سورة الفرقان
١٤ فقرة، ج ١٩ ص ٩٣
- ج ١٩ ص ٩٣
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة الْفرْقَان، وَهُوَ مصدر فرق بَين الشَّيْئَيْنِ إِذا فصل بَينهمَا، وَسمي الْقُرْآن بِهِ لفصله بَين الْحق وَالْبَاطِل، وَقيل: لِأَنَّهُ لم ينزل جملَة وَاحِدَة وَلَكِن مفروقاً مَفْصُولًا بَين بعضه وَبَعض فِي الْإِنْزَال، قَالَ تَعَالَى: {وقرآنا فرقناه لتقرأه على النَّاس} (الْإِسْرَاء: ٦٠١) الْآيَة، وَهِي مَكِّيَّة وَفِي آيَة اخْتِلَاف وَهِي قَوْله عز وَجل: {إلَاّ من تَابَ وآمن وَعَملا عملا صَالحا} (الْفرْقَان: ٠٧) . وَقيل: فِيهَا آيتان اخْتلف النَّاس فيهمَا، فَقيل: إنَّهُمَا مدنيتان، وَقيل: مكيتان، وَقيل: إِحْدَاهمَا مَكِّيَّة وَالْأُخْرَى مَدَنِيَّة، وهما قَوْله: {وَالَّذين لَا يدعونَ مَعَ الله إل هَا آخر} الْآيَة وَقَوله إمن تَابَ وآمن (الْفرْقَان: ٨٦) فَالَّذِي قَالَ إِن الأولى مَكِّيَّة وَهُوَ سعيد بن جُبَير، وَهِي قَوْله: {وَالَّذين لَا يدعونَ} إِلَى قَوْله: {مهاناً} . وَالثَّانيَِة مَدَنِيَّة وَهِي قَوْله: {إلَاّ من تَابَ وآمن} إِلَى قَوْله: {وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما} وَهِي سبع وَسَبْعُونَ آيَة، وَثَمَانمِائَة وَاثْنَتَانِ وَتسْعُونَ كلمة، وَثَلَاثَة آلَاف وَسَبْعمائة وَثَمَانُونَ حرفا.
-
{بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم}
-
ثبتَتْ عِنْد الْكل.
قَالَ ابنُ عَبّاسٍ: هَباءً مَنْثُوراً مَا تَسْفِي بِهِ الرِّيحُ
أَي: قَالَ عبد الله بن عَبَّاس فِي تَفْسِير: هباءً. منثوراً. فِي قَوْله تَعَالَى: {وَقدمنَا إِلَى مَا عمِلُوا من عمل فَجعلنَا هباء منثوراً} (الْفرْقَان: ٣٢) مَا تسفي بِهِ الرّيح أَي تذريه وترميه، وَوَصله ابْن الْمُنْذر من حَدِيث عَطاء عَن ابْن عَبَّاس بِلَفْظ: مَا تسفي بِهِ الرّيح وتثبته، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: هباءً منثوراً، أَي: بَاطِلا لَا ثَوَاب لَهُ لأَنهم لم يعملوه لله، وَإِنَّمَا عملوه للشَّيْطَان. وَاخْتلف الْمُفَسِّرُونَ فِي الهباء فَقَالَ مُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَالْحسن: هُوَ الَّذِي يرى فِي الكوى من شُعَاع الشَّمْس كالغبار وَلَا يمس بِالْأَيْدِي وَلَا يرى فِي الظل، وَقَالَ ابْن زيد: هُوَ الْغُبَار، وَقَالَ مقَاتل: هُوَ مَا يسطع من حوافر الدَّوَابّ، وَيُقَال: الهباء جمع هباة، والمنثور المتفرق.
-
مَدَّ الظِّلَّ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {ألم ترَ إِلَى رَبك كَيفَ مد الظل} (الْفرْقَان: ٥٤) الْآيَة. وَفَسرهُ بقوله: (مَا بَين طُلُوع الْفجْر إِلَى طُلُوع الشَّمْس) ، وَإِنَّمَا جعله ممدوداً لِأَنَّهُ لَا شمس مَعَه، كَمَا قَالَ فِي ظلّ الْجنَّة. {وظل مَمْدُود} (الْوَاقِعَة: ٠٣) ، وبمثل مَا فسره رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، وروى مثله أَيْضا عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الْحسن وَقَتَادَة.
-
ساكِناً دَائِماً. عَلَيْهِ دَلِيلاً طُلُوعُ الشَّمْسِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَلَو شَاءَ لجعله سَاكِنا ثمَّ جعلنَا الشَّمْس عَلَيْهِ دَلِيلا} . وَفسّر سَاكِنا بقوله: (دَائِما) أَي: غير زائل، وَقيل: لاصقاً بِأَصْل الْجِدَار غَيره منبسط، وَفسّر دَلِيلا بقوله: (الشَّمْس) أَي طُلُوع الشَّمْس دَلِيل على حُصُول الظل، وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس: تدل على الظل الشَّمْس، يَعْنِي لَوْلَا الشَّمْس مَا عرف الظل، وَلَوْلَا النُّور مَا عرفت الظلمَة.
-
خِلْفَةً مَنْ فاتَهُ مِنَ اللّيْلِ عملٌ أدْرَكَهُ بالنَّهارِ أوْ فاتَهُ بالنّهارِ أدْرَكَهُ باللّيْلِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي جعل اللَّيْل وَالنَّهَار خلفة} (الْفرْقَان: ٢٦) . الْآيَة، وَفسّر (خلفة) بقوله: (من فَاتَهُ) إِلَى آخِره، وَأخرج عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الْحسن مثله، وَفِي التَّفْسِير: وَعَن ابْن عَبَّاس وَقَتَادَة: خلفة، يَعْنِي عوضا وخلفاً يقوم واحدهما مَكَان صَاحبه، فَمن فَاتَهُ عمله فِي أَحدهمَا قَضَاهُ فِي الآخر، وَعَن مُجَاهِد: يَعْنِي جعل كل وَاحِد مِنْهُمَا مُخَالفا للْآخر فَجعل هَذَا أسود وَهَذَا أَبيض، وَعَن ابْن زيد: يَعْنِي إِذا جَاءَ أَحدهمَا ذهب الآخر، فهما يتعاقبان فِي الظلام والضياء وَالزِّيَادَة وَالنُّقْصَان.
- ج ١٩ ص ٩٤
وَقَالَ الحَسَنُ هَبْ لَنا مِنْ أزْواجِنا فِي طاعَةِ الله وَمَا شَيْءٌ أقَرَّ لِعَيْنِ المُؤْمِنِ أنْ يَري حَبِيبَهُ فِي طاعَةِ الله
أَي: قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذين يَقُولُونَ رَبنَا هَب لنا من أَزوَاجنَا وَذُرِّيَّاتنَا قُرَّة أعين واجعلنا لِلْمُتقين إِمَامًا} (الْفرْقَان: ٤٧) وَهَكَذَا أسْندهُ عَنهُ ابْن الْمُنْذر من حَدِيث جرير عَنهُ، وَفِي التَّفْسِير: قُرَّة أعين بِأَن نراهم مُؤمنين صالحين مُطِيعِينَ لَك، ووحد القرة لِأَنَّهَا مصدر وَأَصلهَا من الْبرد لِأَن الْعين تتأذى بِالْحرِّ وتستريح بالبرد.
-
وَقَالَ ابنُ عبّاسٍ ثُبُوراً وَيْلاً
أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: {دعوا هُنَالك ثبوراً} (الْفرْقَان: ٣١) أَي: ويلاً وأسنده ابْن الْمُنْذر عَنهُ من حَدِيث عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ.
-
وَقَالَ غَيْرُهُ السَّعِيرُ مُذَكَّرٌ والتَّسَعُّرُ والاضْطِرَامُ التَّوَقدُ الشَّدِيدُ
أَي: قَالَ غير ابْن عَبَّاس: وَهُوَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَوْله تَعَالَى: {وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيراً} (الْفرْقَان: ١١) وَقَالَ: السعير مُذَكّر لِأَنَّهُ مَا يسعر بِهِ النَّار، وَإِنَّمَا حكم بتذكيره إِمَّا من حَيْثُ أَنه فعيل فَيصدق عَلَيْهِ أَنه مُذَكّر، وَإنَّهُ مؤنث، وَقيل: الْمَشْهُور أَن السعير مؤنث، وَقَالَ تَعَالَى: {إِذا رأتهم من مَكَان بعيد سمعُوا لَهَا تغيظاً وزفيراً} (الْفرْقَان: ١١) وَيُمكن أَن يُقَال: إِن الضَّمِير يحْتَمل أَن يعود إِلَى الزَّبَانِيَة، أَشَارَ إِلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيّ. قَوْله: (والتسعر) إِلَى آخِره يُرِيد بِهِ أَن معنى التسعر وَمعنى الاضطرام (التوقد الشَّديد) .
-
تُمْلَى عَلَيْهِ أيْ تُقْرَأُ عَلَيْهِ مِنْ أمْلَيْتُ وأمْلَلْتُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَقَالُوا أساطير الْأَوَّلين} (الْفرْقَان: ٥) اكتتبها فَهِيَ تملى عَلَيْهِ بكرَة وَأَصِيلا، وَفسّر: (تملى عَلَيْهِ) بقوله: (تقْرَأ عَلَيْهِ) ، قَوْله: (وَقَالُوا) أَي: الْكفَّار، (أساطير الْأَوَّلين) يَعْنِي: مَا سطره المتقدمون من نَحْو أَحَادِيث رستم وإسفنديار، والأساطير جمع إسطار وأسطورة كأحدوثة. قَوْله: اكتتبها: يَعْنِي أَمر بكتبها لنَفسِهِ وَأَخذهَا، وَقيل: الْمَعْنى أكتتبها كَاتب لَهُ لِأَنَّهُ كَانَ أُمِّيا لَا يكْتب بِيَدِهِ، وَذَلِكَ من تَمام إعجازه. قَوْله: (من أمليت) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن تملى من أمليت من الْإِمْلَاء، وَأَشَارَ بقوله: (أمللت) إِلَى أَن الإملال لُغَة فِي الْإِمْلَاء، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: أمليت الْكتاب أملي وأمللته أمله لُغَتَانِ جيدتان جَاءَ بهما الْقُرْآن، كَقَوْلِه تَعَالَى: {فليملل الَّذِي عَلَيْهِ الْحق} (الْبَقَرَة: ٢٨٢) .
-
الرَّسُّ المَعْدِنُ جَمْعُهُ رِساسٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وعاداً وَثَمُود وَأَصْحَاب الرس قروناً بَين ذَلِك كثيرا} (الْفرْقَان: ٨٣) وَفسّر الرس بالمعدن، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَقَالَ الْخَلِيل: الرس كل بِئْر غير مطوية وَقَالَ قَتَادَة: أَصْحَاب الأيكة وَأَصْحَاب الرس أمتان أرسل الله إِلَيْهِمَا شعيباً فعذبوا بعذابين، قَالَ السّديّ: الرس بِئْر بأنطاكية قتلوا فِيهَا حبيباً النجار فنسبوا إِلَيْهَا، رَوَاهُ عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، وروى عِكْرِمَة أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: أَصْحَاب الرس، قَالَ: بِئْر بِأَذربِيجَان.
-
مَا يَعْبَأ يُقالُ مَا عَبأْتُ بِهِ شَيْئاً لَا يُعْتَدُّ بِهِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {قل مَا يعبأ بكم رَبِّي لَوْلَا دعاؤكم} (الْفرْقَان: ٧٧) الْآيَة. وَفسّر: (مَا يعبأ) بقوله: (يُقَال) ، الخ. وَعَن أبي عُبَيْدَة: يُقَال مَا عبأت بِهِ شَيْئا، أَي: لم أعده فوجوده وَعَدَمه سَوَاء، وأصل هَذِه الْكَلِمَة تهيئة الشَّيْء، يُقَال: عبيت الْجَيْش وعبأت الطّيب عبوا: إِذا هيأته.
-
غَرَاماً هَلَاكاً
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِن عَذَابهَا كَانَ غراماً} (الْفرْقَان: ٥٦) وَفسّر الغرام بِالْهَلَاكِ، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَمِنْه قَوْلهم: رجل مغرم بالحب.
-
وَقَالَ مُجاهِدٌ وعَتَوْا طَغَوْا
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {لقد استكبروا فِي أنفسهم وعتوا عتواً كَبِيرا} (الْفرْقَان: ١٢) وَقَالَ: يَعْنِي عتوا طغوا، أخرجه وَرْقَاء فِي (تَفْسِيره) عَن ابْن أبي نجيح عَنهُ.
وَقَالَ ابنُ عُيَيْنَةَ: عاتِيَةٍ عَتَتْ على الخُزَّانِ
أَي: قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة فِي قَوْله تَعَالَى: {وَأما عَاد فأهلكوا برِيح صَرْصَر عَاتِيَة} (الحاقة: ٦) هَذِه فِي سُورَة الحاقة، ذكرهَا هُنَا اسْتِطْرَادًا
ج ١٩ ص ٩٥لقَوْله: وعتوا، قَوْله: (صَرْصَر) هُوَ الشَّديد الصَّوْت، وَقيل: الرّيح الْبَارِدَة من الصر فتحرق من شدَّة بردهَا. قَوْله: (عاتبة) ، شَدِيدَة العصف، وَقَالَ سُفْيَان فِي تَفْسِير عَاتِيَة: عَتَتْ على خزانها فَخرجت بِلَا كيل وَلَا وزن، والخزان، بِضَم الْخَاء وَتَشْديد الزَّاي: جمع خَازِن، وَأُرِيد بِهِ خزان الرّيح الَّذين لَا يرسلون شَيْئا من الرّيح إلَاّ بِإِذن الله بِمِقْدَار مَعْلُوم، وَوَقع فِي هَذَا التفاسير فِي النّسخ تَقْدِيم وَتَأْخِير وَزِيَادَة ونقصان.