ابن قتيبة

١٤٥ فقرة، ج ١ ص ٢٢

الصفحة ٤ من ٤

  1. وَمن بعد الْأَنْبَارِي: أَبُو الطّيب "ت٣٥١هـ" إِذْ يَقُول فِي كِتَابه مَرَاتِب النَّحْوِيين: "وَكَانَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسلم بن قُتَيْبَة الدينَوَرِي أَخذ عَن أبي حَاتِم والرياشي وَعبد الرَّحْمَن بن أخي الْأَصْمَعِي. وَقد أَخذ ابْن دُرَيْد عَن هَؤُلَاءِ كلهم وَعَن الأشنانداني إِلَّا أَن ابْن قُتَيْبَة خلط عَلَيْهِ بحكايات عَن الْكُوفِيّين لم يكن أَخذهَا عَن ثِقَات. وَكَانَ يشرع فِي أَشْيَاء لَا يقوم بهَا، نَحْو تعرضه لتأليف كِتَابه فِي النَّحْو، وَكتابه فِي تَعْبِير الرُّؤْيَا، وَكتابه فِي معجزات النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعيون الْأَخْبَار والمعارف وَالشعرَاء وَنَحْو ذَلِك مِمَّا أزرى بِهِ عِنْد الْعلمَاء وَإِن كَانَ نفق بهَا عِنْد الْعَامَّة وَمن لَا بَصِيرَة لَهُ" .

    ج ١ ص ٣٣
  2. وَغير ابْن الْأَنْبَارِي وَأبي الطّيب نجد: الْحَاكِم أَبَا عبد الله مُحَمَّد النيسابوي "ت٤٠٥هـ" الَّذِي يَقُول: "أَجمعت الْأمة على أَن القتيبي كَذَّاب" .

  3. كَمَا نجد "ابْن تغريبردي" يروي "ت٨٧٤هـ" "وَكَانَ ابْن قُتَيْبَة خَبِيث اللِّسَان يَقع فِي حق كبار الْعلمَاء" .

  4. وَكَلَام الَّذين ينتقصون ابْن قُتَيْبَة كُله لَا يخرج عَن هذَيْن الشقين، شقّ فِيهِ المآخذ العلمية وشق مَعَه السب والتشهير.

    ج ١ ص ٣٤
  5. وَلَعَلَّ الرَّغْبَة الطامحة من ابْن قُتَيْبَة، هِيَ الَّتِي دَفعته إِلَى أَن ينزل فِي ميادين مُخْتَلفَة حَملته تبعات لم يسْتَطع أَن ينْهض بهَا كلهَا على سَوَاء، وَرُبمَا اضطرته إِلَى شَيْء من الْجمع الَّذِي يفتقد الْإِنْسَان مَعَه التَّحَرِّي والتثبت، وَهَذَا مِمَّا مكن خصومه أَن يتهموه بِالْكَذِبِ وَنَحْوه.

  6. عصر ابْن قُتَيْبَة والحياة العلمية:
  7. كَانَ الْمَنْصُور هُوَ أول من أسس لحياة علمية أدبية فِي بَغْدَاد وَكَانَ أَو من أنشأ بهَا مدارس للطب والعلوم الدِّينِيَّة أنْفق فِي سَبِيلهَا أَمْوَالًا طائلة.

  8. وعَلى هَذِه الْحَال الَّتِي بَدَأَ بهَا أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور سَارَتْ الْحَيَاة فِي "بَغْدَاد" لم يتَخَلَّف عَنْهَا ابْنه "الْمهْدي" فقد كَانَ هُوَ الآخر نقادة للشعر.

  9. ثمَّ تعاقب الْخُلَفَاء العباسيون فِي فَتْرَة ازدهر فِيهَا الْعلم وَالْأَدب والفن والفلسفة، فالرشيد "١٧١هـ -١٩٣هـ" كَانَ محبًا للْعُلَمَاء ولوعًا بالأدب فأفسح للْعُلَمَاء والحكماء والأدباء، وبذل الْكثير من المَال لنشر الْعُلُوم والفنون، وَبَلغت "بَغْدَاد" فِي أَيَّامه مكانة لم تظفر بهَا مَدِينَة فِي تِلْكَ الفترة من التَّارِيخ. وأصبحت مهد الحضارة، ومركزًا للفنون والآداب، وزخرت بالأدباء وَالشعرَاء وَالْعُلَمَاء، وأنشئت فِيهَا المراصد والمكتبات والبيمارستانات والمدارس، وَإِلَيْهِ يعزى تأسيس بَيت الْحِكْمَة، الَّذِي جمع لَهُ من الْكتب شَيْئا كثيرا، وَكَانَ مُجْتَمع الباحثين والمفكرين وَالْعُلَمَاء والدارسين. وَفِي عهد الْمَأْمُون تتجه الْعِنَايَة إِلَى بَيت الْحِكْمَة فيفرد لكل عَالم ركن وتزدحم جنباتها بالعلماء والفلاسفة والمترجمين والمؤلفين وأئمة الْأَدَب واللغة وَالْعلم.

  10. وينتقل المعتصم إِلَى مدينته الجديدة "سر من رأى" فتخبوا الْحَيَاة العلمية والأدبية فِي بَغْدَاد إِلَى أَوَاخِر أَيَّام الْخَلِيفَة "الْمُعْتَمد على الله" حَتَّى إِذا مَا عَاد إِلَيْهَا سنة "٢٧٩هـ" دبت الْحَيَاة فِيهَا مرّة ثَانِيَة وَعَاد إِلَيْهَا نشاطها العلمي من جَدِيد.

  11. وعَلى وَجه الْإِجْمَال فَإِن من ولي خلَافَة بَغْدَاد فِي تِلْكَ الفترة كَانُوا من الْخُلَفَاء الْعلمَاء، فرغبوا فِي الْعلم، وأحسنوا إِلَى الْعلمَاء وأكرموهم؛ فازدهرت بَغْدَاد بالعلماء وبالقادمين مِنْهُم إِلَيْهَا وأصبحت ميدانًا للحركة العلمية لَا نَظِير لَهُ فِي الْعَالم.

    ج ١ ص ٣٥
  12. ويبدو أَن الْمَأْمُون كَانَ درة تِلْكَ الفترة من التَّارِيخ بِعِلْمِهِ وشغفه بِالْعلمِ وَأَهله، يحاور الْعلمَاء وَيجْلس إِلَيْهِم. فيسود عصره لون من التسامح الفكري يشجع الْعلمَاء والمفكرين على الإبداع وحرية الرَّأْي، فَكَانَ لذَلِك أَثَره الْكَبِير فِي ظُهُور الْفرق الكلامية واحتدام الجدل بَينهَا، وَظهر فِي هَذَا الْعَصْر نفر من جلة الْعلمَاء ورءوس الْمُتَكَلِّمين أوغلوا فِي الْبَحْث معتمدين على الْعقل مخالفين بِمَا يَقُولُونَ مَا عَلَيْهِ أَكثر عُلَمَاء الْمُسلمين.

  13. وَنَشَأ هَذَا الْخلاف أول مَا نَشأ فِي الْبَصْرَة ثمَّ تعداها إِلَى بَغْدَاد، حمل لِوَاءُهُ وَاصل بن عَطاء ثمَّ عَمْرو بن عبيد -الَّذِي قربه الْمَنْصُور إِلَيْهِ- ثمَّ أَبُو الْهُذيْل العلاف، والنظام وَغَيرهم من شُيُوخ الاعتزال.

  14. وَمضى الْخلاف بَين الْمُعْتَزلَة وَأهل السّنة يَتَّسِع، حَتَّى توج أخيرًا بِتِلْكَ المشكلة الَّتِي مَال فِيهَا الْمَأْمُون إِلَى رَأْي الْمُعْتَزلَة -وَهِي مشكلة خلق الْقُرْآن- تِلْكَ المشكلة الَّتِي شغلت الْمَأْمُون أَكثر من غَيره، وَأخذ يناصب العداء كل من خَالفه مناقضًا بذلك منهجه الأساسي فِي احترامه لحرية الرَّأْي وَتَقْدِيره لاجتهادات الْعلمَاء، لكنه التعصب الَّذِي قد ينَال بعض الْعلمَاء فيتحمسون لما يرونه إِلَى دَرَجَة لَا يَسْتَطِيعُونَ سَماع رَأْي مُخَالف.

  15. وَمن بعد الْمَأْمُون يَجِيء "المعتصم" فيتورط فِيهَا كَمَا تورط أَخُوهُ الْمَأْمُون، وتستمر هَذِه المحنة حَتَّى عهد "الواثق" فيحاول أَن يجد لهَذِهِ المشكلة مخرجا، وتنتهي فِي عهد "المتَوَكل" ٢٤٧هـ حَيْثُ خلى بَين النَّاس وَبَين مَا يرَوْنَ.

  16. وَإِلَى جَانب الْمدَارِس الكلامية تقوم مدارس نحوية وألوان من الْفِكر والثقافة نتيجة لهَذِهِ الْحَرَكَة العلمية الَّتِي ساهم فِيهَا خليط من الشعوب مثل

    ج ١ ص ٣٦الْفرس والرومان وَالتّرْك والصينيون والهنود والبرابرة والزنج والنبط، وَأهل النَّحْل والأديان والمذاهب من الْمُسلمين وَالنَّصَارَى وَالْيَهُود والصابئة والسامرة وَالْمَجُوس وَغَيرهم ...

  17. هَذَا هُوَ الْعَصْر الَّذِي أقبل عَلَيْهِ ابْن قُتَيْبَة وَالَّذِي شَارك فِيهِ: عصر نزاع ديني وعصر نزاع نحوي، وعصر عُلُوم مُخْتَلفَة وثقافات مُتعَدِّدَة، وَكَانَ من الطبيعي أَن يَخُوض ابْن قُتَيْبَة فِي غمار هَذِه النزاعات وَأَن يُسهم فِي الإدلاء بدلوه بَين أَرْبَاب الْفِكر والمذاهب، وَأَن يكْتب منتصرًا لما يعْتَقد أَنه حق مذهبا ومعتقدًا، فَلم يكد يفلته ركن لم يُشَارك فِيهِ.

  18. وَإِن إِلْقَاء نظرة على عناوين كتبه توضح لنا أَن هَذِه الْكتب كَانَت ثَمَرَة للحركة العلمية فِي عصره، حَيْثُ ساهم فِي الاهتمامات العلمية الثقافية السائدة فِي عصره وشارك فِيهَا جَمِيعهَا:

    - شَارك فِي محنة خلق الْقُرْآن وَكَانَ لَهُ فِيهَا رَأْي، وصنف فِي هَذِه الْقَضِيَّة كِتَابه: "الرَّد على الْقَائِل بِخلق الْقُرْآن" .

  19. - وشارك فِي فتن المشبهة والمجسمة، ورد عَلَيْهِم بكتابه: "الرَّد على الْجَهْمِية والمشبهة" .

  20. - وشارك فِي الْخلاف النَّحْوِيّ بَين مدرسة الْبَصْرَة ومدرسة الْكُوفَة، وَجعل بَينهمَا مدرسة ثَالِثَة فِي بَغْدَاد، وصنف كتابين فِي النَّحْو هما: "جَامع النَّحْو الْكَبِير" و "جَامع النَّحْو الصَّغِير" وَكَانَ هُوَ فِي بَغْدَاد زعيمًا لتِلْك الْمدرسَة النحوية.

  21. - وشارك فِي قَضِيَّة الشعوبية الَّتِي كَانَ خطرها يزْدَاد وينتشر، وانتصر للْعَرَب على الْعَجم لَا تعصبًا وانحيازًا بل اتبَاعا وانقيادًا للنصوص وحبًّا بِالْإِسْلَامِ الَّذِي نزل كِتَابه باللغة الْعَرَبيَّة على نَبِي عَرَبِيّ، فَوضع فِي ذَلِك كِتَابه: "فضل الْعَرَب على الْعَجم" .

  22. - وشارك فِي الِانْتِصَار لمَذْهَب أهل السّنة واقتفاء أثر السّلف الصَّالح بالاعتصام بِكِتَاب الله تَعَالَى وَسنة رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوضع عدَّة كتب مدافعًا عَن

    ج ١ ص ٣٧هذَيْن المصدرين ومبينًا وشارحًا لَهما، خدمَة للدّين وجلاء للطريق الْمُسْتَقيم الَّذِي رَآهُ. فَوضع فِي ذَلِك عدَّة كتب: "مُشكل الْقُرْآن" و "الْقرَاءَات" و "إِعْرَاب الْقُرْآن" و "آدَاب الْقِرَاءَة" و "غَرِيب الحَدِيث" و "مُشكل الحَدِيث" و "اخْتِلَاف تَأْوِيل الحَدِيث" .

  23. - كَمَا شَارك فِي الْحَرَكَة الأدبية، وتقويم اللِّسَان وفْق أصُول اللُّغَة الْعَرَبيَّة، لما فِي ذَلِك من خدمَة لكتاب الله تَعَالَى وَسنة رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولربط الْأمة بأصولها، ومحافظة على اللُّغَة الَّتِي تنزلت بهَا النُّصُوص. فَوضع فِي ذَلِك عدَّة كتب: تَقْوِيم اللِّسَان " و" فرائد الدُّرَر " و" أدب الْكَاتِب " و" عُيُون الشّعْر " و" طَبَقَات الشُّعَرَاء " و" كتاب الْمعَانِي الْكَبِير". وَهَكَذَا كَانَ ابْن قُتَيْبَة إِمَامًا من هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة المشاركين فِي قضايا عصرهم، المهتمين بِخِدْمَة دينهم، العاملين فِي خدمَة الْحق الَّذِي يرَوْنَ بجد وثبات.

  24. كلمة شكر

    وَلَا يفوتني قبل أَن أنهِي مقدمتي من أَن أسجل شكري للْأَخ الْفَاضِل الدكتور منورنينار الَّذِي أحضر لي صُورَة عَن مخطوطة هَذَا الْكتاب من دَار الْكتب القطرية.

  25. وَكَذَلِكَ للْأَخ الْأُسْتَاذ عمر عبيد حسنه، الَّذِي أفدت من ملاحظاته الْقيمَة فِي هَذِه الْمُقدمَة، فأجزل الله مثوبتهما وشكر لَهما. وَالله من وَرَاء الْقَصْد وَهُوَ يهدي السَّبِيل.