- (باب من انتظر الإقامة)

٦٣ فقرة، ج ٥ ص ١٤٠

الصفحة ١ من ٢

  1. أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من سمع الْأَذَان وانتظر إِقَامَة الصَّلَاة، وَالظَّاهِر من وضع هَذَا الْبَاب الْإِشَارَة إِلَى أَن ذَلِك مُخْتَصّ بِالْإِمَامِ لِأَن الْمَأْمُوم يسْتَحبّ أَن يحوز الصَّفّ الأول، وَيُمكن أَن يُشَارك الإِمَام فِي ذَلِك من كَانَ منزله قَرِيبا من الْمَسْجِد بِحَيْثُ يسمع الْإِقَامَة من منزله، فَإِنَّهُ إِذا كَانَ متهيأ للصَّلَاة كَانَ انْتِظَاره لَهَا كانتظاره إِيَّاهَا وَهُوَ فِي الْمَسْجِد.

    ج ٥ ص ١٤٠
  2. ٦٢٦ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ أنَّ عَائِشَةَ قالَتْ كَانَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إذَا سَكَتَ المُؤَذِّنُ بالأُولَى مِن صلاةِ الفَجْرِ قامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ صلاةِ الفَجْرِ بَعْدَ أنْ يَسْتَبِينَ الفَجْرُ ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأيْمَنِ حَتَّى يَأتِيهِ المُؤَذِّنُ لِلإقَامَةِ.

  3. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ اضْطجع على شقَّه الْأَيْمن) إِلَى آخِره.

  4. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع. الثَّانِي: شُعَيْب بن أبي حَمْزَة. الثَّالِث: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الرَّابِع: عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. الْخَامِس: عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.

  5. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع والإخبار كَذَلِك فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين، وَفِي رُوَاته حمصيان ومدنيان. .

  6. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن عَمْرو بن مَنْصُور عَن عَليّ بن عَيَّاش، كِلَاهُمَا عَن شُعَيْب بِهِ.

  7. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِذا سكت الْمُؤَذّن) أَي: إِذا فرغ من الْأَذَان بِالسُّكُوتِ عَنهُ، هَكَذَا فِي رِوَايَة الْجُمْهُور الْمُعْتَمدَة، بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق. وَحكى ابْن التِّين: بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وَمَعْنَاهُ: صب الْأَذَان فِي الآذان، جمع الْأَذَان، واستعير الصب للإفاضة فِي الْكَلَام. وَقَالَ ابْن قرقول: ورويناه عَن الْخطابِيّ: (سكب الْمُؤَذّن) ، بِالْبَاء الْمُوَحدَة. قَالَ: وَرَأَيْت بِخَط أبي عَليّ الجياني عَن أبي مَرْوَان: سكب وَسكت، بِمَعْنى وَابْن الْأَثِير لم يذكر غير الْبَاء الْمُوَحدَة، وَقَالَ: إِرَادَة إِذا أذن فاستعير السكب للإفاضة فِي الْكَلَام، كَمَا يُقَال: أفرغ فِي أُذُنِي حَدِيثا أَي: القى وصب، وَقَالَ الصَّاغَانِي فِي (الْعباب) أَيْضا: بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وَذكر أَن الْمُحدثين صحفوها بِالْمُثَنَّاةِ. وَقَالَ بَعضهم: وَلَيْسَ كَمَا قَالَ. قلت: لم يبين وَجه الرَّد عَلَيْهِ، وَلَيْسَ الصَّاغَانِي مِمَّن يرد عَلَيْهِ فِي مثل هَذَا، وَقَالَ ابْن بطال والسفاقسي: إِن هَذِه رِوَايَة ابْن الْمُبَارك عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن الزُّهْرِيّ. قَالَا: وَلها وَجه من الصَّوَاب. قلت: بل هُوَ عين الصَّوَاب، لِأَن سكت بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق لَا يسْتَعْمل بِالْبَاء الْمُوَحدَة، بل يسْتَعْمل بِكَلِمَة: من، أَو: عَن، وسكب بِالْبَاء الْمُوَحدَة اسْتعْمل هُنَا بِالْبَاء. فَإِن قلت: الْبَاء تَجِيء بِمَعْنى: عَن، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فاسأل بِهِ خَبِيرا} (الْفرْقَان: ٥٩) . أَي: عَنهُ. قلت: الأَصْل أَن يسْتَعْمل كل حرف فِي بَابه، وَلَا يسْتَعْمل فِي غير بَابه إلَاّ لنكتة، وَأي نُكْتَة هُنَا؟ قَوْله: (بِالْأولَى) ، مُرَاده الْأَذَان الأول، لِأَنَّهُ أول بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِقَامَة، وَلكنه أنثه بِاعْتِبَار المناداة وَالْأَذَان الأول يُؤذن بِهِ عِنْد دُخُول الْوَقْت، وَهُوَ أول بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِقَامَة، وثان بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَذَان الَّذِي قبل الْفجْر، وَيجوز أَن يؤول: الأولى، بالمرة الأولى وبالساعة الأولى. قَوْله: (بعد أَن يستبين الْفجْر) من الاستبانة، وَهُوَ: الظُّهُور، ويروى: يَسْتَنِير من الاستنارة، ويروى: يستيقن. قَوْله: (على شقَّه) أَي: على جنبه الْأَيْمن. قَالَ

    ج ٥ ص ١٤١الْكرْمَانِي: وَالْحكمَة فِيهِ أَن لَا يسْتَغْرق فِي النّوم، لِأَن الْقلب من جِهَة الْيَسَار مُتَعَلق حِينَئِذٍ غير مُسْتَقر، وَإِذا نَام على الْيَسَار كَانَ فِي دعة واستراحة فيستغرق، وَأَيْضًا يكون انحدار الثّقل إِلَى سفل أسهل وَأكْثر فَيصير سَببا لدغدغة قَضَاء الْحَاجة فينتبه فِي أسْرع وَقت. قلت: لَا يستحسن هَذَا الْكَلَام فِي حَقه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَإِنَّمَا يمشي فِي حق غَيره، وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يحب التَّيَامُن فِي كل شَيْء، وَجَمِيع مَا صدر عَنهُ من قَول وَفعل كَانَ على أحسن الْوُجُوه وأفضلها وأكملها، وَأَيْضًا النّوم على الْيَمين نوم الصَّالِحين، وعَلى الْيَسَار نوم الْحُكَمَاء، وعَلى الظّهْر نوم الجبارين والمتكبرين، وعَلى الْوَجْه نوم الْكفَّار.

  8. ذكر مَا يستنبط مِنْهُ فِيهِ: اسْتِحْبَاب التَّخْفِيف فِي سنة الْفجْر، وَاسْتحبَّ قوم تخفيفها، وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ فِي آخَرين. وَقَالَ النَّخعِيّ، وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيّ: لَا بَأْس بإطالتها، وَلَعَلَّه أَرَادَ بذلك غير محرم. وَفِي (مُصَنف) ابْن أبي شيبَة: عَن سعيد بن جُبَير: (كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رُبمَا أَطَالَ رَكْعَتي الْفجْر) ، وَقَالَ مُجَاهِد: لَا بَأْس أَن يُطِيل رَكْعَتي الْفجْر، وَبَالغ قوم فَقَالُوا: لَا قِرَاءَة فِيهَا، حَكَاهُ عِيَاض والطَّحَاوِي: والْحَدِيث الصَّحِيح يرد ذَلِك، وَهُوَ: (كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يقْرَأ فِي الأولى بِفَاتِحَة الْكتاب و: {قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ} (الْكَافِرُونَ: ١) . وَفِي الثَّانِيَة بِالْفَاتِحَةِ و {قل هُوَ الله أحد} (الْإِخْلَاص: ١) . وَفِي رِوَايَة ابْن عَبَّاس كَانَ يقْرَأ فيهمَا: {قُولُوا آمنا بِاللَّه} (الْبَقَرَة: ١٣٦) . وَبِقَوْلِهِ: {قل يَا أهل الْكتاب} (آل عمرَان: ٦٤ و ٩٨ و ٩٩، والمائدة: ٥٩ و ٦٨ و ٧٧) . وَاسْتحبَّ مَالك الِاقْتِصَار على الْفَاتِحَة، على ظَاهر قَول عَائِشَة: كَانَ يخففهما حَتَّى إِنِّي لأقول قد قَرَأَ فيهمَا بِأم الْكتاب. وَفِي (فَضَائِل الْقُرْآن الْعَظِيم) لأبي الْعَبَّاس الغافقي: (أَمر رجلا شكى إِلَيْهِ شَيْئا أَن يقْرَأ بِفَاتِحَة الْكتاب وَسورَة ألم نشرح، وَفِي الثَّانِيَة فِي الأولى بِالْفَاتِحَةِ وَسورَة ألم تَرَ كَيفَ) .

  9. وَفِيه: اسْتِحْبَاب الِاضْطِجَاع على الْأَيْمن عِنْد النّوم، وَهُوَ سنة عِنْد الْبَعْض وَاجِب عِنْد الْحسن الْبَصْرِيّ، وَذكر القَاضِي عِيَاض: أَن عِنْد مَالك وَجُمْهُور الْعلمَاء وَجَمَاعَة من الصَّحَابَة بِدعَة. قلت: يَعْنِي الِاضْطِجَاع بعد رَكْعَتي الْفجْر، وَفِي (سنَن أبي دَاوُد) وَالتِّرْمِذِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ، من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا صلى أحدكُم رَكْعَتي الْفجْر فليضطجع على يَمِينه) . وَاعْلَم أَنه ثَبت فِي الصَّحِيح (أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ إِحْدَى عشرَة رَكْعَة يُوتر مِنْهَا بِوَاحِدَة، فَإِذا فرغ مِنْهَا اضْطجع على شقَّه حَتَّى يَأْتِيهِ الْمُؤَذّن فَيصَلي رَكْعَتَيْنِ خفيفتين) ، فَهَذَا الِاضْطِجَاع كَانَ بعد صَلَاة اللَّيْل، وَقبل صَلَاة رَكْعَتي الْفجْر، وَلم يقل أحد: إِن الِاضْطِجَاع قبلهمَا سنة، فَكَذَا بعدهمَا. وَقد رُوِيَ عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: (إِن كنت مستيقظة حَدثنِي وَإِلَّا اضْطجع) . فَهَذَا يدل على أَنه لَيْسَ بِسنة، وَأَنه تَارَة كَانَ يضطجع قبل وَتارَة بعد وَتارَة لَا يضطجع.

  10. وَفِيه: اسْتِحْبَاب إتْيَان الْمُؤَذّن إِلَى الإِمَام الرَّاتِب وإعلامه بِحُضُور الصَّلَاة.

  11. وَفِيه: دلَالَة على أَن الِانْتِظَار للصَّلَاة فِي الْبَيْت كالانتظار فِي الْمَسْجِد، إِذْ لَو لم يكن كَذَلِك لخرج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى الْمَسْجِد ليَأْخُذ لنَفسِهِ بحظها من فَضِيلَة الِانْتِظَار.

  12. وَفِيه: أَن مُرَاعَاة الْوَقْت للمؤذن وَأَن الإِمَام يَجْعَل إِلَيْهِ ذَلِك. وَقَالَ الدَّاودِيّ فِي حَدِيث عَائِشَة دلَالَة أَن الْمُؤَذّن لَا يكون إلَاّ عَالما بالأوقات، أَو يكون لَهُ من يعرفهُ بهَا.

  13. وَفِيه: تَعْجِيل رَكْعَتي الْفجْر عِنْد طُلُوع الْفجْر، وَقد كره جمَاعَة من الْعلمَاء مِنْهُم أَصْحَابنَا التَّنَفُّل بعد أَذَان الْفجْر إِلَى صَلَاة الْفجْر بِأَكْثَرَ من رَكْعَتي الْفجْر، لما فِي مُسلم عَن حَفْصَة: (كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا طلع الْفجْر لَا يُصَلِّي إلَاّ رَكْعَتَيْنِ خفيفتين) . وَعند أبي دَاوُد: (عَن يسَار مولى ابْن عمر، قَالَ: رَآنِي عبد الله وَأَنا أُصَلِّي بعد طُلُوع الْفجْر، فَقَالَ: يَا يسَار إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خرج علينا وَنحن نصلي هَذِه الصَّلَاة فَقَالَ: لَا تصلوا بعد الْفجْر إلَاّ رَكْعَتَيْنِ) . وَقَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيث غرب لَا نعرفه إلَاّ من حَدِيث قدامَة بن مُوسَى، وَهَذَا مِمَّا أجمع عَلَيْهِ أهل الْعلم، كَرهُوا أَن يُصَلِّي الرجل بعد طُلُوع الْفجْر إلَاّ رَكْعَتي الْفجْر، وَإِلَى هَذَا ذهب أَبُو حنيفَة وَمَالك وَأحمد، ولأصحاب الشَّافِعِي فِيهِ ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: مثل الْجَمَاعَة، الثَّانِي: لَا تدخل الْكَرَاهَة حَتَّى يُصَلِّي سنة الْفجْر، الثَّالِث: لَا تدخل الْكَرَاهَة حَتَّى يُصَلِّي الصُّبْح، وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَهُوَ الصَّحِيح، وَالله تَعَالَى أعلم.

  14. ١٦ -

    بابٌ بَيْنَ كُلِّ أذَانَيْنِ صلاةٌ لِمَنْ شاءَ

    أَي: هَذَا بَاب بَيَان أَن بَين كل أذانين صَلَاة، وَقد قُلْنَا: إِن المُرَاد من الأذانين الْأَذَان وَالْإِقَامَة بطرِيق التغليب، كالعمرين والقمرين وَنَحْوهمَا، لَا يُقَال: هَذَا الْبَاب تكْرَار لِأَنَّهُ ذكر قبل هَذَا الْبَاب، لأَنا نقُول: إِنَّه قد ذكر هُنَاكَ بِبَعْض مَا دلّ عَلَيْهِ لفظ حَدِيث الْبَاب، وَهنا ذكر بِلَفْظ الحَدِيث، وَأَيْضًا لما كَانَ بعض اخْتِلَاف فِي رُوَاة الحَدِيث وَفِي مَتنه ذكره بترجمتين بِحَسب ذَلِك.

  15. ٦٢٧ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يَزِيدَ قَالَ حدَّثنا كَهْمَسَ عنْ عَبْدِ الله بنِ بُرَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ الله بنِ مُغَفَّلٍ قَالَ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَيْنَ كُلِّ أذَانَيْنِ صلاةٌ بَيْنَ كُلِّ أذَانَيْنِ صلاةٌ ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ لِمَنْ شاءَ (انْظُر الحَدِيث ٦٢٤) .

    ج ٥ ص ١٤٢
  16. مطابقته للتَّرْجَمَة لَفظه كَمَا ذكرنَا، وَعبد الله بن يزِيد هُوَ أَبُو عبد الرَّحْمَن الْمقري مولى آل عمر الْبَصْرِيّ، ثمَّ الْمَكِّيّ، مَاتَ سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ، روى عَنهُ البُخَارِيّ، وروى عَن عَليّ بن الْمَدِينِيّ عَنهُ فِي الْأَحْكَام، وَعَن مُحَمَّد غير مَنْسُوب عَنهُ فِي الْبيُوع، وروى عَنهُ مُسلم بِوَاسِطَة. وكهمس، بِفَتْح الْكَاف وَسُكُون الْهَاء وَفتح الْمِيم وبالسين الْمُهْملَة: ابْن الْحسن مكبر النمري، بِفَتْح النُّون وَالْمِيم: الْقَيْسِي، مَاتَ سنة تسع وَأَرْبَعين وَمِائَة، وَبَاقِي الروَاة وَمَا يتَعَلَّق بِالْحَدِيثِ قد ذَكرْنَاهُ.

  17. فَإِن قلت: مَا الْفرق بَين عبارَة حَدِيث ذَاك الْبَاب وَعبارَة حَدِيث هَذَا الْبَاب؟ قلت: الحَدِيث الَّذِي هُنَا يُفَسر ذَاك الحَدِيث، وَالْأَحَادِيث يُفَسر بَعْضهَا بَعْضًا. وَقَوله هُنَاكَ: ثَلَاثًا، من لفظ الرَّاوِي أَي: قَالَهَا ثَلَاث مَرَّات، وَبَين ذَلِك رِوَايَة النَّسَائِيّ: (بَين كل أذانين صَلَاة، بَين كل أذانين صَلَاة، بَين كل أذانين صَلَاة) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا التَّوْفِيق بَينه حَيْثُ قيد الثَّالِثَة بقوله: لمن شَاءَ، وَبَين الْمُطلق الَّذِي ثمَّة؟ قلت: هَذَا فِي الكرتين الْأَوليين مُطلق، وَذَاكَ مُقَيّد بقوله: (لمن شَاءَ) فِي المرات، وَالْمُطلق يحمل على الْمُقَيد عِنْد الْأُصُولِيِّينَ، وإيضا ثمَّة نقل الزِّيَادَة فِي الْأَوليين، وَزِيَادَة الثِّقَة مَقْبُولَة عِنْد الْمُحدثين. قلت: مَشِيئَة الصَّلَاة مُرَادة بَين كل أذانين على أَي وَجه كَانَ، أَلَا ترى أَن عِنْد التِّرْمِذِيّ قَالَهَا مرّة، وَقَالَ فِي الرَّابِعَة لمن شَاءَ؟ وَعند أبي دَاوُد قَالَهَا مرَّتَيْنِ وَعند البُخَارِيّ ثَلَاثًا وَعند النَّسَائِيّ ثَلَاث مَرَّات مكررة بِغَيْر لفظ الْعدَد؟ وَالله تَعَالَى أعلم.

  18. ١٧ -

    بابُ مَنْ قَال لِيُؤَذِّن فِي السَّفَرِ مُؤَذِّنٌ واحِدٌ

    أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول: من قَالَ ... إِلَى آخِره،. وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى أَن وَاحِدًا من الْمُسَافِرين إِذا أذن يَكْفِي وَلَا يحْتَاج إِلَى أَذَان الْبَقِيَّة، لِأَنَّهُ رُبمَا كَانَ يتخيل أَنه لَا يَكْفِي الْأَذَان إلَاّ من جَمِيعهم، لِأَن حَدِيث الْبَاب يدل ظَاهرا أَن الْأَذَان فِي السّفر لَا يتَكَرَّر، سَوَاء كَانَ فِي الصُّبْح أَو فِي غَيره.

  19. ٦٢٨ - حدَّثنا مُعَلَّى بنُ أسَدٍ قَالَ حَدثنَا وُهَيْبٌ عنْ أيُّوبَ عَنْ أبِي قلاِبِةَ عنْ مالِكِ بنِ الحُوَيْرِثِ قالَ أتيْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي نَفَرٍ منْ قَوْمِي فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً وكانَ رَحِيما رَفيقا فَلَمَّا رَأى شَوْقَنا إلَى أهَالِينَا قَالَ ارْجِعُوا فكونُوا فِيهِمْ وعَلِّمُوهُمْ وصَلوا فإذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أحَدُكُمْ وَلْيَؤُمُّكُمْ أكْبَرُكُمْ. .

  20. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فليؤذن لكم أحدكُم) .

  21. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُعلى بن أَسد، بِضَم الْمِيم وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد اللَّام الْمَفْتُوحَة: أَبُو الْهَيْثَم الْبَصْرِيّ الْعمريّ، أَخُو بهز بن أَسد، مَاتَ بِالْبَصْرَةِ فِي شهر رَمَضَان سنة ثَمَان عشرَة وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: وهيب، مصغر وهب، ابْن خَالِد الْبَصْرِيّ الْكَرَابِيسِي، وَقد تقدم. الثَّالِث: أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ، وَقد تقدم غير مرّة. الرَّابِع: أَبُو قلَابَة، بِكَسْر الْقَاف: عبد الله بن زيد. الْخَامِس: مَالك بن الْحُوَيْرِث، مصغر الْحَارِث، بالثاء الْمُثَلَّثَة: ابْن أَشْيَم اللَّيْثِيّ.

  22. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم بصريون. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ على قَول من قَالَ: إِن أَيُّوب رأى أنس بن مَالك.

  23. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن سُلَيْمَان بن حَرْب، وَفِي خبر الْوَاحِد عَن مُحَمَّد بن الْمثنى، وَفِي الْأَدَب عَن مُسَدّد، وَفِي الصَّلَاة أَيْضا عَن مُحَمَّد بن يُوسُف، وَفِيه وَفِي الْجِهَاد عَن أَحْمد بن يُونُس. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن زُهَيْر بن حَرْب، وَعَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي، وَخلف بن هِشَام، وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن أبي سعيد

    ج ٥ ص ١٤٣الأشبح. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن مَحْمُود بن غيلَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن حَاجِب بن الْوَلِيد وَعَن زِيَاد بن أَيُّوب وَعَن عَليّ بن حجر. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن بشر بن هِلَال الصَّواف.

  24. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِي نفر) ، بِفَتْح الْفَاء: عدَّة رجال من ثَلَاثَة إِلَى عشرَة، والنفير مثله وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه، وَسموا بذلك لأَنهم إِذا حزبهم أَمر اجْتَمعُوا ثمَّ نفروا إِلَى عدوهم. وَفِي (الواعي) : وَلَا يَقُولُونَ عشرُون نَفرا وَلَا ثَلَاثُونَ نَفرا. قَوْله: (من قومِي) هم: بَنو لَيْث بن بكر بن عبد منَاف بن كنَانَة. قَوْله: (فَأَقَمْنَا عِنْده) أَي: عِنْد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (عشْرين لَيْلَة) : المُرَاد بأيامها، بِدَلِيل الرِّوَايَة الثَّانِيَة فِي الْبَاب: (بعد عشْرين يَوْمًا وَلَيْلَة) . قَوْله: (وَكَانَ) أَي: النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (رحِيما) بِمَعْنى: ذَا رَحْمَة وشفقة ورقة قلب. قَوْله: (رَقِيقا) ، بقافين فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ، قيل: والكشميهني أَيْضا، وَمَعْنَاهُ: كَانَ رَقِيق الْقلب، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: (رَفِيقًا) بِالْفَاءِ أَولا ثمَّ بِالْقَافِ، من: الرِّفْق. وَقَالَ النَّوَوِيّ: رِوَايَة البُخَارِيّ بِوَجْهَيْنِ: بالقافين وبالفاء وَالْقَاف، وَرِوَايَة مُسلم بالقافين خَاصَّة. وَقَالَ ابْن قرقول: رِوَايَة الْقَابِسِيّ بِالْفَاءِ، والأصيلي وَأبي الْهَيْثَم بِالْقَافِ. قَوْله: (إِلَى أَهْلينَا) ، هُوَ جمع أهل، والأهل من النَّوَادِر حَيْثُ يجمع مكسرا نَحْو: الأهالي، ومصححا بِالْوَاو وَالنُّون نَحْو: الأهلون، وبالألف وَالتَّاء نَحْو: الأهلات. قَوْله: (ارْجعُوا) من الرُّجُوع لَا من الرجع. قَوْله: (وصلوا) زَاد فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن علية عَن أَيُّوب: (كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي) . قَوْله: (فَإِذا حضرت الصَّلَاة) يَعْنِي: إِذا حَان وَقتهَا. قَوْله: (فليؤذن لكم أحدكُم) . فَإِن قلت: فِي الرِّوَايَة الْآتِيَة فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ فِي حَدِيث مَالك بن الْحُوَيْرِث أَيْضا: (إِذا أَنْتُمَا خرجتما فأذنا ثمَّ أقيما) ، وَبَينهمَا تعَارض ظَاهر؟ قلت: قيل مَعْنَاهُ: من أحب مِنْكُمَا أَن يُؤذن فليؤذن، وَذَلِكَ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْفضل، وَفِيه نظر. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قد يُقَال: فلَان قَتله بَنو تَمِيم، مَعَ أَن الْقَاتِل وَاحِد مِنْهُم، وَكَذَا فِي الْإِنْشَاء يُقَال: يَا تَمِيم اقْتُلُوهُ. قلت: حَاصله أَن التَّثْنِيَة تذكر وَيُرَاد بِهِ الْوَاحِد، مثل قَوْله:

    (قفا نبْكِ)

  25. وَمرَاده الْخطاب للْوَاحِد، وَكَذَلِكَ يَأْتِي فِي الْجمع، وَقَالَ التَّيْمِيّ: المُرَاد من قَوْله: أذنا الْفضل وإلَاّ فأذان الْوَاحِد يجزىء.

  26. ذكر اخْتِلَاف الفاظ هَذَا الحَدِيث) : الرِّوَايَة هَهُنَا: (أتيت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي نفر من قومِي) ، وَعَن خَالِد بن أبي قلَابَة فِي بَاب الْأَذَان للمسافرين إِذا كَانُوا جمَاعَة: (أَتَى رجلَانِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُريدَان السّفر، فَقَالَ إِذا أَنْتُمَا خرجتما فأذنا ثمَّ أقيما ثمَّ ليؤمكما أكبركما) . وَفِي: بَاب: الإثنان فَمَا فَوْقهمَا جمَاعَة: (إِذا حضرت الصَّلَاة فأذنا) الحَدِيث. وَفِي بَاب: إِذا اسْتَووا فِي الْقِرَاءَة: (فليؤمهم أكبرهم) ، قدمنَا على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَنحن شببة متقاربون، وَفِيه: (لَو رجعتم إِلَى بِلَادكُمْ فعلمتموهم فليصلوا صَلَاة كَذَا فِي حِين كَذَا، وَصَلَاة كَذَا فِي حِين كَذَا. وَفِي إجَازَة خبر الْوَاحِد: (فَلَمَّا ظن أَنا قد اشتقنا إِلَى أهلنا سَأَلنَا عَمَّن تركنَا بَعدنَا، فَأَخْبَرنَاهُ، فَقَالَ: إرجعوا إِلَى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم، ومروهم ... وَذكر أَشْيَاء أحفظها أَو لَا أحفظها وصلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي) الحَدِيث. وَفِي بَاب رَحْمَة النَّاس والبهائم، نَحوه. وَعند أبي دَاوُد: (كُنَّا يَوْمئِذٍ متقاربين فِي الْعلم) . وَفِي رِوَايَة لأبي قلَابَة: (فَأَيْنَ الْقُرْآن؟ قَالَ: إنَّهُمَا كَانَا متقاربين) . وَفِي رِوَايَة ابْن حزم: (متقارنين) ، بالنُّون فِي الْمَوْضِعَيْنِ، من: الْمُقَارنَة. يُقَال: فلَان قرين فلَان، إِذا كَانَ قرينه فِي السن، وَكَذَا إِذا كَانَ فِي الْعلم. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: يحْتَمل أَن تكون هَذِه الْأَلْفَاظ المتعددة كَانَت مِنْهُ فِي وفادتين أَو فِي وفادة وَاحِدَة، غير أَن النَّقْل تكَرر مِنْهُ، وَمن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

  27. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: الْأَمر بِأَذَان للْجَمَاعَة، وَهُوَ عَام للْمُسَافِر وَغَيره، وكافة الْعلمَاء على اسْتِحْبَاب الْأَذَان للْمُسَافِر، إِلَّا عَطاء فَإِنَّهُ قَالَ: إِذا لم يُؤذن وَلم يقم أعَاد الصَّلَاة، وإلَاّ مُجَاهدًا فَإِنَّهُ قَالَ: إِذا نسي الْإِقَامَة أعَاد، وأخذا بِظَاهِر الْأَمر، وَهُوَ: أذنا وأقيما. وَقيل: الْإِجْمَاع صَارف عَن الْوُجُوب، وَفِيه نظر، وَحكى الطَّبَرِيّ عَن مَالك أَنه: يُعِيد إِذا ترك الْأَذَان، ومشهور مذْهبه الِاسْتِحْبَاب. وَفِي (الْمُخْتَصر) عَن مَالك: وَلَا أَذَان على مُسَافر، وَإِنَّمَا الْأَذَان على من يجْتَمع إِلَيْهِ لتأذينه، وبوجوبه على الْمُسَافِر قَالَ دَاوُد. قَالَت طَائِفَة: هُوَ مُخَيّر، إِن شَاءَ أذن وَأقَام، وَرُوِيَ ذَلِك عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهُوَ قَول عُرْوَة وَالثَّوْري وَالنَّخَعِيّ. وَقَالَت طَائِفَة: تجزيه الْإِقَامَة، رُوِيَ ذَلِك عَن مَكْحُول وَالْحسن وَالقَاسِم، وَكَانَ ابْن عمر يُقيم فِي السّفر لكل صَلَاة إلَاّ الصُّبْح فَإِنَّهُ كَانَ يُؤذن لَهَا وَيُقِيم. وَقَالَ قاضيخان: من أَصْحَابنَا رجل صلى فِي سفر أَو فِي بَيته بِغَيْر أَذَان وَإِقَامَة يكره. قَالَ: فالكراهة مَقْصُورَة على الْمُسَافِر، وَمن صلى فِي بَيته فَالْأَفْضَل لَهُ أَن يُؤذن وَيُقِيم ليَكُون على هَيْئَة الْجَمَاعَة، وَلِهَذَا كَانَ الْجَهْر بِالْقِرَاءَةِ فِي

    ج ٥ ص ١٤٤حَقه أفضل. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي قَوْله: (ثمَّ ليؤمكما أكبركما) يدل على تساويهما فِي شُرُوط الْإِمَامَة، وَرجح أَحدهمَا بِالسِّنِّ. قلت: لِأَن هَؤُلَاءِ كَانُوا مستورين فِي بَاقِي الْخِصَال، لأَنهم هَاجرُوا جَمِيعًا، وَأَسْلمُوا جَمِيعًا وصحبوا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ولازموه عشْرين لَيْلَة، فاستووا فِي الْأَخْذ عَنهُ. فَلم يبْق مَا يقدم بِهِ إلَاّ السن.

  28. وَفِيه: حجَّة لِأَصْحَابِنَا فِي تَفْضِيل الْإِمَامَة على الْأَذَان لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (ليؤمكما أكبركما) خص الْإِمَامَة بالأكبر.

  29. وَفِيه: دَلِيل على أَن الْجَمَاعَة تصح بِإِمَام ومأموم، وَهُوَ إِجْمَاع الْمُسلمين.

  30. وَفِيه: الحض على الْمُحَافظَة على الْأَذَان فِي الْحَضَر وَالسّفر.

  31. وَفِيه: أَن الْأَذَان وَالْجَمَاعَة مشروعان على الْمُسَافِرين.

  32. [رم ١٨

    ٢

    بابُ الآذَانِ للْمُسَافِرِينَ إذَا كَانُوا جَمَاعَةً والإِقَامَةَ

    أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْأَذَان للمسافرين، وَأَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى أَن للْمُسَافِر أَن يُؤذن. وَقَوله: إِذا كَانُوا جمَاعَة. هُوَ مُقْتَضى أَحَادِيث الْبَاب، وَلَكِن لَيْسَ فِيهَا مَا يمْنَع أَذَان الْمُنْفَرد. وَقَوله: (للمسافرين) ، بِلَفْظ الْجمع هُوَ رِوَايَة الْكشميهني، وَهُوَ مُنَاسِب لقَوْله: (إِذا كَانُوا جمَاعَة) ، وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ: (للْمُسَافِر) ، بِلَفْظ الْإِفْرَاد، فيؤول على أَن تكون الْألف وَاللَّام فِيهِ للْجِنْس، وَفِيه معنى الْجمع فحصلت الْمُنَاسبَة من هَذَا الْوَجْه. قَوْله: (وَالْإِقَامَة) ، بِالْجَرِّ عطفا على الآذان.

  33. وكَذَلِكَ بِعَرَفَةَ وَجَمْعٍ

    أَي: وَكَذَلِكَ الْأَذَان وَالْإِقَامَة بِعَرَفَة وَجمع، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْمِيم: وَهُوَ الْمزْدَلِفَة، سميت بِجمع لِاجْتِمَاع النَّاس فِيهَا لَيْلَة الْعِيد. وَأما عَرَفَة فَإِنَّهَا تطلق على الزَّمَان، وَهُوَ التَّاسِع من ذِي الْحجَّة، وعَلى الْمَكَان وَهُوَ الْموضع الْمَعْرُوف الَّذِي يقف فِيهِ الْحجَّاج يَوْم عَرَفَة، وَلم يذكر فِي: جمع، حَدِيثا، فَكَأَنَّهُ اكْتفى بِحَدِيث ابْن مَسْعُود الَّذِي ذكره فِي كتاب الْجمع، وَفِيه: أَنه صلى الْمغرب بِأَذَان وَإِقَامَة، وَالْعشَاء بِأَذَان وَإِقَامَة، ثمَّ قَالَ: رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَفْعَله، وَكَذَلِكَ لم يذكر فِي عَرَفَة شَيْئا، وَقد روى جَابر فِي حَدِيث طَوِيل أخرجه مُسلم، وَفِيه: (أَن بِلَالًا أذن وَأقَام لما جمع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَين الظّهْر وَالْعصر يَوْم عَرَفَة) .

  34. وقَوْلِ المُؤَذِّنِ الصَّلَاةُ فِي الرِّحَالِ فِي اللَّيْلَةِ البَارِدَةِ أوْ المَطِيرَةِ

    وَقَول: مجرور أَيْضا عطفا على قَوْله: (وَالْإِقَامَة) ، وَإِلَى هُنَا كُله من التَّرْجَمَة. قَوْله: (الصَّلَاة) ، بِالنّصب أَي: أدوها، ويروى بِالرَّفْع على أَنه مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله: (فِي الرّحال) ، تَقْدِيره: الصَّلَاة تصلى فِي الرّحال. وَهُوَ جمع: رَحل، ورحل الشَّخْص: منزله. قَوْله: (أَو الْمَطِيرَة) بِفَتْح الْمِيم، على وزن: فعيلة، بِمَعْنى: الماطرة. وَإسْنَاد الْمَطَر إِلَى اللَّيْلَة بالمجاز، إِذْ اللَّيْل ظرف لَهُ لَا فَاعل، وللعلماء فِي: أنبت الرّبيع البقل، أَقْوَال أَرْبَعَة: مجَاز فِي الْإِسْنَاد، أَو فِي أنبت، أَو فِي الرّبيع، وَسَماهُ السكاكي: اسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ، أَو الْمَجْمُوع مجَاز عَن الْمَقْصُود، وَذكر الإِمَام الرَّازِيّ أَن الْمجَاز الْعقلِيّ، وَإِنَّمَا لم يَجْعَل الْمَطِيرَة بِمَعْنى الممطور فِيهَا لِأَن فعيلة إِنَّمَا تجْعَل بِمَعْنى مفعولة إِذا لم يذكر موصوفها مَعهَا، وَهَهُنَا اللَّيْلَة موصوفها مَذْكُور، فَلذَلِك دَخلهَا تَاء التَّأْنِيث، وَعند عدم ذَلِك لَا تدخل فِيهَا تَاء التَّأْنِيث.

  35. ٦٢٨ - حدَّثنا مُعَلَّى بنُ أسَدٍ قَالَ حَدثنَا وُهَيْبٌ عنْ أيُّوبَ عَنْ أبِي قلاِبِةَ عنْ مالِكِ بنِ الحُوَيْرِثِ قالَ أتيْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي نَفَرٍ منْ قَوْمِي فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً وكانَ رَحِيما رَفيقا فَلَمَّا رَأى شَوْقَنا إلَى أهَالِينَا قَالَ ارْجِعُوا فكونُوا فِيهِمْ وعَلِّمُوهُمْ وصَلوا فإذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أحَدُكُمْ وَلْيَؤُمُّكُمْ أكْبَرُكُمْ. .

  36. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فليؤذن لكم أحدكُم) .

  37. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُعلى بن أَسد، بِضَم الْمِيم وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد اللَّام الْمَفْتُوحَة: أَبُو الْهَيْثَم الْبَصْرِيّ الْعمريّ، أَخُو بهز بن أَسد، مَاتَ بِالْبَصْرَةِ فِي شهر رَمَضَان سنة ثَمَان عشرَة وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: وهيب، مصغر وهب، ابْن خَالِد الْبَصْرِيّ الْكَرَابِيسِي، وَقد تقدم. الثَّالِث: أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ، وَقد تقدم غير مرّة. الرَّابِع: أَبُو قلَابَة، بِكَسْر الْقَاف: عبد الله بن زيد. الْخَامِس: مَالك بن الْحُوَيْرِث، مصغر الْحَارِث، بالثاء الْمُثَلَّثَة: ابْن أَشْيَم اللَّيْثِيّ.

  38. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم بصريون. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ على قَول من قَالَ: إِن أَيُّوب رأى أنس بن مَالك.

  39. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن سُلَيْمَان بن حَرْب، وَفِي خبر الْوَاحِد عَن مُحَمَّد بن الْمثنى، وَفِي الْأَدَب عَن مُسَدّد، وَفِي الصَّلَاة أَيْضا عَن مُحَمَّد بن يُوسُف، وَفِيه وَفِي الْجِهَاد عَن أَحْمد بن يُونُس. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن زُهَيْر بن حَرْب، وَعَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي، وَخلف بن هِشَام، وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن أبي سعيد الأشبح. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن مَحْمُود بن غيلَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن حَاجِب بن الْوَلِيد وَعَن زِيَاد بن أَيُّوب وَعَن عَليّ بن حجر. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن بشر بن هِلَال الصَّواف.

  40. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِي نفر) ، بِفَتْح الْفَاء: عدَّة رجال من ثَلَاثَة إِلَى عشرَة، والنفير مثله وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه، وَسموا بذلك لأَنهم إِذا حزبهم أَمر اجْتَمعُوا ثمَّ نفروا إِلَى عدوهم. وَفِي (الواعي) : وَلَا يَقُولُونَ عشرُون نَفرا وَلَا ثَلَاثُونَ نَفرا. قَوْله: (من قومِي) هم: بَنو لَيْث بن بكر بن عبد منَاف بن كنَانَة. قَوْله: (فَأَقَمْنَا عِنْده) أَي: عِنْد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (عشْرين لَيْلَة) : المُرَاد بأيامها، بِدَلِيل الرِّوَايَة الثَّانِيَة فِي الْبَاب: (بعد عشْرين يَوْمًا وَلَيْلَة) . قَوْله: (وَكَانَ) أَي: النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (رحِيما) بِمَعْنى: ذَا رَحْمَة وشفقة ورقة قلب. قَوْله: (رَقِيقا) ، بقافين فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ، قيل: والكشميهني أَيْضا، وَمَعْنَاهُ: كَانَ رَقِيق الْقلب، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: (رَفِيقًا) بِالْفَاءِ أَولا ثمَّ بِالْقَافِ، من: الرِّفْق. وَقَالَ النَّوَوِيّ: رِوَايَة البُخَارِيّ بِوَجْهَيْنِ: بالقافين وبالفاء وَالْقَاف، وَرِوَايَة مُسلم بالقافين خَاصَّة. وَقَالَ ابْن قرقول: رِوَايَة الْقَابِسِيّ بِالْفَاءِ، والأصيلي وَأبي الْهَيْثَم بِالْقَافِ. قَوْله: (إِلَى أَهْلينَا) ، هُوَ جمع أهل، والأهل من النَّوَادِر حَيْثُ يجمع مكسرا نَحْو: الأهالي، ومصححا بِالْوَاو وَالنُّون نَحْو: الأهلون، وبالألف وَالتَّاء نَحْو: الأهلات. قَوْله: (ارْجعُوا) من الرُّجُوع لَا من الرجع. قَوْله: (وصلوا) زَاد فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن علية عَن أَيُّوب: (كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي) . قَوْله: (فَإِذا حضرت الصَّلَاة) يَعْنِي: إِذا حَان وَقتهَا. قَوْله: (فليؤذن لكم أحدكُم) . فَإِن قلت: فِي الرِّوَايَة الْآتِيَة فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ فِي حَدِيث مَالك بن الْحُوَيْرِث أَيْضا: (إِذا أَنْتُمَا خرجتما فأذنا ثمَّ أقيما) ، وَبَينهمَا تعَارض ظَاهر؟ قلت: قيل مَعْنَاهُ: من أحب مِنْكُمَا أَن يُؤذن فليؤذن، وَذَلِكَ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْفضل، وَفِيه نظر. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قد يُقَال: فلَان قَتله بَنو تَمِيم، مَعَ أَن الْقَاتِل وَاحِد مِنْهُم، وَكَذَا فِي الْإِنْشَاء يُقَال: يَا تَمِيم اقْتُلُوهُ. قلت: حَاصله أَن التَّثْنِيَة تذكر وَيُرَاد بِهِ الْوَاحِد، مثل قَوْله:

    (قفا نبْكِ)