باب في الاستعفاف
٨٠ فقرة، ج ٥ ص ٣٩
الصفحة ١ من ٢
- ج ٥ ص ٤٠
[١٦٤٤] أَيْ فِي شَيْءٍ مِنْ غَيْرِ الْمَصَالِحِ الدِّينِيَّةِ
-
(أَنَّ نَاسًا مِنَ الْأَنْصَارِ) لَمْ يَتَعَيَّنْ لِي أسماءهم إِلَّا أَنَّ النَّسَائِيَّ رَوَى مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ رَاوِيَ هَذَا الْحَدِيثِ خُوطِبَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلُفِظَ فَفِي حَدِيثِهِ سَرَّحَتْنِي أُمِّي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْنِي لِأَسْأَلَهُ مِنْ حَاجَةٍ شَدِيدَةٍ فَأَتَيْتُهُ وَقَعَدْتُ فَقَالَ مَنِ اسْتَغْنَى أَغْنَاهُ اللَّهُ الْحَدِيثَ وَزَادَ فِيهِ وَسَأَلَ وَلَهُ أُوقِيَّةٌ فَقَدْ أَلْحَفَ فَقُلْتُ نَاقَتِي خَيْرٌ مِنْ أُوقِيَّةٍ فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَسْأَلْهُ
-
ذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْبَارِي (حتى إذا نفذ) بِكَسْرِ الْفَاءِ أَيْ فَرَغَ وَفِي (مِنْ خَيْرٍ) أَيْ مَالٍ وَمِنْ بَيَانٌ لِمَا وَمَا خَبَرِيَّةٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِلشَّرْطِ أَيْ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْمَالِ مَوْجُودٌ عِنْدِي أُعْطِيكُمْ (فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ) أَيْ أحبسه وأخبؤه وَأَمْنَعَكُمْ إِيَّاهُ مُنْفَرِدًا بِهِ عَنْكُمْ
-
وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ السَّخَاءِ وَإِنْفَاذِ أَمْرِ اللَّهِ
-
وَفِيهِ إِعْطَاءُ السَّائِلِ مَرَّتَيْنِ وَالِاعْتِذَارُ إِلَى السَّائِلِ وَالْحَضُّ عَلَى التَّعَفُّفِ
-
وَفِيهِ جَوَازُ السُّؤَالِ لِلْحَاجَةِ وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى تَرْكَهُ وَالصَّبْرَ حَتَّى يَأْتِيَهُ رِزْقُهُ بِغَيْرِ مَسْأَلَةٍ (وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ) أَيْ مَنْ يَطْلُبْ مِنْ نَفْسِهِ الْعِفَّةَ عَنِ السُّؤَالِ
-
قَالَ الطِّيبِيُّ أَوْ يَطْلُبِ الْعِفَّةَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَلَيْسَ السِّينُ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ (يُعِفَّهُ اللَّهُ) يَجْعَلْهُ عَفِيفًا مِنَ الْإِعْفَافِ
-
وَهُوَ إِعْطَاءُ الْعِفَّةِ وَهِيَ الْحِفْظُ عَنِ الْمَنَاهِي يَعْنِي مَنْ قَنَعَ بِأَدْنَى قُوتٍ وَتَرَكَ السُّؤَالَ تَسْهُلُ عَلَيْهِ الْقَنَاعَةُ وَهِيَ كَنْزٌ لَا يَفْنَى (وَمَنْ يَسْتَغْنِ) أَيْ يُظْهِرِ الْغِنَى بِالِاسْتِغْنَاءِ عَنْ أَمْوَالِ النَّاسِ وَالتَّعَفُّفُ عَنِ السُّؤَالُ حَتَّى يَحْسَبَهُ الْجَاهِلُ غَنِيًّا مِنَ التَّعَفُّفِ (يُغْنِهِ اللَّهُ) أَيْ يَجْعَلْهُ غَنِيًّا أَيْ بِالْقَلْبِ لِأَنَّ الْغِنَى لَيْسَ عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ إِنَّمَا غِنَى النَّفْسِ (وَمَنْ يَتَصَبَّرْ) أَيْ يَطْلُبْ تَوْفِيقَ الصَّبْرِ مِنَ اللَّهِ لِأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى وَاصْبِرْ وما صبرك إلا بالله أَيْ يَأْمُرْ نَفْسَهُ بِالصَّبْرِ وَيَتَكَلَّفْ فِي التَّحَمُّلِ عَنْ مَشَاقِّهِ وَهُوَ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ لِأَنَّ الصَّبْرَ يَشْتَمِلُ عَلَى صَبْرِ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ وَالْبَلِيَّةِ أَوْ مَنْ يَتَصَبَّرْ عَنِ السُّؤَالِ وَالتَّطَلُّعِ إِلَى مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ بِأَنَّ يَتَجَرَّعَ مَرَارَةَ ذَلِكَ وَلَا يَشْكُو حَالَهُ لِغَيْرِ رَبِّهِ (يُصَبِّرْهُ اللَّهُ) بِالتَّشْدِيدِ أَيْ يُسَهِّلُ عَلَيْهِ الصَّبْرَ فَتَكُونُ الْجُمَلُ مُؤَكَّدَاتٍ
-
وَيُؤَيِّدُ إِرَادَةَ مَعْنَى الْعُمُومِ قَوْلُهُ (وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِنْ عَطَاءٍ) أَيْ مُعْطًى أَوْ شَيْئًا (أَوْسَعَ) أَيْ أَشْرَحَ
ج ٥ ص ٤١لِلصَّدْرِ (مِنَ الصَّبْرِ) وَذَلِكَ لِأَنَّ مَقَامَ الصَّبْرِ أَعْلَى الْمَقَامَاتِ لِأَنَّهُ جَامِعٌ لِمَكَارِمِ الصِّفَاتِ وَالْحَالَاتِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
-
وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ
-
[١٦٤٥] (وَهَذَا حَدِيثُهُ) أَيْ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ
-
وَالْمَعْنَى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ دَاوُدَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ كِلَاهُمَا يَرْوِيَانِ عَنْ بَشِيرِ بْنِ سَلْمَانَ وَهَذَا لفظ بن الْمُبَارَكِ دُونَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَاوُدَ (مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ) أَيْ حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَالِهَا فِي الْفَقْرِ وَضِيقِ الْمَعِيشَةِ (فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ) أَيْ عَرَضَهَا عَلَيْهِمْ وَأَظْهَرَهَا بِطَرِيقِ الشِّكَايَةِ لَهُمْ وَطَلَبَ إِزَالَةَ فَاقَتِهِ مِنْهُمْ
-
قَالَ الطِّيبِيُّ يُقَالُ نَزَلَ بِالْمَكَانِ وَنَزَلَ مِنْ عُلُوٍّ وَمِنَ الْمَجَازِ نَزَلَ بِهِ مَكْرُوهٌ وَأَنْزَلْتُ حَاجَتِي عَلَى كَرِيمٍ وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ مَنِ اعْتَمَدَ فِي سَدِّهَا عَلَى سُؤَالِهِمْ (لَمْ تُسَدُّ فَاقَتُهُ) أَيْ لَمْ تُقْضَ حَاجَتُهُ وَلَمْ تَزَلْ فَاقَتُهُ وَكُلَّمَا تُسَدُّ حَاجَةٌ أَصَابَتْهُ أُخْرَى أَشَدُّ مِنْهَا (وَمَنْ أَنْزَلَهَا بِاللَّهِ) بِأَنِ اعْتَمَدَ عَلَى مَوْلَاهُ (أَوْشَكَ اللَّهُ) أَيْ أَسْرَعَ وَعَجَّلَ (بِالْغِنَى) بِالْكَسْرِ مَقْصُورًا أَيِ الْيَسَارِ وَفِي نُسْخَةِ الْمَصَابِيحِ لَهُ بِالْغَنَاءِ أَيْ بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَالْمَدِّ أَيِ الْكِفَايَةِ
-
قَالَ شُرَّاحُ الْمَصَابِيحِ وَرِوَايَةُ بِالْغِنَى أَيْ بِالْكَسْرِ مَقْصُورًا عَلَى مَعْنَى الْيَسَارِ تَحْرِيفٌ لِلْمَعْنَى لِأَنَّهُ قَالَ يَأْتِيهِ الْكِفَايَةُ عَمَّا هُوَ فِيهِ انْتَهَى (إِمَّا بِمَوْتٍ عَاجِلٍ) قِيلَ بِمَوْتِ قَرِيبٍ لَهُ غَنِيٍّ فَيَرِثُهُ
-
وَلَعَلَّ الْحَدِيثَ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ
-
وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ (أَوْ غِنَى) بِكَسْرٍ وَقَصْرٍ أَيْ يَسَارٍ (عَاجِلٍ) أَيْ بِأَنْ يُعْطِيَهُ مَالًا وَيَجْعَلَهُ غَنِيًّا
-
قَالَ الطِّيبِيُّ هُوَ هَكَذَا أَيْ عَاجِلٍ بِالْعَيْنِ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ وَجَامِعِ الْأُصُولِ
-
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ أَوْ غِنًى آجِلٍ بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ وَهُوَ أَصَحُّ دِرَايَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى إِنْ يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله انْتَهَى
-
قُلْتُ نُسَخُ أَبِي دَاوُدَ الَّتِي عِنْدِي فِي كُلِّهَا عَاجِلٍ بِالْعَيْنِ وَكَذَا فِي نُسَخِ الْمُنْذِرِيِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
-
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ غريب
-
[١٦٤٦] (عن بن الْفِرَاسِيِّ) بِكَسْرِ الْفَاءِ
-
قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ بن الْفِرَاسِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ج ٥ ص ٤٢وَقِيلَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ
-
(أَنَّ الْفِرَاسِيَّ) هُوَ مِنْ بَنِي فِرَاسِ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كِنَانَةَ وَلَهُ صُحْبَةٌ
-
ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ (قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسأل) بحذف حرف الاستفهام (يارسول اللَّهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا) أَيْ لَا تَسْأَلِ النَّاسَ شَيْئًا مِنَ الْمَالِ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فِي كُلِّ حَالٍ (وإن كنت سائلا لابد) أَيْ لَكَ مِنْهُ وَلَا غِنَى لَكَ عَنْهُ (فَسَلِ الصَّالِحِينَ) أَيِ الْقَادِرِينَ عَلَى قَضَاءِ الْحَاجَةِ أَوْ أَخْيَارَ النَّاسِ لِأَنَّهُمْ لَا يَحْرِمُونَ السَّائِلِينَ وَيُعْطُونَ مَا يُعْطُونَ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ لِأَنَّ الصَّالِحَ لَا يُعْطِي إِلَّا مِنَ الْحَلَالِ وَلَا يَكُونُ إِلَّا كَرِيمًا وَرَحِيمًا وَلَا يَهْتِكُ الْعِرْضَ وَلِأَنَّهُ يَدْعُو لَكَ فَيُسْتَجَابُ
-
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
-
وَيُقَالُ فِيهِ عَنِ الْفِرَاسِيِّ وَمِنْهُمْ مَنْ يقول عن بن الْفِرَاسِيِّ عَنْ أَبِيهِ كَمَا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ وَهُوَ مِنْ بَنِي فِرَاسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كِنَانَةَ وَلَهُ حَدِيثٌ آخَرُ فِي الْبَحْرِ هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ وَالْحِلُّ مَيْتَتُهُ كِلَاهُمَا يَرْوِيهِ اللَّيْثُ بن سعد
-
انتهى
-
[١٦٤٧] (عن بن الساعدي) قال القاضي عياض الصواب بن السَّعْدِيِّ وَاسْمُهُ قُدَامَةُ وَقِيلَ عَمْرٌو وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ السَّعْدِيُّ لِأَنَّهُ اسْتَرْضَعَ فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ وَأَمَّا السَّاعِدِيُّ فَلَا يُعْرَفُ لَهُ وَجْهٌ وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَهُوَ قُرَشِيٌّ عَامِرِيٌّ مَكِّيٌّ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ حَنْبَلِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ وَسَيَجِيءُ بَيَانُهُ مِنْ كَلَامِ الْمُنْذِرِيِّ بِعُمَالَةٍ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ الْعُمَالَةُ بِالضَّمِّ رِزْقُ الْعَامِلِ عَلَى
-
ــ
-
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
-
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه اللَّه وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِيمَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ بَعْد إِجْمَاعهمْ عَلَى أَنَّهُ أَمْر نَدْب وَإِرْشَاد فَقِيلَ هُوَ نَدْب مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِكُلِّ مَنْ أَعْطَى عَطِيَّة كَانَتْ مِنْ سُلْطَان أَوْ عَامِّيّ صَالِحًا كَانَ أَوْ فَاسِقًا بَعْد أَنْ يَكُون مِمَّنْ تَجُوز عَطِيَّته حَكَى ذَلِكَ غَيْر وَاحِد وَقِيلَ ذَلِكَ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَدْب إِلَى قَبُول عَطِيَّة مِنْ غَيْر السُّلْطَان فَأَمَّا السُّلْطَان فَبَعْضهمْ مَنَعَهَا وَبَعْضهمْ كَرِهَهَا وَقَالَ آخَرُونَ ذَلِكَ نَدْب لِقَبُولِ هَدِيَّة السُّلْطَان دُون غَيْره وَرَجَّحَ بَعْضهمْ الْأَوَّل فَإِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَخُصّ وَجْهًا مِنْ الْوُجُوه إِلَى هُنَا تَمَّ كَلَامه
-
وَسِيَاق الْحَدِيث إِنَّمَا يَدُلّ عَلَى عَطِيَّة الْعَامِل عَلَى الصَّدَقَة فَإِنَّهُ يَجُوز لَهُ أَخْذ عِمَالَته وَتَمَوُّلهَا
ج ٥ ص ٤٣عَمَلِهِ (فَعَمَّلَنِي) بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ أَعْطَانِي أُجْرَةَ عَمَلٍ وَجَعَلَ لِيَ عُمَالَةً (مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْأَلَهُ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُ مَا حُصِّلَ مِنَ الْمَالِ عَنْ مَسْأَلَةٍ
-
وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ عَمَلَ السَّاعِي سَبَبٌ لِاسْتِحْقَاقِهِ الْأُجْرَةَ كَمَا أَنَّ وَصْفَ الْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ هُوَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ وَإِذَا كَانَ الْعَمَلُ هُوَ السَّبَبُ اقْتَضَى قِيَاسُ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ أَنَّ الْمَأْخُوذَ فِي مُقَابَلَتِهِ أُجْرَةٌ وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ تَبَعًا لَهُ إِنَّهُ يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ
-
وَفِيهِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ نَوَى التَّبَرُّعَ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ بَعْدَ ذَلِكَ (فَكُلْ وَتَصَدَّقْ) هَنِيئًا مَرِيئًا وَإِنْ لَمْ تَحْتَجْ إِلَى أَكْلِهِ فَتَصَدَّقْ
-
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ بِنَحْوِهِ
-
وَرَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّعْدِيِّ عَنْ عُمَرَ فَاجْتَمَعَ فِي إِسْنَادِهِ أَرْبَعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَهُوَ أَحَدُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي جَاءَتْ كَذَلِكَ
-
وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّعْدِيِّ وَلَمْ يَكُنْ سَعْدِيًّا فَإِنَّمَا قِيلَ لِأَبِيهِ السَّعْدِيُّ لِأَنَّهُ كَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ وَهُوَ قُرَشِيٌّ عَامِرِيٌّ مَالِكِيٌّ مِنْ مَالِكِ بْنِ حَنْبَلٍ
-
وَاسْمُ السَّعْدِيِّ عَمْرُو بْنُ وَقْدَانَ وَقِيلَ قُدَامَةُ بْنُ وَقْدَانَ وَأَمَّا السَّاعِدِيُّ فَنِسْبَةً إِلَى بَنِي سَاعِدَةَ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنَ الْخَزْرَجِ وَلَا وجه له ها هنا إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ نُزُولٌ أَوْ حِلْفٌ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ
-
وَقَوْلُهُ فَعَمَّلَنِي بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَفَتْحِهَا أَيْ جَعَلَ لَهُ الْعُمَالَةَ وَهِيَ أُجْرَةُ الْعَمَلِ وَفِيهِ جَوَازُ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى أَعْمَالِ الْمُسْلِمِينَ وَوِلَايَاتِهِمُ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ
-
قِيلَ وَلَيْسَ مَعْنَى الْحَدِيثِ فِي الصَّدَقَاتِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْأَمْوَالِ الَّتِي يَقْسِمُهَا الْإِمَامُ عَلَى أَغْنِيَاءِ النَّاسِ وَفُقَرَائِهِمْ وَاسْتُشْهِدَ بِقَوْلِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ فَتَمَوَّلْهُ وَقَالَ الْفَقِيرُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الصَّدَقَةِ مَا يَتَّخِذُهُ مَالًا كَانَ عَنْ مَسْأَلَةٍ أَوْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ