- (باب: {إذا أكل الكلب} )
١٣ فقرة، ج ٢١ ص ٩٩
- ج ٢١ ص ٩٩
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ أكل الْكَلْب من الصَّيْد، وَجَوَاب: إِذا مَحْذُوف تَقْدِيره إِذا أكل الْكَلْب من الصَّيْد لَا يُؤْكَل، وَلم يذكرهُ اعْتِمَادًا على مَا يفهم من متن الحَدِيث.
-
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {يسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} الصَّوَائِدُ وَالكَوَاسِبُ، اجْتَرَحُوا: اكْتَسَبُوا {تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ الله فَكُلُوا مِمَّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} إلَى قَوْلِهِ: {سَرِيعُ الحِساب} (الْمَائِدَة: ٤) .
-
قَوْله: مَرْفُوع عطفا على قَوْله: (بَاب) ، لِأَنَّهُ مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف. كَمَا قُلْنَا، وَسبب نزُول هَذِه الْآيَة مَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا أَبُو زرْعَة حَدثنَا يحيى بن عبد الله بن بكير حَدثنِي عبد الله بن لَهِيعَة حَدثنِي عَطاء بن دِينَار وَعَن سعيد بن جُبَير أَن عدي بن حَاتِم وَيزِيد بن المهلهل الطائيين سَأَلَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَا: يَا رَسُول الله! قد حرم الله الْميتَة، فَمَاذَا يحل لنا مِنْهَا؟ فَنزلت: {يَسْأَلُونَك} الْآيَة. قَوْله: (قل أحل لكم الطَّيِّبَات) يَعْنِي: الذَّبَائِح الْحَلَال طيبَة لَهُم قَالَه سعيد بن جُبَير: وَقَالَ مقَاتل بن حَيَّان: الطَّيِّبَات مَا أحل لَهُم من كل شَيْء أَن يصيبوه، وَهُوَ الْحَلَال من الرزق. قَوْله: (وَمَا علمْتُم من الْجَوَارِح) أَي: وَأحل لكم مَا اصطدتموه بِمَا علمْتُم من الْجَوَارِح وَهِي الْكلاب والفهود والصقور وَأَشْبَاه ذَلِك، وَهَذَا مَذْهَب الْجُمْهُور من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّة وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِك: عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {مَا علمْتُم من الْجَوَارِح مكلبين} وَهِي: الْكلاب المعلمة والبازي وكل طير يعلم للصَّيْد، وروى ابْن أبي حَاتِم عَن خَيْثَمَة وطاووس وَمُجاهد وَمَكْحُول وَيحيى ابْن أبي كثير: أَن الْجَوَارِح الْكلاب الضواري والفهود والصقور وأشباهها. قَوْله: (مكلبين) ، حَال من قَوْله: (مِمَّا علمْتُم) وَهُوَ جمع مكلب وَهُوَ مؤدب الْجَوَارِح ومضربها بالصيد لصَاحِبهَا ورائضها لذَلِك، وَقَالَ بَعضهم: مكلبين مؤدبين فَلَيْسَ هُوَ تفعيل من الْكَلْب الْحَيَوَان الْمَعْرُوف إِنَّمَا هُوَ من الْكَلْب بِفَتْح اللَّام وَهُوَ الْحِرْص. انْتهى. قلت: هَذَا تركيب فَاسد وَمعنى غير صَحِيح وَدَعوى اشتقاق من غير أَصله، وَلم يقل بِهِ أحد، بل الَّذِي يُقَال هُنَا مَا قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ الَّذِي هُوَ الْمرجع إِلَيْهِ فِي التَّفْسِير، وَهُوَ أَنه قَالَ: واشتقاقه أَي: اشتقاق مكلبين من الْكَلْب لِأَن التَّأْدِيب أَكثر مَا يكون فِي الْكلاب فاشتق من لَفظه لكثرته فِي جنسه. فَإِن قلت: قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ أَيْضا: وَمن الْكَلْب الَّذِي هُوَ بِمَعْنى الضراوة؟ يُقَال: هُوَ كلب بِكَذَا إِذا كَانَ ضَارِبًا بِهِ قلت: نَحن مَا ننكر أَن يكون اشتقاق مكلبين من غير الْكَلْب الَّذِي هُوَ الْحَيَوَان، وَإِنَّمَا أَنْكَرْنَا على هَذَا الْقَائِل قَوْله: وَلَيْسَ هُوَ تفعيل من الْكَلْب، وَإِنَّمَا هُوَ الْكَلْب بِفَتْح اللَّام، فَالَّذِي لَهُ أدنى مسكة من علم التصريف لَا يَقُول بِهَذِهِ الْعبارَة. وَأَيْضًا فقد فسر الْكَلْب بِفَتْح اللَّام بِمَعْنى الْحِرْص وَلَيْسَ كَذَلِك مَعْنَاهُ هَاهُنَا، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ مثل مَا قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ، وَهُوَ معنى الضراوة. قَوْله: (الصوائد) ، جمع صائدة. (والكواسب) جمع كاسبة وَهُوَ صفة لقَوْله: (الْجَوَارِح) وَقَالَ بَعضهم: صفة مَحْذُوف تَقْدِيره: الْكلاب الصوائد. قلت: هَذَا أَيْضا فِيهِ مَا فِيهِ، بل هِيَ صفة للجوارح كَمَا قُلْنَا. وَقَوله: الصوائد، رِوَايَة الْكشميهني وَلغيره، الكواسب. قَوْله: (الصوائد والكواسب) وَقَوله: (اجترحوا: اكتسبوا) لَيْسَ من الْآيَة الْكَرِيمَة بل هُوَ معترض بَين قَوْله: (مكلبين) وَبَين قَوْله: (تعلمونهن) فَذكر الصوائد والكواسب تَفْسِيرا للجوارح، وَذكر اجترحوا بِمَعْنى اكتسبوا اسْتِطْرَادًا لبَيَان أَن
ج ٢١ ص ١٠٠الاجتراح يُطلق على الِاكْتِسَاب. قَوْله: (تعلمونهن) ، أَي: الْجَوَارِح، وتعليمهن أَنه إِذا أرسل استرسل وَإِذا أشلاه استشلى وَإِذا أَخذ الصَّيْد أمْسكهُ على صَاحبه حَتَّى يَجِيء إِلَيْهِ وَلَا يمسِكهُ لنَفسِهِ، وَلِهَذَا قَالَ: {فَكُلُوا مِمَّا أمسكن عَلَيْكُم واذْكُرُوا اسْم الله عَلَيْهِ وَاتَّقوا الله} (الْمَائِدَة: ٤) فِي مُخَالفَة أمره. {وَإِن الله سريع الْحساب} .
-
{وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: إنْ أكَلَ الكَلْبُ فَقَدْ أفْسَدَهُ إنَّما أمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ وَالله يَقُولُ: {تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ الله} فَتُضْرَبُ وَتُعْلَّمُ حَتَّى تَتْرُك} .
-
هَذَا التَّعْلِيق وَصله سعيد بن مَنْصُور مُخْتَصرا من طَرِيق عَمْرو بن دِينَار عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: إِذا أكل الْكَلْب فَلَا تَأْكُل فَإِنَّمَا أمسك على نَفسه. قَوْله: (أفْسدهُ) ، أَي: أخرجه عَن صلاحيته للْأَكْل. وَقَوله: (إِنَّمَا أمسك) إِلَى آخِره تَعْلِيل لما قَالَ. قَوْله: (فَتضْرب) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. وَكَذَلِكَ (تعلم) قَوْله: (حَتَّى تتركه) ، أَي: الْأكل.
-
{وَكَرِهَهُ ابنُ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُما}
-
أَي: كره أكل الصَّيْد الَّذِي أكل مِنْهُ الْكَلْب عبد الله بن عمر بن الْخطاب، وَوَصله وَكِيع بن الْجراح حَدثنَا سُفْيَان ابْن سعيد عَن لَيْث عَن مُجَاهِد عَنهُ.
-
{وَقَالَ عَطَاءٌ: إنْ شَرِبَ الدَّمَ وَلَمْ يَأْكُلْ فَكُلْ}
-
أَي: قَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح: إِن شرب الْكَلْب دم الصَّيْد وَلم يَأْكُل من لَحْمه فَكل، يَعْنِي: كل هَذَا الصَّيْد. وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَن حَفْص بن غياث عَن ابْن جريج عَنهُ، وَذكر عَن عدي بن أبي حَاتِم: إِن شرب من دَمه فَلَا تَأْكُل فَإِنَّهُ لم يتَعَلَّم مَا عَلمته وَعَن الْحسن: إِن أكل فَكل فَإِن شرب فَكل، وَزعم ابْن حزم أَن الْجَارِح إِذا شرب من دم الصَّيْد لم يضر ذَلِك شَيْئا لِأَن سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حرم علينا أكل مَا قَتِيل: إِذا أكل وَلم يحرم إِذا ولغَ قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَهُوَ قَول سعد بن أبي وَقاص وَابْن عمر وسلمان، رَضِي الله عَنْهُم، قَالُوا: إِذا أكل الْجَارِح يُؤْكَل مَا أكل، وَهُوَ قَول مَالك. وَقَالَ ابْن بطال، وَهُوَ قَول عَليّ بن أبي طَالب وَسَعِيد بن الْمسيب وَسليمَان بن يسَار وَالْحسن بن أبي الْحسن وَمُحَمّد بن شهَاب وَرَبِيعَة وَاللَّيْث، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد بن إِدْرِيس وَأحمد بن حَنْبَل وَإِسْحَاق: إِن أكل لَا يُؤْكَل وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَهُوَ قَول الْجُمْهُور من السّلف وَغَيرهم مِنْهُم ابْن عَبَّاس وَأَبُو هُرَيْرَة وَابْن شهَاب فِي رِوَايَة، وَالشعْبِيّ وَسَعِيد بن جُبَير وَالنَّخَعِيّ وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَعِكْرِمَة وَقَتَادَة.
-
٥٤٨٣ - حدَّثنا قُتَيْبَةَ بنُ سَعِيدٍ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ فُضَيْلٍ عَنْ بَيَانٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بنِ حَاتِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قُلْتُ: إنَّا قَوْمٌ نَصِيدُ بِهاذِهِ الكِلابِ؟ فَقَالَ: إذَا أرْسَلْتَ كِلابِكَ المُعَلَّمَةَ وَذَكَرْتَ اسْمَ الله فعل مِمَّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ، وَإنْ قَتَلْنَ، إلَاّ أنْ يَأْكُلَ الكَلْبُ فَإنِّي أخافُ أنْ يَكُونَ إنَّمَا أمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَإنْ خَالَطَها كِلابٌ مِنْ غَيْرِها فَلا تَأْكُلْ.
-
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَبَيَان، بِفَتْح الْيَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف الْبَاء آخر الْحُرُوف، ابْن بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة الأحمسي بالمهملتين، وَالشعْبِيّ هُوَ عَامر بن شرَاحِيل.
-
والْحَدِيث قد مر بِوُجُوه مُخْتَلفَة وطرق عديدة.
-
قَوْله: (إِذا أرْسلت) ، فِيهِ إِشْعَار بِأَنَّهُ إِذا استرسل بِنَفسِهِ فَلَا يُؤْكَل صَيْده، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور إلَاّ مَا حُكيَ عَن الْأَصَم من إِبَاحَته، وَإِذا غصب كَلْبا واصطاد هَل يكون للْمَالِك أَو للْغَاصِب؟ فَقيل: للْمَالِك. لِأَن الصَّيْد بكلبه، وَقيل: للْغَاصِب لِأَن الْكَلْب يتَمَلَّك.