بسم الله الرحمن الرحيم إن من استسلم لقضائي
٥ فقرات، ج ١ ص ١١٦
- ج ١ ص ١١٦
...
-
٩٦- "بسم الله الرحمن الرحيم: إن من استشلم لقضائي، ورضي
ج ١ ص ١١٧بحكمي، وصبر على بلائي؛ بعثته يوم القيامة مع الصِّدِّيقين "١. رواه الديلمي عن ابن عباس رضي الله عنهما: " أنه قال: إن أول شيء كتبه الله في اللوح المحفوظ: بسم الله ... إلى آخره ".
-
ش- الاستسلام: الإذعان، والانقياد، والقضاء -كما قال الراغب-: فصل الأمر قولاً كان ذلك، أو فعلًا، وكل واحد منهما على وجهين: إلهي، وبشري، فمن القول الإلهي قوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء:٢٣] أي: أمر بذلك. وقال تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ} [الإسراء:٤] فهذا قضاء بالإعلام والفصل في الحكم؛ أي: أعلمناهم، وأوحينا إليهم وحياً جزماً. وعلى هذا {وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ} [الحجر: ٦٦] ومن الفعل الإلهي قوله: {وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ} [غافر:٢٠] وقوله: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} [فصلت:١٢] إشارة إلى إيجاده الإبداعي، والفراغ منه، ومن القول البشري: نحو: قضى الحاكم بكذا؛ فإن حكم الحاكم يكون بالقول. ومن الفعل البشري: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ} [البقرة:٢٠٠] و {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ}
-
[الحج:٢٩] .
وقال صاحب النهاية: أصل القضاء القطع، والفصل، يقال: قضى، يقضي، قضاء فهو قاض: أي: حكم، وفصل، وقضاء الشيء: إحكامه، وإمضاؤه، والفراغ منه، فيكون بمعنى الخلق. وقال الأزهري: القضاء في اللغة على وجوه، مرجعها إلى انقطاع الشيء، وتمامه، وكل ما أحكم عمله، أو أتم، أو أدين أو أوجب، أو أعلم، أو أنفذ، أو أمضي، فقد قضي، والحكم بالشيء: أن تقضي بأنه كذا، أو ليس بكذا، سواء ألزمت ذلك غيرك، أو لم تلزمه. والصبر والبلاء تقدم تعريفهما. والقيامة عبارة عن قيام الساعة المذكورة في قوله تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ} [الروم:١٢] {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المطففين:٦] والقيامة: أصلها ما يكون من الإنسان من القيام دفعة واحدة، أدخل فيها الهاء تنبيهًا على وقوعها دفعة، وقوله: "الصديقين" جمع صِدِّيق، وهو من كثر منه الصدق، وقيل: بل يقال لمن لا يكذب قط، وقيل: بل لمن لا يتأتى منه الكذب لتعوده الصدق. وقيل: بل لمن صدق بقوله واعتقاده، وحقق صدقه بفعله.
- ج ١ ص ١١٨
والمعنى: أنَّ من استسلم، وانقاد، وأذعن لقضاء الله جل ذكره، ورضي بحكمه، وصبر على ما ابتلاه الله به من البلايا، والمصائب، ولم يقل ما يغضب الباري تعالى، بل قابل ذلك بالحمد، والشكر؛ بعثه الله يوم القيامة يوم العرض على رب الأرباب يوم يعض الكافر على يديه ويقول: يا ليتني كنت ترابًا، {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس: ٣٤-٣٧] يوم حشر الأشباح مع الأرواح، يوم المحاسبة والمجازاة؛ مع الصديقين الذين صدقوا الله ورسوله، وعملوا ما أمروا به حقًا، واتبعوا سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم، وصدقوا بما جاء به الشرع المنيف دين الإسلام. اللهم اجعلنا منهم يا أرحم الراحمين!