استدلالهم بقوله تعالى {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم} والجواب عنها

٢٠ فقرة، ج ٢ ص ٣٩

  1. قالوا: وأما ما استدللتم به على ترك [الرفع، فهي] (٢) أدلة باطلة، ونحن نبيّن بطلانها بعون الله ومشيئته.

    ج ٢ ص ٣٩
  2. * فأما [استدلالكم] بقوله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [النساء/٧٧] .

  3. فنسأل الله العافية مما ابتُلي به من حَمَلَه فَرْطُ التعصُّب و [تكذيب] المعصوم في كلِّ ما قاله على أن افترى على الله (٣) ما لم يُرِدْه [من كلامه] ، وحرَّف المعنى عن مواضعه، إذ لم يجد إلى تحريف اللفظ سبيلًا، وحَمَل الآية على الخطأ الصريح والجهل القبيح، الذي يوجبُ إساءةَ الظنِّ بخيار الأمة وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأنهم أُمِروا بكفِّ الأيدي في الصلاة، فسمعوا وعصوا، وأصرُّوا على الرفع، حتى كان بعضهم يحصب من لم يرفع، وكان بعضهم يؤدِّب من لم يرفع، فقابلوا أمرَ الله بالعصيان، وتلقَّوه بالمخالفة والزيادة في الصلاة، مع أنه أمرٌ لا غرض فيه للنفوس (٤) ، ولا لذَّة

    ج ٢ ص ٤٠ولا شهوة تحمل على المخالفة، فأقْدَمَ سادةُ الأمة وخيارُها على مخالفة هذا الأمر وعصيانه، ووُفِّق له ولأمثاله غيرُهم!

  4. وإن قلتم: لم يفهموا من الآية ذلك، ولو فهموه لصاروا إليه، والله تعالى (١) قد يخصّ بفهم كتابه من يشاء.

  5. قيل لكم: أَجَلْ والله ما خَطَر هذا بقلب رجل واحد منهم ولا فَهِمَه من الآية قطّ، بل (٢) ولا فهمه منها من أُنْزِل عليه الوحي قط، ولا خَطَر بباله ولا [طرأ على] (٣) قلبه الكريم. والتعصُّبُ والحميَّةُ متى وصل إلى هذا الحدِّ فقد [تعرَّض] صاحبُه من الله لِمَا لا قِبَل له به، ولم يكن له خصم إلا الله ورسوله، [نسأل] الله العافية وحُسْن العاقبة.

  6. وهذا التفسير المكذوب [المفترى] (٤) لم يذهب إليه أحدٌ، لا من الأولين، ولا من الآخرين من جميع [من تكلَّم] في تفسير القرآن على اختلاف طبقاتهم، بل كلّهم مجمعون على [أنها] نزلت في كفِّ الأيدي عن القتال.

    قال ابن جرير (٥) : «هم قوم من أصحاب (٦) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا آمنوا

    ج ٢ ص ٤١به وصدَّقوه قبل أن تُفْرَض عليهم (١) الصلاة والزكاة، وكانوا يسألون الله أن يَفْرِض عليهم القتال، فلما فُرِض عليهم شقَّ ذلك عليهم، وقالوا ما أخبر الله عنهم في كتابه.

  7. فتأويل قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ} [النساء/٧٧] : ألم ترَ بقلبك يامحمد (٢) فتَعْلَم، إلى الذين قيل لهم من أصحابك حين سألوك أن تسأل ربَّك أن يَفْرض عليهم القتال: {كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ} فأمْسِكُوها عن قتال المشركين وحَرْبهم {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} . يقول: وأدوا الصلاة التي فرضها الله عليكم بحدودها، {وَآتُوا الزَّكَاةَ} . يقول: وأعطوا الزكاة أهلها الذين جعل الله لهم في أموالكم تطهيرًا لأبدانكم= كرهوا ما أُمِروا به من كفِّ الأيدي عن قتال المشركين، وشقَّ [ق ١١] ذلك عليهم، {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ} . يقول: فلما فُرِض عليهم القتال الذي كانوا يسألون أن يُفْرَض عليهم، {إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ} ، يعني: جماعة منهم، {يَخْشَوْنَ النَّاسَ} . [يقول: يخافون الناس] (٣) أن يقاتلوهم، كخشيتهم الله أو أشدَّ خشيةً، {وَقَالُوا} جزعًا من

    ج ٢ ص ٤٢القتال الذي فَرَض الله عليهم: {لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ} ؟ [ركونًا] منهم إلى الدنيا، وإيثارًا للدَّعَة فيها والخَفْض على مكروه [لقاء العدوّ] ومشقَّة حربهم وقتالهم، {لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} [النساء/٧٧] يعني: [إلى أن] يموتوا على فُرُشهم وفي منازلهم. قال: وبنحو الذي قلنا: إن هذه [الآية] نزلت فيه قال أهل التأويل».

  8. ثم ذكر من طريق عمرو بن دينار [عن] عكرمة عن ابن عباس: أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابه أتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: يا رسول الله، كنَّا في عزّةٍ ونحن مشركون، فلما آمنّا صرنا أذلَّة، فقال: «إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا» ، فلما حوَّله الله إلى المدينة، أُمِر بالقتال فكفُّوا، فأنزل الله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ} الآية [النساء/٧٧] .

  9. ومن طريق حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ} عن الناس {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ} : نزلت في أناس من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

    قال ابن جريج: وقوله: {وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} [النساء/٧٧] . قال: إلى أن نموت موتًا هو الأجل القريب.

  10. وذكر عن قتادة أنها في أُناس من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - تسرَّعوا إلى القتال، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذٍ بمكة قبل الهجرة، فنهاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك. قال:

    ج ٢ ص ٤٣ثم أُمِروا بذلك (١) ، قال: [فلما] كانت الهجرة وأُمروا بالقتال كَرِه القومُ ذلك، فصنعوا منه [ما تسمعون] ، فقال الله عز وجل: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا} [النساء/٧٧] . وعن السُّدي نحو ذلك.

    قال: وقال [آخرون: بل] نزلت هذه الآية وآيات بعدها في اليهود، ثم ذكر من طريق [شِبْل، عن] ابن أبي نَجيح، عن مجاهد {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ} إلى قوله: {لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء/٧٧ - ٨٣] : ما بين ذلك في اليهود.

  11. ثم روى عن محمد بن سعد، عن أبيه، عن عمه، عن أبيه، عن أبيه (٢) ، عن ابن عباس: نهى الله هذه الأمة أن يصنعوا صنيعهم.

  12. وأقوال جميع المفسرين في هذه الآية على هذا المعنى تدور، وما أشبه استدلال من استدلَّ بها على ترك رفع اليدين في الصلاة باستدلال من استدل بقوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ} [الماعون/٤] على ذم أهل الصلاة، واكتفى من الآية بكلمة.

  13. فصل

    * وأما حديث البراء بن عازب: أنه - صلى الله عليه وسلم - رفع يديه عند الافتتاح ثم لم

    ج ٢ ص ٤٤يَعُد (١) . فهذه اللفظة قد حكم ببطلانها ووقوع الغلط أئمةُ الإسلام والحديث؛ كعبد الله بن المبارك، ويحيى بن معين، والبخاري، وعلي بن المديني، وعبد الله بن الزُّبير الحُمَيدي، وعثمان بن سعيد الدارمي، والإمام أحمد، وأبي داود، والترمذي، والشافعي [ق ١٢] ، وابن خزيمة، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي، وخلق سواهم، ونحن نذكر كلامهم في ذلك.

  14. فأما الطريق الأولى: ففيها محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو ضعيف عندهم لا يُحْتجّ بحديثه. ذكر ابن عدي (٢) ، عن عبد الله (٣) بن أحمد قال: سألت أبي عن ابن أبي ليلى فقال: مضطرب الحـ [ـديث] .

    وقال ابن معين: سيئ الحفظ ضعيف الحديث (٤) .

    وقال [يحيى بن] يعلى المُحَاربي: طَرَح زائدةُ حديثَ ابنِ أبي ليلى.

    وقال الـ [ـسعدي] (٥) : ابن أبي ليلى واهي الحديث سيئ الحفظ.

    وقال أبو داود [عن شعبة] (٦) : ما [رأيت] أحدًا أسوأ حفظًا من ابن أبي

    ج ٢ ص ٤٥ليلى.

    وقال النسائي: ليس بالقوي (١) .

    وقال أبو حاتم الرازي: شُغِل بالقضاء فساء حفظُه، ولا يُتهم بشيء من الكذب، إنما يُنكر عليه كثرة الخطأ، فلا يحتجُّ به (٢) .

    وقال ابن حبان: كان فاحش الخطأ رديء الحفظ، فكثرت المناكير في حديثه، فاستحقَّ الترْك، ترَكه أحمد ويحيى (٣) .

    وقال الدارقطني: هو رديء الحفظ كثير الوهم (٤) .

  15. وقد قال أبو داود بعد تخريج هذا الحديث: هذا الحديث ليس بصحيح (٥) .

  16. وأما الطريق الثانية: ففيها يزيد بن أبي زياد أبو عبد الله الهاشمي.

    ج ٢ ص ٤٦قال البخاري (١) : «قال سفيان ــ هو ابن عيينة ــ: لما كبر الشيخ ــ يعني: يزيدًا ــ لقّنوه «ثم لم يعد» . فقال: «ثم لم يعد» (٢) .

    قال البخاري: وكذلك روى الحفَّاظ ممن سمع من يزيد بن أبي زياد قديمًا [منهم] الثوري وشعبة وزهير، ليس فيه: «ثم لم يعد» .

  17. حدثنا [محمد] بن يوسف، ثنا سفيان، عن يزيد بن أبي زياد، عن ابن أبي ليلى، عن [البراء قال] : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يرفع يديه إذا كبَّر حَذْو [أذنيه] (٣) .

    قال البخاري: وروى وكيع عن ابن أبي ليلى، عن أخيه عيسى [والحكم] ابن عُتَيبة (٤) ، عن ابن أبي ليلى، عن البراء قال: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يرفع يديه إذا كبر، ثم لم يرفع (٥) .

    قال البخاري: [وإنما] روى ابن أبي ليلى هذا من حفظه.

  18. فأما من حدَّث عن ابن أبي ليلى من كتابه، فإنما حَدَّث عن ابن أبي ليلى عن يزيد، فرجع الحديث إلى تلقين يزيد، والمحفوظ عنه ما رواه الثوري وشعبة وابن عُيينة قديمًا» انتهى.

    ج ٢ ص ٤٧وقال عثمان بن سعيد الدارمي: سألت أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال: لا يصح هذا الحديث (١) .

    وقال محمد بن يحيى الذُّهلي: سمعت أحمد بن حنبل يقول: هذا حديث واهٍ (٢) .

  19. ورواه الشافعي (٣) عن ابن عيينة، عن يزيد، ولفظه: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا افتتح الصلاة رفع يديه. قال ابن عيينة: ثم قدمت الكوفة، فلقيت يزيد بها (٤) فسمعته يحدِّث بهذا، وزاد فيه: «ثم لا يعود» (٥) ، وظننت أنهم قد لقَّنوه.

    قال الشافعي: وذهب سفيان إلى تغليط يزيد (٦) .

    وقال ابن عبدالبر (٧) : تفرد به يزيد بن أبي زياد [ق ١٣] ورواه شعبة،

    ج ٢ ص ٤٨والثوري، وابن عيينة، وهُشَيم، وخالد بن عبد الله، لم يذكر أحدٌ منهم: «ثم لا يعود» .

    وقال يحيى بن معين: يزيد بن أبي زياد ضعيف الحديث (١) .

    وقال ابن عدي: ليس بذلك (٢) .

    وقال عبد الله بن الزّبير: قلنا للمحتجِّ بهذا (٣) : إنما رواه يزيد، ويَزيد يزيدُ.

    وقال أحمد: لا يصح عنه هذا الحديث.

    وقال الدارمي: ومما يحقِّق قول سفيان ــ أنهم لقَّنوه هذه الكلمة ــ: أن الثوري و [زهير بن] معاوية وهُشَيمًا وغيرهم من أهل العلم لم يجيئوا بها، إنما جاء [بها من] سمع منه بأَخَرةٍ (٤) .

    قال البيهقي (٥) : «وقد رواه إبراهيم بن بشَّار، عن سفيان، ثنا يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب قال: رأيت

    ج ٢ ص ٤٩النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا افتتح الصلاة رفع يديه، وإذا أراد أن يركع، وإذا رفع رأسه من الركوع. قال سفيان: فلما قدمتُ الكوفةَ سمعته يقول: يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ثم لا يعود. فظننتُ أنهم لقَّنوه». انتهى.

  20. فهذه ثلاثة أوجه عن يزيد، فلو قُدِّر أنه من الحفّاظ الأثبات وقد اختلف حديثه؛ لوجب تركه والرجوع إلى الأحاديث الثابتة (١) التي لم تختلف، مثل حديث الزُّهري عن سالم عن أبيه ونحوه، فمعارضتها بمثل هذا الحديث الواهي المضطرب معارضة باطلة.

    وقال الدارقطني (٢) : إنما لُقِّن يزيد في آخر عمره: «ثم لا يعود» فتلقَّنه، وكان قد اختلط.

    وقال سليمان الشاذكوني: سمعت سفيان بن عُيينة يقول: اجتمع الأوزاعي والثوري بمنى، فقال الأوزاعي للثوري: لِمَ لا ترفع يديك [في] خفض الركوع ورفعه؟ فقال الثوري: حدثنا يزيد بن أبي زياد. قال الأوزاعي: أروي لك عن الزهري، عن سالم، عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وتعارضني بيزيد بن أبي زياد، ويزيد رجل ضعيف الحديث، وحديثُه مخالف للسنة! قال: فاحْمارّ وجهُ سفيان. قال الأوزاعي: كأنك كرهتَ ما قلتُ! قال الثوريُّ: نعم، قال الأوزاعي: قم بنا إلى المقام نَلْتَعِن أيُّنا على