باب ما يستفتح به الصلاة من الدعاء)
٦٦ فقرة، ج ٢ ص ٣٢٨
الصفحة ١ من ٢
- ج ٢ ص ٣٢٨
(إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ كَبَّرَ ثُمَّ قَالَ وَجَّهْتُ وَجْهِيَ) هَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ هَذَا التَّوْجِيهَ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ لَا كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْبَعْضُ مِنْ أَنَّهُ قَبْلَ التَّكْبِيرَةِ وَاعْلَمْ أَنَّ بن حِبَّانَ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَالَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَقَيَّدَهُ أَيْضًا بِالْمَكْتُوبَةِ وَكَذَا غَيْرُهُمَا وَأَمَّا مُسْلِمٌ فَقَيَّدَهُ بِصَلَاةِ اللَّيْلِ وَزَادَ لَفْظَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ
-
قَالَهُ الْعَلَّامَةُ الشَّوْكَانِيُّ (وَجَّهْتُ وَجْهِي) أَيْ تَوَجَّهْتُ بِالْعِبَادَةِ بِمَعْنَى أَخْلَصْتُ عِبَادَتِي لِلَّهِ وَقِيلَ صَرَفْتُ وَجْهِي وَعَمَلِي وَنِيَّتِي أَوْ أَخْلَصْتُ قَصْدِي وَوِجْهَتِي (للذي فطر السماوات وَالْأَرْضِ) أَيْ إِلَى الَّذِي خَلَقَهُمَا وَعَمِلَهُمَا مِنْ غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ (حَنِيفًا) حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ وَجَّهْتُ أَيْ مَائِلًا عَنْ كُلِّ دِينٍ بَاطِلٍ إِلَى الدِّينِ الْحَقِّ ثَابِتًا عَلَيْهِ وَهُوَ عِنْدَ الْعَرَبِ غَلَبَ عَلَى مَنْ كَانَ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ (مُسْلِمًا) أَيْ مُنْقَادًا مُطِيعًا لِأَمْرِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) فِيهِ تَأْكِيدٌ وَتَعْرِيضٌ (إِنَّ صَلَاتِي) أَيْ عِبَادَتِي وصلاتي
ج ٢ ص ٣٢٩وَفِيهِ شَائِبَةُ تَعْلِيلٍ لِمَا قَبْلَهُ (وَنُسُكِي) أَيْ دِينِي وَقِيلَ عِبَادَتِي أَوْ تَقَرُّبِي أَوْ حَجِّي (وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي) أَيْ حَيَاتِي وَمَوْتِي وَالْجُمْهُورُ عَلَى فتح الياء الآخرة في محياي وقرأ بِإِسْكَانِهَا (وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ) أَيْ بِالتَّوْحِيدِ الْكَامِلِ الشَّامِلِ لِلْإِخْلَاصِ قَوْلًا وَاعْتِقَادًا (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) قَالَ الشافعي لأنه كَانَ أَوَّلُ مُسْلِمِي هَذِهِ الْأُمَّةِ وَفِي رِوَايَةٍ لمسلم وأنا من المسلمين (اللهم) أي ياالله وَالْمِيمُ بَدَلٌ عَنْ حَرْفِ النِّدَاءِ وَلِذَا لَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا إِلَّا فِي الشِّعْرِ (أَنْتَ الْمَلِكُ) أَيِ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ الْمَالِكُ الْحَقِيقِيُّ لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ (وَأَنَا عَبْدُكَ) أَيْ مُعْتَرِفٌ بِأَنَّكَ مالكي ومديري وَحُكْمُكَ نَافِذٌ فِيَّ (ظَلَمْتُ نَفْسِي) أَيِ اعْتَرَفْتُ بِالتَّقْصِيرِ قَدَّمَهُ عَلَى سُؤَالِ الْمَغْفِرَةِ أَدَبًا كَمَا قَالَ آدَمُ وَحَوَّاءُ (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ) أَيْ أَرْشِدْنِي لِصَوَابِهَا وَوَفِّقْنِي لِلتَّخَلُّقِ بِهَا (وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا) أَيْ قَبِيحَهَا (لَبَّيْكَ) قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَاهُ أَنَا مُقِيمٌ عَلَى طَاعَتِكَ إِقَامَةً بَعْدَ إِقَامَةٍ يُقَالُ لَبَّ بِالْمَكَانِ لَبًّا وَأَلَبَّ إِلْبَابًا أَيْ أَقَامَ بِهِ وَأَصْلُ لَبَّيْكَ لَبَّيْنِ حُذِفَتِ النُّونُ لِلْإِضَافَةِ وَسَعْدَيْكَ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ مَعْنَاهُ مُسَاعَدَةٌ لِأَمْرِكَ بَعْدَ مُسَاعَدَةٍ وَمُتَابَعَةٍ لِدِينِكَ بَعْدَ مُتَابَعَةٍ (وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ فِيهِ الْإِرْشَادُ إِلَى الْأَدَبِ فِي الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَمَدْحِهِ بِأَنْ يُضَافَ إِلَيْهِ مَحَاسِنُ الْأُمُورِ دُونَ مَسَاوِيهَا عَلَى جِهَةِ الْأَدَبِ
-
وَأَمَّا قَوْلُهُ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ فَمِمَّا يَجِبُ تَأْوِيلُهُ لِأَنَّ مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّ كُلَّ الْمُحْدَثَاتِ فِعْلُ اللَّهِ تَعَالَى وَخَلْقُهُ سَوَاءٌ خَيْرُهَا وَشَرُّهَا وَحِينَئِذٍ يَجِبُ تَأْوِيلُهُ وَفِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا مَعْنَاهُ لَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَيْكَ قَالَهُ الْخَلِيلُ بن أحمد والنضر بن شميل وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خُزَيْمَةَ وَالْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَالثَّانِي حَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنِ الْمُزَنِيِّ وَقَالَهُ غَيْرُهُ أَيْضًا مَعْنَاهُ لَا يُضَافُ إِلَيْكَ عَلَى انْفِرَادِهِ لَا يُقَالُ يَا خَالِقَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ وَيَا رب الشر ونحو هذا وَإِنْ كَانَ خَالِقَ كُلِّ شَيْءٍ وَرَبَّ كُلِّ شيء وحينئذ يدخل الشَّرِّ فِي الْعُمُومِ
-
وَالثَّالِثُ مَعْنَاهُ الشَّرُّ لَا يَصْعَدُ إِلَيْكَ وَإِنَّمَا يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ
-
وَالرَّابِعُ مَعْنَاهُ وَالشَّرُّ لَيْسَ شَرًّا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْكَ فَإِنَّكَ خَلَقْتَهُ بِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ وَإِنَّمَا هُوَ شَرٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ
-
وَالْخَامِسُ حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ أَنَّهُ كَقَوْلِكَ فُلَانٌ إِلَى بَنِي فُلَانٍ إِذَا كان عداده فيهم أو ضعوه معهم
ج ٢ ص ٣٣٠(أنابك وَإِلَيْكَ) أَيْ تَوْفِيقِي بِكَ وَالْتِجَائِي وَانْتِمَائِي إِلَيْكَ (تَبَارَكْتَ) أَيِ اسْتَحْقَقْتَ الثَّنَاءَ وَقِيلَ ثَبَتَ الْخَيْرُ عندك
-
وقال بن الْأَنْبَارِيِّ تُبَارِكُ الْعِبَادَ بِتَوْحِيدِكَ
-
وَقِيلَ تَعَظَّمْتَ وَتَمَجَّدْتَ أَوْ جِئْتَ بِالْبَرَكَةِ أَوْ تَكَاثَرَ خَيْرُكَ وَأَصْلُ الْكَلِمَةِ لِلدَّوَامِ وَالثَّبَاتِ (وَلَكَ أَسْلَمْتُ) أَيْ لَكَ ذَلَلْتُ وَانْقَدْتُ أَوْ لَكَ أَخْلَصْتُ وَجْهِي أَوْ لَكَ خَذَلْتُ نَفْسِي وَتَرَكْتُ أَهْوَاءَهَا (خَشَعَ لَكَ) أَيْ خَضَعَ وَتَوَاضَعَ أَوْ سَكَنَ (سَمْعِي) فَلَا يَسْمَعُ إِلَّا مِنْكَ (وَبَصَرِي) فَلَا يَنْظُرُ إِلَّا بِكَ وَإِلَيْكَ وَتَخْصِيصُهُمَا مِنْ بَيْنِ الْحَوَاسِّ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْآفَاتِ بِهِمَا فَإِذَا خَشَعَتَا قَلَّتِ الْوَسَاوِسُ
-
قاله بن الملك (ومخي) قال بن رَسْلَانَ الْمُرَادُ بِهِ هُنَا الدِّمَاغُ وَأَصْلُهُ الْوَدَكُ الَّذِي فِي الْعَظْمِ وَخَالِصُ كُلِّ شَيْءٍ (وَعِظَامِي وَعَصَبِي) فَلَا يَقُومَانِ وَلَا يَتَحَرَّكَانِ إِلَّا بِكَ فِي طَاعَتِكَ
-
وَهُنَّ عُمُدُ الْحَيَوَانِ وَأَطْنَابُهُ وَاللَّحْمُ والشحم غاد ورائح (ملأ السماوات وَالْأَرْضِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَنَصْبِ الْهَمْزَةِ وَرَفْعِهَا وَالنَّصْبُ أَشْهَرُ قَالَهُ النَّوَوِيُّ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ وَقِيلَ حَالٌ أَيْ حَالُ كَوْنِهِ مَالِئًا لِتِلْكَ الْأَجْرَامِ عَلَى تَقْدِيرِ تَجَسُّمِهِ وَبِالرَّفْعِ صِفَةُ الْحَمْدِ قَالَهُ في المرقاة (وملأ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ) أَيْ بَعْدَ ذَلِكَ كَالْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا لَمْ يَعْلَمْهُ إِلَّا اللَّهُ وَالْمُرَادُ الِاعْتِنَاءُ فِي تَكْثِيرِ الْحَمْدِ (أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) أَيِ الْمُصَوِّرِينَ وَالْمُقَدِّرِينَ فَإِنَّهُ الْخَالِقُ الْحَقِيقِيُّ الْمُنْفَرِدُ بِالْإِيجَادِ وَالْإِمْدَادِ
-
وَغَيْرِهِ إِنَّمَا يُوجِدُ صُوَرًا مُمَوَّهَةً لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ حَقِيقَةِ الْخَلْقِ مَعَ أَنَّهُ تَعَالَى خَالِقُ كُلِّ صَانِعٍ وَصَنْعَتِهِ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ وَاللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
-
(وَإِذَا سَلَّمَ مِنَ الصَّلَاةِ قَالَ اللَّهُمَّ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ثُمَّ يَكُونُ مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ اللَّهُمَّ (وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ) أَيْ جَمِيعَ الذُّنُوبِ لِأَنَّهَا إِمَّا سِرٌّ وَإِمَّا عَلَنٌ (وَمَا أَسْرَفْتُ) أَيْ جَاوَزْتُ الْحَدَّ (وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي) أَيْ مِنْ ذُنُوبِي وَإِسْرَافِي فِي أُمُورِي وغير ذلك
ج ٢ ص ٣٣١(أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَالْمُؤَخِّرُ) أَيْ تُقَدِّمُ مَنْ شِئْتَ بِطَاعَتِكَ وَغَيْرِهَا وَتُؤَخِّرُ مَنْ شِئْتَ عَنْ ذَلِكَ كَمَا تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُكَ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ
-
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الِاسْتِفْتَاحِ بِمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ
-
قَالَ النَّوَوِيُّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ إِمَامًا لِقَوْمٍ لَا يَرَوْنَ التَّطْوِيلَ
-
قال المنذري أخرجه مسلم والترمذي والنسائي وبن ماجه مختصرا
-
ــ
-
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
-
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه اللَّه وَاخْتُلِفَ فِي وَقْت هَذَا الدُّعَاء الَّذِي فِي آخِر الصَّلَاة فَفِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ كَمَا ذَكَرَهُ هُنَا قَالَ وَإِذَا سَلَّمَ قَالَ وَفِي صَحِيح مُسْلِمٍ رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا ثُمَّ يَكُون مِنْ آخِر مَا يَقُول بَيْن التَّشَهُّد وَالتَّسْلِيم اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي إِلَى آخِره وَالرِّوَايَة الثَّانِيَة قَالَ وَإِذَا سَلَّمَ قَالَ اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي كَمَا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ
-
وَفِي هَذَا الْحَدِيث شَيْء آخَر وَهُوَ أَنَّ مُسْلِمًا أَدْخَلَهُ فِي بَاب صَلَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاللَّيْلِ وَظَاهِر هَذَا أَنَّ هَذَا الِافْتِتَاح كَانَ في قيام الليل وقال الترمذي وبن حِبَّانَ فِي صَحِيحه فِي هَذَا الْحَدِيث كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قَامَ إِلَى الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة كَبَّرَ ثُمَّ قَالَ الْحَدِيث وَرَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اِسْتَفْتَحَ الصَّلَاة كَبَّرَ ثُمَّ قَالَ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ
ج ٢ ص ٣٣٢[٧٦٢] (فَإِذَا قُلْتَ أَنْتَ ذَاكَ فَقُلْ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) أَيْ وَلَا تَقُلْ أَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ قَالَ فِي الِانْتِصَارِ إِنَّ غَيْرَ النَّبِيِّ إِنَّمَا يَقُولُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ وَهْمٌ مَنْشَؤُهُ تَوَهُّمُ أَنَّ مَعْنَى وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ أَنِّي أَوَّلُ شَخْصٍ أَتَّصِفُ بِذَلِكَ بَعْدَ أَنْ كَانَ النَّاسُ بِمَعْزِلٍ عَنْهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مَعْنَاهُ بَيَانُ الْمُسَارَعَةِ فِي الِامْتِثَالِ لِمَا أُمِرَ بِهِ وَنَظِيرُهُ قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أول العابدين وقال موسى وأنا أول المؤمنين قَالَهُ فِي النَّيْلِ [٧٦٣] (وَقَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ يُرِيدُ أَنَّهُ قَدْ جَهِدَهُ النَّفَسُ وَأَعْجَلَهُ مِنْ شِدَّةِ السَّعْيِ إِلَى الصَّلَاةِ
-
وَأَصْلُ الْحَفْزِ الدَّفْعُ الْعَنِيفُ (فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًا) قَالَ الطِّيبِيُّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ أَيْ لَمْ يَتَفَوَّهْ بِمَا يُؤْخَذُ عَلَيْهِ وَأَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا أَيْ مَا قَالَ قَوْلًا يَشْدُدْ عَلَيْهِ (فَقُلْتُهَا) أَيِ الْكَلِمَاتِ (لَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا) يَعْنِي يَسْبِقُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي كَتْبِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ وَرَفْعِهَا إِلَى حَضْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِعِظَمِهَا وَعِظَمِ قَدْرِهَا (أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ أَيْ يَبْتَدِرُونَهَا وَيَسْتَعْجِلُونَ أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا
-
قَالَ أَبُو الْبَقَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يكفل مريم أَيُّهُمْ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ فِي مَوْضِعِ نَصَبٍ أَيْ يَقْتَرِعُونَ أَيُّهُمْ فَالْعَامِلُ فِيهِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ يُلْقُونَ
-
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
-
[٧٦٤] (قَالَ عمرو) أي بن مُرَّةَ (اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا) حَالٌ مُؤَكَّدَةٌ وَقِيلَ منصوب على القطع من اسم
-
ــ
-
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
-
وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيك لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْت وَأَنَا أَوَّل الْمُسْلِمِينَ وَذَكَرَ دُعَاء بَعْده
-
قَالَ النَّسَائِيُّ هَذَا حَدِيث حِمَّصِيٍّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة ثُمَّ إِلَى مَكَّةَ
ج ٢ ص ٣٣٣الله وقيل بِإِضْمَارِ أَكْبَرَ وَقِيلَ صِفَةٌ لِلْمَحذُوفِ أَيْ تَكْبِيرًا كَبِيرًا (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا) صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ أَيْ حَمْدًا كَثِيرًا (وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) أَيْ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَآخِرِهِ مَنْصُوبَانِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ وَالْعَامِلُ سُبْحَانَ
-
وَخَصَّ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ لِاجْتِمَاعِ مَلَائِكَةِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِيهِمَا كَذَا ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ وَصَاحِبُ الْمَفَاتِيحِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (ثَلَاثًا) قَيْدٌ لِلْكُلِّ كَذَا فِي الْمَفَاتِيحِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَيْدًا لِلْأَخِيرِ بَلْ هُوَ الظَّاهِرُ لِاسْتِغْنَاءِ الْأَوَّلَيْنِ عَنِ التَّقْيِيدِ لَهُمَا بِتَلَفُّظِهِ ثَلَاثًا (مِنْ نَفْخِهِ وَنَفْثِهِ وَهَمْزِهِ) بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنَ الشَّيْطَانِ (قَالَ) أَيْ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ (نَفْثُهُ الشِّعْرُ) وَإِنَّمَا كَانَ الشِّعْرُ مِنْ نَفْثَةِ الشَّيْطَانِ لِأَنَّهُ يَدْعُو الشُّعَرَاءَ الْمَدَّاحِينَ الْهَجَّائِينَ الْمُعَظِّمِينَ الْمُحَقِّرِينَ إِلَى ذَلِكَ وَقِيلَ الْمُرَادُ شَيَاطِينُ الْإِنْسِ وَهُمُ الشُّعَرَاءُ الَّذِينَ يَخْتَلِقُونَ كَلَامًا لَا حَقِيقَةَ لَهُ
-
وَالنَّفْثُ فِي اللُّغَةِ قَذْفُ الرِّيقِ وَهُوَ أَقَلُّ مِنَ التَّفْلِ (وَنَفْخُهُ الْكِبْرُ) وَإِنَّمَا فُسِّرَ النَّفْخُ بِالْكِبْرِ لِأَنَّ المتكبر يتعاظم لاسيما إِذَا مُدِحَ (وَهَمْزُهُ الْمُوتَةُ) بِسُكُونِ الْوَاوِ بِدُونِ همز والمراد بها ها هنا الْجُنُونُ
-
وَالْهَمْزُ فِي اللُّغَةِ الْعَصْرُ يُقَالُ هَمَزْتُ الشَّيْءَ فِي كَفِّي أَيْ عَصَرْتُهُ وَهَمْزُ الْإِنْسَانِ اغتيابه
-
قال المنذري وأخرجه بن ماجه
-
[٧٦٦] (بأي شيء كان يفتتح) أي يبتدىء مِنَ الْأَذْكَارِ (فَقَالَتْ لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ شَيْءٍ إِلَخْ) وَفِي هَذَا تَحْسِينٌ لِسُؤَالِهِ وَتَزْيِينٌ لِمَقَالِهِ وَتَأَسُّفٌ عَلَى غَفْلَةِ النَّاسِ عَنْ حَالِهِ (وَهَلَّلَ) أَيْ يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (عَافِنِي) مِنَ الْبَلَاءِ فِي الدَّارَيْنِ أَوْ مِنَ الْأَمْرَاضِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ (وَيَتَعَوَّذُ مِنْ ضِيقِ الْمَقَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أَيْ شَدَائِدَ أَحْوَالِهَا وَسَكَرَاتِ أَهْوَالِهَا
-
قَالَ المنذري وأخرجه النسائي وبن ماجه
ج ٢ ص ٣٣٤[٧٦٧] (اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ) تَخْصِيصُ هَؤُلَاءِ بِالْإِضَافَةِ مَعَ أَنَّهُ تَعَالَى رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ لتشريفهم وتفضيلهم على غيرهم
-
قال بن حَجَرٍ الْمَكِّيُّ كَأَنَّهُ قَدَّمَ جِبْرِيلَ لِأَنَّهُ أَمِينُ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ فَسَائِرُ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ رَاجِعَةٌ إِلَيْهِ وَأَخَّرَ إِسْرَافِيلَ لِأَنَّهُ أَمِينُ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَالصُّورِ فَإِلَيْهِ أَمْرُ الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ
-
وَوَسَّطَ مِيكَائِيلَ لِأَنَّهُ أَخَذَ بِطَرَفٍ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا لِأَنَّهُ أَمِينُ الْفِطْرِ وَالنَّبَاتِ وَنَحْوَهُمَا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْأَرْزَاقِ الْمُقَوِّمَةِ لِلدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَهُمَا أَفْضَلُ مِنْ مِيكَائِيلَ وَفِي الْأَفْضَلِ مِنْهُمَا خِلَافٌ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ (فاطر السماوات وَالْأَرْضِ) أَيْ مُبْدِعَهُمَا وَمُخْتَرِعَهُمَا (عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) أَيْ بِمَا غَابَ وَظَهَرَ عِنْدَ غَيْرِهِ (أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ) يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمُحِقِّ وَالْمُبْطِلِ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ (فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) مِنْ أَمْرِ الدِّينِ فِي أَيَّامِ الدُّنْيَا (لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ) مِنْ بَيَانٍ لِمَا (بِإِذْنِكَ) أَيْ بِتَوْفِيقِكَ وَتَيْسِيرِكَ (إِنَّكَ أَنْتَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِلتَّعْلِيلِ
-
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ والترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ
-
[٧٦٨] (أَبُو نُوحٍ قُرَّادُ) هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَزْوَانَ الْحَرَّانِيُّ أَبُو نُوحٍ قُرَّادُ عَنْ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ وَيُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ وَعَنْهُ أحمد وبن معين وثقه بن الْمَدِينِيِّ (قَالَ مَالِكٌ لَا بَأْسَ بِالدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ إِلَخْ) هَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ مِنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ عِنْدَهُ بِقِرَاءَةِ دُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ لَكِنِ الْمَشْهُورُ عَنْهُ خِلَافُهُ
-
قَالَ الْحَافِظُ تَحْتَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ
ج ٢ ص ٣٣٥قال كان رسول الله يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ إِسْكَاتَةً الْحَدِيثَ وَاسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الدُّعَاءِ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ خِلَافًا لِلْمَشْهُورِ عَنْ مَالِكٍ انْتَهَى
-
[٧٧٠] (مَنِ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا) أَيْ بِالْكَلِمَاتِ (آنِفًا) بِالْمَدِّ وَيُقْصَرُ أَيِ الْآنَ (لَقَدْ رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ) الْبِضْعَةُ مِنَ الثَّلَاثَةِ إِلَى التِّسْعَةِ
-
قَالَ الْحَافِظُ فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ كَالْجَوْهَرِيِّ أَنَّ الْبِضْعَ يَخْتَصُّ بِمَا دُونَ الْعِشْرِينَ (يَبْتَدِرُونَهَا) أَيْ يُسَارِعُونَ فِي كِتْبَةِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ (أَوَّلُ) قَالَ السُّهَيْلِيُّ أَوَّلُ بِالضَّمِّ عَلَى الْبِنَاءِ لِأَنَّهُ ظَرْفٌ قُطِعَ عَنِ الْإِضَافَةِ وَبِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ قَالَهُ الْحَافِظُ