ما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه

٨ فقرات، ج ١ ص ١٧٠

  1. ١٣٥- "ما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فأكون سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به، وقلبه الذي يعقل به، فإذا دعاني أجبته، وإذا سألني أعطيته، وإنْ استنصرني نصرته، وأحب ما تعبدني عبدي به النصح لي" ٢. رواه الطبراني في الكبيرعن أبي أمامة.

    ج ١ ص ١٧٠
  2. ش- تقدم شرح الحديث غير مرة بألفاظ متقاربة من هذا مع زيادة، ونقص فيها، فلا حاجة للإعادة، وهنا زيادة فيه لفظ: "النصح لي" فلا بأس من الكلام عليه بما يناسبه، فنقول:

    النصح في اللغة: الخلوص. يقال: نصحته، ونصحت له، والنصح: تحري فعل،

    ج ١ ص ١٧١أو قول فيه صلاح صاحبه، وهو من قولهم: نصحت لهم الود؛ أي: أخلصته. وناصح العسل: خالصه. أو من قولهم: نصحت الجلد: خطته. والناصح: الخياط. والنصاح: الخيط. والنصيحة: كلمة يُعبَّر بها عن جملة، هي إرادة الخير للمنصوح له، وليس يمكن أن يعبرهذا المعنى بكلمة واحدة تجمع معناه غيرها.

  3. وقد جاء القرآن يحكي نصح الأنبياء لقومهم، قال حكاية عن صالح عليه الصلاة والسلام: {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف:٧٩] وقال تعالى حكاية عن نبي الله شعيب عليه الصلاة والسلام: {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ} [الأعراف:٩٣] وقال تعالى: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة:٩١] يعني: أن من تخلف عن الجهاد لعذر؛ فلا حرج عليه بشرط أن يكون ناصحاً لله ورسوله في تخلفه، فإن المنافقين كانوا يظهرون الأعذار كاذبين، غير ناصحين لله ورسوله، وقال تعالى حكاية عن نبي الله نوح عليه السلام: {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} [الأعراف:٦٢] وقال تعالى حكاية عن نبي الله هود عليه السلام: {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ} "الأعراف:٦٨" وقال تعالى حكاية عن إخوة يوسف: {قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ} [يوسف:١١] .

  4. وروى مسلم في صحيحه عن أبي رقية تميم بن أوس الداري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الدين النصيحة -ثلاثًا- قلنا: لمن يا رسول الله؟ ! قال: لله عز وجل، ولكتابه، ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ولأئمة المسلمين، وعامتهم" ١ وروى الإمام أحمد من حديث أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله عز وجل: "أحب ما تعبدني به عبدي النصح لي" ٢ وهو قطعة من حديث الكتاب، وقد ورد في أحاديث كثيرة النصح للمسلمين عموماً، وفي بعضها النصح لولاة الأمور، وفي بعضها نصح ولاة الأمور لرعايهم، وفي بعضها النصح لله وحده جلَّ عزه، كما في حديث الكتاب، وفي الصحيحين عن

    ج ١ ص ١٧٢جرير بن عبد الله قال: بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم١. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله يرضى لكم ثلاثاً: يرضى لكم أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً، ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاَّه الله أمركم" ٢ وقد تقدم ذكر الآيات الدالة على نصيحة الأنبياء لأممهم.

  5. والنصح لله هو: أن يقوم العبد بأداء واجباته على أكمل وجوهها- وهو: أن يعبد الله كأنه يراه- فلا يكمل النصح لله بدون ذلك، ومن النصيحة صحة الاعتقاد في وحدانيته، وإخلاص النية في عبادته، ووصفه بصفات الكمال والجلال، واعتقاد ما جاء به القرآن والسنة الصحيحة من الصفات بدون تأويل، ولا تشبيه، وتنزيهه عما يضادها، ويخالفها، وتجنب معاصيه، والقيام بطاعته ومحابه بوصف الإخلاص، والحب فيه، والبغض فيه، وجهاد من كفر به تعالى، وكراهية أهل البدع والأهواء وما ضاهى ذلك، والحث عليه.

  6. ولما ذكر النصح والنصيحة هنا، وبينا النصح لله جل وعز، فلا بأس من إيراد جملة تتعلق بنصيحة الرسول عليه الصلاة والسلام، ونصيحة خلقه إتماماً للفائدة فأقول:

    النصيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: الإيمان به، وبما جاء به، وتوقيره، وتبجيله، والتمسك بطاعته، وإحياء سننه، وانتشار علومه، ونشرها، ومعاداة من عاداه، وموالاة من والاه ووالاها، والتخلُّق بأخلاقه، والتأدب بآدابه، ومحبة آله وأصحابه، ونحو ذلك.

  7. والنصيحة لأئمة المسلمين: معاونتهم على الحق، وطاعتهم فيه، وتذكيرهم به، وتنبيههم في رفق ولطف، ومجانبة الوثوب عليهم، والدعاء لهم بالتوفيق، وحث الأغيار على ذلك.

  8. والنصيحة لعامة المسلمين: إرشادهم إلى مصالحهم، وتعليمهم أمور دينهم

    ج ١ ص ١٧٣ودنياهم، وسترُ عوراتهم، وسدُّ خلاتهم، ونصرتهم على أعدائهم، والذبُّ عنهم، ومجانبة الغش والحسد لهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه. والله أعلم.