باب ما جاء في السكر

٢٠٥ فقرة، ج ١٠ ص ٨٥

الصفحة ٣ من ٦

  1. وَالْحَاصِلُ أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْكَثِيرِ الْمُسْكِرِ مِنْهُ حَرَامٌ مُطْلَقًا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْغَايَةِ وَأَمَّا الْقَلِيلُ فَإِنْ كَانَ لِلَّهْوِ حَرُمَ وَإِنْ سَكِرَ مِنْهُ يَقَعُ طَلَاقُهُ لِأَنَّ مَبْدَأَ اسْتِعْمَالِهِ كَانَ مَحْظُورًا وَإِنْ كَانَ لِلتَّدَاوِي وَحَصَلَ مِنْهُ إِسْكَارٌ فَلَا

    ج ١٠ ص ٩٦
  2. هَذَا آخِرُ كَلَامِ الشَّامِيِّ

  3. ثُمَّ قَالَ الشَّامِيُّ وَكَذَا تَحْرُمُ جَوْزَةُ الطِّيبِ وَكَذَا الْعَنْبَرُ وَالزَّعْفَرَانُ كَمَا فِي الزَّوَاجِرِ لِابْنِ حَجَرٍ الْمَكِّيِّ وَقَالَ فَهَذِهِ كُلُّهَا مُسْكِرَةٌ وَمُرَادُهُمْ بِالْإِسْكَارِ هُنَا تَغْطِيَةُ الْعَقْلِ لَا مَعَ الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ لِأَنَّهَا مِنْ خُصُوصِيَّاتِ الْمُسْكِرِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهَا تُسَمَّى مُخَدِّرَةً فَمَا جَاءَ فِي الْوَعِيدِ عَلَى الْخَمْرِ يَأْتِي فِيهَا لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي إِزَالَةِ الْعَقْلِ الْمَقْصُودِ لِلشَّارِعِ بَقَاؤُهُ

  4. أَقُولُ وَمِثْلُهُ زَهْرُ الْقُطْنِ فَإِنَّهُ قَوِيُّ التَّفْرِيحِ يَبْلُغُ الْإِسْكَارَ كَمَا فِي التَّذْكِرَةِ فَهَذَا كُلُّهُ وَنَظَائِرُهُ يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ الْقَدْرِ الْمُسْكِرِ مِنْهُ دُونَ الْقَلِيلِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فَافْهَمْ وَمِثْلُهُ بَلْ أَوْلَى الْبُرْشُ وَهُوَ شَيْءٌ مُرَكَّبٌ مِنَ الْبَنْجِ وَالْأَفْيُونِ وَغَيْرِهِمَا ذَكَرَ فِي التَّذْكِرَةِ أَنَّ إِدْمَانَهُ يُفْسِدُ الْبَدَنَ وَالْعَقْلَ وَيُسْقِطُ الشَّهْوَتَيْنِ وَيُفْسِدُ اللَّوْنَ وَيُنْقِصُ الْقُوَى وَيُنْهِكُ

  5. وَقَدْ وَقَعَ بِهِ الْآنَ ضَرَرٌ كَثِيرٌ انْتَهَى كَلَامُ الشَّامِيِّ

  6. قُلْتُ إِذَا عَرَفْتَ هَذِهِ الْأَقَاوِيلَ لِلْعُلَمَاءِ فَاعْلَمْ أَنَّ الزَّعْفَرَانَ وَالْعَنْبَرَ وَالْمِسْكَ لَيْسَ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ سُكْرٌ أَصْلًا بَلْ وَلَا تَفْتِيرٌ وَلَا تَخْدِيرٌ عَلَى التَّحْقِيقِ

  7. وَأَمَّا الْجَوْزُ الطِّيبُ وَالْبَسْبَاسَةُ وَالْعُودُ الْهِنْدِيُّ فَهَذِهِ كُلُّهَا لَيْسَ فِيهَا سُكْرٌ أَيْضًا وَإِنَّمَا فِي بَعْضِهَا التَّفْتِيرُ وَفِي بَعْضِهَا التَّخْدِيرُ وَلَا رَيْبَ أَنَّ كُلَّ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ سَوَاءٌ كَانَ مُفْرَدًا أَوْ مُخْتَلِطًا بِغَيْرِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ يَقْوَى عَلَى الْإِسْكَارِ بَعْدَ الْخَلْطِ أَوْ لَا يَقْوَى فَكُلُّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْمُسْكِرَاتِ قَطْعًا بَلْ بَعْضُهَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْمُفَتِّرَاتِ وَلَا الْمُخَدِّرَاتِ عَلَى التَّحْقِيقِ وَإِنَّمَا بَعْضُهَا مِنْ جِنْسِ الْمُفَتِّرَاتِ عَلَى رَأْيِ الْبَعْضِ وَمِنْ جِنْسِ الْمَضَارِّ عَلَى رَأَيِ الْبَعْضِ فَلَا يَحْرُمُ قَلِيلُهُ سَوَاءٌ يُؤْكَلُ مُفْرَدًا أَوْ يُسْتَهْلَكُ فِي الطَّعَامِ أَوْ فِي الْأَدْوِيَةِ

  8. نَعَمْ أَنْ يُؤْكَلَ الْمِقْدَارُ الزَّائِدُ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ التَّفْتِيرُ لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ لِأَنَّ النَّبِيَّ نَهَى عَنْ كُلِّ مُفَتِّرٍ وَلَمْ يَقُلْ إِنَّ كُلَّ مَا أَفَتَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ

  9. فَنَقُولُ على الوجه الذي قاله وَلَا نُحْدِثُ مِنْ قِبَلِي شَيْئًا فَالتَّحْرِيمُ لِلتَّفْتِيرِ لَا لِنَفْسِ الْمُفَتِّرِ فَيَجُوزُ قَلِيلُهُ الَّذِي لَا يفتر

    ج ١٠ ص ٩٧وَهَذِهِ الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ نَقَلْتُ عِبَارَاتِهِمْ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ بَلِ اخْتَلَفَتْ أَقْوَالُهُمْ فَذَهَبَتِ الْأَئِمَّةُ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ حَرُمَ قَلِيلُهُ وَهُوَ فِي الْمَائِعَاتِ دُونَ الْجَامِدَاتِ وَهَكَذَا فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْجَامِدَةِ الْمُضِرَّةِ فِي الْعَقْلِ أَوْ غَيْرِهِ يَحْرُمُ تَنَاوُلُ الْقَدْرِ الْمُضِرِّ مِنْهَا دُونَ الْقَلِيلِ النَّافِعِ لِأَنَّ حُرْمَتَهَا لَيْسَتْ لِعَيْنِهَا بَلْ لِضَرَرِهَا فَيَحْرُمُ عِنْدَهُمُ اسْتِعْمَالُ الْقَدْرِ الْمُسْكِرِ مِنَ الْجَامِدَاتِ دُونَ الْقَلِيلِ مِنْهَا

  10. وَأَمَّا بن رَسْلَانَ فَصَرَّحَ بِلَفْظِ التَّمْرِيضِ فَقَالَ وَيُقَالُ إِنَّ الزَّعْفَرَانَ يُسْكِرُ

  11. وَقَالَ الطِّيبِيُّ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يستدل به على تحريم البنج

  12. وقال بن دَقِيقِ الْعِيدِ فِي الْجَوْزَةِ إِنَّهَا مُسْكِرَةٌ

  13. وَقَالَ الْأَرْدُبِيلِيُّ إِنَّ الْجَوْزَ الْهِنْدِيَّ وَالزَّعْفَرَانَ وَنَحْوَهُمَا يَحْرُمُ الْكَثِيرُ مِنْهُ لِإِضْرَارِهِ لَا لِكَوْنِهِ مُسْكِرًا

  14. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ قُطْبٍ الْقَسْطَلَّانِيُّ الْجَوْزُ الطِّيبُ وَالزَّعْفَرَانُ وَالْبَنْجُ وَالْأَفْيُونُ هَذِهِ كُلُّهَا مِنَ الْمُسْكِرَاتِ الْمُخَدِّرَاتِ

  15. وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ إِنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا تَحْرُمُ إِلَّا لِمَضَرَّتِهَا الْعَقْلَ وَدُخُولِهَا فِي الْمُفَتِّرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ

  16. وَقَالَ الْقَزْوِينِيُّ الزَّعْفَرَانُ الزَّائِدُ عَلَى الدِّرْهَمِ سُمٌّ قَاتِلٌ

  17. قُلْتُ وَالصَّحِيحُ مِنْ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ قَوْلُ الْعَلَّامَةِ الْأَرْدُبِيلِيِّ وَالزَّرْكَشِيِّ وَقَدْ أَطْنَبَ الكلام وأفرط فيه الشيخ الفقيه بن حَجَرٍ الْمَكِّيُّ فِي كِتَابِهِ الزَّوَاجِرُ عَنِ اقْتِرَافِ الْكَبَائِرِ فَقَالَ الْكَبِيرَةُ السَّبْعُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ أَكْلُ الْمُسْكِرِ الطَّاهِرِ كَالْحَشِيشَةِ وَالْأَفْيُونِ وَالشَّيْكَرَانِ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ الْبَنْجُ وَكَالْعَنْبَرِ وَالزَّعْفَرَانِ وَجَوْزَةِ الطِّيبِ فَهَذِهِ كُلُّهَا مُسْكِرَةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي بَعْضِهَا وَغَيْرُهُ فِي بَاقِيهَا وَمُرَادُهُمْ بِالْإِسْكَارِ هُنَا تَغْطِيَةُ الْعَقْلِ لَا مَعَ الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ لِأَنَّهَا مِنْ خُصُوصِيَّاتِ الْمُسْكِرِ الْمَائِعِ وَبِمَا قَرَّرْتُهُ فِي مَعْنَى الْإِسْكَارِ فِي هَذِهِ المذكرات عُلِمَ أَنَّهُ لَا يُنَافِي أَنَّهَا تُسَمَّى مُخَدِّرَةً وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا مُسْكِرَةٌ أَوْ مُخَدِّرَةٌ فَاسْتِعْمَالُهَا كَبِيرَةٌ وَفِسْقٌ كَالْخَمْرِ فَكُلُّ مَا جَاءَ فِي وَعِيدِ شَارِبِهَا يَأْتِي فِي مُسْتَعْمِلِ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي إِزَالَةِ الْعَقْلِ الْمَقْصُودِ لِلشَّارِعِ بَقَاؤُهُ فَكَانَ فِي تَعَاطِي مَا يُزِيلُهُ وَعِيدُ الْخَمْرِ

  18. وَالْأَصْلُ فِي تَحْرِيمِ كُلِّ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفَتِّرٍ

    ج ١٠ ص ٩٨قَالَ الْعُلَمَاءُ الْمُفَتِّرُ كُلُّ مَا يُورِثُ الْفُتُورَ وَالْخَدَرَ فِي الْأَطْرَافِ وَهَذِهِ الْمَذْكُورَاتُ كُلُّهَا تُسْكِرُ وتخدر وتفتر

  19. وحكى القرافي وبن تَيْمِيَّةَ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَحْرِيمِ الْحَشِيشَةِ وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ قَوْلًا أَنَّ النَّبَاتَ الَّذِي فِيهِ شِدَّةٌ مُطْرِبَةٌ يجب فيه الحد

  20. وصرح بن دَقِيقِ الْعِيدِ أَنَّ الْجَوْزَةَ مُسْكِرَةٌ وَنَقَلَهُ عَنْهُ المتأخرون من الشافعية والمالكية واعتمدوه

  21. وبالغ بن الْعِمَادِ فَجَعَلَ الْحَشِيشَةَ مَقِيسَةً عَلَى الْجَوْزَةِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا حُكِيَ عَنِ الْقَرَافِيِّ نَقْلًا عَنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ فَرَّقَ فِي إِسْكَارِ الْحَشِيشَةِ بَيْنَ كَوْنِهَا وَرَقًا أَخْضَرَ فَلَا إِسْكَارَ فِيهَا بِخِلَافِهَا بَعْدَ التَّحْمِيصِ فَإِنَّهَا تُسْكِرُ قَالَ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ لِأَنَّهَا مُلْحَقَةٌ بِجَوْزَةِ الطِّيبِ وَالزَّعْفَرَانِ وَالْعَنْبَرِ وَالْأَفْيُونِ وَالْبَنْجِ وَهُوَ مِنَ الْمُسْكِرَاتِ المخدارت ذكر ذلك بن الْقَسْطَلَّانِيِّ انْتَهَى

  22. فَتَأَمَّلْ تَعْبِيرَهُ بِالصَّوَابِ وَجَعْلَهُ الْحَشِيشَةَ الَّتِي أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِهَا مَقِيسَةً عَلَى الْجَوْزَةِ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا مِرْيَةَ فِي تَحْرِيمِ الْجَوْزَةِ لِإِسْكَارِهَا أَوْ تَخْدِيرِهَا

  23. وَقَدْ وَافَقَ الْمَالِكِيَّةَ وَالشَّافِعِيَّةَ عَلَى إِسْكَارِهَا الْحَنَابِلَةُ فَنَصَّ إِمَامُ مُتَأَخِّرِيهِمِ بن تَيْمِيَّةَ وَتَبِعُوهُ عَلَى أَنَّهَا مُسْكِرَةٌ وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ بَعْضِ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ فَفِي فَتَاوَى الْمَرْغِينَانِيِّ الْمُسْكِرُ مِنَ الْبَنْجِ وَلَبَنِ الرِّمَاكِ أَيْ أُنَاثَى الْخَيْلِ حَرَامٌ وَلَا يُحَدُّ شَارِبُهُ انْتَهَى

  24. وَقَدْ علمت من كلام بن دَقِيقِ الْعِيدِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْجَوْزَةَ كَالْبَنْجِ فَإِذَا قَالَ الْحَنَفِيَّةُ بِإِسْكَارِهِ لَزِمَهُمُ الْقَوْلُ بِإِسْكَارِ الْجَوْزَةِ

  25. فَثَبَتَ بِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهَا حَرَامٌ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ بِالنَّصِّ وَالْحَنَفِيَّةِ بِالِاقْتِضَاءِ لِأَنَّهَا إِمَّا مُسْكِرَةٌ أَوْ مُخَدِّرَةٌ

  26. وَأَصْلُ ذَلِكَ فِي الْحَشِيشَةِ الْمَقِيسَةِ عَلَى الْجَوْزَةِ

  27. وَالَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي كِتَابِهِ التَّذْكِرَةِ وَالنَّوَوِيُّ في شرح المهذب وبن دَقِيقِ الْعِيدِ أَنَّهَا مُسْكِرَةٌ

  28. وَقَدْ يَدْخُلُ فِي حدهم السَّكْرَانِ بِأَنَّهُ الَّذِي اخْتَلَّ كَلَامُهُ الْمَنْظُومُ وَانْكَشَفَ سِرُّهُ الْمَكْتُومُ أَوِ الَّذِي لَا يَعْرِفُ السَّمَاءَ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا الطُّولَ مِنَ الْعَرْضِ ثُمَّ نُقِلَ عَنِ الْقَرَافِيِّ أَنَّهُ خَالَفَ فِي ذَلِكَ فَنَفَى عَنْهَا الْإِسْكَارَ وَأَثْبَتَ لَهَا الْإِفْسَادَ ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ

  29. وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى إِسْكَارِهَا أَيْضًا العلماء بالنبات من الأطباء وكذلك بن تَيْمِيَّةَ وَالْحَقُّ فِي ذَلِكَ خِلَافُ الْإِطْلَاقَيْنِ إِطْلَاقِ الْإِسْكَارِ وَإِطْلَاقِ الْإِفْسَادِ وَذَلِكَ أَنَّ الْإِسْكَارَ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ مُطْلَقُ تَغْطِيَةِ الْعَقْلِ وَهَذَا إِطْلَاقٌ أَعَمُّ وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ تَغْطِيَةُ الْعَقْلِ مَعَ نَشْوَةٍ وَطَرَبٍ وَهَذَا

    ج ١٠ ص ٩٩إِطْلَاقٌ أَخَصُّ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنَ الْإِسْكَارِ حَيْثُ أُطْلِقَ فَعَلَى الْإِطْلَاقِ الْأَوَّلِ بَيْنَ الْمُسْكِرِ وَالْمُخَدِّرِ عُمُومٌ مُطْلَقٌ إِذْ كُلُّ مُخَدِّرٍ مُسْكِرٍ وَلَيْسَ كُلُّ مُسْكِرٍ مُخَدِّرًا فَإِطْلَاقُ الْإِسْكَارِ عَلَى الْحَشِيشَةِ وَالْجَوْزَةِ وَنَحْوِهِمَا الْمُرَادُ مِنْهُ التَّخْدِيرُ وَمَنْ نَفَاهُ عَنْ ذَلِكَ أَرَادَ بِهِ مَعْنَاهُ الْأَخَصَّ

  30. وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ مِنْ شَأْنِ السُّكْرِ بِنَحْوِ الْخَمْرِ أَنَّهُ يَتَوَلَّدُ عَنْهُ النَّشْوَةُ وَالنَّشَاطُ وَالطَّرَبُ وَالْعَرْبَدَةُ وَالْحَمِيَّةُ وَمِنْ شَأْنِ السُّكْرِ بِنَحْوِ الْحَشِيشَةِ وَالْجَوْزِ أَنَّهُ يَتَوَلَّدُ عَنْهُ أَضْدَادُ ذَلِكَ مِنْ تَخْدِيرِ الْبَدَنِ وَفُتُورِهِ وَمِنْ طُولِ السُّكُوتِ وَالنَّوْمِ وَعَدَمِ الْحِمْيَةِ

  31. وَفِي كِتَابُ السِّيَاسَةِ لِابْنِ تَيْمِيَّةَ أَنَّ الْحَدَّ وَاجِبٌ فِي الْحَشِيشَةِ كَالْخَمْرِ لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ جَمَادًا وَلَيْسَتْ شَرَابًا تَنَازَعَ الْفُقَهَاءُ فِي نَجَاسَتِهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ فقيل نجسة وهو الصحيح انتهى

  32. وقال بن بَيْطَارٍ وَمِنَ الْقِنَّبِ الْهِنْدِيِّ نَوْعٌ ثَالِثٌ يُقَالُ لَهُ الْقِنَّبُ وَلَمْ أَرَهُ بِغَيْرِ مِصْرَ وَيُزْرَعُ فِي الْبَسَاتِينِ وَيُسَمَّى بِالْحَشِيشَةِ أَيْضًا وَهُوَ يُسْكِرُ جِدًّا إِذَا تَنَاوَلَ مِنْهُ الْإِنْسَانُ يَسِيرًا قَدْرَ دِرْهَمٍ أَوْ دِرْهَمَيْنِ حَتَّى إِنَّ مَنْ أَكْثَرَ منه أخرجه إلى حد الرعونة وقد استعلمه قَوْمٌ فَاخْتَلَّتْ عُقُولُهُمْ وَأَدَّى بِهِمُ الْحَالُ إِلَى الْجُنُونِ وَرُبَّمَا قَتَلَتْ

  33. وَقَالَ الذَّهَبِيُّ الْحَشِيشَةُ كَالْخَمْرِ فِي النَّجَاسَةِ وَالْحَدِّ وَتَوَقَّفَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَنِ الْحَدِّ فِيهَا وَرَأَى فِيهَا التَّعْزِيرَ لِأَنَّهَا تُغَيِّرُ الْعَقْلَ مِنْ غَيْرِ طَرَبٍ كَالْبَنْجِ وَأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ لِلْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ فِيهَا كَلَامًا وَلَيْسَ ذَلِكَ بَلْ آكِلُوهَا يَحْصُلُ لَهُمْ نَشْوَةٌ وَاشْتِهَاءٌ كَشَرَابِ الْخَمْرِ وَلِكَوْنِهَا جَامِدَةً مَطْعُومَةً تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي نَجَاسَتِهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ فَقِيلَ هِيَ نَجِسَةٌ كَالْخَمْرِ الْمَشْرُوبَةِ وَهَذَا هُوَ الِاعْتِبَارُ الصَّحِيحُ وَقِيلَ لَا لِجُمُودِهَا وَقِيلَ يُفَرَّقُ بَيْنَ جَامِدِهَا وَمَائِعِهَا وَبِكُلِّ حَالٍ فَهِيَ دَاخِلَةٌ فِيمَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنَ الْخَمْرِ الْمُسْكِرِ لَفْظًا وَمَعْنًى

  34. قَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ يارسول اللَّهِ أَفْتِنَا فِي شَرَابَيْنِ كُنَّا نَصْنَعُهُمَا بِالْيَمَنِ الْبِتْعُ وَهُوَ مِنَ الْعَسَلِ يُنْبَذُ حَتَّى يَشْتَدَّ وَالْمِزْرُ وَهُوَ مِنَ الذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ يُنْبَذُ حَتَّى يشتد قال وكان رسول الله قد أعطى جوامع الكلم بخواتيمه فقال كل مسكر حرام وقال مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ نَوْعٍ وَنَوْعٍ كَكَوْنِهِ مَأْكُولًا أَوْ مَشْرُوبًا عَلَى أَنَّ الْخَمْرَ قَدْ تُؤْكَلُ بِالْخُبْزِ وَالْحَشِيشَةَ قَدْ تُذَابُ وَتُشْرَبُ انْتَهَى كَلَامُ الذَّهَبِيِّ

  35. هَذَا آخر كلام بن حجر المكي ملخصا

  36. قلت قول بن حَجَرٍ الْمَكِّيِّ هَذَا مُبَالَغَةٌ عَظِيمَةٌ فَإِنَّهُ عَدَّ الْعَنْبَرَ وَالزَّعْفَرَانَ مِنَ الْمُسْكِرَاتِ وَجَعَلَ اسْتِعْمَالَهَا مِنَ الْكَبَائِرِ كَالْخَمْرِ وَهَذَا كَلَامٌ بَاطِلٌ وَسَاقِطُ الِاعْتِبَارِ ولم يثبت

    ج ١٠ ص ١٠٠قَطُّ عَنِ الْأَئِمَّةِ الْقُدَمَاءِ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِالنَّبَاتِ سُكْرُهُمَا كَمَا سَيَجِيءُ وَقَدْ عَرَفْتَ مَعْنَى السُّكْرِ مِنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ وَلَيْسَ فِي تَعْرِيفِ السُّكْرِ تغطية العقل بنوع ما كما فهمه بن حَجَرٍ الْمَكِّيُّ بَلْ بِوَجْهٍ يُعَطِّلُ عَقْلَهُ الْمُمَيِّزَ بَيْنَ الْأُمُورِ الْحَسَنَةِ وَالْقَبِيحَةِ أَوْ مَعَ ذَلِكَ يَحْصُلُ لَهُ بِهِ الطَّرَبُ وَالنَّشَاطُ وَالْعَرْبَدَةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ

  37. وَقَوْلُهُ وَبِمَا قَرَّرْتُهُ فِي مَعْنَى الْإِسْكَارِ فِي هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يُنَافِي أَنَّ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ تُسَمَّى مُخَدِّرَةً

  38. قُلْتُ لَمْ يَثْبُتْ قَطُّ أَنَّ كُلَّ الْمَذْكُورَاتِ بِأَجْمَعِهَا فِيهَا سُكْرٌ وَثَبَتَ فِي مَحَلِّهِ أَنَّ السُّكْرَ غَيْرُ الْخَدَرِ فَإِطْلَاقُ السُّكْرِ عَلَى الْخَدَرِ غَيْرُ صَحِيحٍ فَإِنَّ الْخَدَرَ هُوَ الضَّعْفُ فِي الْبَدَنِ وَالْفَتَرَ الَّذِي يُصِيبُ الشَّارِبَ قَبْلَ السُّكْرِ كَمَا صَرَّحَ به بن الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ فَأَنَّى يَصِحُّ الْقَوْلُ بِأَنَّ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ تُسَمَّى مُسْكِرَةً وَمُخَدِّرَةً

  39. وَقَوْلُهُ وَالْأَصْلُ فِي تَحْرِيمِ كُلِّ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ إِلَى آخِرِهِ

  40. قُلْتُ إِنَّا نُسَلِّمُ أن النبي نَهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفَتِّرٍ بَلْ وَنَهَى عَنْ كُلِّ مُخَدِّرٍ أَيْضًا وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ مِنْهُ حَرَامٌ وما ثبت عنه أَنَّ مَا أَفْتَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ مِنْهُ حَرَامٌ أَوْ مَا خَدَّرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ مِنْهُ حَرَامٌ وَلَيْسَ الْمُسْكِرُ وَالْمُخَدِّرُ وَالْمُفَتِّرُ شَيْئًا وَاحِدًا وَالَّذِي يُسْكِرُ فَكَثِيرُهُ وَقَلِيلُهُ سَوَاءٌ فِي الْحُرْمَةِ وَالَّذِي يُفَتِّرُ أَوْ يُخَدِّرُ فَلَا يَحْرُمُ مِنْهُمَا إِلَّا قَدْرُ التَّفْتِيرِ أَوْ قَدْرُ التَّخْدِيرِ