- (باب من انتظر الإقامة)

٦٣ فقرة، ج ٥ ص ١٤٠

الصفحة ٢ من ٢

  1. وَمرَاده الْخطاب للْوَاحِد، وَكَذَلِكَ يَأْتِي فِي الْجمع، وَقَالَ التَّيْمِيّ: المُرَاد من قَوْله: أذنا الْفضل وإلَاّ فأذان الْوَاحِد يجزىء.

    ج ٥ ص ١٤٤
  2. ذكر اخْتِلَاف الفاظ هَذَا الحَدِيث) : الرِّوَايَة هَهُنَا: (أتيت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي نفر من قومِي) ، وَعَن خَالِد بن أبي قلَابَة فِي بَاب الْأَذَان للمسافرين إِذا كَانُوا جمَاعَة: (أَتَى رجلَانِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُريدَان السّفر، فَقَالَ إِذا أَنْتُمَا خرجتما فأذنا ثمَّ أقيما ثمَّ ليؤمكما أكبركما) . وَفِي: بَاب: الإثنان فَمَا فَوْقهمَا جمَاعَة: (إِذا حضرت الصَّلَاة فأذنا) الحَدِيث. وَفِي بَاب: إِذا اسْتَووا فِي الْقِرَاءَة: (فليؤمهم أكبرهم) ، قدمنَا على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَنحن شببة متقاربون، وَفِيه: (لَو رجعتم إِلَى بِلَادكُمْ فعلمتموهم فليصلوا صَلَاة كَذَا فِي حِين كَذَا، وَصَلَاة كَذَا فِي حِين كَذَا. وَفِي إجَازَة خبر الْوَاحِد: (فَلَمَّا ظن أَنا قد اشتقنا إِلَى أهلنا سَأَلنَا عَمَّن تركنَا بَعدنَا، فَأَخْبَرنَاهُ، فَقَالَ: إرجعوا إِلَى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم، ومروهم ... وَذكر أَشْيَاء أحفظها أَو لَا أحفظها وصلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي) الحَدِيث. وَفِي بَاب رَحْمَة النَّاس والبهائم، نَحوه. وَعند أبي دَاوُد: (كُنَّا يَوْمئِذٍ متقاربين فِي الْعلم) . وَفِي رِوَايَة لأبي قلَابَة: (فَأَيْنَ الْقُرْآن؟ قَالَ: إنَّهُمَا كَانَا متقاربين) . وَفِي رِوَايَة ابْن حزم: (متقارنين) ، بالنُّون فِي الْمَوْضِعَيْنِ، من: الْمُقَارنَة. يُقَال: فلَان قرين فلَان، إِذا كَانَ قرينه فِي السن، وَكَذَا إِذا كَانَ فِي الْعلم. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: يحْتَمل أَن تكون هَذِه الْأَلْفَاظ المتعددة كَانَت مِنْهُ فِي وفادتين أَو فِي وفادة وَاحِدَة، غير أَن النَّقْل تكَرر مِنْهُ، وَمن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

  3. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: الْأَمر بِأَذَان للْجَمَاعَة، وَهُوَ عَام للْمُسَافِر وَغَيره، وكافة الْعلمَاء على اسْتِحْبَاب الْأَذَان للْمُسَافِر، إِلَّا عَطاء فَإِنَّهُ قَالَ: إِذا لم يُؤذن وَلم يقم أعَاد الصَّلَاة، وإلَاّ مُجَاهدًا فَإِنَّهُ قَالَ: إِذا نسي الْإِقَامَة أعَاد، وأخذا بِظَاهِر الْأَمر، وَهُوَ: أذنا وأقيما. وَقيل: الْإِجْمَاع صَارف عَن الْوُجُوب، وَفِيه نظر، وَحكى الطَّبَرِيّ عَن مَالك أَنه: يُعِيد إِذا ترك الْأَذَان، ومشهور مذْهبه الِاسْتِحْبَاب. وَفِي (الْمُخْتَصر) عَن مَالك: وَلَا أَذَان على مُسَافر، وَإِنَّمَا الْأَذَان على من يجْتَمع إِلَيْهِ لتأذينه، وبوجوبه على الْمُسَافِر قَالَ دَاوُد. قَالَت طَائِفَة: هُوَ مُخَيّر، إِن شَاءَ أذن وَأقَام، وَرُوِيَ ذَلِك عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهُوَ قَول عُرْوَة وَالثَّوْري وَالنَّخَعِيّ. وَقَالَت طَائِفَة: تجزيه الْإِقَامَة، رُوِيَ ذَلِك عَن مَكْحُول وَالْحسن وَالقَاسِم، وَكَانَ ابْن عمر يُقيم فِي السّفر لكل صَلَاة إلَاّ الصُّبْح فَإِنَّهُ كَانَ يُؤذن لَهَا وَيُقِيم. وَقَالَ قاضيخان: من أَصْحَابنَا رجل صلى فِي سفر أَو فِي بَيته بِغَيْر أَذَان وَإِقَامَة يكره. قَالَ: فالكراهة مَقْصُورَة على الْمُسَافِر، وَمن صلى فِي بَيته فَالْأَفْضَل لَهُ أَن يُؤذن وَيُقِيم ليَكُون على هَيْئَة الْجَمَاعَة، وَلِهَذَا كَانَ الْجَهْر بِالْقِرَاءَةِ فِي حَقه أفضل. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي قَوْله: (ثمَّ ليؤمكما أكبركما) يدل على تساويهما فِي شُرُوط الْإِمَامَة، وَرجح أَحدهمَا بِالسِّنِّ. قلت: لِأَن هَؤُلَاءِ كَانُوا مستورين فِي بَاقِي الْخِصَال، لأَنهم هَاجرُوا جَمِيعًا، وَأَسْلمُوا جَمِيعًا وصحبوا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ولازموه عشْرين لَيْلَة، فاستووا فِي الْأَخْذ عَنهُ. فَلم يبْق مَا يقدم بِهِ إلَاّ السن.

  4. وَفِيه: حجَّة لِأَصْحَابِنَا فِي تَفْضِيل الْإِمَامَة على الْأَذَان لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (ليؤمكما أكبركما) خص الْإِمَامَة بالأكبر.

  5. وَفِيه: دَلِيل على أَن الْجَمَاعَة تصح بِإِمَام ومأموم، وَهُوَ إِجْمَاع الْمُسلمين.

  6. وَفِيه: الحض على الْمُحَافظَة على الْأَذَان فِي الْحَضَر وَالسّفر.

  7. وَفِيه: أَن الْأَذَان وَالْجَمَاعَة مشروعان على الْمُسَافِرين.

  8. [رم ١٨

    ٢

    بابُ الآذَانِ للْمُسَافِرِينَ إذَا كَانُوا جَمَاعَةً والإِقَامَةَ

    أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْأَذَان للمسافرين، وَأَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى أَن للْمُسَافِر أَن يُؤذن. وَقَوله: إِذا كَانُوا جمَاعَة. هُوَ مُقْتَضى أَحَادِيث الْبَاب، وَلَكِن لَيْسَ فِيهَا مَا يمْنَع أَذَان الْمُنْفَرد. وَقَوله: (للمسافرين) ، بِلَفْظ الْجمع هُوَ رِوَايَة الْكشميهني، وَهُوَ مُنَاسِب لقَوْله: (إِذا كَانُوا جمَاعَة) ، وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ: (للْمُسَافِر) ، بِلَفْظ الْإِفْرَاد، فيؤول على أَن تكون الْألف وَاللَّام فِيهِ للْجِنْس، وَفِيه معنى الْجمع فحصلت الْمُنَاسبَة من هَذَا الْوَجْه. قَوْله: (وَالْإِقَامَة) ، بِالْجَرِّ عطفا على الآذان.

  9. وكَذَلِكَ بِعَرَفَةَ وَجَمْعٍ

    أَي: وَكَذَلِكَ الْأَذَان وَالْإِقَامَة بِعَرَفَة وَجمع، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْمِيم: وَهُوَ الْمزْدَلِفَة، سميت بِجمع لِاجْتِمَاع النَّاس فِيهَا لَيْلَة الْعِيد. وَأما عَرَفَة فَإِنَّهَا تطلق على الزَّمَان، وَهُوَ التَّاسِع من ذِي الْحجَّة، وعَلى الْمَكَان وَهُوَ الْموضع الْمَعْرُوف الَّذِي يقف فِيهِ الْحجَّاج يَوْم عَرَفَة، وَلم يذكر فِي: جمع، حَدِيثا، فَكَأَنَّهُ اكْتفى بِحَدِيث ابْن مَسْعُود الَّذِي ذكره فِي كتاب الْجمع، وَفِيه: أَنه صلى الْمغرب بِأَذَان وَإِقَامَة، وَالْعشَاء بِأَذَان وَإِقَامَة، ثمَّ قَالَ: رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَفْعَله، وَكَذَلِكَ لم يذكر فِي عَرَفَة شَيْئا، وَقد روى جَابر فِي حَدِيث طَوِيل أخرجه مُسلم، وَفِيه: (أَن بِلَالًا أذن وَأقَام لما جمع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَين الظّهْر وَالْعصر يَوْم عَرَفَة) .

  10. وقَوْلِ المُؤَذِّنِ الصَّلَاةُ فِي الرِّحَالِ فِي اللَّيْلَةِ البَارِدَةِ أوْ المَطِيرَةِ

    وَقَول: مجرور أَيْضا عطفا على قَوْله: (وَالْإِقَامَة) ، وَإِلَى هُنَا كُله من التَّرْجَمَة. قَوْله: (الصَّلَاة) ، بِالنّصب أَي: أدوها، ويروى بِالرَّفْع على أَنه مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله: (فِي الرّحال) ، تَقْدِيره: الصَّلَاة تصلى فِي الرّحال. وَهُوَ جمع: رَحل، ورحل الشَّخْص: منزله. قَوْله: (أَو الْمَطِيرَة) بِفَتْح الْمِيم، على وزن: فعيلة، بِمَعْنى: الماطرة. وَإسْنَاد الْمَطَر إِلَى اللَّيْلَة بالمجاز، إِذْ اللَّيْل ظرف لَهُ لَا فَاعل، وللعلماء فِي: أنبت الرّبيع البقل، أَقْوَال أَرْبَعَة: مجَاز فِي الْإِسْنَاد، أَو فِي أنبت، أَو فِي الرّبيع، وَسَماهُ السكاكي: اسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ، أَو الْمَجْمُوع مجَاز عَن الْمَقْصُود، وَذكر الإِمَام الرَّازِيّ أَن الْمجَاز الْعقلِيّ، وَإِنَّمَا لم يَجْعَل الْمَطِيرَة بِمَعْنى الممطور فِيهَا لِأَن فعيلة إِنَّمَا تجْعَل بِمَعْنى مفعولة إِذا لم يذكر موصوفها مَعهَا، وَهَهُنَا اللَّيْلَة موصوفها مَذْكُور، فَلذَلِك دَخلهَا تَاء التَّأْنِيث، وَعند عدم ذَلِك لَا تدخل فِيهَا تَاء التَّأْنِيث.

  11. ٦٢٩ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنِ المُهَاجِرِ بنِ أبي الحَسَنِ عنْ زَيْدِ بنِ وَهَبٍ عنْ أبي ذرٍّ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي سَفَرٍ فَأَرَادَ المُؤَذِّنُ أنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ أبْرِدْ ثُمَّ أَرَادَ أنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لهُ أبْرِدْ ثمَّ أَرَادَ إِن يَأْذَن فَقَالَ لَهُ أبردحَتَّى ساوَى الظِّلُّ التُّلُولُ فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ.

  12. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْمُؤَذّن أَرَادَ أَن يُؤذن فَأمره النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالإبراد ثَلَاث مَرَّات، وَلم يتَعَرَّض إِلَى ترك الْأَذَان، فَدلَّ على أَنه أذن بعد الْإِبْرَاد الْمَوْصُوف، وَأقَام، وَأَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ الصَّحَابَة كَانُوا فِي سفر، فطابق الحَدِيث التَّرْجَمَة من هَذِه الْحَيْثِيَّة. فَإِن قلت: لَا دلَالَة هُنَا على الْإِقَامَة، والترجمة مُشْتَمِلَة على الْأَذَان وَالْإِقَامَة مَعًا؟ قلت: الْمَقْصُود هُوَ الدّلَالَة

    ج ٥ ص ١٤٥فِي الْجُمْلَة، وَلَا يلْزم الدّلَالَة صَرِيحًا على كل جُزْء من التَّرْجَمَة، وَمن لَا يتْرك الْأَذَان فِي السّفر مَعَ كَونه مَظَنَّة التَّخْفِيف لَا يتْرك الْإِقَامَة الَّتِي هِيَ أخف من الْأَذَان، وَهَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه وَلَفظه قد مر فِي: بَاب الْإِبْرَاد بِالظّهْرِ فِي شدَّة الْحر، وَفِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ: بَاب الْإِبْرَاد مَعَ الظّهْر فِي السّفر، مَعَ اخْتِلَاف يسير فِي الروَاة والمتن، فَإِنَّهُ فِي الْكل عَن شُعْبَة ... إِلَى آخِره، غير أَن شَيْخه فِي الأول: عَن مُحَمَّد بن بشار عَن غنْدر عَن شُعْبَة، وَفِي الثَّانِي: عَن آدم عَن شُعْبَة وَهَهُنَا، كَمَا رَأَيْت: عَن مُسلم ابْن ابراهيم عَن شُعْبَة، وَمُسلم الْأَزْدِيّ الفراهيدي القصاب الْبَصْرِيّ من أَفْرَاد البُخَارِيّ.

  13. قَوْله: (سَاوَى) ، أَي: صَار الظل مُسَاوِيا التل. أَي: مثله. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: فَحِينَئِذٍ يكون أول وَقت الْعَصْر عِنْد الشَّافِعِيَّة، وَلَا يجوز تَأْخِير االظهر إِلَيْهِ؟ قلت: لَا نسلم، إِذْ لَيْسَ وَقت الظّهْر مُجَرّد كَون الظل مثله، بل هُوَ بعد الْفَيْء وظل الْمثل كليهمَا. قلت: أول وَقت الْعَصْر عِنْد صيرورة ظلّ كل شَيْء مثلَيْهِ، وَبَين مُسَاوَاة الظل الْمثل، وَكَون ظلّ كل شَيْء مثلَيْهِ آنات عديدة.

  14. ٦٣٠ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ خالِدٍ الحَذَّاءِ عنْ أبي قِلَابَةَ عَنْ مالِكِ بنِ الحُوَيْرِثِ قَالَ أتَى رَجُلَانِ النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُرِيدانِ السَّفَرَ فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إذَا أنْتُمَا خَرَجْتُمَا فَأَذِّنَا ثُمَّ أقِيمَا ثُمَّ لِيَؤُمُّكُمَا أكْبَرُكُمَا. .

  15. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. فَإِن قلت: التَّرْجَمَة لجمع الْمُسَافِرين، والْحَدِيث للتثنية؟ قلت: للتثنية حكم الْجمع، وَفِيه الْأَذَان وَالْإِقَامَة صريحان، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي الْبَاب السَّابِق، وَمُحَمّد بن يُوسُف هُوَ الْفرْيَابِيّ، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ. فَإِن قلت: قد روى البُخَارِيّ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن يُوسُف عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، فَمن أَيْن إِن سُفْيَان هُنَا هُوَ الثَّوْريّ؟ قلت: لِأَن الَّذِي يروي عَن ابْن عُيَيْنَة هُوَ مُحَمَّد بن يُوسُف البيكندي، وَلَيْسَت لَهُ رِوَايَة عَن الثَّوْريّ. فَإِن قلت: الْفرْيَابِيّ يروي أَيْضا عَن ابْن عُيَيْنَة؟ قلت: نعم، وَلَكِن إِذا أطلق سُفْيَان فَالْمُرَاد بِهِ الثَّوْريّ، وَأما إِذا روى عَن ابْن عُيَيْنَة فَإِنَّهُ يُبينهُ.

  16. قَوْله: (رجلَانِ) ، هما: مَالك بن الْحُوَيْرِث ورفيقه، وَلَفظ البُخَارِيّ فِي: بَاب سفر الْإِثْنَيْنِ من كتاب الْجِهَاد: (انصرفت من عِنْد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَنا وَصَاحب لي) . قَوْله: (فأذنا) ، قد قُلْنَا فِي الْبَاب الْمَاضِي: إِن المُرَاد بِهِ أَحدهمَا، لِأَن الْوَاحِد قد يُخَاطب بِصِيغَة التَّثْنِيَة، كَمَا ذكرنَا هُنَاكَ، وَيدل على هَذَا مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق حَمَّاد بن سَلمَة عَن خَالِد الْحذاء فِي هَذَا الحَدِيث: (إِذا كنت مَعَ صَاحبك فَأذن وأقم وليؤمكما أكبركما) . وَقَالَ ابْن الْقصار: أَرَادَ بِهِ الْفضل، وإلَاّ فأذان الْوَاحِد يجزىء. قلت: نظر هُوَ إِلَى ظَاهر اللَّفْظ، وَلَيْسَ ظَاهر اللَّفْظ بِمُرَاد، لِأَن الْمَنْقُول عَن السّلف خلاف ذَلِك، وَأَن اراد أَن يُؤذن كل وَاحِد، فَلَيْسَ كَذَلِك أيضافإن أَذَان الْوَاحِد يَكْفِي الْجَمَاعَة. قَوْله: (ثمَّ ليؤمكما أكبركما) قَالَ الْقُرْطُبِيّ: يدل على تساويهما فِي شُرُوط الْإِقَامَة، وَرجح أَحدهمَا بِالسِّنِّ، وَقَالَ ابْن بزيزة: يجوز أَن يكون أَشَارَ إِلَى كبر الْفضل وَالْعلم.

  17. ٦٣١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَهَّابِ قَالَ حدَّثنا أيُّوبُ عَنْ أبي قِلَابَةَ قَالَ حدَّثنا مالِكٌ قَالَ أتَيْنَا إِلَى النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ونَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ يَوْما وَلَيْلَةً وكانَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَحِيمَا رَفِيقا فلَمَّا ظَنَّ أنَّا قَدِ اشْتَهَيْنَا أهْلَنَا أوْ قَدِ اشْتقْنَا سألَنا عَمنْ تَركْنَا بَعْدَنَا فأَخْبَرْنَاهُ قَالَ ارْجِعُوا إلَى أهْلِيكمْ فأقِيمُوا فِيهِمْ وعَلِّمُوهُمْ ومُرُوهُمْ وذَكَرَ أشْيَاءَ أحْفَظُها أَو لَا أحْفَظُهَا وَصَلُّوا كمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي فإذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أحَدُكُمْ ولْيُؤُمَّكُمْ أكْبَرُكُمْ. .

  18. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَالْكَلَام فِي أَكثر الحَدِيث قد مضى فِي الْبَاب السَّابِق، وَعبد الْوَهَّاب بن عبد الْمجِيد الْبَصْرِيّ وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَأَبُو قلَابَة عبد الله بن زيد، وَمَالك هُوَ: ابْن الْحُوَيْرِث. قَوْله: (شببة) ، على وزن: فعلة بتحريك الْعين وَهُوَ جمع: شَاب، (ومتقاربون) ، صفته أَي: فِي السن. قَوْله: (سَأَلنَا) بِفَتْح اللَّام، قَوْله: (أَو قد اشتقنا) شكّ من الرَّاوِي، ويروى

    ج ٥ ص ١٤٦(وَقد اشتقنا) بواو الْعَطف بِغَيْر شكّ. قَوْله: (إِلَى أهليكم) ، ويروى: (إِلَى أهاليكم) . قَوْله: (أَو لَا أحفظها) شكّ من الرَّاوِي.

  19. ٦٣٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ أخبرنَا يَحْيى عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عُمَرَ قَالَ حدَّثني نافِعٌ قَالَ أذَّنَ ابنُ عُمَرَ فِي لَيْلَةٍ بارِدَةٍ بِضَجْنَانَ ثُمَّ قَالَ صَلوا فِي رِحَالِكُمْ فَأخْبَرَنا أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كانَ يَأمُرُ مُؤَذِّنا يُؤَذِّنُ ثُمَّ يَقُولُ على إثْرِهِ ألَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ فِي اللَّيْلَةِ البَارِدَةِ أوِ المَطِيرَةِ فِي السَّفَرِ (الحَدِيث ٦٣٢ طرفه فِي: ٦٦٦) .

  20. مطابقته للتَّرْجَمَة الَّتِي هِيَ: (وَقَول الْمُؤَذّن الصَّلَاة فِي الرّحال) إِلَى آخِره، ظَاهِرَة، لِأَن ابْن عمر هَذَا هُوَ الَّذِي أذن، ثمَّ قَالَ: صلوا فِي رحالكُمْ. قَوْله: (حَدثنَا يحيى) هُوَ الْقطَّان. قَوْله: (بضجنان) ، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْجِيم وَبعدهَا نون وَبعد الْألف نون أُخْرَى: وَهُوَ جبل على بريد من مَكَّة، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: بَينه وَبَين مَكَّة خَمْسَة وَعِشْرُونَ ميلًا، وَبَينه وَبَين مر تِسْعَة أَمْيَال. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: ويدلك أَن بَين ضجنَان وقديد لَيْلَة، قَول معبد الْخُزَاعِيّ:

    (قد نفرت من رفقتي مُحَمَّد ... تهوي على دين أَبِيهَا الأتلد)

    (قد جعلت مَاء قديد موعدي ... وَمَاء ضجنَان لنا ضحى الْغَد.)

  21. وَهُوَ على وزن: فعلان، غير منصرف. قَوْله: (وَأخْبرنَا) عطف على قَوْله: أذن، قَوْله: (ثمَّ يَقُول) عطف على قَوْله: (يُؤذن) . قَوْله: (على إثره) ، بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَفتحهَا: مَا بَقِي من رسم الشَّيْء. قَوْله: (فِي اللَّيْلَة الْبَارِدَة) ، ظرف لقَوْله: (كَانَ يَأْمر) وَقَوله: (ثمَّ يَقُول) يشْعر بِأَن القَوْل بِهِ كَانَ بعد الْأَذَان. فَإِن قلت: قد تقدم فِي بَاب الْكَلَام فِي الْأَذَان أَنه كَانَ فِي أثْنَاء الْأَذَان؟ قلت: يجوز كِلَاهُمَا، وَهُوَ نَص الشَّافِعِي أَيْضا فِي (الْأُم) . وَلَكِن الأولى أَن يُقَال: بعد الْأَذَان. وَقَوله: (أَلَا) كلمة تَنْبِيه وتحضيض، وَقد مر تَفْسِير (الْمَطِيرَة) وَكلمَة: أَو، فِيهِ للتنويع لَا للشَّكّ. وَفِي (صَحِيح أبي عوَانَة) : لَيْلَة بَارِدَة أَو ذَات مطر أَو ذَات ريح. وَهَذَا يدل على أَن كل وَاحِد من هَذِه الثَّلَاثَة عذر فِي التَّأَخُّر عَن الْجَمَاعَة. وَنقل ابْن بطال فِيهِ الْإِجْمَاع، لَكِن الْمَعْرُوف عِنْد الشَّافِعِيَّة أَن الرّيح عذر فِي اللَّيْل فَقَط. وَظَاهر الحَدِيث اخْتِصَاص الثَّلَاثَة بِاللَّيْلِ، وَلَكِن جَاءَ فِي (السّنَن) من طَرِيق ابْن إِسْحَاق عَن نَافِع فِي هَذَا الحَدِيث: (فِي اللَّيْلَة الْمَطِيرَة والغداة القرة) .

  22. ٦٣٣ - حدَّثنا إسْحَاقُ قَالَ أخبرنَا جَعْفَرُ بنُ عَوْنٍ قَالَ حدَّثنا أبْو العُمَيْسِ عنْ عوْن ابنِ أبي جُحَيْفَةَ عَنْ أبِيهِ قَالَ رَأَيْتُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالأبْطَحِ فَجَاءَهُ بِلَالٌ فآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ خَرَجَ بِلالٌ بِالْعَنَزَةِ حَتَّى رَكَزَهَا بَيْنَ يَدَيْ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالأبْطَحِ وأقَامَ الصَّلَاةَ. .

  23. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن فِيهِ الْأَذَان وَالْإِقَامَة وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ أَصْحَابه فِي السّفر. والْحَدِيث قد مر فِي: بَاب ستْرَة الإِمَام ستْرَة لمن خَلفه، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ أَنه أخرجه فِي مَوَاضِع من كتاب الطَّهَارَة وَكتاب الصَّلَاة. قَوْله: (إِسْحَاق) وَقع فِي رِوَايَة أبي الْوَقْت أَنه إِسْحَاق بن مَنْصُور، وَبِذَلِك جزم خلف فِي الْأَطْهَار، وَتردد الكلاباذي: هَل هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم أَو ابْن مَنْصُور؟ وَرجح الجياني أَنه ابْن مَنْصُور، وَاسْتدلَّ على ذَلِك بِأَن مُسلما أخرج هَذَا الحَدِيث بِهَذَا الْإِسْنَاد عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور. قلت: فِيهِ نظر لَا يخفى، وَأَبُو العميس، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره سين مُهْملَة، وَأَبُو جُحَيْفَة، بِضَم الْجِيم وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْفَاء، واسْمه: وهب بن عبد الله السوَائِي. قَوْله: (بِالْأَبْطح) وَهُوَ مَوضِع مَعْرُوف خَارج مَكَّة، (والعنزة) ، بِفَتْح النُّون أطول من الْعَصَا، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ وَفِي غَيره مُسْتَوفى.