ذكر أصحاب الحديث
٩٠ فقرة، ج ١ ص ١٢٧
الصفحة ٣ من ٣
- ج ١ ص ١٤١
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّهُمْ يَكْتُبُونَ الْحَدِيثَ عَنْ رجال من مخالفيهم، كـ "قَتَادَة" ، وَابْنِ أَبِي نَجِيحٍ١ وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَيَمْتَنِعُونَ عَنِ الْكِتَابَةِ عَنْ مِثْلِهِمْ، مِثْلَ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ، وَعَمْرِو٢ بْنِ فَائِدٍ، وَمَعْبَدٍ٣ الْجُهَنِيِّ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَتَبُوا عَنْهُمْ، أَهْلُ عِلْمٍ وَأَهْلُ صِدْقٍ فِي الرِّوَايَةِ.
-
وَمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ، فَلَا بَأْسَ بِالْكِتَابَةِ عَنْهُ، وَالْعَمَلِ بِرِوَايَتِهِ، إِلَّا فِيمَا اعْتَقَدَهُ مِنَ الْهَوَى، فَإِنَّهُ لَا يَكْتُبُ عَنْهُ، وَلَا يَعْمَلُ بِهِ.
-
كَمَا أَنَّ الثِّقَةَ الْعَدْلَ، تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِنَفْسِهِ، وَلَا لِابْنِهِ، وَلَا لِأَبِيهِ، وَلَا فِيمَا جرَّ إِلَيْهِ نَفَعًا، أَوْ دَفَعَ عَنْهُ ضَرَرًا.
-
وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْ قَبُولِ قَوْلِ الصَّادِقِ، فِيمَا وَافَقَ نِحْلَتَهُ، وَشَاكَلَ هَوَاهُ، لِأَنَّ نَفْسَهُ تُرِيهِ أَنَّ الْحَقَّ فِيمَا اعتقده، وَأَن الْقرب إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي تَثْبِيتِهِ بِكُلِّ وَجْهٍ، وَلَا يُؤْمَنُ مَعَ ذَلِكَ، التَّحْرِيفُ، وَالزِّيَادَةُ، وَالنُّقْصَانُ.
-
فَإِنْ قَالُوا: فَإِنَّ أَهْلَ الْمَقَالَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ، يَرَى كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ أَنَّ الْحَقَّ فِيمَا اعْتَقَدَهُ وَأَنَّ مُخَالِفَهُ عَلَى ضَلَالٍ وَهَوًى، وَكَذَلِكَ أَصْحَاب الحَدِيث، فِيمَا انتحلوا.
- ج ١ ص ١٤٢
فَمِنْ أَيْنَ عَلِمُوا عِلْمًا يَقِينًا، أَنَّهُمْ عَلَى الْحَقِّ؟
-
قِيلَ لَهُمْ: إِنَّ أَهْلَ الْمَقَالَاتِ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا، وَرَأَى كُلُّ صِنْفٍ مِنْهُمْ أَنَّ الْحَقَّ فِيمَا دَعَا إِلَيْهِ، فَإِنَّهُمْ مُجْمِعُونَ١ لَا يَخْتَلِفُونَ عَلَى أَنَّ مَنِ اعْتَصَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَتَمَسَّكَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَدِ اسْتَضَاءَ بِالنُّورِ وَاسْتَفْتَحَ بَابَ الرُّشْدِ، وَطَلَبَ الْحَقَّ مِنْ مَظَانِّهِ.
-
وَلَيْسَ يَدْفَعُ أَصْحَابَ الْحَدِيثِ عَنْ ذَلِكَ إِلَّا ظَالِمٌ، لِأَنَّهُمْ لَا يَرُدُّونَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الدِّينِ، إِلَى اسْتِحْسَانٍ، وَلَا إِلَى قِيَاسٍ وَنَظَرٍ، وَلَا إِلَى كُتُبِ الْفَلَاسِفَةِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَلَا إِلَى أَصْحَابِ الْكَلَامِ الْمُتَأَخِّرِينَ.
-
فَإِنِ ادَّعَوْا عَلَيْهِمُ الْخَطَأَ بِحَمْلِهِمُ الْكَذِبَ وَالْمُتَنَاقِضَ، قِيلَ لَهُمْ:
أَمَّا الْكَذِبُ وَالْغَلَطُ وَالضَّعِيفُ، فَقَدْ نُبِّهُوا عَلَيْهِ، عَلَى مَا أَعْلَمْتُكَ.
-
وَأَمَّا الْمُتَنَاقِضُ، فَنَحْنُ مُخْبِرُوكَ بِالْمَخَارِجِ مِنْهُ، وَمُنَبِّهُوكَ عَلَى مَا تَأَخَّرَ عَنْهُ عِلْمُكَ، وَقَصُرَ عَنْهُ نَظَرُكَ، وَبِاللَّهِ الثِّقَة، وَهُوَ الْمُسْتَعَان.