فصل في ردهم لحديث مالك بن الحويرث
١٣ فقرة، ج ٢ ص ٢٠٧
- ج ٢ ص ٢٠٧
وإذا عُرِف هذا فيقال: حديث ابن أبي الزناد هذا قد دلّ على أن حديث أبي بكر النّهشلي على أحد وجهين: إما أن يكون في نفسه سقيمًا أو يكون عليٌّ تَرَك الرفعَ في بعض الأحيان لعذر أو لسهو ونسيان، أو لبيان الجواز. وهذا أولى من ردِّ روايته عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالترك المجمل، وهذا مما لا يشكّ فيه منصف.
-
وحاشا لله أن يُظن بعليٍّ أن يروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - سنةً قد شاهدها هو وغيره، ثم يتركها ويستمرّ على تركها رغبةً عنها وكراهة لها. هذا مما لا يُظنّ بمن هو دون علي رضي الله عنه بكثير فكيف به! فحديث أبي بكر النّهشلي إذا صحّ ففيه الحجة على من يرى الرفع فرضًا في الصلاة مع إمكان منعه للاحتجاج به عليه، إذ الحجةُ عندَه في روايته، لا في رأيه ومذهبه.
-
فصل
* وأما ردّكم لحديث مالك بن الحُوَيرث باضطرابه (١) ، فقد برَّأه الله من الاضطراب، ورميه بالاضطراب من باب بَغْي البريء العَنَتَ (٢) ، ومِن تَكَلُّف ردِّ السُّنن نُصْرةً لآراء الرجال.
- ج ٢ ص ٢٠٨
فيا سبحان الله! أيُّ اضطرابٍ وتناقض بين قوله: «حتى يحاذي بهما أُذنيه» ، وقوله: «فروع أُذنيه» ؟ أفترى إذا حاذى فروع الأذنين لم يصحّ أن يقال: حاذى الأذنين!
-
وكذلك قوله: «قريبًا من أُذُنيه» ، وقوله في اللفظ الآخر: «حَذْو مَنْكِبيه» ، أراد به أن يكون أسافل اليدين حذو المنكبين، ورؤوس الأصابع حذو فروع الأذنين، فأيُّ اضطراب واختلاف في هذا غير مخالفته لقولكم؟ ولو ساغ لأحدٍ ردّ السُّنن بمثل هذا التوهُّم الباطل لأفلس العلماء من كثير من السنن التي عليها مدار الدين، والله المستعان.
قالوا: وأما قولكم: لعل مالك بن الحويرث رآه مرةً أو مرتين، فكيف يُقدَّم على حديث من لعله قد صلى معه عشرين ألف صلاة (١) ؟! فهذا لو انفرد به مالك بن الحويرث لم يسغ ردّه بمثل هذا، فإن روايته تضمنت زيادة على ما رواه غيره، فكيف وقد رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من تقدم ذكرهم.
قالوا: وهلَّا رددتم حديثَ وضع الأيدي على الرُّكَب، مع أنه حديث فَرْد بحديث ابن مسعود وقلتم: لعله قد صلى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشرين ألف صلاة؟
-
وأيضًا: فعبدالله بن عمر قد صلى معه نحو هذه الصلوات، فهلَّا كانت صلاته معه كذلك وطول صحبته له موجبةً لقبول روايته عنه - صلى الله عليه وسلم -، مع تضمّنها زيادةَ إثباتٍ خفيت على ابن مسعود؟
- ج ٢ ص ٢٠٩
فإن قيل: عبد الله بن عمر كان صغيرًا في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومثله لم يكن يقوم في الصف الأول بحيث يشاهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأما ابن مسعود فكان رجلًا كبيرًا مقامه في الصف حيث يقوم الرجال البالغون.
قالوا: فالجواب أن نقول: الحمد لله الذي عافانا من ردِّ سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالقدح في أصحابه، وأنهم رووا ما لم يضبطوه أو لم يشاهدوه، ولا علم لهم به!
قال الإمام محمد بن إسماعيل البخاري (١) : «والعجب أن يقول أحدهم: كان ابن عمر صغيرًا في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال: ولقد شَهِد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لابن عمر بالصلاح.
-
حدثنا يحيى بن سليمان، ثنا ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سالم [بن] (٢) عبد الله، عن أبيه، عن حفصة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن عبد الله بن عمر رجلٌ صالح» .
-
حدثنا عليّ بن عبد الله، ثنا سفيان قال: قال عَمرو: قال ابن عمر: إني لأذكر حين [ق ٦٨] أسلم عمر، فقالوا (٣) : صَبَأ عمر، فجاء العاصُ بن وائل فقال: صبأ عمر فَمَهْ، فأنا له جارٌ، فتركوه.
قال سعيد بن المسيّب: لو شهدتُ لأحدٍ أنه من أهل الجنة لشهدت لابن عمر.
ج ٢ ص ٢١٠وقال جابر بن عبد الله: لم يكن أحدٌ منهم ألْزَمَ لطريق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أَتْبعَ من ابنِ عمر». انتهى كلام البخاري.
قالوا: فعبدالله بن عمر من المهاجرين الأوَّلين، أسلم قديمًا مع أبيه، وهاجر معه، وقدّمه أمامه (١) في ثَقَله (٢) ، فمِنْ هاهنا قيل: هاجر قبل أبيه. وشهد الخندق وما بعدها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
-
وقد قال الزّهري: لا نَعْدِل برأي ابن عمر، فإنه أقام بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ستين سنة فلَمْ يخفَ عليه شيءٌ من أمره ولا من أمر أصحابه (٣) .
قال ابن عبدالبر (٤) : وقد قيل: إن إسلامه كان قبل إسلام أبيه، ولا يصح، وكان عبد الله بن عمر ينكر ذلك. وأصحّ من ذلك قولهم: إن هجرته كانت قبل هجرة أبيه.
-
قال سفيان بن عُيينة (٥) ، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد: أدرك ابن عمر
ج ٢ ص ٢١١الفتحَ وهو ابن عشرين سنة (١) .
وقال ميمون بن مِهْران: ما رأيت أورع من ابن عمر، ولا أعلم من ابن عباس (٢) .
قال مالك بن أنس: بلغ ابن عمر ستًّا وثمانين سنة، وأفتى في الإسلام ستين سنة ونَشَر نافعٌ عنه علمًا جمًّا (٣) .
-
وبالجملة فرَدُّ السنة الثابتة التي لا مَطْعن فيها لطاعن بهذا ونحوه ليس من فعل أهل العلم.
قالوا: وقد اشتد إنكاركم لقول من قال: إن أنسًا كان صغيرًا حيث قال: صليتُ خلف النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر، فلم يكونوا يقرؤون: «بسم الله الرحمن الرحيم» في أول قراءة ولا في آخرها (٤) . وبالغتم في الردّ على من قال: كان أنس صغيرًا لا يضبط ذلك.
-
واشتدّ إنكار أصحاب أبي حنيفة رحمه الله لقول من ردّ حديثه في