مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر

١٠ فقرات، ج ١ ص ١٧٣

  1. ١٣٦- "مُرُوا بالمعروف، وانهوا عن المنكر من قبل أن تدعوني فلا أجيب لكم، وتسألوني فلا أعطيكم، وتستنصروني فلا أنصركم" ١. رواه الديلمي عن عائشة.

    ج ١ ص ١٧٣
  2. ش- يُقال: أمره بكذا: طلب فعله منه. والاسم: الأمر، واحد الأوامر. والمعروف: هو اسمٌ جامع لكل ما عُرف من طاعة الله، والتقرب إليه، والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع. والنهي: ضد الأمر، ونهاه عن كذا، ينهاه، نهياً، وانتهى عنه، وتناهى؛ أي: كف، وتناهوا عن المنكر: نهى بعضهم بعضاً. والمنكر: كل فعل تحكم العقول الصحيحة بقبحه، أو تتوقف في استقباحه واستحسانه العقول، فتحكم بقبحه الشريعة، وهو ضد المعروف.

  3. والمعنى -والله أعلم- أن: الله عزَّ، وجل أمرنا أن نأمر بالمعروف، وننهى عن المنكر؛ لئلا يأتي يوم، فتفشو فيه المعاصي، والمنكرات، ولا آمر، ولا ناهي، وتتسلط علينا الآفات، والبلايا، والمصائب بترك ذلك، فندعو الله جل ذكره فلا يجيب لنا دعاء، ونسأله كشف ذلك، فلا نعطى، ونستنصر بالله عز وجل من عدونا، وما حلَّ بنا، فلا ينصرنا، ولا يلتفت إلينا.

  4. وقد جاء الحث بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتنفير من ترك ذلك، وتهديد من تركه في آيات كثيرة من القرآن الحكيم، وأحاديث تبلغ حد التواتر، فمن الآيات قوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران:١٠٤] وقال تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [المائدة:٧٨] وقال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ

    ج ١ ص ١٧٤وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [التوبة:٧١] وقال تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه:١٣٢] وقال تعالى:

    {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران:١١٠] وقال تعالى حكاية عن لقمان: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْبِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان:١٧] وقال تعالى في وصف المؤمنين: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ} [الأعراف: ١٥٧] وقال تعالى في وصفهم أيضاً: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة:١١٢] .

  5. ومِن الأحاديث النبوية ما رواه مسلم، والترمذي، وابن ماجه، والنسائي عن أبي سعيد الخدري، ولفظه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من رأى منكم منكراً فغيَّره بيده؛ فقد برئ، ومن لم يستطع أن يغيره بيده، فغيره بلسانه؛ فقد برئ، ومن لم يستطع أن يغيره بلسانه، فغيره بقلبه؛ فقد برئ، وذلك أضعف الأيمان" ١. وروى مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من نبي بعثه الله في أمته قبلي إلا كان له من أمته حواريُّون وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها يخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده؛ فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه؛ فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه؛ فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" ٢. والحواري هو الناصر للرجل، والمختص به، والمعين، والمصافي. وروى الترمذي -وقال حديث حسن غريب- عن حذيفة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده لتأمُرنَّ بالمعروف، ولتنهوُنَّ عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعوه فلا يستجيب لكم" ٣.

  6. وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من رجل يكون في قومٍ يعمل فيهم بالمعاصي، يقدرون على أن يغيروا عليه، ولا يغيرون إلا أصابهم الله منهم بعقابٍ قبل أن يموتوا" ١ رواه أبو داود عن أبي إسحاق قال: أظنه عن ابن جرير عن جرير، ولم يسمِّ ابنه. ورواه ابن ماجه، وابن حبان في صحيحه والأصبهاني، وغيرهم عن أبي إسحاق عن عبد الله بن جرير عن أبيه، وروى أبو الشيخ في كتاب الثواب، والبيهقي في الزهد الكبير، وغيره عن دُّرة بنت أبي لهب رضي الله عنها، قالت: قلت: يا رسول الله! من خير الناس؟ قال: "أتقاهم للرب عز وجل، وأوصلهم للرحم، وآمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر" ٢. وروى الأصبهاني عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس! مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا الله فلا يستجيب لكم، وقبل أن تستغفروه فلا يغفر لكم. إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يدفعُ رزقاً، ولا يُقَرِّب أجلاً، وإن الأحبار من اليهود، والرهبان من النصارى لمَّا تركوا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر لعنهم الله على لسان أنبيائهم، ثم عموا بالبلاء" ٣ وروى الإمام أحمد، والترمذيُّ - واللفظ له، وابن حبان في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا، ويأمر بالمعروف وينه عن المنكر" ٤.

    ج ١ ص ١٧٥
  7. والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر من أعظم وظائف الشرع المحمدي، وهو وظيفة الأنبياء والرسل، ومن بعدهم العلماء قادة الأمة، ومعلموها، أهل الفراسة، والذكاء، وفيهما تتفاضل الأمم، قال الله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ

    ج ١ ص ١٧٦بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران:١١٠] فوصف أمة محمد صلى الله عليه وسلم بأنها خيرأمة أُخرجت للناس، وعلل ذلك بأنها تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالله جل وعز، فإنها خيرأمة لأجل ذلك، ولا شك أن الأمم الغابرة كانوا يتساهلون في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ويسكتون على من فعل ذلك، ولذلك شنَّع عليهم الباري تعالى في القرآن الحكيم في غيرآية، وقد تقدم ذكر بعضها أول الشرح، ولا شك أن هذين الوصفين من أهم الأمور التي تحفظ الأمة من التدهور، والسقوط، وتنتشر فيها المعاصين ويكثر الفساد، والفساق، وتذهب ثروة البلاد، وتنحط الأخلاق، وانظر إلى حال الأمة الإسلامية في بدء ظهورها، وبعد أن تكونت، وانتظمت، وأصبحت أمة، ودولة يخاف قوتها وبطشها جميع الأمم المعاصرة لها، كالروم، والفرس اللتين كانتا أعظم الأمم في عصرهما، فاجتثت الدولة الإسلامية أصولهما، وقهرتهما، وذلتهما في أقرب وقت، وأقل زمن، وذلك بسبب التآلف، والتحابب بين المسلمين، واتِّحاد كلمتهم وصفوفهم، وانتشار الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر في الجميع، لا فرق بين عالم، وجاهل، بين كبير، وصغير، وبين عظيم، وحقير، لذلك نجحت الأمة الإسلامية، وتقهقرت الأمم الأخرى؛ لسلب المزايا منها التي وجدت في الشريعة الإسلامية، ولم تزل، كذلك حتى قل الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهاب العلماء نصيحة ملوكهم، وإرشاد أمرائهم، ففشت المعاصي، وعمَّ الفساد، وتسلط العدو، ووقع الغلاء، والقحط، وكثرت المصائب، والبلايا، وندعو الله فلا يستجيب لنا، ونستنصره على عدونا، فلا ينصرنا، ونسأله فلا نعطى، وأكره العلماء على عدم النصيحة لملوكهم وأمرائهم استبداد رؤساء بني أمية، ومن سارعلى طريقهم ممن بعدهم، وقد كان أول أمير منهم أظهر هذه الفتنة والبدعة الشنعاء جهرةً عبد الملك بن مروان؛ إذ قال على المنبر: من قال لي اتقِ الله ضربت عنقه. وقال صديقنا الأستاذ المرحوم الشيخ رشيد رضا١: فقد كانت شجرة

    ج ١ ص ١٧٧بنى مروان الخبيثة هي التي سنَّت في هذه الأمة سنة الاستبداد، فما زال يَعظْمُ، ويتفاقم حتى سلب الأمة أفضل مزاياها في دينها ودنياها بعد الإيمان. انتهى.

  8. وقد أصبحنا في زمن القابض على دينه كالقابض على الجمر، فانظر إلى حصول الفساد في جميع الأقطار الإسلامية، من فشو الربا، والزنى، والقمار بأنواعه بترخيص من الحكومات المحلية، وإباحة ذلك رسمياً والكذب، واللواط، والسرقات وقطع الأشجار، وحرق الزروع، وإفساد ما بين المرأة وزوجها، وما بين الوالد وولده، وما بين الأخ وأخيه، وما بين الصاحب وصاحبه، والغيبة، والنميمة، وتبرج النساء، وخلع عذار الحياء. ووجودهن في حمامات البحر مختلطين بالرجال الأجانب الفجرة الفسقة، والاجتماع بدورالملاهي، والسينما، والنوادي، وغير ذلك مما يوجب غضب الله تعالى وسخطه، فنسأل الله السلامة، وتغيير الحال إلى أصلح، وإرجاع العباد إلى مجد سلفهم، وما كانوا عليه من الحمية، والشهامة، والتقوى، والمهابة، وغير ذلك من صفات المؤمنين الذين قال الله تعالى في حقهم ما قال في غير آية. ولا تكون الأمة خير الأمم إلا إذا كانت متصفة بهذه الأصول الثلاثة: الإيمان بالله تعالى قلباً وقالباً، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وإذا فقدت هذه الأصول، أو بعضها؛ لا تكون كذلك. ولا تحفظ، ولا تدوم إلا بإقامة هذه الأصول الثلاثة، ولذلك اشترط على هذه الأمة أن يكون من غرضها في الدفاع عن نفسها، وحفظ وجودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كأنها لولا ذلك لا تكون مستحقةً للبقاء في الأرض، وأكد الأمر بهذه الفريضة في آيات سورة آل عمران بما لا يعرف له نظير في كتاب من الكتب السابقة، ولم تقم به أمة من الأمم على هذا الوجه.

  9. إن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر يحتاجان إلى تحمل مكاره، وصبر على أذى في سبيلهما، فمن قام بذلك فلا يسخط، ولا يمل، ولا يغضب، بل يواصل ذلك بصدر رحب، وأخلاق حميدة، ولسان طلق، وقلب مفعم بالإيمان، والصدق، والإخلاص، ويلين للناس جانبه؛ حتى يتمكن من إزالة المنكر بطرق مفيدة، وسبل سهلة، ويكون أسلوبه ذا فنون وأنواع؛ ليقنع صاحب المنكر، ويستولي على قلبه ولُبِّه، ويستعمل له الأدلة الوافية كل بحسبه، وينزل الناس منازلهم.

    قال الحافظ ابن رجب: اعلم: أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر تارةً يحمل عليه رجاء ثواب الله، وتارة خوف العقاب في تركه، وتارة الغضب لله على انتهاك محارمه، وتارة النصيحة للمؤمنين، والرحمة لهم، ورجاء إنقاذهم مما أوقعوا أنفسهم فيه من التعرض لعقوبة الله وغضبه في الدنيا والآخرة، وتارة يحمل عليه إجلال الله،

    ج ١ ص ١٧٨وإعظامُه، ومحبتُه، وأنه أهل أن يُطاع، ويذكر، فلا يُنسى، ويشكر، فلا يكفر، وأنه يفتدى من انتهاك محارمه بالنفوس والأموال، كما قال بعض السلف: وددت أن الخلق كلهم أطاعوا الله، وأن لحمي قُرِض بالمقاريض.

  10. وكان عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز١ يقول لأبيه: وددت أنِّي غَلَت بي وبك القدور في الله تعالى. ومن لحظ هذا المقام والذي قبله هان عليه كل ما يلقى من الأذى في الله تعالى، وربما دعا لمن آذاه، كما قال ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما ضربه قومه، فجعل يمسح الدم عن وجهه، ويقول: "رب اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون" وبكل حال فتبين الرفق في الإنكار. قال سفيان الثوري: لا يأمربالمعروف، ولا ينهى عن المنكرإلا من كان فيه ثلاث خصال: رفيق بما يأمر، ورفيق بما ينهى، عدل بما يأمر، عدل بما ينهى، عالم بما يأمر، عالم بما ينهى. وقال أحمد: الناس محتاجون إلى مداراةٍ ورفق، الأمر بالمعروف بلاغلظة إلا رجل معلن بالفسق، فلا حرمة له. قال: وكان أصحاب ابن مسعود إذا مروا بقوم يرون منهم ما يكرهون يقولون: مهلاً رحمكم الله! مهلا رحمكم الله! وقال أحمد: يأمر بالرفق، والخضوع، فإن أسمعوه ما يكره لا يغضب، فيكون يريد أن ينتصر لنفسه. وقد ذكر الحافظ المنذري في كتابه "الترغيب والترهيب" حديث الكتاب عن عائشة رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا أيها الناس! إن الله يقول لكم: مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا أجيب لكم، وتسألوني فلا أعطيكم، وتستنصروني فلا أنصركم" ٢ رواه ابن ماجه، وابن حبان في صحيحه.