعون أيديهم، فلم يستثن أحدًا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - دون أحد.

  6. والذي رُوي عن عمر فهو من رواية حَسَن بن عياش.

    قال عثمان الدارمي: ليس في الحديث بذاك.

  7. والرواية الأخرى عن عمر بترك الرفع هي أيضًا من رواية أبي بكر بن عياش أخي حسن.

    قال عثمان الدارمي أيضًا: ليس في الحديث بذاك، ذكره الحافظ أبو الحجَّاج المِزِّي عنه في «تهذيبه» (١) .

  8. وقد قال أبو النضر: ثنا شعبة عن الحكم بن عُتيبة (٢) قال: رأيت طاووسًا يرفع يديه في الصلاة إذا افتتحها، وإذا كبَّر للركوع، وعند رفع رأسه من الركوع، فسألته عن ذلك، فقال: رأيتُ ابنَ عمر يفعله، وذكر أن أباه كان [ق ٦٢] يفعله، وذكر عمر أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فَعَله.

  9. رواه الحاكم وقال: تابعه عليُّ بن الجعد، وعمَّار بن عبدالجبار، والحكم بن أسلم الحَجَبي، عن شعبة. وأما غندر فرواه عن شعبة، ولم يذكر عمر. قال الحاكم: والحديثان محفوظان (٣) .

  10. ولا ريب أن هذه الرواية أصح عن عمر، وأولى من رواية أبي بكر بن عيَّاش وأخيه، ولو تعارضا من كلّ وجه لكانت رواية الإثبات مقدَّمة على رواية النفي.

    ج ٢ ص ١٩٥
  11. وأما قول أبي بكر بن عيَّاش: ما رأيتُ فقيهًا قطّ يرفع يديه (١) .

  12. فيقال: غاية هذا أنه لم ير هو أحدًا من الفقهاء يرفع يديه، وهذا يدلُّ على أنه ما صلى خلف أكبر الفقهاء، أفترى أصحابَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليسوا فقهاء؟ ! وقد قال الحسن وحُميد: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرفعون أيديهم (٢) .

    قال البخاري (٣) : «وممن كان يرفع يديه عند الركوع أبو قَتادة الأنصاري، وأبو أُسيد الساعدي البدري، ومحمد بن مَسلمة، وسهل بن سعد الساعدي، وأم الدرداء، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عباس بن عبدالمطلب، وأنس بن مالك خادم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأبو هريرة الدَّوسي، وعبد الله بن عَمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير بن العوام القرشي، ووائل بن حُجْر الحضرمي، ومالك بن الحُويرث، وأبو موسى الأشعري، وأبو حُميد الساعدي الأنصاري» .

  13. أفترى هؤلاء ليسوا فقهاء؟ فليس فيهم فقيه؟ هذا من أبطل الباطل (٤) !

  14. وقد حكى البخاري (١) الرفعَ عن: «سعيد بن جُبير، وعطاء (٢) بن أبي رَباح، ومجاهد بن جَبْر، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز، والنعمان بن أبي عياش، والحسن البصري (٣) ، ومحمد بن سيرين، وطاووس بن كيسان اليماني (٤) ، ومكحول، وعبد الله بن دينار، ونافع مولى ابن عمر، وعبيدالله بن عمر، والحسن بن مسلم، وقيس بن سَعْد.

    ج ٢ ص ١٩٦
  15. وقد كان ابن المبارك يرفع يديه، وكذلك عامة أصحاب ابن المبارك؛ منهم: علي بن الحسن، وعبد الله بن عثمان، ويحيى بن يحيى، ومحدِّثو أهل بخارى؛ منهم: عيسى بن موسى، وكعب بن سعيد، ومحمد بن سلام، وعبد الله بن محمد المُسْندي، وعدة ممن لا يُحصى، لا اختلاف بين من وصفنا من أهل العلم.

  16. وكان عبد الله بن الزبير، وعلي بن عبد الله، ويحيى بن معين، وأحمد ابن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم يثبتون عامة هذه الأحاديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويرونها حقًّا، وهؤلاء أهل العلم من أهل زمانهم». انتهى.

  17. وروي ذلك عن عبد الرحمن بن سابط، وقتادة، وابن أبي نَجيح، وعَمرو ابن دينار، ومعتمر بن سليمان، ويحيى القطان، وعبدالرحمن بن مهدي،

    ج ٢ ص ١٩٧وإسماعيل بن عُلية، والليث بن سعد، والأوزاعي، وجرير بن عبدالحميد، وابن وهب، وأحمد بن حنبل، والشافعي [ق ٦٣] ، وأبي ثور، والبخاري ومسلم، وأبي داود، والنسائي، وجماعة أهل الحديث، ومحمد (١) بن نصر المروزي، ومحمد بن جرير الطبري، وابن المنذر، وابن عبد الله بن عبد الحكم، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، ويزيد بن [هرون] ، وخلائق من أهل العلم لا يحصون من المتقدمين والمتأخرين. وهؤلاء أئمة الفقه والحديث.

  18. وإبراهيمُ النخعي إنما شاهد فقهاء الكوفة [وهم] (٢) لم يرفعوا أيديهم، ولا ريب أن أهل الكوفة انفردوا عن سائر الأمصار بترك الرفع.

    قال محمد بن نصر المروزي في كتابه الكبير: لا نعلم مِصرًا من الأمصار ينسبُ إلى أهله العلم قديمًا تركوا بأجمعهم رفع اليدين في الصلاة عند الخفض والرفع إلا أهل الكوفة (٣) .

  19. وأما أهل المدينة، وأهل مكة، وأهل الشام، وأهل البصرة، وأهل اليمن، وأهل خراسان، وأهل العراق، فعلى الرفع كما حكاه البخاري (٤) ، إلا الرواية التي انفرد بها ابن القاسم عن مالك، وخالفه الأكثرون عن مالك.

  20. ولا ريب أنا إذا قِسْنا هذه الأمصار بالكوفة، وفقهاءَها بفقهائها كثرةً وعلمًا وحديثًا، كان أتباع أهل هذه الأمصار أولى، لو لم يكن من جانبهم إلا الترجيح بذلك، كيف ومعهم من الصحابة من سمّينا؟!

    ج ٢ ص ١٩٨
  21. ويا لله العجب! هلّا كان الشعبي أعلم الناس بالسُّنة في أكثر من مائة مسألة لقوَّته فيها، وكثير منها يكون الحديث فيها من جانبه، فلم يكن هناك أعلم الناس بسنةٍ ماضية لأنه قد خالفكم، وكان هنا لموافقتكم في هذه المسألة أعلم الناس بالسنة، فالعيار إنما هو موافقتكم ومخالفتكم، فمن وافقكم فهو أعلم الناس، ومن خالفكم (١) نزل عن هذه الرتبة!

  22. وهلَّا كان سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث في فتاويه وأقواله التي خالفكم فيها!

  23. وقد بيَّنَّا بعضَ خلافكم لابن مسعود فيما تقدم (٢) فضلًا عن أصحابه، فهلَّا كان ابن مسعود (٣) في تلك المسائل أفقه الناس صاحبًا!

  24. وأما قولكم: إنه نزل بالكوفة أربعمائة من الصحابة، فهذا من حُجج منازعيكم عليكم، فإنه لم يُحفظ عن أحدٍ منهم ترك الرفع إلا ابن مسعود (٤) وحده، ولو كانوا كلهم على ترك الرفع لنُقِل ذلك عنهم ولو نَقْل

    ج ٢ ص ١٩٩آحادٍ، فحيث لم يُنقل عن أحد منهم ألبتة ــ سوى ابن مسعود ــ لا بإسنادٍ صحيح ولا ضعيف، ولا متصل ولا منقطع تَرْكُ الرفع مع مشاهدة أهل المصر لهم في الصلوات الخمس كل يوم وليلة، والمنقول عنهم خلافه كما بيناه= عُلِم انفراد ابن مسعود بترك الرفع.

  25. وأنتم فخلافكم لابن مسعود لا يُنكَر حيث لا يُعلَم له مخالف من الصحابة، فكيف ومخالفوه من الصحابة في هذه المسألة أكثر وأشهر؟! فلو كان الرفع منسوخًا، أو ليس من السنة لَمَا خَفِي على هؤلاء الأعلام وسادات الإسلام، الذين عنهم تُلقِّيَ الدين، وهم الوسائط بين الأمة ونبيها - صلى الله عليه وسلم -، وهم كانوا أحرصَ على اتباعه وتبليغ [ق ٦٤] ما جاء به من المقلّدين على نُصْرة أئمتهم والذب عن أقوالهم، والله المستعان.