ذكر أصحاب الحديث

٩٠ فقرة، ج ١ ص ١٢٧

الصفحة ١ من ٣

  1. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:

    فَأَمَّا أَصْحَابُ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمُ الْتَمَسُوا الْحَقَّ مِنْ وِجْهَتِهِ، وَتَتَبَّعُوهُ مِنْ مَظَانِّهِ، وَتَقَرَّبُوا إِلَى١ اللَّهِ تَعَالَى بِاتِّبَاعِهِمْ سُنَنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَطَلَبِهِمْ لِآثَارِهِ وَأَخْبَارِهِ، بَرًّا وَبَحْرًا وَشَرْقًا وَغَرْبًا.

    ج ١ ص ١٢٧
  2. يَرْحَلُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ رَاجِلًا مُقَوِّيًا٢ فِي طَلَبِ الْخَبَرِ الْوَاحِدِ، أَوِ السُّنَّةِ الْوَاحِدَةِ، حَتَّى يَأْخُذَهَا مِنَ النَّاقِلِ لَهَا مُشَافَهَةً.

  3. ثُمَّ لَمْ يَزَالُوا فِي التَّنْقِيرِ عَنِ الْأَخْبَارِ وَالْبَحْثِ لَهَا، حَتَّى فَهِمُوا صَحِيحَهَا وَسَقِيمَهَا، وَنَاسِخَهَا وَمَنْسُوخَهَا، وَعَرَفُوا مَنْ خَالَفَهَا مِنَ الْفُقَهَاءِ إِلَى الرَّأْيِ.

  4. فَنَبَهُوا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى نَجَمَ٣ الْحَقُّ بَعْدَ أَنْ كَانَ عَافِيًا، وَبَسَقَ٤ بَعْدَ أَنْ كَانَ دَارِسًا٥، وَاجْتَمَعَ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُتَفَرِّقًا، وَانْقَادَ لِلسُّنَنِ مَنْ كَانَ عَنْهَا مُعْرِضًا، وَتَنَبَّهَ عَلَيْهَا٦ مَنْ كَانَ عَنْهَا غَافِلًا، وَحُكِمَ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ أَنْ كَانَ يُحْكَمُ بِقَوْلِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ وَإِنْ٧ كَانَ فِيهِ خِلَافٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

  5. تَمْيِيزُ الْأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ لِلتَّحْذِيرِ فِيهَا:
  6. وَقَدْ يَعِيبُهُمُ الطَّاعِنُونَ بِحَمْلِهِمُ الضَّعِيفَ، وَطَلَبِهِمُ الْغَرَائِبَ، وَفِي الْغَرِيبِ الدَّاءُ.

  7. وَلَمْ يَحْمِلُوا الضَّعِيفَ وَالْغَرِيبَ، لِأَنَّهُمْ رَأَوْهُمَا حَقًّا، بَلْ جَمَعُوا الْغَثَّ وَالسَّمِينَ وَالصَّحِيحَ وَالسَّقِيمَ، لِيُمَيِّزُوا بَيْنَهُمَا، وَيَدُلُّوا عَلَيْهِمَا، وَقَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَالُوا فِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ: "شُرْبُ الْمَاءِ عَلَى الرِّيقِ، يَعْقِدُ الشَّحْمَ" ١ هُوَ مَوْضُوعٌ، وَضَعَهُ عَاصِمٌ الْكُوزِيُّ.

  8. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّهُ كَانَ يَبْصُقُ فِي الدَّوَاةِ، وَيَكْتُبُ مِنْهَا" . مَوْضُوعٌ، وَضَعَهُ عَاصِمٌ الْكُوزِيُّ.

    قَالُوا: وَحَدِيثُ الْحَسَنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَمْ يُجِزْ طَلَاقَ الْمَرِيضِ" مَوْضُوعٌ وَضَعَهُ سَهْلٌ السَّرَّاجُ.

    قَالُوا: وَسَهْلٌ كَانَ٢ يُرْوَى أَنَّهُ رَأَى الْحَسَنَ يُصَلِّي بَيْنَ سُطُورِ٣ الْقُبُورِ.

  9. وَهَذَا بَاطِلٌ، لِأَنَّ الْحَسَنَ رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَيْنَ الْقُبُورِ" ٤.

    قَالُوا: وَحَدِيثُ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا يَزَالُ الرَّجُلُ رَاكِبًا مَا دَامَ مُنْتَعِلًا" بَاطِلٌ، وَضَعَهُ أَيُّوبُ بْنُ خُوطٍ.

  10. وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ "رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُشَارُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمَ الْعِيدِ بِالْحِرَابِ" هُوَ بَاطِلٌ وَضَعَهُ الْمُنْذِرُ بْنُ زِيَادٍ.

  11. وَحَدِيث بن أَبِي أَوْفَى "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمَسُّ لِحْيَتَهُ فِي الصَّلَاةِ" وَضَعَهُ الْمُنْذِرُ بْنُ زِيَادٍ.

    ج ١ ص ١٢٩
  12. وَحَدِيثُ يُونُسَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، "نَهَى عَنِ عَشْرِ كُنًى" مَوْضُوعٌ وَضَعَهُ أَبُو عِصْمَةَ، قَاضِي مَرْوَ.

    وَقَالُوا فِي أَحَادِيثَ مَوْجُودَةٍ عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ: لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ.

  13. مِنْهَا: "مِنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ، خِفَّةُ عَارِضَيْهِ" .

  14. وَمِنْهَا: "سَمُّوهُمْ بِأَحَبِّ الْأَسْمَاءِ إِلَيْهِمْ" وَكَنُّوهُمْ بِأَحَبِّ الْكُنَى إِلَيْهِمْ ".

  15. وَمِنْهَا: "خَيْرُ تجاراتكم١ الْبَزُّ، وَخَيْرُ أَعْمَالِكُمُ الْخَرْزُ ".

  16. وَمِنْهَا: "لَوْ صَدَقَ السَّائِلُ، مَا أَفْلَحَ مَنْ رَدَّهُ ".

  17. وَمِنْهَا: "النَّاسُ أَكْفَاءٌ إِلَّا حَائِكًا، أَوْ حَجَّامًا " مَعَ حَدِيثٍ كَثِيرٍ، لَا يُحَاطُ بِهِ٢، قَدْ رَوُوهُ، وَأَبْطَلُوهُ.

    وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي أَحَادِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ كَذَا، فَلَهُ كَذَا، وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ كَذَا فَلَهُ كَذَا " أَظُنُّ الزَّنَادِقَةَ، وَضَعَتْهُ.

  18. وَكَذَلِكَ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي يُشَنَّعُ بِهَا عَلَيْهِمْ مِنْ عَرَقِ الْخَيْلِ، وَزَغَبِ الصَّدْرِ، وَقَفَصِ الذَّهَبِ، وَعِيَادَةِ الْمَلَائِكَةِ، هِيَ كُلُّهَا بَاطِلٌ، لَا طُرُقَ لَهَا، وَلَا رُوَاةَ، وَلَا نَشُكُّ فِي وَضْعِ الزَّنَادِقَةِ لَهَا.

  19. تَأْوِيلُ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُشْكِلَةِ:

    قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:

    وَقَدْ جَاءَتْ أَحَادِيثُ صِحَاحٌ، مِثْلَ: "قَلْبُ الْمُؤْمِنِ بَين أصبعين من أَصَابِع الرَّحْمَن"٣.

  20. و "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ" ١ وَ "كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِين" "وَيحمل٢ اللَّهُ الْأَرْضَ عَلَى أُصْبُعٍ وَيَجْعَلُ كَذَا عَلَى أُصْبُعٍ" ٣.

    ج ١ ص ١٣٠
  21. وَ "لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ، فَإِنَّهَا مِنْ نفَس الرَّحْمَنِ" ٤،

    وَ "كَثَافَةُ جِلْدِ الْكَافِرِ فِي النَّارِ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا، بِذِرَاعِ الْجَبَّارِ" ٥.

    قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:

    وَلِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ مَخَارِجُ، سَنُخْبِرُ بِهَا فِي مَوَاضِعِهَا مِنْ هَذَا الْكِتَابِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

  22. وَرُبَّمَا نَسِيَ الرَّجُلُ مِنْهُمُ الْحَدِيثَ قَدْ حَدَّثَ بِهِ، وَحُفِظَ عَنْهُ وَيُذَاكَرُ بِهِ، فَلَا يَعَرِفُهُ، وَيُخْبَرُ بِأَنَّهُ قَدْ حَدَّثَ بِهِ، فَيَرْوِيهِ عَمَّنْ سَمِعَهُ مِنْهُ، ضَنًا بِالْحَدِيثِ الْجَيِّدِ، وَرَغْبَةً فِي السُّنَّةِ، كَرِوَايَةِ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ" ٦.

    قَالَ رَبِيعَةُ: ثُمَّ ذَاكَرْتُ سُهَيْلًا بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَلَمْ يَحْفَظْهُ، وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ، يَرْوِيهِ عَنْ نَفْسِهِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

  23. وَكَرِوَايَةِ وَكِيعٍ وَأَبِي مُعَاوِيَةَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ حَدِيثَيْنِ:
  24. أَحدهمَا: عَن بن أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: حدّثنَاهُ مُحَمَّد بن٧ هَارُون

    ج ١ ص ١٣١قَالَ: نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: نَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة، عَن بن أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ: {يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا، وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا} ١ قَالَ: تَدُورُ دَوْرًا.

  25. وَعَنْ عَمْرٍو عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {مِنْ صَيَاصِيهِمْ} ٢ قَالَ: الْحُصُونُ.

  26. فَسُئِلَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْهُمَا، فَلَمْ يَعْرِفْهُمَا، وَحَدَّثَ ابْنُ عُيَيْنَةَ بِهِمَا عَنْهُمَا، عَنْ نَفْسِهِ,

    وَرَوَى ابْنُ٣ عُلَيَّةَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ٤ دِينَارٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى طَلَاقَ الْمُكْرَهِ شَيْئًا فَسَأَلَ عَنْهُ ابْنَ عُيَيْنَةَ، فَلَمْ يَعْرِفْهُ، ثُمَّ حَدَّثَ بِهِ بَعْدُ عَن بن عُلَيَّةَ عَنْ نَفْسِهِ.

  27. التَّنْبِيهُ إِلَى الْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ:

    قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:

    وَكَانَ مُعْتَمِرُ بْنُ٥ سُلَيْمَانَ يَقُولُ: حَدَّثَنِي مُنْقِذٌ عَنِّي، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: "وَيْحُ" كَلِمَةُ رَحْمَةٍ.

  28. وَقَدْ نَبَّهُوا عَلَى الطُّرُقِ الضِّعَافِ، كَحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ٦ سَعِيدٍ، عَن

    ج ١ ص ١٣٢أَبِيه، عَنْ جَدِّهِ لِأَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ عِنْدَهُمْ مِنْ كِتَابٍ.

  29. وَكَانَ مُغِيرَةُ، لَا يَعْبَأُ بِحَدِيثِ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، وَلَا بِحَدِيثِ خِلَاسٍ، وَلَا بِصَحِيفَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو١.

    وَقَالَ مُغِيرَةُ: كَانَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو صَحِيفَةٌ، تُسَمَّى الصَّادِقَةَ مَا تَسُرُّنِي أَنَّهَا لِي بِفِلْسَيْنِ.

    وَقَالَ: حَدِيثُ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ عَلِيٍّ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ أَصْحَابِ عَلِيٍّ عَنْهُ.

    وَقَالَ شُعْبَةُ: لأنْ أَزْنِي كَذَا وَكَذَا زَنْيَةً، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ أَبَانَ بْنِ أبي عَيَّاش٢.

  30. ضعفهم بِاللُّغَةِ وَالْمَعْرِفَةِ:
  31. وَأَمَّا طَعْنُهُمْ عَلَيْهِمْ بِقِلَّةِ الْمَعْرِفَةِ لِمَا يَحْمِلُونَ، وَكَثْرَةِ اللَّحْنِ وَالتَّصْحِيفِ، فَإِنَّ النَّاسَ لَا يَتَسَاوُونَ جَمِيعًا فِي الْمَعْرِفَةِ وَالْفَضْلِ، وَلَيْسَ صِنْفٌ مِنَ النَّاسِ إِلَّا وَلَهُ حَشْوٌ وَشَوْبٌ.

  32. فَأَيْنَ هَذَا العائب لَهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَعْلَمِ النَّاسِ بِكُلِّ فَنٍّ، وَحَمَّادِ بْنِ١ سَلَمَةَ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَابْنِ عَوْنٍ، وَأَيُّوبَ، وَيُونُسَ بْنِ٢ عُبَيْدٍ، وَسُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَيَحْيَى بْنِ٣ سَعِيدٍ، وَابْنِ جُرَيْجٍ٤، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَشُعْبَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، وَأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ مِنَ الْمُتْقِنِينَ؟

  33. الْمُنْفَرِدُ بِفَنٍّ لَا يُعَابُ بِالزَّلَلِ فِي غَيْرِهِ:
  34. عَلَى أَنَّ الْمُنْفَرِدَ بِفَنٍّ مِنَ الْفُنُونِ، لَا يُعَابُ بِالزَّلَلِ فِي غَيْرِهِ، وَلَيْسَ عَلَى الْمُحَدِّثِ عَيْبٌ أَنْ يَزِلَّ فِي الْإِعْرَابِ، وَلَا عَلَى الْفَقِيهِ أَنْ يَزِلَّ فِي الشِّعْرِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ ذِي عِلْمٍ أَنْ يُتْقِنَ فَنَّهُ، إِذَا احْتَاجَ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهِ، وَانْعَقَدَتْ لَهُ الرِّئَاسَةُ بِهِ.

  35. وَقَدْ يَجْتَمِعُ لِلْوَاحِدِ عُلُومٌ كَثِيرَةٌ، وَاللَّهُ يُؤْتِي الْفضل من يَشَاء.

  36. وَقَدْ قِيلَ لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَكَانَ فِي الْفُتْيَا وَلُطْفِ النَّظَرِ وَاحِدُ زَمَانِهِ١، مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ تَنَاوَلَ صَخْرَةً فَضَرَبَ بِهِ رَأْسَ رَجُلٍ فَقَتَلَهُ، أَتَقِيدُهُ بِهِ؟

    فَقَالَ: لَا، وَلَوْ رَمَاهُ بِأَبَا٢ قُبَيْسٍ.

    ج ١ ص ١٣٤
  37. وَكَانَ بِشْرٌ الْمَرِيسِيُّ يَقُولُ لِجُلَسَائِهِ: قَضَى اللَّهُ لَكُمُ الْحَوَائِجَ، عَلَى أَحْسَنِ الْأُمُورِ، وَأَهْنَؤُهَا٣.

  38. فَنَظَرَ قَاسِمٌ التَّمَّارُ قَوْمًا يَضْحَكُونَ، مِنْ قَوْلِ بِشْرٍ٤.

    فَقَالَ: هَذَا كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

    إِنَّ سُلَيْمَى وَاللَّهِ يَكْلَؤُهَا ... ضَنَّتْ بِشَيْءٍ مَا كَانَ يَرْزَؤُهَا

    وَبِشْرٌ رَأْسٌ فِي الرَّأْيِ، وَقَاسِمٌ التَّمَّارُ مُتَقَدِّمٌ فِي أَصْحَابِ الْكَلَامِ وَاحْتِجَاجُهُ لِبِشْرٍ أَعْجَبُ مِنْ لَحْنِ بِشْرٍ.

  39. وَقَالَ بِلَالٌ لِشَبِيبِ بْنِ٥ شَيْبَةَ، وَهُوَ يَسْتَعْدِي٦ عَلَى عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ: أَحْضِرْنِيهِ فَقَالَ: قَدْ دَعَوْتُهُ، فكلَّ ذَلِكَ يَأْبَى عَلَي، قَالَ بِلَال: فالذنب لكل٧.

  40. وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْأَدَبِ إِلَّا وَقَدْ أَسْقَطَ١ فِي عِلْمِهِ كَالْأَصْمَعِيِّ، وَأَبِي زَيْدٍ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ، وَسِيبَوَيْهِ٢، وَالْأَخْفَشِ٣، وَالْكِسَائِيِّ٤، وَالْفَرَّاءِ٥، وَأَبِي٦ عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، وَكَالْأَئِمَّةِ مِنْ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ، وَالْأَئِمَّةِ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ.

    ج ١ ص ١٣٥