من آذى لي وليا فقد استحل محاربتي
١٠ فقرات، ج ١ ص ١٧٨
- ج ١ ص ١٧٨
١٣٧- "من آذى لي ولياً؛ فقد استحل محاربتي، وما تقرَّب إلى عبدي بمثل أداء الفرائض، وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبِّه، فإذا أحببته؛ كنت عينه التي يبصر بها، وأذنه التي يسمع بها، ورجله التي يمشي بها، وفؤاده الذي يعقل به، ولسانه الذي يتكلم به، إن سألني أعطيته، وإنْ
ج ١ ص ١٧٩دعاني أجبتُه، وما تردَّدت عن شيء أنا فاعله ترددي عن وفاته؛ لأنه يكره الموت، وأكره مساءته "١. رواه أحمد، والحكيم، وأبو يعلى، والطبراني، وأبو نعيم، وابن عساكر عن عائشة.
-
ش- الأذى: ما يصل إلى الحيوان من الضرر؛ إما بنفسه، أو جسمه، أو تبعاته، دنيوياً كان، أوأخروياً يُقال: آذيته أؤذيه، إيذاءً وأذيةً وأذى، وأذى الرجل أذى: وصل إليه المكروه، والولي: تقدم الكلام عليه في شرح الحديث رقم"٩٩ ". واستحلَّ الشيء: عدَّه حلالاً، وباقي ألفاظ الحديث تقدم الكلام عليه غير مرة، فلاحاجة للإعادة.
-
والمعنى: أن الله جل، وعز يخبرنا: أن من آذى وليًا من أولياء الله بأي نوع من أنواع الأذى؛ فقد استحل محاربة الله، وتعرض لها، وعدها حلالاً، والمراد بالولي هنا كما قال النووي رحمه الله تعالى: المؤمن. قال الله تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة:٢٥٧] وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: المراد بولي الله: العالم بالله، المواظب على طاعته، المخلص في عبادته. وهو أوجه بدليل ما ذكر من ألفاظ الحديث بعده، ووصف الله أولياءه في كتابه الحكيم، قال: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ، لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [يونس:٦٢-٦٤] فكيف يليق بعاقل أن يتعرض لمحاربة الله جل ذكره؟! واقتراف المعاصي؛ محاربةً لله تعالى. قال الحسن: ابن آدم! هل لك بمحاربة الله من طاقة؛ فإن من عصى الله؛ فقد حاربه، وكلما كان الذنب أقبح؛ كانت المحاربة لله أشد، ولهذا سمى الله تعالى أكلة الربا، وقطاع الطريق محاربين لله تعالى ورسوله؛ لعظم ظلمهم لعباده، وسعيهم بالفساد في بلاده، وكذلك معاداة أوليائه، فإنه تعالى يتولى نصرة أوليائه، ويحبهم، ويؤيدهم، فمن عاداهم؛ فقد عادى الله تعالى، وحاربه، وتعرض لهلاك نفسه. وخرج الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الله الله في أصحابي! لا تتخذونهم غرضاً، فمن آذاهم؛ فقد آذاني؛ ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله؛ يوشك أن يأخذه"٢.
- ج ١ ص ١٨٠
ولما ذكر الله تعالى من آذى أولياءه فقد استحلَّ محاربته؛ وصف أولياءه الذي يحرم إيذاؤهم، وتجب موالاتهم، والتحبب إليهم، فذكر ما يُقرِّب إليه تعالى ... إلخ. ثم ذكر حال العبد والموت النازل به، وكراهته لذلك، فقال: "وما ترددت عن شيء أنا فاعله ... إلخ" قال الحافظ ابن حجر في الفتح نقلاً عن أئمة الحديث في إشكال هذا الحديث. قال الخطابي: التردد في حق الله غير جائز، والبداء عليه في الأمور غير سائغ، ولكن له تأويلان؛ أحدهما: أن العبد قد يشرف على الهلاك في أيام عمره من داء يصيبه، وفاقة تنزل به، فيدعو الله، فيشفيه منها، ويدفع عنه مكروهها، فيكون ذلك من فعله كتردد من يريد أمراً، ثم يبدو له فيه، فيتركه، ويعرض عنه ولابد له من لقائه إذا بلغ الكتاب أجله؛ لأن الله قد كتب الفناء على خلقه، واستأثر بالبقاء لنفسه. والثاني: أن يكون معناه ما رددت رسلي في شيء أنا فاعله كترددي إياهم في نفس المؤمن، كما روى في قصة موسى، وما كان من لطمه عين ملك الموت، وتردده إليه مرة بعد أخرى. قال: وحقيقة المعنى على الوجهين: عطف الله على العبد. ولطفه به، وشفقته عليه، وقال الكلاباذي -ماحاصله-: أنه عبَّر عن صفة الفعل بصفة الذات؛ أي: عن الترديد بالتردد، وجعل متعلق الترديد اختلاف أحوال العبد من ضعف، ونصب إلى أن تنتقل محبته في الحياة إلى محبته للموت، فيقبض على ذلك. قال: وقد يحدث الله في قلب عبده من الرغبة فيما عنده، والشوق إليه، والمحبة للقائه ما يشتاق معه إلى الموت فضلاً عن إزالة الكراهة عنه، فأخبر: أنه يكره الموت ويسوءه، ويكره الله مساءته، فيزيل عنه كراهية الموت لما يورده عليه من الأحوال، فيأتيه الموت وهو له مؤثر، وإليه مشتاق. قال: وقد ورد تفعيل بمعنى فعل، مثل تفكر وفكر، وتدبر ودبر، وتهدد وهدد والله أعلم.
-
وعن بعضهم: يحتمل أن يكون تركيب الولي يحتمل أن يعيش خمسين سنة، وعمره الذي كتب له سبعون، فإذا بلغها فمرض دعا الله بالعافية، فيجيبه عشرين أخرى مثلاً، فعبرعن قدر التركيب، وعما انتهى إليه بحسب الأجل المكتوب بالتردد، وعبر ابن الجوزي عن الثاني بأن التردد للملائكة الذين يقبضون الروح، وأضاف الحق ذلك لنفسه، لأن ترددهم عن أمره قال: وهذا التردد ينشأ عن إظهار الكراهة. فإن قيل إذا أمر الملك بالقبض؛ كيف يقع منه التردد؟ فالجواب: أنه يتردد فيما لم يجد له فيه
ج ١ ص ١٨١الوقت، كأن يُقال: لا تقبض روحه إذا رضي. ثم ذكر جواباً ثالثاً، وهو: احتمال أن يكون معنى التردد: اللطف به، كأن الملك يؤخر القبض، فإنه إذا نظر إلى قدر المؤمن، وعظم المنفعة به لأهل الدنيا؛ احترمه، فلم يبسط يده إليه، فإذا ذكر أمر ربه؛ لم يجد بداً من امتثاله، وجواباً رابعاً، وهو: أن يكون هذا خطاباً لنا بما نعقل، والرب منزه عن حقيقته، بل هو من جنس قوله: "ومن أتاني يمشي أتيته هرولة" فكما أن أحدنا يريد أن يضرب ولده تأديباً، فتمنعه المحبة، وتبعثه الشفقة، فيتردد بينهما، ولو كان غيرالوالد كالمعلم لم يتردد، بل كان يبادرإلى ضربه لتأديبه، فأريد تفهيمنا تحقيق المحبة للولي بذكرالتردد، وجوزالكرماني احتمالاً آخر، وهو: أن المراد: أنه يقبض روح المؤمن بالتأني والتدريج، بخلاف سائر الأمور، فإنها تحصل بمجرد قوله: "كن" سريعاً دفعة، وقال في قوله تعالى: "فإنه يكره الموت وأنا أكره مساءته" أسند البيهقي في الزهد عن الجنيد سيد الطائفة، قال: الكراهة هنا لما يلقى المؤمن من الموت وصعوبته وكربه، وليس المعنى: أني أكره له الموت؛ لأن الموت يورده إلى رحمة الله ومغفرته. انتهى. وعبَّر بعضهم عن هذا بأن الموت حتمٌ مقضيٌ، وهو مفارقة الروح للجسد، ولا تحصل غالباً إلا بألم عظيم جداً، كما جاء عن عمرو بن العاص: أن ابنه سأله -وهو يموت- عن حقيقة الموت، فقال: والله لكأن جنبي في تخت، ولكأني أتنفس من خرم إبرة، وكأن غصن الشوك يجر به من قامتي إلى هامتي، وعن كعب أن عمر سأله عن الموت، فوصفه له بنحو هذا، فلما كان الموت بهذا الوصف، والله يكره أذى المؤمن، على ذلك الكراهة. ويحتمل أن تكون المساءة بالنسبة إلى طول الحياة؛ لأنها تؤدي إلى أرذل العمر، وتنكس الخلق، والرد إلى أسفل سافلين.
-
وجوَّز الكرماني١ أن يكون المراد: أكره كرهه الموت، فلا أسرع بقبض روحه، فأكون كالمتردد، قال الشيخ أبو الفضل بن عطاء في هذا الحديث عظم قدرالولي لكونه خرج عن تدبيره إلى تدبير ربه، وعن انتصاره لنفسه إلى انتصارالله له، وعن حوله وقوته بصدق توكله. انتهى. قال الحافظ ابن رجب: وأما الأنبياء فلا يُقبضون حتى يخبروا. قال الحسن: لما كرهت الأنبياء الموت؛ هوَّن الله عليهم بلقائه لما أحبوه من تحفة وكرامة، حتى إن نفس أحدهم تنزع من بين جنبيه، وهو يحب ذلك لما قد مثل له، وقالت عائشة: ما أغبط أحداً يهون الله عليه الموت بعد الذي رأيت من شدة موت
ج ١ ص ١٨٢رسول الله صلى الله عليه وسلم١ قالت: وكان عنده قدح من ماء فيدخل يده في القدح، ثم يمسح وجهه بالماء، ويقول: "اللهم أعنِّي على سكرات الموت" قالت: وجعل يقول: "لا إله إلا الله، إن للموت سكرات" ٢! وجاء في حديث مرسل: أنه صلى الله عليه وسلك كان يقول: "اللهم إنك تأخذ الروح من بين العصب، والقصب، والأنامل؛ اللهم فأعني على الموت وهونه علي! " . وقد كان بعض السلف يستحب أن يجهد عند الموت، كما قال عمر بن عبد العزيز: ما أحب أن تهون علي سكرات الموت، إنه لآخر ما يكفر به عن المؤمن. وقال النخعي٣: كانوا يستحبون أن يجهدوا عند الموت، وكان بعضهم يخشى من تشديد الموت أن يُفتن، وإذا أراد الله أن يهوِّن على العبد الموت هونه عليه. في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن المؤمن إذا حضره الموت بُشِّر برضوان من الله، وكرامة، فليس شيء أحب إليه مما أمامه، وأحب لقاء الله، فأحب الله لقاءه" ٤، قال ابن مسعود: إذا جاء ملك الموت لقبض روح المؤمن قال له: إن ربك يقرئك السلام. وقال محمد بن كعب٥. يقول له ملك الموت: السلام عليك يا ولي الله! الله يقرئك السلم، ثم قال:
ج ١ ص ١٨٣{الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ} وقال زيد بن أسلم١: تأتي الملائكة للمؤمن إذا احتضر، وتقول له: لاتخف مما أنت قادم عليه، فيذهب الله خوفه ولا تحزن على الدنيا، وأهلها، وأبشر بالجنة! فيموت، وقد جاءته البشرى، وخرج البزار من حديث عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله أضن بموت عبده المؤمن من أحدكم بكريمة ماله حتى يقبضه على فراشه" ٢ وقال زيد بن أسلم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لله عباداً هم أهل المعافاة في الدنيا والآخرة" وقال ثابت البناني٣: إن لله عباداً يضن بهم في الدنياعلى القتل والأوجاع، يطيل الله أعمارهم، ويحسن أرزاقهم، ويميتهم على فرشهم، وبطبعهم بطبائع الشهداء. وخرَّجه ابن أبي الدنيا، والطبراني مرفوعاً من وجوه ضعيفة.
-
وفي بعض ألفاظها، أن ضنائن من خلقه، يأبى بهم عن البلاء، يحييهم في عافية، ويميتهم في عافية، ويدخلهم في الجنة في عافية.
قال ابن مسعود وغيره: إن موت الفجأة تخفيف عن المؤمن.
وقال أبو ثعلبة الخشني: إني لأرجو ألا يخنقني كما أراكم تُخْنقون عند الموت. وكان ليلةً في داره فسمعوه ينادي يا عبد الرحمن! وكان عبد الرحمن قد قُتِل مع
ج ١ ص ١٨٤رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أتى مسجد بيته، فصلى، فقُبض وهو ساجد. وقبض جماعة من السلف في الصلاة وهم سجود.
-
وكان بعضهم يوماً قاعداً مع أصحابه فقال: لبيك، ثم خرَّ ميتاً.
-
وكان بعضهم جالساً مع أصحابه، فسمعوا صوتاً يقول، يا فلان أجب، والله آخر ساعتك من الدنيا! فوثب، فقال: هذا والله منادي الموت، فودَّع أصحابه، وسلم عليهم، ثم انطلق نحو الصوت، وهويقول: سلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، ثم انقطع عنهم الصوت، فتتبعوا أثره، فوجدوه ميتاً.
-
وكان آخر جالسًا يكتب الحديث، فوضع القلم من يده، ورفع يديه يدعو الله، فمات. رحمه الله تعالى. انتهى. والله أعلم.