قالوا: أحكام قد أجمع عليها، يبطلها القرآن، ويحتج بها الخوارج

١٬٠٦٦ فقرة، ج ١ ص ٢٧٧

الصفحة ١ من ٢٧

  1. ١- حُكْمٌ فِي الرَّجْمِ، يَدْفَعُهُ الْكِتَابُ:
  2. قَالُوا: رَوَيْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، رَجَمَ وَرَجَمَتِ الْأَئِمَّةُ بَعْدَهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ فِي الْإِمَاءِ: {فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} ١.

  3. وَالرَّجْمُ إِتْلَافٌ لِلنَّفْسِ لَا يَتَبَعَّضُ، فَكَيْفَ يَكُونُ عَلَى الْإِمَاءِ نِصْفُهُ؟

  4. وَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْمُحْصَنَاتِ: ذَوَاتُ الْأَزْوَاجِ قَالُوا: وَفِي هَذَا، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُحْصَنَةَ حَدُّهَا الْجَلْدُ.

    قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:

    وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ الْمُحْصَنَاتِ لَوْ كُنَّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، ذَوَاتَ الْأَزْوَاجِ، لَكَانَ مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ صَحِيحًا، وَلَزِمَتْ بِهِ هَذِهِ الْحجَّة -وَلَيْسَ الْمُحْصنَات- هَهُنَا إِلَّا الْحَرَائِرُ.

  5. وَسُمِّينَ مُحْصَنَاتٍ، وَإِنْ كُنَّ أَبْكَارًا، لِأَنَّ الْإِحْصَانَ يَكُونُ لَهُنَّ وَبِهِنَّ، وَلَا يَكُونُ بِالْإِمَاءِ.

  6. فَكَأَنَّهُ قَالَ: "فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْحَرَائِرِ مِنَ الْعَذَابِ" يَعْنِي: الْأَبْكَارَ.

  7. وَقَدْ تُسَمِّي الْعَرَبُ الْبَقَرَةَ "الْمُثِيرَةَ" وَهِيَ لَمْ تُثِرْ مِنَ الأَرْض شَيْئا.

  8. لِأَنَّ إِثَارَةَ الْأَرْضِ تَكُونُ بِهَا دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْأَنْعَامِ.

    ج ١ ص ٢٧٨
  9. وَتُسَمِّي الْإِبِلَ فِي مَرَاعِيهَا "هَدْيًا" لِأَنَّ الْهَدْيَ إِلَى الْكَعْبَةِ يَكُونُ مِنْهَا فَتُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ وَإِنْ لَمْ تُهْدَ.

  10. وَمِمَّا يَشْهَدُ لِهَذَا التَّأْوِيلِ الَّذِي تَأَوَّلْنَاهُ فِي الْمُحْصَنَاتِ، وَأَنَّهُنَّ -فِي هَذَا الْمَوْضِعِ- الْحَرَائِرُ الْأَبْكَارُ، قَوْلُهُ تَعَالَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} ١ وَالْمُحصنَات -هَهُنَا- الْحَرَائِرُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُنَّ ذَوَاتَ الْأَزْوَاجِ لِأَنَّ ذَوَاتَ الْأَزْوَاجِ لَا ينكحن.

  11. ٢- حُكْمٌ فِي الْوَصِيَّةِ يَدْفَعُهُ الْكِتَابُ:
  12. قَالُوا: رَوَيْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ" ١.

  13. وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} ٢.

  14. وَالْوَالِدَانِ وَارِثَانِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، لَا يَحْجُبُهُمَا أَحَدٌ عَنِ الْمِيرَاثِ. وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ، خِلَافُ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

    قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:

    وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ، نَسَخَتْهَا آيَةُ الْمَوَارِيثِ.

  15. فَإِنْ قَالَ: وَمَا فِي آيَةِ الْمَوَارِيثِ مِنْ نَسْخِهَا، فَإِنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى الْأَبَوَانِ حَظَّهُمَا مِنَ الْمِيرَاثِ، وَيُعْطَيَا أَيْضًا الْوَصِيَّةَ الَّتِي يُوصَى بِهَا لَهُمَا.

  16. قُلْنَا لَهُ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ حَظَّهُمَا مِنْ ذَلِكَ الْمِيرَاثِ، الْمِقْدَارَ الَّذِي نَالَهُمَا بِالْوِرَاثَةِ.

    وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} ٣.

  17. فَوَعَدَ عَلَى طَاعَتِهِ -فِيمَا حَدَّ مِنَ الْمَوَارِيثِ- أَعْظَمَ الثَّوَابِ، وَأَوْعَدَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ -فِيمَا حَدَّ مِنَ الْمَوَارِيثِ- بِأَشَدِّ الْعِقَابِ.

    ج ١ ص ٢٨٠
  18. فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَن يُوصل إِلَى وَارِثٍ مِنَ الْمَالِ، أَكْثَرَ مِمَّا حَدَّ اللَّهُ تَعَالَى وَفَرَضَ.

  19. وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ " .

  20. وَسَنُبَيِّنُ نَسْخَ السُّنَّةِ لِلْقُرْآنِ كَيْفَ يَكُونُ، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

  21. ٣- حُكْمٌ فِي النِّكَاحِ يَدْفَعُهُ الْكِتَابُ: الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا

    قَالُوا: رَوَيْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلَا عَلَى خَالَتِهَا" ١ وَأَنَّهُ قَالَ: "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ، مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ" ٢.

    ج ١ ص ٢٨١
  22. وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} ٣ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.

  23. وَلَمْ يَذْكُرِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا -وَلَمْ يُحَرِّمْ مِنَ الرَّضَاعِ إِلَّا الْأُمَّ الْمُرْضِعَةَ، وَالْأُخْتَ بِالرَّضَاعِ.

    ثُمَّ قَالَ: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} ٣ فَدخلت الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا، وَكُلِّ رَضَاعٍ، سِوَى الْأُمِّ وَالْأُخْتِ فِيمَا أَحَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى.

    قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:

    وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ بِالْفَرَائِضِ، لِيَعْلَمَ كَيْفَ طَاعَتُهُمْ أَوْ مَعْصِيَتُهُمْ، وَلِيُجَازِيَ الْمُحْسِنَ وَالْمُسِيءَ مِنْهُمْ، مَنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِيمَا أَحَلَّهُ أَوْ حَرَّمَهُ عِلَّةٌ تُوجِبُ التَّحْلِيلَ أَوِ التَّحْرِيمَ.

  24. وَإِنَّمَا يَقْبُحُ كُلُّ قَبِيحٍ، بِنَهْيِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْهُ، وَيَحْسُنُ الْحَسَنُ بِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ، خَلَا أَشْيَاءَ جَعَلَ اللَّهُ فِي الْفِطَرِ اسْتِقْبَاحَهَا، كَالْكَذِبِ، وَالسِّعَايَةِ، وَالْغِيبَةِ، وَالْبُخْلِ، وَالظُّلْمِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِك.

  25. فَإِذَا جَازَ أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَسُولًا بِشَرِيعَةٍ، فَتُسْتَعْمَلُ حِقَبًا مِنَ الدَّهْرِ، وَيَكُونُ الْمُسْتَعْمِلُونَ لَهَا مُطِيعِينَ لِلَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ يَبْعَثُ رَسُولًا ثَانِيًا بِشَرِيعَةٍ ثَانِيَةٍ، تَنْسَخُ تِلْكَ الْأُولَى وَيَكُونُ الْمُسْتَعْمِلُونَ لَهَا مُطِيعِينَ لِلَّهِ تَعَالَى، كَبَعْثِهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالسَّبْتِ، وَنُسِخَ السَّبْتُ بِالْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَبَعْثِهِ إِيَّاهُ بِالْخِتَانِ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ، وَنُسِخَ ذَلِكَ أَيْضًا بِالْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ- جَازَ أَيْضًا أَنْ يَفْرِضَ شَيْئًا عَلَى عِبَادِهِ فِي وَقْتٍ، ثُمَّ يَنْسَخُهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ وَالرَّسُولُ وَاحِدٌ.

    ج ١ ص ٢٨٢
  26. وَقَدْ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} ١ يُرِيدُ، بِخَيْرٍ مِنْهَا أَسْهَلَ مِنْهَا.

  27. وَإِذَا جَازَ أَنْ يُنْسَخَ الْكِتَابُ بِالْكِتَابِ، جَازَ أَنْ يُنْسَخَ الْكِتَابُ بِالسُّنَّةِ، لِأَنَّ السُّنَّةَ يَأْتِيهِ بِهَا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فَيَكُونُ الْمَنْسُوخُ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي هُوَ قُرْآنٌ، بِنَاسِخٍ مِنْ وَحْيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، الَّذِي لَيْسَ بِقُرْآنٍ.

  28. وَلِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ" ٢.

  29. يُرِيدُ أَنَّهُ أُوتِيَ الْكِتَابَ وَمِثْلَ الْكِتَابِ مِنَ السُّنَّةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} ٣.

  30. وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّا نَقْبَلُ مِنْهُ مَا بَلَغَنَا عَنْهُ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى.

  31. وَلَكِنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ سَيَنْسَخُ بَعْضَ الْقُرْآنِ بِالْوَحْيِ إِلَيْهِ.

  32. فَإِذَا وَقَعَ ذَلِكَ، قَدَحَ فِي بَعْضِ الْقُلُوبِ، وَأَثَّرَ فِي بَعْضِ الْبَصَائِرِ فَقَالَ لَنَا: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} أَيْ: مَا آتَاكُمْ بِهِ الرَّسُولُ، مِمَّا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ، أَوْ مِمَّا ينْسَخ الْقُرْآن، فاقبلوه.

    ج ١ ص ٢٨٣قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:

    وَالسُّنَنُ -عِنْدَنَا- ثَلَاثٌ: "الْأُولَى" سُنَّةٌ أَتَاهُ بِهَا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، كَقَوْلِهِ: "لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ على عَمَّتهَا وخالتها" ١، و "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ، مَا يَحْرُمُ من النّسَب" ٢.

  33. و "لَا تحرم المصة وَلَا المصتان" ٣، و "الدِّيَة عَلَى الْعَاقِلَةِ" ٤ وَأَشْبَاهُ هَذِهِ مِنَ الْأُصُول.

  34. و "السّنة الثَّانِيَةُ" سُنَّةٌ أَبَاحَ اللَّهُ لَهُ أَنْ يَسُنَّهَا، وَأَمَرَهُ بِاسْتِعْمَالِ رَأْيِهِ فِيهَا فَلَهُ أَنْ يَتَرَخَّصَ فِيهَا لِمَنْ شَاءَ، عَلَى حَسَبِ الْعِلَّةِ وَالْعُذْرِ، كَتَحْرِيمِهِ الْحَرِيرَ عَلَى الرِّجَالِ، وَإِذْنِهِ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِيهِ، لِعِلَّةٍ كَانَتْ بِهِ.

  35. وَكَقَوْلِهِ فِي مَكَّةَ: "لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا" ٥.

    فَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِلَّا الْإِذْخِرَ٦ فَإِنَّهُ لِقُيُونِنَا٧ فَقَالَ: "إِلَّا الْإِذْخِرَ" .

  36. وَلَوْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى حَرَّمَ جَمِيعَ شَجَرِهَا، لَمْ يَكُنْ يُتَابَعُ الْعَبَّاسُ عَلَى مَا أَرَادَ، مِنْ إِطْلَاقِ الْإِذْخِرِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لَهُ أَنْ يُطْلِقَ مِنْ ذَلِكَ مَا رَآهُ صَلَاحًا، فَأَطْلَقَ الْإِذْخِرَ لِمَنَافِعِهِمْ.

  37. وَنَادَى مُنَادِيهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ" ١ ثُمَّ أَتَاهُ الْعَبَّاسُ شَفِيعًا، فِي أَخِي مُجَاشِعِ بْنِ مَسْعُودٍ، لِيَجْعَلَهُ مُهَاجِرًا بَعْدَ الْفَتْحِ فَقَالَ: "أُشَفِّعُ عَمِّي وَلَا هِجْرَةَ" ٢.

    ج ١ ص ٢٨٤
  38. وَلَوْ كَانَ هَذَا الْحُكْمُ نَزَلَ لَمْ تَجُزْ فِيهِ الشَّفَاعَاتُ وَقَالَ: "عَادِيُّ الْأَرْضِ، لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، ثُمَّ هِيَ لَكُمْ مِنِّي، فَمَنْ أَحْيَا مَوَاتًا فَهُوَ لَهُ" ٣.

    وَقَالَ فِي الْعُمْرَةِ: "وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، لأهللت بِعُمْرَة" ٤.

    ج ١ ص ٢٨٥وَقَالَ فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، لَجَعَلْتُ وَقْتَ هَذِهِ الصَّلَاةِ، هَذَا الْحِينَ" ١.

  39. "وَنَهَى عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِي فَوْقَ ثَلَاثٍ، وَعَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، وَعَنِ النَّبِيذِ فِي الظُّرُوفِ" ٢.

    ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي نَهَيْتُكُمْ عَنِ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِي فَوْقَ ثَلَاثٍ، ثُمَّ بَدَا لِي أَنَّ النَّاسَ يُتْحِفُونَ ضَيْفَهُمْ، وَيَحْتَبِسُونَ لِغَائِبِهِمْ فَكُلُوا وَأَمْسِكُوا مَا شِئْتُم" ٣.

    وَقَالَ: "وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا، وَلَا تَقُولُوا هُجْرًا فَإِنَّهُ بَدَا لِي أَنَّهُ يُرِقُّ الْقُلُوبَ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ فِي الظُّرُوفِ فَاشْرَبُوا ولَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا" ٤.

    قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَمِمَّا يَزِيدُ فِي وُضُوحِ هَذَا، حَدِيثٌ حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ خِدَاشٍ، قَالَ حَدَّثَنِي مُسْلِمُ بْنُ قُتَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنْ مُدْرِكِ بْنِ عُمَارَةَ، قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَائِطَ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَرَأَى رَجُلًا مَعَهُ نَبِيذٌ فِي نَقِيرٍ، فَقَالَ: أَهْرِقْهُ.

    فَقَالَ الرَّجُلُ: أَو تَأذن لِي أَنْ أَشْرَبَهُ ثُمَّ لَا أَعُودُ؟

    فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اشْرَبْهُ وَلَا تَعُدْ" ٥.

  40. فَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ تَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، أَطْلَقَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ يَحْظُرَ وَأَنْ يُطْلِقَ بَعْدَ أَنْ حَظَرَ، لِمَنْ شَاءَ.

    ج ١ ص ٢٨٦