- (باب في الغسل للجمعة)
٧٢ فقرة، ج ٢ ص ٣
الصفحة ١ من ٢
- ج ٢ ص ٣
[٣٤٠] هَلْ هُوَ وَاجِبٌ يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ أَمْ لَا
-
(بَيْنَا هُوَ يَخْطُبُ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بَيْنَمَا
-
وَبَيْنَا أَصْلُهُ بَيْنَ وَأُشْبِعَتْ فَتْحَةُ النُّونِ فَصَارَ بَيْنَا وَقَدْ تَبْقَى بِلَا إِشْبَاعٍ وَيُزَادُ فِيهَا مَا فَتَصِيرُ بَيْنَمَا وَهُمَا ظَرْفَا زَمَانٍ بِمَعْنَى الْمُفَاجَآتِ (إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ) هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ بَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذْ دَخَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَعَرَّضَ بِهِ عُمَرُ
-
وَقَوْلُهُ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ جَوَابُ بَيْنَا (فَقَالَ عُمَرُ أَتَحْتَبِسُونَ عَنِ الصَّلَاةِ) أَيْ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا فَإِنْكَارُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَجْلِ احْتِبَاسِهِ عَنِ التَّبْكِيرِ (فَقَالَ الرَّجُلُ) أَيْ عُثْمَانُ (مَا هُوَ) أَيِ الِاحْتِبَاسُ (إِلَّا أَنْ سَمِعْتُ النِّدَاءَ) أَيِ الْأَذَانَ (فَتَوَضَّأْتُ) وَحَضَرْتُ الصَّلَاةَ وَلَمْ أَشْتَغِلْ بِشَيْءٍ بَعْدَ أَنْ سَمِعْتُ الْأَذَانَ إِلَّا بِالْوُضُوءِ (فَقَالَ عُمَرُ الْوُضُوءَ) هَذَا إِنْكَارٌ آخَرُ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ أَوِ السُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ وَهِيَ الْغُسْلُ
-
وَقَوْلُهُ الْوُضُوءَ جَاءَتِ الرِّوَايَاتُ فِيهَا بِالْوَاوِ وَحَذْفِهَا فَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَالْوُضُوءَ بِالْوَاوِ وَفِي رِوَايَةِ الْمُوَطَّأِ الْوُضُوءَ بِحَذْفِ الْوَاوِ
-
قَالَ الحافظ بن حَجَرٍ وَالْوُضُوءَ فِي رِوَايَتِنَا بِالنَّصْبِ وَالْمَعْنَى أَيْ تَتَوَضَّأُ الْوُضُوءَ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ وَجَوَّزَ الْقُرْطُبِيُّ الرَّفْعَ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ أَيِ الْوُضُوءُ تَقْتَصِرُ عَلَيْهِ أَوْ هُوَ خَبَرٌ مُبْتَدَؤُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ كِفَايَتُكَ الْوُضُوءُ (أَيْضًا) مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ مِنْ آضَ يَئِيضُ أَيْ عَادَ وَرَجَعَ
-
قال بن السِّكِّيتِ تَقُولُ فَعَلْتُهُ أَيْضًا إِذَا كُنْتَ قَدْ فَعَلْتَهُ بَعْدَ شَيْءٍ آخَرَ كَأَنَّكَ أَفَدْتَ بِذِكْرِهِمَا الْجَمْعَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ أَوِ الْأُمُورِ
-
ذَكَرَهُ الْعَلَّامَةُ العيني قال
ج ٢ ص ٤السُّيُوطِيُّ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لَفْظَ أَيْضًا عَرَبِيَّةٌ وَقَدْ تَوَقَّفَ بِهِ جَمَالُ الدِّينِ بْنُ هِشَامٍ
-
قُلْتُ وَفِي حَدِيثِ سَمُرَةَ فِي الْكُسُوفِ أَنَّ الشَّمْسَ اسْوَدَّتْ حَتَّى آضَتْ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ أَيْ صَارَتْ وَرَجَعَتْ
-
وَقَدْ أَثْبَتَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ كَمَا يَظْهَرُ مِنَ اللِّسَانِ
-
وَالْمَعْنَى أَلَمْ يَكْفِكَ أَنْ فَاتَكَ فَضْلُ الْمُبَادَرَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ حَتَّى أَضَفْتَ إِلَيْهِ تَرْكَ الْغُسْلِ وَاقْتَصَرْتَ عَلَى الوضوء أيضا (أو لم تَسْمَعُوا) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَالْوَاوِ الْعَاطِفَةِ (إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ) الْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْغُسْلَ يَعْقُبُ الْمَجِيءَ وَلَيْسَ ذَلِكَ الْمُرَادَ وَإِنَّمَا التَّقْدِيرُ إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ وَقَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي رِوَايَةٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْتِيَ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ قَالَ الحافظ بن حَجَرٍ وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى إِذَا نَاجَيْتُمُ الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة فَإِنَّ الْمَعْنَى إِذَا أَرَدْتُمُ الْمُنَاجَاةَ بِلَا خِلَافٍ
-
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ غُسْلَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ غَيْرُ وَاجِبٍ وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَأَشْبَهَ أَنْ يَأْمُرَ عُمَرُ عُثْمَانَ أَنْ يَنْصَرِفَ فَيَغْتَسِلَ فَدَلَّ سُكُوتُ عُمَرَ وَمَنْ حَضَرَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِهِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ دُونَ الْوُجُوبِ وَلَيْسَ يَجُوزُ عَلَى عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَمَنْ بِحَضْرَتِهِمَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ أَنْ يَجْتَمِعُوا عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ
-
انْتَهَى
-
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَعَلَى هَذَا الْجَوَابِ عَوَّلَ أَكْثَرُ الْمُصَنِّفِينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَابْنِ خزيمة والطبراني والطحاوي وبن حبان وبن عَبْدِ الْبَرِّ وَهَلُمَّ جَرًّا وَزَادَ بَعْضُهُمْ فِيهِ أَنَّ مَنْ حَضَرَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَافَقُوهُمَا عَلَى ذَلِكَ فَكَانَ إِجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ قَوِيٌّ
-
انْتَهَى
-
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ
-
[٣٤١] (غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ وُجُوبَ الِاخْتِيَارِ وَالِاسْتِحْبَابِ دُونَ وُجُوبِ الْفَرْضِ كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ لِصَاحِبِهِ حَقُّكَ عَلَيَّ وَاجِبٌ وَأَنَا أُوجِبُ حَقَّكَ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَعْنَى اللُّزُومِ وَالَّذِي لَا يَسَعُ غَيْرُهُ وَيَشْهَدُ لِصِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ حَدِيثُ عُمَرَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذكره انتهى
-
قال بن دَقِيقِ الْعِيدِ فِي شَرْحِ عُمْدَةِ الْأَحْكَامِ ذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى اسْتِحْبَابِ غُسْلِ الْجُمُعَةِ وَهُمْ مُحْتَاجُونَ إِلَى الِاعْتِذَارِ عَنْ مُخَالَفَةِ هَذَا الظَّاهِرِ وَقَدْ أَوَّلُوا صِيغَةَ الْأَمْرِ عَلَى النَّدْبِ وَصِيغَةَ الْوُجُوبِ عَلَى التَّأْكِيدِ كَمَا يُقَالُ إِكْرَامُكَ عَلَيَّ وَاجِبٌ وَهُوَ تَأْوِيلٌ ضَعِيفٌ إِنَّمَا يُصَارُ إِلَيْهِ إِذَا كان
ج ٢ ص ٥الْمُعَارِضُ رَاجِحًا عَلَى هَذَا الظَّاهِرِ وَأَقْوَى مَا عَارَضُوا بِهِ هَذَا الظَّاهِرَ حَدِيثُ مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ وَلَا يُعَارِضُ سَنَدُهُ سَنَدَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ انْتَهَى (عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ) أَيْ بَالِغٍ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الِاحْتِلَامَ لِكَوْنِهِ الْغَالِبَ وَتَفْسِيرُهُ بِالْبَالِغِ مَجَازٌ لأن الاحتلام يستلزم البلوغ والقرينة الماسة عَنِ الْحَمْلِ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَنَّ الِاحْتِلَامَ إِذَا كَانَ مَعَهُ الْإِنْزَالُ مُوجِبٌ لِلْغُسْلِ سَوَاءٌ كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَمْ لَا
-
ذَكَرَهُ الزُّرْقَانِيُّ
-
قَالَ المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وبن مَاجَهْ
-
[٣٤٢] (رَوَاحُ الْجُمُعَةِ) الرَّوَاحُ ضِدُّ الصَّبَاحِ وَهُوَ اسْمٌ لِلْوَقْتِ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ إِلَى اللَّيْلِ كَذَا ذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ لَكِنْ أَنْكَرَ الْأَزْهَرِيُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الرَّوَاحَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ وَنَقَلَ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ رَاحَ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ بِمَعْنَى ذَهَبَ قَالَ وَهِيَ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَنَقَلَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْغَرِيبَيْنِ نَحْوَهُ (وَعَلَى كُلِّ مَنْ رَاحَ الْجُمُعَةَ الْغُسْلُ) الْغُسْلُ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ وَعَلَى كُلِّ مَنْ رَاحَ الْجُمُعَةَ خَبَرُهُ
-
وَهَذَا الْحَدِيثُ عَامٌّ مَخْصُوصٌ مِنْهُ الْبَعْضُ فَإِنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ لَا تَجِبُ عَلَى الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَإِنْ كَانُوا بَالِغِينَ
-
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ حَسَنٌ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ (إِذَا اغْتَسَلَ الرَّجُلُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَجْزَأَهُ مِنْ غُسْلِ الْجُمُعَةِ وَإِنْ أَجْنَبَ) وَأَمَّا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَلَا لِأَنَّ طُلُوعَ الْفَجْرِ أَوَّلُ الْيَوْمِ شَرْعًا فَمَنِ اغْتَسَلَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَا يُجْزِئُ عَنِ الْجُمُعَةِ لِأَنَّهُ اغتسل قبل مجيء الوقت
-
قال بن الْمُنْذِرِ أَكْثَرُ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ يُجْزِئُ غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ لِلْجَنَابَةِ وَالْجُمُعَةِ
-
وقال بن بطال رويناه عن بن عُمَرَ وَمُجَاهِدٍ وَمَكْحُولٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ
-
وَقَالَ أَحْمَدُ أَرْجُو أَنْ يَجْزِيَهُ
-
وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ وَغَيْرِهِ وَبِهِ قَالَ الْمُزَنِيُّ وَعَنْ أَحْمَدَ لَا يَجْزِيهُ عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ حَتَّى يَنْوِيَهَا وهو قول مالك في المدونة وذكره بن عبد الحكم
-
وذكر بن الْمُنْذِرِ عَنْ بَعْضِ وَلَدِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِلْجَنَابَةِ اغْتَسَلَ للجمعة
-
قاله العيني في عمدة القارىء
ج ٢ ص ٦[٣٤٣] (وَهَذَا حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ) الْحَاصِلُ أَنَّ يَزِيدَ وَعَبْدَ الْعَزِيزِ كِلَاهُمَا يَرْوِيَانِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ وَأَمَّا مُوسَى فَيَرْوِي عَنْ حَمَّادٍ ثُمَّ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ كِلَاهُمَا يَرْوِيَانِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ لَكِنْ هَذَا الْحَدِيثَ الْمَرْوِيَّ هُوَ لَفْظُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ وَلَيْسَ لَفْظَ حَمَّادِ (قَالَ يَزِيدُ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ فِي حَدِيثِهِمَا) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حَمْدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَا) وَأَمَّا مُوسَى بْنُ سَلَمَةَ فَخَالَفَ فِي بَعْضِ الْإِسْنَادِ (وَلَبِسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ) وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ التَّجَمُّلِ وَالزِّينَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ الَّذِي هُوَ عِيدٌ لِلْمُسْلِمِينَ (فَلَمْ يَتَخَطَّ أَعْنَاقَ النَّاسِ) أَيْ لَمْ يَتَجَاوَزْ رِقَابَ النَّاسِ وَلَمْ يُؤْذِهِمْ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ التَّبْكِيرِ أَيْ عَلَى الْمُصَلِّي أَنْ يُبَكِّرَ فَلَا يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ وَلَا يُفَرِّقُ بين اثنين ولا يزاحم رجلين فيدخل بينهمالأنه رُبَّمَا ضَيَّقَ عَلَيْهِمَا خُصُوصًا فِي شِدَّةِ الْحَرِّ وَاجْتِمَاعِ الْأَنْفَاسِ (ثُمَّ صَلَّى مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ) أَيْ يُصَلِّي مَا شَاءَ
-
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ قَبْلَ الْجُمُعَةِ مَخْصُوصَةٌ مُؤَكَّدَةٌ رَكْعَتَانِ أَوْ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ مَثَلًا كَالسُّنَّةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ فَالْمُصَلِّي إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ مَا شَاءَ مُتَنَفِّلًا
-
وَأَمَّا ما رواه بن ماجه عن بن عباس قال كان النبي يَرْكَعُ مِنْ قَبْلِ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا لَا يَفْصِلُ فِي شَيْءٍ مِنْهُنَّ فَفِي إِسْنَادِهِ بَقِيَّةُ وَمُبَشِّرُ بْنُ عُبَيْدٍ وَالْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ وَعَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ وَكُلُّهُمْ مُتَكَلَّمٌ فِيهِ (ثُمَّ أَنْصَتَ) يُقَالُ أَنْصَتَ إِذَا سَكَتَ وَأَنْصَتَهُ إِذَا أَسْكَتَهُ فَهُوَ لَازِمٌ ومتعد والأول المراد ها هنا (حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ) أَيْ يَفْرُغَ الْمُصَلِّي أَوِ الْإِمَامُ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ (كَانَتْ) هَذِهِ الْمَذْكُورَاتُ مِنْ الْغُسْلِ وَلُبْسِ أَحْسَنِ الثِّيَابِ وَمَسِّ الطِّيبِ وَعَدَمِ التَّخَطِّي وَالصَّلَاةِ النَّافِلَةِ وَالْإِنْصَاتِ (كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهَا) أَيِ الْجُمُعَةِ الْحَاضِرَةِ (وَبَيْنَ جُمُعَتِهِ الَّتِي قَبْلَهَا) قَالَ الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ يُرِيدُ بِذَلِكَ مَا بَيْنَ السَّاعَةِ الَّتِي يُصَلِّي فِيهَا الْجُمُعَةَ إِلَى مِثْلِهَا مِنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الطَّرَفَانِ وَهُمَا يَوْمُ الْجُمُعَةِ غَيْرَ دَاخِلَيْنِ فِي الْعَدَدِ لَكَانَ لَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ
ج ٢ ص ٧عَدَدِ الْمَحْسُوبِ أَكْثَرُ مِنْ سِتَّةِ أَيَّامٍ وَلَوْ أَرَادَ مَا بَيْنَهُمَا عَلَى مَعْنَى إِدْخَالِ الطَّرَفَيْنِ فِيهِ بَلَغَ الْعَدَدُ ثَمَانِيَةً فَإِذَا ضُمَّتْ إِلَيْهَا الثَّلَاثَةُ الْمَزِيدَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا أَبُو هُرَيْرَةَ صَارَ جُمْلَتُهَا إِمَّا أَحَدَ عَشَرَ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَإِمَّا تِسْعَةَ أَيَّامٍ عَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا قُلْنَاهُ عَلَى سَبِيلِ التَّكْسِيرِ لِلْيَوْمِ لِيَسْتَقِيمَ الْأَمْرُ فِي تَكْمِيلِ عَدَدِ الْعَشَرَةِ
-
انْتَهَى كَلَامُهُ (قَالَ وَيَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَيَقُولُ إِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا) قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَقُولَةَ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرَّاوِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
-
فَإِنْ قُلْتَ تَكْفِيرُ الذُّنُوبِ الْمَاضِيَةِ بِالْحَسَنَاتِ وَبِالتَّوْبَةِ وَبِتَجَاوُزِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَكْفِيرُ الذُّنُوبِ الْأَيَّامَ الثَّلَاثَ الْآتِيَةَ الزَّائِدَةَ عَلَى الْأُسْبُوعِ هُوَ تَكْفِيرُ الذَّنْبِ قَبْلَ وُقُوعِهِ فَكَيْفَ يُعْقَلُ قُلْتُ الْمُرَادُ عَدَمُ الْمُؤَاخَذَةِ بِهِ إِذَا وَقَعَ وَمِنْهُ مَا وَرَدَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي مَغْفِرَةِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الذَّنْبِ وَمَا تَأَخَّرَ
-
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مُخْتَصَرًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَدْرَجَ وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَدِيثِ
-
[٣٤٤] (الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ (وَالسِّوَاكُ) بِالرَّفْعِ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ الْغُسْلُ (وَيَمَسُّ مِنَ الطِّيبِ) قَالَ النَّوَوِيُّ مَعْنَاهُ وَيُسَنُّ لَهُ سِوَاكٌ وَمَسُّ الطِّيبِ (مَا قُدِّرَ لَهُ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ
-
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ يَحْتَمِلُ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ إِرَادَةَ التَّأْكِيدِ لِيَفْعَلَ مَا أَمْكَنَهُ وَيَحْتَمِلُ إِرَادَةَ الْكَثْرَةِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ الْآتِي وَلَوْ مِنْ طِيبِ الْمَرْأَةِ لِأَنَّهُ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ لِلرِّجَالِ وَهُوَ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ وَخَفِيَ رِيحُهُ فَإِبَاحَتُهُ لِلرَّجُلِ لِأَجْلِ عَدَمِ غَيْرِهِ يَدُلُّ عَلَى تَأَكُّدِ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ (أَنَّ بُكَيْرًا لَمْ يَذْكُرْ) وَاسِطَةً (عَبْدَ الرَّحْمَنِ) بَيْنَ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ كَمَا ذَكَرَهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ (وَقَالَ) بُكَيْرٌ (وَلَوْ مِنْ طِيبِ الْمَرْأَةِ) وَهُوَ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ وَخَفِيَ رِيحُهُ وَهُوَ الْمَكْرُوهُ لِلرِّجَالِ فَأَبَاحَهُ لِلرِّجَالِ لِلضَّرُورَةِ لِعَدَمِ غَيْرِهِ
ج ٢ ص ٨وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ غُسْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِلتَّصْرِيحِ فِيهِ بِلَفْظِ الْوَاجِبِ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ
-
وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ بِاعْتِبَارِ اقْتِرَانِهِ بِالسِّوَاكِ وَمَسِّ الطِّيبِ
-
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ ظَاهِرُ وُجُوبِ الِاسْتِنَانِ وَالطِّيبِ لِذِكْرِهِمَا بِالْعَاطِفِ فَالتَّقْدِيرُ الْغُسْلُ وَاجِبٌ وَالِاسْتِنَانُ وَالطِّيبُ كَذَلِكَ
-
قَالَ وَلَيْسَا بِوَاجِبَيْنِ اتِّفَاقًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ لَيْسَ بواجب إذ لا يصح تغريك مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ بِالْوَاجِبِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ انْتَهَى وتعقبه بن الْجَوْزِيِّ بِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ عَطْفُ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى الْوَاجِبِ لَا سِيَّمَا وَلَمْ يَقَعِ التصريح بحكم المعطوف
-
وقال بن الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ إِنْ سَلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَاجِبِ الْفَرْضُ لَمْ يَنْفَعْ دَفْعُهُ بِعَطْفِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ لِأَنَّ لِلْقَائِلِ أَنْ يَقُولَ أُخْرِجَ بِدَلِيلٍ فَبَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ