فصل في ردهم لحديث وائل بن حجر
٢٠ فقرة، ج ٢ ص ٢١٢
- ج ٢ ص ٢١٢
إحرام النبي - صلى الله عليه وسلم - بالقِران (١) ، بأنه كان صغيرًا، وقالوا: لا نظن بالصحابة ذلك، وهذا يتطرّق إلى إبطال السنن.
-
فهلّا كِلْتم لأنفسكم ههنا بالصّاع الذي كِلْتم به لِمُنازِعيكم، وهل سمعتم أحدًا من أهل العلم ردّ روايات ابن عباس بصغره، وتأخُّر لقائه للنبي - صلى الله عليه وسلم -؟ فإنه إنما صَحِبه بعد الفتح. وأما أنس، وعبد الله بن عمر فاختصاصهما به وبصحبته فبالمكان الذي لا يجهله أهل العلم، والله المستعان.
-
فصل
* قالوا: وأما ردّكم لحديث وائل بن حُجْر (٢) ، بأن إبراهيم قد ضادّه بما ذكر عن ابن مسعود أنه لم يكن رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل ما ذكر, وعبد الله أقدم صحبةً للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأفهم بأفعاله من وائل؛ فمِن النَّمَط الأول أيضًا في ردّ السنن بغير موجب.
-
وأعجب من هذا ما حكاه البخاري عن بعضهم: بأنه ردّ الحديثَ بأن قال: وائل مجهول.
قال البخاري (٣) : «وطعن بعض مَن لا يعلم فقال: مَنْ وائل بن حُجْر؟
ج ٢ ص ٢١٣قال البخاري: ووائل بن حُجر مِن [ق ٦٩] أبناء ملوك اليمن، وقَدِم على النبي - صلى الله عليه وسلم - فأكرمه وأقْطَع له أرضًا وبعث معه معاوية بن أبي سفيان.
-
حدثنا حفص بن عمر، عن [جامع بن مطر، عن] (١) علقمة بن وائل، عن أبيه: أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أَقْطَع له أرضًا بحضرموت.
قال البخاري: وقصّة وائل مشهورة عند أهل العلم، وما ذُكِر (٢) في أمره وما أعطاه معروف بذهابه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - مرةً بعد مرة (٣) .
قال البخاري: ولو ثبتَ عن ابن مسعود (٤) ، والبراء، وجابر، عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - شيء لكان في عِلل هؤلاء الذين لا يعلمون أنهم يقولون: إنّ رؤساءنا لم يأخذوا بهذا، وليس هذا بمأخوذ، فما يزيدون الحديثَ إلا تعلُّلً (٥) برأيهم، فقد قال وكيع: من طلب الحديث كما جاء فهو صاحب سنة، ومن طلب الحديث ليقوّي هواه، فهو صاحب بدعة.
ج ٢ ص ٢١٤قال البخاري: «يعني أن الإنسان ينبغي له أن يُلقي رأيه لحديث النبيّ - صلى الله عليه وسلم - حيث ثبت الحديث، ولا يعتلّ بعلل لا تصحّ ليقوّي هواه، وقد ذُكِر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يؤمن أحدُكم حتى يكون هواه تَبَعًا لما جئتُ به» (١) .
-
وقد قال بعض أهل العلم: كان الأوَّل فالأول أعلم، وهؤلاء الآخر فالآخر عندهم أعلم! ولقد قال ابن المبارك: كنت أصلي إلى جانب النعمان، فرفعتُ يديّ، فقال لي: ما خشيتَ أن تطير؟ فقلت: إن لم أَطِر في الأولى لم أَطِر في الثانية (٢) . قال وكيع: رحمة الله على ابن المبارك، لقد كان حاضر الجواب، فتحيَّر الآخر». انتهى كلام البخاري.
-
والمقصود أن وائل بن حُجر من مشاهير الصحابة باتفاق أهل العلم، والأمةُ كلها تلقّت رواياته بالقبول دون الردّ والدفع. ولوائل بن حُجْر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عِدّة سنن رواها أهل الصحاح والسنن والمساند، وتلقاها العلماء كلهم بالقبول، ولم يردّوا شيئًا منها.
-
فمنها: ما رواه البخاري في «صحيحه» (٣) عن علقمة بن وائل، عن أبيه قال: إني لقاعد مع النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إذ جاء رجلٌ يقودُ آخر بنِسْعَة، فقال: يا رسول الله، هذا قتل أخي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أقتلتَه؟» فقال: إنه لو لم يعترف أقمتُ عليه البيِّنة، قال: نعم قتلتُه، قال: «كيف قتلتَه؟» قال: كنت أنا وهو
ج ٢ ص ٢١٥نَحْتطب (١) من شجرة، فسبَّني فأغضبني، فضربتُه بالفأس على قرنه، فقتلتُه. فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «هل لك من شيء تؤدّيه عن نفسك؟» قال: ما لي مالٌ إلا كسائي وفأسي. قال: «فترى قومَك يشترونك؟» قال: أنا أهْوَن على قومي من ذاك، فرمى إليه بنِسْعتِه. وقال: «دونَك صاحبَك» ، فانطلق به الرجل. فلمَّا ولَّى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن قتلَه فهو مثلُه» ، فرجع فقال: يا رسول الله! بلغني أنك قلتَ: «إن قتلَه فهو مثلُه» وأخَذْتُه بأمرِك، فقال [ق ٧٠] رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أما تريدُ أن يَبوءَ بإثْمِك وإثم صاحبك؟» قال: يا نبيَّ الله ــ لعله قال ــ: بلى، قال: «فإنه كذلك» . قال: فرمى بنِسْعَته وخلّى سبيلَه.
-
وفي «مسند أحمد» (٢) من حديث عبدالجبار بن وائل، عن أبيه قال: أُتيَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بدلو من ماء، فشرب منه، ثم مجَّ في الدَّلو، ثم صَبَّ في البئر، أو شَرِب من الدّلو، ثم مجّ في البئر، ففاح منها مثل ريح المِسْك.
-
وفي «المسند» (٣) عنه أيضًا: رأيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يسجد على أنفه مع جبهته.
-
وسمعته يقول: «آمين» يمدّ بها صوته.
- ج ٢ ص ٢١٦
وفي «صحيح مسلم» (١) عن وائل قال: سأل سَلَمةُ بن يزيد الجعفي رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا نبي الله! أرأيتَ إن قامت علينا أمراء يسألونا حقّهم ويمنعونا حقّنا، فما تأمرنا؟ فأعْرَض عنه، ثم سأله، فأعْرَض عنه، ثم سأله، فأعرض عنه، فجَذَبَه الأشعثُ بن قيس، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حُمِّلوا وعليكم ما حُمِّلتم» .
-
وفي «صحيح مسلم» (٢) حديثه هذا الذي نحن فيه في صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
-
وفي «صحيح مسلم» (٣) عنه: أن رجلًا يقال له: سُويد بن طارق سأل النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عن الخَمْر، فنهاه عنها، قال: نصنعها للدواء؟ فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنها داء وليست بدواء» .
-
وفي «المسند» (٤) عنه: صلَّيتُ مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقال رجل: «الحمد لله كثيرًا طيبًا مباركًا فيه» ، فلما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَن القائل؟» فقال رجل: أنا يا رسول الله، وما أردت إلا الخير، فقال: «لقد فُتِحَت لها أبوابُ السماء فلم يُنَهْنِهْها دون العرش» .
- ج ٢ ص ٢١٧
وفي «صحيح مسلم» (١) عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تقولوا: الكَرْم ولكن قولوا: العِنب والحَبْلَة» .
وفي «صحيح مسلم» (٢) أيضًا عنه قال: كنتُ عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتاه رجلان يَخْتصمان في أرض. فقال أحدهما: إن هذا انْتَزى (٣) على أرضي في الجاهلية ... فذكر الحديث.
-
وفيه وفي «مسند أحمد» (٤) عنه قال: اسْتُكرِهَت امرأةٌ على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدَرَأ عنها الحدّ، وأقامَه على الذي أصابَها، ولم يذكر أنه جَعَل لها مهرًا.
-
وفي الترمذي (٥) عنه: أن امرأة خرجت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تريد الصلاة، فتلقّاها رجلٌ فتجَلَّلها فقضى حاجَته منها، فصاحت، فانطلق، [ومرَّ عليها رجلٌ فقالت: إن ذاك الرجل فعل بي كذا وكذا] ، فمرّت بعصابةٍ من المهاجرين، فقالت: إن ذاك الرجل فعل بي كذا وكذا، فانطلقوا، فأخذوا الرجلَ الذي ظنَّت أنه وقع عليها، فأتوها به فقالت: نعم هو ذا، فأتوا به النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فلما أمَرَ به ليُرْجَم قام صاحبُها الذي وقع عليها، فقال: يا رسول الله أنا
ج ٢ ص ٢١٨صاحبها، فقال لها: «اذهبي فقد غفر الله لك» ، [ق ٧١] وقال لها قولًا حسنًا، وقال للرجل [قولاً حسنًا، وقال للرجل] الذي وقع عليها: «ارجموه» ، وقال: «لقد تاب توبةً لو تابها أهل المدينة لقُبِل منهم» . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (١) .
-
وفي «المسند» (٢) عن علقمة [بن] (٣) وائل، عن أبيه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أَقْطَعَه أرضًا، قال: فأرسل معي معاوية: أن أعْطِها إياه، فقال لي معاوية: أرْدِفْني خلفك، فقلت: لا تكون من أرداف الملوك، فقال: أعطني نعلك، فقلتُ: انتعل ظلّ الناقة، فلما اسْتُخْلِف معاوية أتيتُه فأقعدني معه على السرير، فذكَّرني الحديث. قال: فوددت أني حملته بين يديّ.
-
فهذه نبذةٌ من حال هذا الرجل الذي لا يُعرف، ورُدّت روايته عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بالوهم الباطل والخيال الفاسد!
قالوا: وغاية ما ذُكِر عن ابن مسعود أنه فِعْل صحابيّ خالفه فيه جمهور الصحابة، وهذا ليس بحجّة باتفاق الناس، فكيف يسوغ ردّ السنة الصحيحة وتقديمه عليها؟ ولو ساغ ردّ كلّ سنة خالفها واحد من الصحابة لرُدّ من السنة شيء كثير، [فإنه] (٤) قلّ أحدٌ من الصحابة ومن بعدهم إلا وقد خَفِي