باب الوقف

٢٠ فقرة، ج ٩ ص ٣٨

  1. ١٢٢٧٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، وَأَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، وَأَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ مَلَكَ مِائَةَ سَهْمٍ مِنْ خَيْبَرَ اشْتَرَاهَا، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ مَالًا لَمْ أُصِبْ مِثْلَهُ قَطَّ، وَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَتَقَرَّبَ بِهِ إِلَى اللَّهِ، فَقَالَ: «حَبِّسِ الْأَصْلَ وَسَبِّلِ الثَّمَرَةَ»

    ج ٩ ص ٣٨
  2. ١٢٢٧٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبُو زَكَرِيَّا، وَأَبُو سَعِيدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو ⦗٣٩⦘ الْعَبَّاسِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ حَبِيبٍ الْقَاضِي، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ مِنْ خَيْبَرَ مَالًا لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَعْجَبَ إِلَيَّ أَوْ أَعْظَمَ عِنْدِي مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهُ وَسَبَّلْتَ ثَمَرَهُ» . فَتَصَدَّقَ بِهِ عُمَرُ ثُمَّ حَكَى صَدَقَتَهُ بِهِ.

    ج ٩ ص ٣٨
  3. ١٢٢٧٦ - وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلَا تُوهَبُ، وَلَا تُورَثُ، وَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الْفُقَرَاءِ، وَفِي الْقُرْبَى، وَفِي الرِّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَالضَّيْفِ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ، أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ.

  4. ١٢٢٧٧ - قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: فَحَدَّثْتُ بِهِ ابْنَ سِيرِينَ، فَقَالَ: غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالًا

    ج ٩ ص ٣٩١٢٢٧٨ - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَشْهَلُ بْنُ حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَأْمَرَهُ فِيهَا، فَقَالَ: أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالًا أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ، فَمَا تَأْمُرُنِي بِهِ؟ فَقَالَ: «إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا» . قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ، لَا تُبَاعُ، وَلَا تُوهَبُ، وَلَا تُورَثُ، وَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الْفُقَرَاءِ، وَالْقُرْبَى، وَالرِّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَالضَّيْفِ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ، وَيُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ بِهِ ".

  5. ١٢٢٧٩ - قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: فَحَدَّثْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ فَقَالَ: غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالًا ⦗٤٠⦘. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ أَوْجُهٍ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ.

  6. ١٢٢٨٠ - وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ صَخْرِ بْنِ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَفِيهِ مِنَ الزِّيَادَةِ قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ، لَا يُبَاعُ، وَلَا يُوهَبُ، وَلَا يُورَثُ، وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ» فَتَصَدَّقَ بِهِ عُمَرُ ".

  7. ١٢٢٨١ - وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ: فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَصَدَّقْ بِثَمَرِهِ، وَاحْبِسْ أَصْلَهُ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُورَثُ» .

  8. ١٢٢٨٢ - وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مَا شَرَطَهُ عُمَرُ فِي كِتَابِ صَدَقَتِهِ إِنَّمَا أَخَذَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

  9. ١٢٢٨٣ - وَالَّذِي رُوِيَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: «لَوْلَا أَنِّي ذَكَرْتُ صَدَقَتِي لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ نَحْوَ هَذَا، لَرَدَدْتُهَا» ، فَهُوَ مُنْقَطِعٌ، لَا تَثْبُتُ بِهِ حُجَّةٌ، وَمَشْكُوكٌ فِي مَتْنِهِ، لَا يَدْرِي كَيْفَ قَالَهُ، وَالظَّاهِرُ مِنْهُ مَعَ مَا رُوِّينَا فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَوْلَا ذِكْرِي إِيَّاهَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَمْرُهُ إِيَّايَ بِحَبْسِ أَصْلِهَا، وَقَوْلُهُ: «لَا تُبَاعُ، وَلَا تُوهَبُ، وَلَا تُورَثُ» ، لَرَدَدْتُهَا، لَكِنَّهُ لَمَّا شَرَعَ فِي الْوَقْفِ نَسِيتُ سُؤَالَ مَا شَرَعَ، فَلَا سَبِيلَ إِلَى رَدِّهَا، وَالْأَشْبَهُ بِعُمَرَ إِنْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا أَنَّهُ لَعَلَّهُ أَرَادَ رَدَّهَا إِلَى سَبِيلٍ آخَرَ مِنْ سُبُلِ الْخَيْرِ، فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي ذَكَرْتُهَا لَهُ ⦗٤١⦘، وَأَمَرَنِي بِمَا شَرَطْتُ فِيهَا لَرَدَدْتُهَا إِلَى سَبِيلٍ آخَرَ إِذْ لَمْ يَتَحَدَّدْ ثَمَّ ضَرُورَةٌ إِلَى رَدِّهَا إِلَى مِلْكِهِ، وَلَا زَهَادَةَ فِي الْخَيْرِ، بَلْ كَانَ يَزْدَادُ عَلَى مَرِّ الْأَيَّامِ حِرْصًا عَلَى الْخَيْرَاتِ، وَرَغْبَةً فِي الصَّدَقَاتِ وَزَهَادَةً فِي الدُّنْيَا.

  10. ١٢٢٨٤ - وَلَا يَصِحُّ مِثْلُ هَذَا عَنْ عُمَرَ، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي عَارَضَ بِهِ بَعْضُ مَنْ يَدَّعِي تَسْوِيَةَ الْأَخْبَارِ عَلَى مَذْهَبِهِ مَا أَشْرْنَا إِلَيْهِ مِنَ الْأَخْبَارِ الثَّابِتَةِ الَّتِي انْقَادَ لَهَا أَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي، وَتَرَكَ بِهَا قَوْلَ مَنْ خَالَفَهَا، وَاللَّهُ يَرْحَمُنَا وَإِيَّاهُ، وَتَبِعَهَا أَيْضًا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي بَعْضِهَا، إِلَّا أَنَّهُ شَرَطَ فِي لُزُومِهَا الْقَبْضَ.

  11. ١٢٢٨٥ - قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ: وَالصَّدَقَاتُ الْمُحَرَّمَاتُ الَّتِي يَقُولُ بِهَا بَعْضُ النَّاسِ، الْوَقْفُ عِنْدَنَا بِالْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ مِنَ الْأُمُورِ الْمَشْهُورَةِ الْعَامَّةِ الَّتِي لَا يُحْتَاجُ فِيهَا إِلَى نَقْلِ خَبَرِ الْخَاصَّةِ، وَصَدَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي قَائِمَةٌ عِنْدَنَا، وَصَدَقَةُ الزُّبَيْرِ قَرِيبٌ مِنْهَا، وَصَدَقَةُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَائِمَةٌ، وَصَدَقَةُ عُثْمَانَ، وَصَدَقَةُ عَلِيٍّ، وَصَدَقَةُ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَصَدَقَةُ مَنْ لَا أُحْصِي مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ وَأَعْرَاضِهَا، وَصَدَقَةُ الْأَرْقَمِ بْنِ أَبِي الْأَرْقَمِ، وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ بِمَكَّةَ، وَصَدَقَةُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَصَدَقَةُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بِالرَّهْطِ مِنْ نَاحِيَةِ الطَّائِفِ، وَمَا لَا أُحْصِي مِنَ الصَّدَقَاتِ الْمُحَرَّمَاتِ لَا تُبَعْنَ وَلَا تُوهَبْنَ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَأَعْرَاضِهَا.

  12. ١٢٢٨٦ - وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَانِينَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْأَنْصَارِ تَصَدَّقُوا صَدَقَاتٍ مُحَرَّمَاتٍ مَوْقُوفَاتٍ، وَقَدْ وَرِثَ كُلَّ مَنْ سَمَّيْنَاهُ وَرَثَةٌ فِيهِمُ الْمَرْأَةُ الْغَرِيبَةُ الْحَرِيصَةُ عَلَى أَخْذِ حَقِّهَا مِنْ تِلْكِ الْأَمْوَالِ، وَعَلَى بَعْضِ وَرَثَتِهِمُ الدُّيُونُ الَّتِي يَطْلُبُ أَهْلُهَا أَمْوَالَ مَنْ عَلَيْهِ دُيُونُهُمْ لِيُبَاعَ لَهُ فِي حَقِّهِ، وَفِيهِمْ مَنْ يُحِبُّ بَيْعَ مَالِهِ فِي الْحَاجَةِ، وَيُحِبُّ بَيْعَهُ لِيَنْفَرِدَ بِمَالٍ لِنَفْسِهِ، وَيُحِبُّ قَسْمَهُ، فَأَنْفَذَ الْحُكَّامُ مَا صَنَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ، وَمَنَعُوا مَنْ طَلَبَ قَسْمَ أُصُولِهَا، أَوْ بَيْعَهَا، مِنْ ذَلِكَ بِكُلِّ وَجْهٍ. وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِي شَرْحِ هَذَا.

  13. ١٢٢٨٧ - وَفِيهِ جَوَابٌ عَمَّا قَالَ مَنْ تَرَكَ السُّنَّةَ فِي الْوَقْفِ وَأَنْ لَيْسَ فِي ⦗٤٢⦘ بَقَاءِ حَبْسِ عُمَرَ إِلَى غَايَتِنَا هَذِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِهِ نَقْضُهُ، وَإِنَّمَا الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنْ لَوْ كَانُوا خَاصَمُوا فِيهِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَمُنِعُوا مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَكْتَفِ بِمَا شَرَطَ عُمَرُ فِي كِتَابِهِ، وَلَا بِأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَحْبِيسِهِ، وَلَا بِمَا رُوِّينَا عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يُبَاعُ، وَلَا يُوهَبُ، وَلَا يُورَثُ» ، وَجَعَلَ جَمِيعَ ذَلِكَ لَغْوًا، وَزَعَمَ أَنَّهُ يَتَّبِعُ الْآثَارَ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

  14. ١٢٢٨٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: قَالَ لِي قَائِلٌ: إِنَّمَا رَدَدْنَا الصَّدَقَاتِ الْمَوْقُوفَاتِ بِأُمُورٍ. قُلْتُ لَهُ: وَمَا هُنَّ؟ فَقَالَ: قَالَ شُرَيْحٌ: جَاءَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِطْلَاقِ الْحُبُسِ. فَقُلْتُ لَهُ: الْحُبُسُ الَّتِي جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِطْلَاقِهَا، هِيَ غَيْرُ مَا ذَهَبْتَ إِلَيْهِ، وَهِيَ بَيِّنَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ} [المائدة: ١٠٣] فَهَذِهِ الْحُبُسُ الَّتِي كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَحْبِسُونَهَا فَأَبْطَلَ اللَّهُ شُرُوطَهُمْ فِيهَا، وَأَبْطَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِبْطَالِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِيَّاهَا، وَهِيَ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَقُولُ: إِذَا نَتَجَ فَحْلُ إِبِلِهِ ثُمَّ أَلْقَحَ فَأُنْتِجَ مِنْهُ، فَهُوَ حَامٍ، أَيْ قَدْ حَمِيَ ظَهْرُهُ فَيُحَرَّمُ رُكُوبُهُ، وَيُجْعَلُ ذَلِكَ شَبِيهًا بِالْعِتْقِ لَهُ، وَيَقُولُ فِي الْبَحِيرَةِ، وَالْوَصِيلَةِ عَلَى مَعْنًى يُوَافِقُ بَعْضَ هَذَا، وَيَقُولُ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ سَائِبَةٌ لَا يَكُونُ لِي وَلَاؤُكَ، وَلَا عَلَيَّ عَقْلُكَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ أَيْضًا فِي الْبَهَائِمِ، وَقَدْ سَيَّبْتُكَ، فَلَمَّا كَانَ الْعِتْقُ لَا يَقَعُ عَلَى الْبَهَائِمِ رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِلْكَ الْبَحِيرَةِ، وَالْوَصِيلَةِ، وَالْحَامِ إِلَى مَالِكِهَا، وَأَثْبَتَ الْعِتْقَ، وَجَعَلَ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ السَّائِبَةَ، وَلَمْ يَحْبِسْ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، عَلِمْتُهُ، دَارًا، وَلَا أَرْضًا تَبَرُّرًا بِحَبْسِهَا، وَإِنَّمَا حَبَسَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ

    ١٢٢٨٩ - ثُمَّ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ حَدِيثَ عُمَرَ فِي التَّحْبِيسِ، وَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ الْحُبُسَ الَّتِي أَطْلَقَ غَيْرُ الْحُبُسِ الَّتِي أَمَرَ بِتَحْبِيسِهَا ⦗٤٣⦘.

  15. ١٢٢٩٠ - وَقَالَ فِي كِتَابِ الْبَحِيرَةِ: رِوَايَةُ شَيْخِنَا أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي قَوْلِ شُرَيْحٍ: «لَا حَبْسَ عَنْ فَرَائِضِ اللَّهِ» ، لَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: قَوْلُ شُرَيْحٍ عَلَى الِانْفِرَادِ لَا يَكُونُ حُجَّةً، وَلَوْ كَانَ حُجَّةً لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا حَبْسٌ عَنْ فَرَائِضِ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ لَوَ وَهَبَهَا لِأَجْنَبِيٍّ أَوْ بَاعَهُ إِيَّاهَا فَحَابَاهُ، أَيَجُوزُ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: أَفَهَذَا فِرَارٌ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ؟ فَإِنْ قَالَ: لَا؛ لِأَنَّهُ أَعْطَاهُ وَهُوَ يَمْلِكُ، وَقَبْلَ وُقُوعِ فَرَائِضِ اللَّهِ، قِيلَ: وَهَكَذَا الصَّدَقَةُ يَتَصَدَّقُ بِهَا صَحِيحًا، وَقَبْلَ وُقُوعِ فَرَائِضِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ الْفَرَائِضَ فِي الْمِيرَاثِ إِنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ مَوْتِ الْمَالِكِ وَفِي الْمَرَضِ.

  16. ١٢٢٩١ - قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَالَّذِي يَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ يَزْعُمُ أَنَّهُ إِذَا تَصَدَّقَ بِمَسْجِدٍ لَهُ جَازَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَعُدْ فِي مِلْكِهِ وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِي شَرْحِهِ

    ج ٩ ص ٤٣١٢٢٩٢ - وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ مَنْ نَصَرَ قَوْلَ مَنْ أَبْطَلَهَا بِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَخِيهِ عِيسَى بْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا حَبْسَ عَنْ فَرَائِضِ اللَّهِ»

  17. ١٢٢٩٣ - وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: لَمَّا أُنْزِلَتِ الْفَرَائِضُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ قَالَ: «لَا حَبْسَ بَعْدَ سُورَةِ النِّسَاءِ» .

    ج ٩ ص ٤٣
  18. ١٢٢٩٤ - وَقَدْ أَجْمَعَ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ عَلَى ضِعْفِ ابْنِ لَهِيعَةَ، وَتَرْكِ الِاحْتِجَاجِ بِمَا يَنْفَرِدُ بِهِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا تَفَرَّدَ بِرِوَايَتِهِ، عَنْ أَخِيهِ.

  19. ١٢٢٩٥ - قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ الْحَافِظُ، فِيمَا أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وَغَيْرُهُ، عَنْهُ: لَمْ يُسْنِدْهُ غَيْرُ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ أَخِيهِ وَهُمَا ضَعِيفَانِ

    ١٢٢٩٦ - قَالَ أَحْمَدُ: وَالَّذِي يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ هَاهُنَا، يَطْعَنُ فِي رِوَايَتِهِ حَدِيثُ التَّكْبِيرِ فِي الْعِيدَيْنِ، عَنْ قَوْمٍ مَعْرُوفِينَ، وَلَهُ شَوَاهِدُ، ثُمَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حِينَ رَوَى ⦗٤٤⦘ مَا يُشْبِهُ قَوْلَهَ، عَنْ مَجْهُولٍ، وَلَا شَاهِدَ لَهُ إِلَّا عَنْ شُرَيْحٍ صَارَ غَيْرَ مَطْعُونٍ فِي حَدِيثِهِ مُعَمًّى فِيهِ، إِنْ كَانَ تَأْوِيلُهُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنَ الْخِلَافِ لِرِوَايَةِ أَهْلِ الثِّقَةِ، عَلَى أَنَّهُ، إِنْ صَحَّ، كَانَ الْمُرَادُ بِهِ غَيْرَ الْحُبُسِ الَّتِي أَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَاتِ.

  20. ١٢٢٩٧ - وَقَوْلُ شُرَيْحٍ: «لَا حَبْسَ عَنْ فَرَائِضِ اللَّهِ» ، إِنَّمَا حَمَلَهُ عَنْهُ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ مُسْتَفْتِيًا فِي زَمَنِ بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ حِينَ لَمْ يَبْقَ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَحَدٌ، وَلَوْ ظَهَرَ قَوْلُهُ لِمَنْ بَقِيَ مِنَ الصَّحَابَةِ لَمْ نَعْجِزْ عَنْ مُنْكِرِينَ إِيَّاهُ، وَعَمَلُهُمْ بِالتَّحْبِيسِ وَاحِدًا بَعْدَ آخَرَ، كَمَا حَكَاهُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ يُؤَدِّي مَعْنَى الْإِنْكَارِ إِلَى مَنْ عَقَلَ عَنْهُمْ، وَخَالَفَ هَوَاهُ