فصل في ردهم لحديث ابن عباس

١١ فقرة، ج ٢ ص ٢٣١

  1. * وأما ردُّكم لحديث عُمير بن حبيب الليثي (١) برِفْدَة بن قُضاعة؛ فنحن لم نذكره احتجاجًا به ولا اعتمادًا عليه، والعمدة على ما تقدّم، وإنما يفيدكم هذا أنْ لو لم يكن في الباب إلا حديثُه هذا.

    ج ٢ ص ٢٣١
  2. فما ضرَّ صاحبَ الحقّ، إذا شهدَ له عشرةٌ عدول أو أكثر، أنْ يشهدَ له من ليس مثلهم في العدالة والثقة؟! فإنْ لم يزِد حقَّه قوةً لم يزده وهنًا.

  3. * وأما ردُّكم لحديث ابن عباس (٢) بعبد الله بن لهيعة؛ فلقد اشتهر ضعفُه على ألسنة الفِرق، ومع ذلك فهو أحد الأعلام المشاهير، وأحد حفَّاظ الإسلام غير مُدافَع، ولقي من التابعين نيّفًا وسبعين.

    قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: من كان مثل ابن لهيعة

    ــ يعني بمصر ــ في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه! وحدّث عنه أحمد في «مسنده» بحديث كثير (٣) .

    وقال إبراهيم بن إسحاق: حملت رسالةَ الليث بن سعد إلى مالك بن أنس، وأخذتُ جوابها، فكان مالك يسألني عن ابن لهيعة، فأخبره بحاله، فجعل مالكٌ يقول لي: وابن لهيعة ليس يذكر الحجّ؟ فسبق إلى قلبي أنه يريد مشافهته والسماعَ منه (٤) .

  4. وقال الحسن بن علي الخلال، عن زيد بن الحُباب، سمعت سفيان الثوري يقول: عند ابن لهيعة الأصول وعندنا الفروع.

    ج ٢ ص ٢٣٢
  5. وسمعت الثوري يقول: حججتُ حِجَجًا لألتقي ابن لهيعة (١) .

    وقال محمد بن معاوية: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: وددتُ أني سمعت من ابن لهيعة خمسمائة حديث، وأني غرمت مُودًى، كأنه يعني دِيَة (٢) .

    وقال أبو الطاهر بن السّرْح: سمعتُ ابن وهب يقول ــ وسأله رجلٌ عن حديث فحدّث به، فقال له الرجل: من حدثك بهذا يا أبا محمد؟ ــ فقال: حدثني به ــ والله الصادقُ البارّ ــ عبد الله بن لهيعة (٣) . قال أبو الطاهر: وما سمعته يحلف بمثل هذا قط، وفي رواية: كان [ق ٧٧] السائل إسماعيل بن معبد أخا عليّ بن مَعْبد (٤) .

    وقال حنبل بن إسحاق، عن أحمد بن حنبل: ابن لهيعة أجود قراءة لكتبه من ابن وهب (٥) .

    وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: ما كان بمصر يحدِّث إلا ابن

    ج ٢ ص ٢٣٣لهيعة (١) .

    وقال يعقوب بن سفيان (٢) : «سمعت أبا جعفر أحمد بن صالح يثني عليه، وقال في أبي الأسود: ما أحسن حديثه عن ابن لهيعة، قال: فقلت: يقولون: سماعٌ قديم وسماعٌ حديث، فقال لي: ليس من هذا شيء، ابن لهيعة صحيح الكتاب، كان أخرج كتبه فأملى على الناس حتى كتبوا حديثه إملاء، فمن ضَبَط كان حديثه حسنًا صحيحًا، إلا أنه كان يحضر من يضبط ويُحسن، ويحضر قوم يكتبون ولا يضبطون ولا يصحِّحون، وآخرون نُظَّار (٣) ، وآخرون سمعوا مع آخرين، ثم لم يُخْرج ابن لهيعة بعد ذلك كتابًا، ولم يُرَ له كتاب، وكان من أراد السماعَ منه ذهب فاستنسخ ممن كتب عنه وجاءه فقرأه عليه، فمن وقع على نسخةٍ صحيحة فحديثه صحيح، ومن كتب من نسخة لم (٤) تُضبط جاء فيه خللٌ كثير. ثم ذهب قوم، فكلّ من روى عنه عن عطاء بن أبي رباح فإنه سمع من عطاء وروى عن رجلٍ عن عطاء، وعن رجلين عن عطاء، وعن ثلاثة عن عطاء، تركوا مَنْ بينه وبين عطاء وجعلوه عن عطاء».

    وقال يعقوب بن سفيان (٥) : «قلت لأحمد بن صالح في حديث ابن لهيعة؟ فقال: لم تعرف مذهبي في الرجال، إني أذهب إلى أنه لا يُترك

    ج ٢ ص ٢٣٤حديث محدّثٍ حتى يجتمع أهلُ مصره على ترك حديثه».

    وقال أيضًا (١) : «كان ابن لهيعة طَلَّابًا للعلم صحيح الكتاب، وكان أملى عليهم حديثه من كتابه، فربما يكتب عنه قوم يعقلون (٢) الحديثَ، وآخرون لا يضبطون، وقوم حضروا فلم يكتبوا فكتبوا بعد سماعَهم. فوقع علمُه على هذا إلى الناس، ثم لم يُخرج كتبه، وكان يقرأ من كتب الناس، فوقع حديثُه إلى الناس على هذا، فمن كتبَ بأَخَرَةٍ من كتاب صحيح قرأ عليه [على] (٣) الصحَّة، ومن قرأ من كتاب من كان لا يضبط ولا يصحّح كتابَه وقع عنده على فساد الأصل».

  6. وبالجملة فابن لهيعةَ أحدُ حُفَّاظ الإسلام الذين لم يُتَّهموا بجرح ولا كذب، وإنما يقع في حديثه بعض الغلط لثلاثة أسباب:

    أحدها: أنه قد قيل: إن كتبه قد احترقت فكان يحدّث من لفظه فيقع الغلط.

  7. الثاني: مِنْ قِبَل من روى عنه، كما ذكر أحمد بن صالح، وغيره.

  8. الثالث: أن الإكثار مظنَّة الوهم والغَلَط، والرّجل فقد كان من المكثرين جدًّا.

  9. وفي ابن لهيعة مذهب ثالث: أنه يُحتجّ من حديثه بما رواه عنه العبادلة

    ج ٢ ص ٢٣٥وهم: عبد الله بن وهب، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن يزيد المُقري، قالوا: لأن سماع هؤلاء منه قديم (١) .

    وقد روى له مسلم مقرونًا بعَمرو بن الحارث (٢) ، وكذلك روى له البخاري [ق ٧٨] في «صحيحه» في غير موضع، منها: في الفتن (٣) عن المُقْري، عن حَيْوة وغيره, عن أبي الأسود: قُطِعَ على أهل المدينة بَعْثٌ ... الحديث.

    وفي تفسير سورة البقرة (٤) : {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} [البقرة: ١٩٣] . قال: وزاد عثمان بن صالح، عن ابن وهب, أخبرني فلان وحيوة ... فذكر حديث: «بُني الإسلام على خمس» .

  10. وفي الاعتصام (٥) : عن سعيد بن تليد، عن ابن وهب, عن عبد الرحمن ابن شريح وغيره حديث: «إن الله لا ينتزع العلم» .

  11. وفي تفسير سورة النساء (٦) , وفي آخر الطلاق (٧) , وفي غير موضع (٨) .