المثال الثالث استواء الله على عرشه

٦٣ فقرة، ج ١ ص ٣٧١

الصفحة ١ من ٢

  1. الْمِثَالُ الثَّالِثُ: فِي قَوْلِهِ: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: ٥] فِي سَبْعِ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ حَقِيقَةٌ عِنْدَ جَمِيعِ فِرَقِ الْأُمَّةِ إِلَّا الْجَهْمِيَّةَ وَمَنْ وَافَقَهُمْ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: هُوَ مَجَازٌ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي مَجَازِهِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُمْ مَا حَكَاهُ الْأَشْعَرِيُّ عَنْهُمْ وَبَدَّعَهُمْ وَضَلَّلَهُمْ فِيهِ بِمَعْنَى اسْتَوْلَى، أَيْ مَلَكَ وَقَهَرَ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ مِنْهُمْ: بَلْ مَعْنَى قَصَدَ وَأَقْبَلَ عَلَى خَلْقِ الْعَرْشِ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرَى: بَلْ هُوَ مُجْمَلٌ فِي مَجَازَاتِهِ يَحْتَمِلُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَجْهًا كُلُّهَا لَا يُعْلَمُ أَيُّهَا الْمُرَادُ إِلَّا أَنَّا نَعْلَمُ انْتِفَاءَ الْحَقِيقَةِ عَنْهُ بِالْعَقْلِ، هَذَا الَّذِي قَالُوهُ بَاطِلٌ مِنِ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَجْهًا:

    ج ١ ص ٣٧٢أَحَدُهَا: أَنَّ لَفْظَ الِاسْتِوَاءِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الَّذِي خَاطَبَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِلُغَتِهِمْ وَأَنْزَلَ بِهَا كَلَامَهُ نَوْعَانِ: مُطْلَقٌ وَمُقَيَّدٌ، فَالْمُطَلَّقُ مَا لَمْ يُوصَلْ مَعْنَاهُ بِحَرْفٍ مِثْلُ قَوْلِهِ: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى} [القصص: ١٤] وَهَذَا مَعْنَاهُ كَمُلَ وَتَمَّ، يُقَالُ: اسْتَوَى النَّبَاتُ وَاسْتَوَى الطَّعَامُ، وَأَمَّا الْمُقَيَّدُ فَثَلَاثَةُ أَضْرَابٍ: أَحَدُهَا: مُقَيَّدٌ بِإِلَى كَقَوْلِهِ: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} [البقرة: ٢٩] وَاسْتَوَى فُلَانٌ إِلَى السَّطْحِ وَإِلَى الْغُرْفَةِ، وَقَدْ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ هَذَا الْمُعَدَّى بِإِلَى فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ كِتَابِهِ: فِي الْبَقَرَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} [البقرة: ٢٩] وَالثَّانِي فِي سُورَةِ فُصِّلَتْ: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ} [فصلت: ١١] وَهَذَا بِمَعْنَى الْعُلُوِّ وَالِارْتِفَاعِ بِإِجْمَاعِ السَّلَفِ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ وَنَذْكُرُ أَلْفَاظَهُمْ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

    ج ١ ص ٣٧١
  2. وَالثَّانِي: مُقَيَّدٌ بِعَلَى كَقَوْلِهِ: {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} [هود: ٤٤] وَقَوْلِهِ: {فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ} [الفتح: ٢٩] وَهَذَا أَيْضًا مَعْنَاهُ الْعُلُوُّ وَالِارْتِفَاعُ وَالِاعْتِدَالُ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ اللُّغَةِ، الثَّالِثُ: الْمُقِرُّونَ بِوَاوِ (مَعَ) الَّتِي تُعَدِّي الْفِعْلَ إِلَى الْمَفْعُولِ مَعَهُ، نَحْوَ: اسْتَوَى الْمَاءُ وَالْخَشَبَةَ بِمَعْنَى سَاوَاهَا، وَهَذِهِ مَعَانِي الِاسْتِوَاءِ الْمَعْقُولَةِ فِي كَلَامِهِمْ، لَيْسَ فِيهَا مَعْنَى اسْتَوْلَى الْبَتَّةَ، وَلَا نَقَلَهُ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ الَّذِينَ يُعْتَمَدُ قَوْلُهُمْ، وَإِنَّمَا قَالَهُ مُتَأَخِّرُو النُّحَاةِ مِمَّنْ سَلَكَ طَرِيقَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ، يُوَضِّحُهُ:

    الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا ذَلِكَ لَمْ يَقُولُوهُ نَقْلًا، فَإِنَّهُ مُجَاهَرَةٌ بِالْكَذِبِ وَإِنَّمَا قَالُوهُ اسْتِنْبَاطًا وَحَمْلًا مِنْهُمْ لِلَفْظَةِ اسْتَوَى عَلَى اسْتَوْلَى، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:

    قَدِ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى الْعِرَاقِ ... مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ أَوْ دَمٍ مُهْرَاقِ

    وَهَذَا الْبَيْتُ لَيْسَ مِنْ شِعْرِ الْعَرَبِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ.

  3. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ لَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ أَنْكَرُوهُ غَايَةَ الْإِنْكَارِ، وَلَمْ يَجْعَلُوهُ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ، قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ وَقَدْ سُئِلَ: هَلْ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ اسْتَوَى بِمَعْنَى اسْتَوْلَى؟ فَقَالَ: لَا تَعْرِفُ الْعَرَبُ ذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ مَنْ أَكَابِرِ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ.

  4. الْوَجْهُ الرَّابِعُ: مَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ فِي كِتَابِهِ (شِعَارِ الدِّينِ) قَالَ: الْقَوْلُ فِي أَنَّ اللَّهَ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْأَدِلَّةَ فِي الْقُرْآنِ ثُمَّ قَالَ: فَدَلَّ مَا تَلَوْتُهُ مِنْ هَذِهِ الْآيِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فِي السَّمَاءِ مُسْتَوٍ عَلَى الْعَرْشِ، وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ الْمُسْلِمِينَ خَاصِّهِمْ وَعَامِّهِمْ بِأَنْ يَدْعُوا رَبَّهُمْ عِنْدَ الِابْتِهَالِ وَالرَّغْبَةِ إِلَيْهِ وَيَرْفَعُوا أَيْدِيَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ، وَذَلِكُمْ لِاسْتِفَاضَةِ الْعِلْمِ عِنْدَهُمْ بِأَنَّ الْمَدْعُوَّ فِي السَّمَاءِ سُبْحَانَهُ.

    ج ١ ص ٣٧٣
  5. إِلَى أَنْ قَالَ: وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الِاسْتِوَاءَ هَاهُنَا بِمَعْنَى الِاسْتِيلَاءِ، وَنَزَعَ فِيهِ إِلَى بَيْتٍ مَجْهُولٍ لَمْ يَقُلْهُ شَاعِرٌ مَعْرُوفٌ يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِقَوْلِهِ، وَلَوْ كَانَ الِاسْتِوَاءُ هَاهُنَا بِمَعْنَى الِاسْتِيلَاءِ لَكَانَ الْكَلَامُ عَدِيمَ الْفَائِدَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَحَاطَ عِلْمَهُ وَقُدْرَتَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ وَكُلِّ قَطْرٍ وَبُقْعَةٍ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ وَتَحْتَ الْعَرْشِ، فَمَا مَعْنَى تَخْصِيصِهِ الْعَرْشَ بِالذِّكْرِ، ثُمَّ إِنَّ الِاسْتِيلَاءَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ مَعْنَاهُ عِنْدَ الْمَنْعِ مِنَ الشَّيْءِ، فَإِذَا وَقَعَ الظَّفَرُ بِهِ قِيلَ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ، فَأَيُّ مَنْعٍ كَانَ هُنَاكَ حَتَّى يُوصَفَ بِالِاسْتِيلَاءِ بَعْدَهُ؟ هَذَا لَفْظُهُ وَهُوَ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ.

  6. الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّ هَذَا تَفْسِيرٌ لِكَلَامِ اللَّهِ بِالرَّأْيِ الْمُجَرَّدِ الَّذِي لَمْ يَذْهَبْ إِلَيْهِ صَاحِبٌ وَلَا تَابِعٌ، وَلَا قَالَهُ إِمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ الَّذِينَ يَحْكُونَ أَقْوَالَ السَّلَفِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» " .

  7. الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّ إِحْدَاثَ الْقَوْلِ فِي تَفْسِيرِ كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي كَانَ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ عَلَى خِلَافِهِ يَسْتَلْزِمُ أَحَدَ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ خَطَأً فِي نَفْسِهِ، أَوْ تَكُونَ أَقْوَالُ السَّلَفِ الْمُخَالِفَةِ لَهُ خَطَأً، وَلَا يَشُكُّ عَاقِلٌ أَنَّهُ أَوْلَى بِالْغَلَطِ وَالْخَطَأِ مِنْ قَوْلِ السَّلَفِ.

  8. الْوَجْهُ السَّابِعُ: أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ قَدِ اطَّرَدَ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ حَيْثُ وَرَدَ بِلَفْظِ الِاسْتِوَاءِ دُونَ الِاسْتِيلَاءِ، وَلَوْ كَانَ مَعْنَاهُ اسْتَوْلَى لَكَانَ اسْتِعْمَالُهُ فِي أَكْثَرِ مَوْرِدِهِ كَذَلِكَ، فَإِذَا جَاءَ مَوْضِعٌ أَوْ مَوْضِعَانِ بِلَفْظِ اسْتَوَى حُمِلَ عَلَى مَعْنَى اسْتَوْلَى لِأَنَّهُ الْمَأْلُوفُ الْمَعْهُودُ، وَأَمَّا أَنْ يَأْتِيَ إِلَى لَفْظٍ قَدِ اطَّرَدَ اسْتِعْمَالُهُ فِي جَمِيعِ مَوَارِدِهِ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، فَيَدَّعِي صَرْفَهُ فِي الْجَمِيعِ إِلَى مَعْنًى لَمْ يَعْهَدِ اسْتِعْمَالَهُ فِيهِ فَفِي غَايَةِ الْفَسَادِ، وَلَمْ يَقْصِدْهُ وَيَفْعَلْهُ مِنْ قَصْدِ الْبَيَانِ، هَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي السِّيَاقِ مَا يَأْتِي حَمْلُهُ عَلَى غَيْرِ مَعْنَاهُ الَّذِي اطَّرَدَ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ، فَكَيْفَ وَفِي السِّيَاقِ مَا يَأْبَى ذَلِكَ.

  9. الْوَجْهُ الثَّامِنُ: أَنَّهُ أَتَى بِلَفْظَةِ (ثُمَّ) الَّتِي حَقِيقَتُهَا التَّرْتِيبُ وَالْمُهْلَةُ، وَلَوْ كَانَ مَعْنَاهُ مَعْنَى الْقُدْرَةِ عَلَى الْعَرْشِ وَالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ لَمْ يَتَأَخَّرْ ذَلِكَ إِلَى مَا بَعْدَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَإِنَّ الْعَرْشَ كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ عَامٍ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّرَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ» " ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} [هود: ٧] فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ قَادِرٍ وَلَا مُسْتَوْلٍ عَلَى الْعَرْشِ إِلَى أَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ.

    ج ١ ص ٣٧٤
  10. فَإِنْ قِيلَ: نَحْمِلُ " ثُمَّ " عَلَى مَعْنَى الْوَاوِ وَنُجَرِّدُهَا عَلَى مَعْنَى التَّرْتِيبِ.

  11. قِيلَ: هَذَا بِخِلَافِ الْأَصْلِ وَالْحَقِيقَةِ، فَأَخْرَجْتُمْ ثُمَّ عَنْ حَقِيقَتِهَا وَالِاسْتِوَاءَ عَنْ حَقِيقَتِهِ وَلَفْظَ الرَّحْمَنِ عَنْ حَقِيقَتِهِ، وَرَكَّبْتُمْ مَجَازَاتٍ بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ.

  12. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ يَأْتِي " ثُمَّ " لِتَرْتِيبِ الْخَبَرِ لَا لِتَرْتِيبِ الْمُخْبِرِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا بَعْدَهَا سَابِقًا عَلَى مَا قَبْلَهَا فِي الْوُجُودِ وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْهُ فِي الْإِخْبَارِ.

  13. قِيلَ: هَذَا لَا يَثْبُتْ أَوَّلًا وَلَا يَصِحُّ بِهِ نَقْلٌ، وَلَمْ يَأْتِ فِي كَلَامٍ فَصِيحٍ، وَلَوْ قُدِّرَ وُرُودُهُ فَهُوَ نَادِرٌ لَا يَكُونُ قِيَاسًا مُطَّرِدًا تُتْرَكُ الْحَقِيقَةُ لِأَجْلِهِ.

  14. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ، وَهُوَ أَفْصَحُ الْكَلَامِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} [الأعراف: ١١] وَالْأَمْرُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ كَانَ قَبْلَ خَلْقِنَا وَتَصْوِيرِنَا، قَالَ تَعَالَى: {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ} [يونس: ٤٦] وَشَهَادَتُهُ تَعَالَى عَلَى أَفْعَالِهِمْ سَابِقَةٌ عَلَى رُجُوعِهِمْ.

  15. قِيلَ: لَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مَا بَعْدَ (ثُمَّ) عَلَى مَا قَبْلَهَا، أَمَّا قَوْلُهُ: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} [الأعراف: ١١] فَهُوَ خَلْقُ أَصْلِ الْبَشَرِ وَأَبِيهِمْ، وَجَعَلَهُ سُبْحَانَهُ خَلْقًا لَهُمْ وَتَصْوِيرًا إِذْ هُوَ أَصْلُهُمْ وَهُمْ فَرْعُهُ، وَبِهَذَا فَسَّرَهَا السَّلَفُ، قَالُوا خَلَقْنَا أَبَاكُمْ، وَخَلْقُ أَبِي الْبَشَرِ خَلْقٌ لَهُمْ.

  16. وَأَمَّا قَوْلُهُ: {فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ} [يونس: ٤٦] فَلَيْسَ تَرْتِيبًا لِإِطْلَاعِهِ عَلَى أَفْعَالِهِمْ، وَإِنَّمَا تَرْتِيبٌ لِمُجَازَاتِهِمْ عَلَيْهَا، وَذَكَرَ الشَّهَادَةَ الَّتِي هِيَ عِلْمُهُ وَلِإِطْلَاعِهِ تَقْرِيرًا لِلْجَزَاءِ عَلَى طَرِيقَةِ الْقُرْآنِ فِي وَضْعِ الْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ مَوْضِعَ الْجَزَاءِ لِأَنَّهُ يَكُونُ بِهِمَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [لقمان: ٢٣] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: ١٦٥] وَقَوْلِهِ: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا} [فاطر: ٤٥] وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ، وَهُوَ كَمَا يَقُولُ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنِّي أَعْلَمُ مَا تَفْعَلُهُ، وَأَنَا قَادِرٌ عَلَيْكَ، وَهَذَا أَبْلَغُ مِنْ ذِكْرِ الْعِقَابِ وَأَعَمُّ فَائِدَةً.

    ج ١ ص ٣٧٥
  17. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ تَصْنَعُونَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ؟

    قُلْ لِمَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوهُ ... ثُمَّ قَدْ سَادَ قَبْلَ ذَلِكَ جَدُّهُ

    قُلْنَا: أَيُّ شَاعِرٍ هَذَا حَتَّى يُحْتَجَّ بِقَوْلِهِ، وَأَيْنَ صِحَّةُ الْإِسْنَادِ إِلَيْهِ لَوْ كَانَ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِشِعْرِهِ؟ وَأَنْتُمْ لَا تَقْبَلُونَ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَيْفَ تَقْبَلُونَ شِعْرًا لَا تَعْلَمُونَ قَائِلَهُ وَلَا تُسْنِدُونَ إِلَيْهِ الْبَتَّةَ.

  18. الْوَجْهُ التَّاسِعُ: أَنَّ فَاضِلَكُمُ الْمُتَأَخِّرَ لَمَّا تَفَطَّنَ لِهَذَا ادَّعَى الْإِجْمَاعَ أَنَّ الْعَرْشَ مَخْلُوقٌ بَعْدَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّهُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ، وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَصْلًا، وَهُوَ مُنَاقِضٌ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ أَظْهَرُ مُنَاقَضَةً، فَإِنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامِ وَعَرْشُهُ حِينَئِذٍ عَلَى الْمَاءِ، وَهَذِهِ وَاوُ الْحَالِ، أَيْ خَلَقَهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ، فَدَلَّ عَلَى سَبْقِ الْعَرْشِ وَالْمَاءِ لِلسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.

  19. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " «قَدَّرَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ» " ، وَأَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ أَنَّ الْعَرْشَ مَخْلُوقٌ قَبْلَ الْقَلَمِ، لِمَا فِي السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ، قَالَ اكْتُبْ، قَالَ: مَا أَكْتُبُ؟ قَالَ اكْتُبِ الْقَدَرَ، فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ قَدَّرَ الْمَقَادِيرَ وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ» ، وَأَخْبَرَ فِي هَذَا

    ج ١ ص ٣٧٦الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَدَّرَهَا فِي أَوَّلِ أَوْقَاتِ خَلْقِ الْقَلَمِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْعَرْشَ سَابِقٌ عَلَى الْقَلَمِ، وَالْقَلَمَ سَابِقٌ عَلَى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، فَادَّعَى هَذَا الْجَهْمِيُّ أَنَّ الْعَرْشَ مَخْلُوقٌ بَعْدَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَمْ يَكْفِهِ هَذَا الْكَذِبُ حَتَّى ادَّعَى الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ، لِيَتَأَتَّى لَهُ إِخْرَاجُ الِاسْتِوَاءِ عَنْ حَقِيقَتِهِ.

  20. الْوَجْهُ الْعَاشِرُ: أَنَّ الِاسْتِيلَاءَ وَالِاسْتِوَاءَ لَفْظَانِ مُتَغَايِرَانِ، وَمَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَانِ فَحَمْلُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ إِنِ ادُّعِيَ أَنَّهُ بِطَرِيقِ الْوَضْعِ فَكَذِبٌ ظَاهِرٌ، فَإِنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَضَعْ لَفْظَ الِاسْتِوَاءِ لِلِاسْتِيلَاءِ الْبَتَّةَ، وَإِنْ كَانَ بِطَرِيقِ الِاسْتِعْمَالِ فِي لُغَتِهِمْ فَكَذِبٌ أَيْضًا، فَهَذَا نَظْمُهُمْ وَنَثْرُهُمْ شَاهِدٌ بِخِلَافِ مَا قَالُوهُ، فَتَتَبَّعْ لَفْظَ اسْتَوَى وَمَوَارِدَهَا فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ هَلْ تَجِدُهَا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ بِمَعْنَى الِاسْتِيلَاءِ؟ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْبَيْتُ الْمَصْنُوعَ الْمُخْتَلَقَ، وَإِنْ كَانَ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ الْقِيَاسِيِّ فَهُوَ إِنْشَاءٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ بِهَذَا الِاسْتِعْمَالِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ كَلَامَ غَيْرِهِ مِنَ النَّاسِ فَضْلًا عَنْ كَلَامِ اللَّهِ وَكَلَامِ رَسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُوَضِّحُهُ:

    الْوَجْهُ الْحَادِيَ عَشَرَ: أَنَّ الْقَائِلَ بِأَنَّ مَعْنَى اسْتَوَى بِمَعْنَى اسْتَوْلَى شَاهِدٌ عَلَى اللَّهِ أَنَّهُ أَرَادَ بِكَلَامِهِ هَذَا الْمَعْنَى، وَهَذِهِ شَهَادَةٌ لَا عِلْمَ لِقَائِلِهَا بِمَضْمُونِهَا، بَلْ هِيَ قَوْلٌ عَلَى اللَّهِ بِلَا عِلْمٍ، فَلَوْ كَانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لَهَا فِي اللُّغَةِ وَهَيْهَاتَ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى اللَّهِ أَنَّهُ أَرَادَ هَذَا الْمَعْنَى بِخِلَافِ مَنْ أَخْبَرَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ أَرَادَ الْحَقِيقَةَ وَالظَّاهِرَ، فَإِنَّهُ شَاهِدٌ بِمَا أَجْرَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَادَتَهُ مِنْ خِطَابِ خَلْقِهِ بِحَقَائِقِ لُغَاتِهِمْ وَظَوَاهِرِهَا كَمَا قَالَ: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} [إبراهيم: ٤] فَإِذَا كَانَ الِاسْتِوَاءُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ مَعْلُومًا كَانَ هُوَ الْمُرَادَ لِكَوْنِ الْخِطَابِ بِلِسَانِهِمْ، وَهُوَ الْمُقْتَضِي لِقِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا خَاطَبَهُمْ بِغَيْرِ مَا يَعْرِفُونَهُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ خِطَابِ الْعَرَبِيِّ بِالْعَجَمِيَّةِ.

  21. الْوَجْهُ الثَّانِيَ عَشَرَ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ حَقِيقَةً لَا مَجَازًا، قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عُمَرَ الطَّلَمَنْكِيُّ، أَحَدُ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ شَيْخُ أَبِي عُمَرَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِهِ الْكَبِيرِ الَّذِي سَمَّاهُ (الْوُصُولَ إِلَى مَعْرِفَةِ الْأُصُولِ) فَذَكَرَ فِيهِ مِنْ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِهِمْ، وَأَقْوَالِ مَالِكٍ وَأَئِمَّةِ أَصْحَابِهِ مَا إِذَا وَقَفَ عَلَيْهِ الْوَاقِفُ، عَلِمَ حَقِيقَةَ مَذْهَبِ السَّلَفِ، وَقَالَ فِي هَذَا الْكِتَابِ: أَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى عَرْشِهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا عَلَى الْمَجَازِ.

  22. الْوَجْهُ الثَّالِثَ عَشَرَ: قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِ (التَّمْهِيدِ) فِي شَرْحِ حَدِيثِ النُّزُولِ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فِي السَّمَاءِ عَلَى الْعَرْشِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ كَمَا قَالَتِ الْجَمَاعَةُ، وَقَرَّرَ ذَلِكَ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَأَهْلُ السُّنَّةِ مُجْمِعُونَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالصِّفَاتِ الْوَارِدَةِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِيمَانِ بِهَا، وَحَمْلِهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا عَلَى الْمَجَازِ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَا يُكَيِّفُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَجِدُونَ فِيهِ صِفَةً مَخْصُوصَةً، وَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ الْجَهْمِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَالْخَوَارِجُ، فَكُلُّهُمْ يُنْكِرُهَا وَلَا يَحْمِلُ شَيْئًا مِنْهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِهَا مُشَبِّهٌ، وَهُمْ عِنْدَ مَنْ أَقَرَّ بِهَا نَافُونَ لِلْمَعْبُودِ.

    ج ١ ص ٣٧٧
  23. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ الْمَشْهُورِ فِي قَوْلِهِ: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: ٥] هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لِلْفُقَهَاءِ فِيهَا كَلَامٌ، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ الْمُتَكَلِّمِينَ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ الْأَوَّلُ لَا يَقُولُونَ بِنَفْيِ الْجِهَةِ وَلَا يَنْطِقُونَ بِذَلِكَ، بَلْ نَطَقُوا هُمْ وَالْكَافَّةُ بِإِثْبَاتِهَا لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا نَطَقَ فِي كِتَابِهِ، وَأَخْبَرَتْ بِهِ رُسُلُهُ، وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ أَنَّهُ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا جَهِلُوا كَيْفِيَّةَ الِاسْتِوَاءِ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ: الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ.

  24. الْوَجْهُ الرَّابِعَ عَشَرَ: أَنَّ الْجَهْمِيَّةَ لَمَّا قَالُوا إِنَّ الِاسْتِوَاءَ مَجَازٌ صَرَّحَ أَهْلُ السُّنَّةِ بِأَنَّهُ مُسْتَوٍ بِذَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ، وَأَكْثَرُ مَنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ أَئِمَّةُ الْمَالِكِيَّةِ، فَصَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ مِنْ كُتُبِهِ أَشْهَرُهَا الرِّسَالَةُ، وَفِي كِتَابِ جَامِعِ النَّوَادِرِ، وَفِي كِتَابِ الْآدَابِ، فَمَنْ أَرَادَ الْوُقُوفَ عَلَى ذَلِكَ فَهَذِهِ كُتُبُهُ.

  25. وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَقَالَ: إِنَّهُ اسْتَوَى بِالذَّاتِ عَلَى الْعَرْشِ، وَصَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ، وَكَانَ مَالِكِيًّا، حَكَاهُ عَنْهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ أَيْضًا، وَصَرَّحَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ فِي كِتَابِ شَرْحِ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، فَقَالَ: ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الْحَضْرَمِيُّ مِنْ قَوْلِ الطَّبَرِيِّ، يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ جَرِيرٍ، وَأَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ شُيُوخِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كِتَابِ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ عَنِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، وَأَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ نَصًّا، وَهُوَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ بِذَاتِهِ، وَأَطْلَقُوا فِي بَعْضِ الْأَمَاكِنِ فَوْقَ خَلْقِهِ، قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ فِي تَمْهِيدِ الْأَوَائِلِ لَهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَالطَّلَمَنْكِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْأَنْدَلُسِيِّينَ، وَقَوْلُ الْخَطَّابِيِّ فِي شِعَارِ الدِّينِ.

  26. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوهَبٍ الْمَالِكِيُّ فِي شَرْحِ رِسَالَةِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ قَوْلَهُ: إِنَّهُ فَوْقَ عَرْشِهِ الْمَجِيدِ بِذَاتِهِ، مَعْنَى فَوْقَ وَعَلَى، عِنْدَ جَمِيعِ الْعَرَبِ وَاحِدٌ.

    ج ١ ص ٣٧٨
  27. وَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَصْدِيقُ ذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ النُّصُوصَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ الْجَارِيَةِ «وَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَيْنَ اللَّهُ؟» " وَقَوْلِهَا فِي السَّمَاءِ، وَحُكْمِهِ بِإِيمَانِهَا، وَذَكَرَ حَدِيثَ الْإِسْرَاءِ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَا فَهِمَهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِمَّنْ أَدْرَكَ مِنَ التَّابِعِينَ فِيمَا فَهِمُوا مِنَ الصَّحَابَةِ فِيمَا فَهِمُوا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ اللَّهَ فِي السَّمَاءِ بِمَعْنَى فَوْقَهَا وَعَلَيْهَا، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: إِنَّهُ بِذَاتِهِ فَوْقَ عَرْشِهِ الْمَجِيدِ.

  28. فَتَبَيَّنَ أَنَّ عُلُوَّهُ عَلَى عَرْشِهِ وَفَوْقَهُ إِنَّمَا هُوَ بِذَاتِهِ إِلَّا أَنَّهُ بَايَنَ مِنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ بِلَا كَيْفٍ، وَهُوَ فِي كُلِّ مَكَانٍ مِنَ الْأَمْكِنَةِ الْمَخْلُوقَةِ بِعِلْمِهِ لَا بِذَاتِهِ، إِذْ لَا تَحْوِيهِ الْأَمَاكِنُ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ مِنْهَا. . . إِلَى أَنْ قَالَ: قَوْلَهُ {عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: ٥] إِنَّمَا مَعْنَاهُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى غَيْرِ الِاسْتِيلَاءِ وَالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ وَالْمُلْكِ، الَّذِي ظَنَّتِ الْمُعْتَزِلَةُ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ أَنَّهُ مَعْنَى الِاسْتِوَاءِ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى الْمَجَازِ لَا عَلَى الْحَقِيقَةِ.

    قَالَ: وَيُبَيِّنُ سُوءَ تَأْوِيلِهِمْ فِي اسْتِوَائِهِ عَلَى عَرْشِهِ عَلَى غَيْرِ مَا تَأَوَّلُوهُ مِنَ الِاسْتِيلَاءِ وَغَيْرِهِ مَا قَدْ عَلِمَهُ أَهْلُ الْمَعْقُولِ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُسْتَوْلِيًا عَلَى جَمِيعِ مَخْلُوقَاتِهِ بَعْدَ اخْتِرَاعِهِ لَهَا، وَكَانَ الْعَرْشُ وَغَيْرُهُ فِي ذَلِكَ سِوَاهُ، فَلَا مَعْنَى تَأْوِيلِهِمْ بِأَفْرَادِ الْعَرْشِ بِالِاسْتِوَاءِ الَّذِي هُوَ فِي تَأْوِيلِهِمُ الْفَاسِدِ اسْتِيلَاءٌ، وَمُلْكٌ وَقَهْرٌ وَغَلَبَةٌ، قَالَ: وَذَلِكَ أَيْضًا يُبَيِّنُ أَنَّهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ بِقَوْلِهِ: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [النساء: ١٢٢] فَلَمَّا رَأَى الْمُصَنِّفُونَ إِفْرَادَ ذِكْرِهِ بِالِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ بَعْدَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَأَرْضِهِ وَتَخْصِيصِهِ بِصِفَةِ الِاسْتِوَاءِ عَلِمُوا أَنَّ الِاسْتِوَاءَ غَيْرُ الِاسْتِيلَاءِ فَأَقَرُّوا بِوَصْفِهِ بِالِاسْتِوَاءِ عَلَى عَرْشِهِ وَأَنَّهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا عَلَى الْمَجَازِ، لِأَنَّهُ الصَّادِقُ فِي قِيلِهِ، وَوَقَفُوا عَنْ تَكْيِيفِ ذَلِكَ وَتَمْثِيلِهِ إِذْ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: ١١] هَذَا لَفْظُهُ فِي شَرْحِهِ.

  29. الْوَجْهُ الْخَامِسَ عَشَرَ: أَنَّ الْأَشْعَرِيَّ حَكَى إِجْمَاعَ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى بُطْلَانِ تَفْسِيرِ الِاسْتِوَاءِ بِالِاسْتِيلَاءِ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ لَفْظَهُ بِعَيْنِهِ الَّذِي حَكَاهُ عَنْهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ فِي كِتَابِ (تَبْيِينِ كَذِبِ الْمُفْتَرِي) وَحَكَاهُ يَقْبَلُهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ فَوْرَكٍ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي كُتُبِهِ.

    قَالَ فِي كِتَابِ الْإِبَانَةِ، وَهِيَ آخِرُ كُتُبِهِ، قَالَ:

    ج ١ ص ٣٧٩(بَابُ ذِكْرِ الِاسْتِوَاءِ) إِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا تَقُولُونَ فِي الِاسْتِوَاءِ؟ قِيلَ: نَقُولُ لَهُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: ٥] وَسَاقَ الْأَدِلَّةَ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ قَائِلُونَ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَالْحَرُورِيَّةِ إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: ٥] أَنَّهُ اسْتَوْلَى وَمَلَكَ وَقَهَرَ، وَجَحَدُوا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ عَلَى عَرْشِهِ كَمَا قَالَ أَهْلُ الْحَقِّ، وَذَهَبُوا فِي الِاسْتِوَاءِ إِلَى الْقُدْرَةِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا كَمَا قَالُوا كَانَ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَرْشِ وَالْأَرْضِ السَّابِعَةِ السُّفْلَى، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَالْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ وَكُلِّ شَيْءٍ فِي الْعَالَمِ، فَلَوْ كَانَ اللَّهُ مُسْتَوِيًا عَلَى الْعَرْشِ بِمَعْنَى الِاسْتِيلَاءِ وَالْقُدْرَةِ لَكَانَ مُسْتَوِيًا عَلَى الْأَرْضِ وَالْحُشُوشِ وَالْأَنْتَانِ وَالْأَقْذَارِ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا، وَلَمْ نَجِدْ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ مُسْتَوٍ عَلَى الْحُشُوشِ وَالْأَخْلِيَةِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ عَلَى مَعْنًى هُوَ عَامٌّ فِي الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا، وَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الِاسْتِوَاءِ يَخْتَصُّ بِالْعَرْشِ دُونَ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ، وَهَكَذَا قَالَ فِي كِتَابِهِ الْمُوجَزِ وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِهِ.

  30. الْوَجْهُ السَّادِسَ عَشَرَ: أَنَّ هَذَا الْبَيْتَ مُحَرَّفٌ وَإِنَّمَا هُوَ هَكَذَا:

    بِشْرٌ قَدِ اسْتَوْلَى عَلَى الْعِرَاقِ

    هَكَذَا لَوْ كَانَ مَعْرُوفًا مِنْ قَائِلٍ مَعْرُوفٍ، فَكَيْفَ وَهُوَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي شَيْءٍ مِنْ دَوَاوِينِ الْعَرَبِ وَأَشْعَارِهِمُ الَّتِي يُرْجَعُ إِلَيْهَا.

  31. الْوَجْهُ السَّابِعَ عَشَرَ: أَنَّهُ لَوْ صَحَّ هَذَا الْبَيْتُ وَصَحَّ أَنَّهُ غَيْرُ مُحَرَّفٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ بَلْ هُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ عَلَى حَقِيقَةِ الِاسْتِوَاءِ، فَإِنَّ بِشْرًا هَذَا كَانَ أَخَا عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى الْعِرَاقِ، فَاسْتَوَى عَلَى سَرِيرِهَا كَمَا هِيَ عَادَةُ الْمُلُوكِ وَنُوَّابِهَا أَنْ يَجْلِسُوا فَوْقَ سَرِيرِ الْمُلْكِ مُسْتَوِينَ عَلَيْهِ، وَهَذَا هُوَ الْمُطَابِقُ لِمَعْنَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ فِي اللُّغَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ} [الزخرف: ١٣] وَقَوْلِهِ: {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} [هود: ٤٤] وَقَوْلِهِ: {فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ} [الفتح: ٢٩] وَفِي الصَّحِيحِ " «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا إِلَى سَفَرٍ كَبَّرَ مُلَبِّيًا» " وَقَالَ عَلِيٌّ: «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدَابَّةٍ

    ج ١ ص ٣٨٠لِيَرْكَبَهَا فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ قَالَ بِاسْمِ اللَّهِ، فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى ظَهْرِهَا قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ» ، فَهَلْ نَجِدُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ مَوْضِعًا وَاحِدًا أَنَّهُ بِمَعْنَى الِاسْتِيلَاءِ وَالْقَهْرِ.

  32. الْوَجْهُ الثَّامِنَ عَشَرَ: أَنَّ اسْتِوَاءَ الشَّيْءِ عَلَى غَيْرِهِ يَتَضَمَّنُ اسْتِقْرَارَهُ وَثَبَاتَهُ وَتَمَكُّنَهُ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي السَّفِينَةِ: {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} [هود: ٤٤] أَيْ رَسَتْ عَلَيْهِ وَاسْتَقَرَّتْ عَلَى ظَهْرِهِ، وَقَالَ تَعَالَى: {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ} [الزخرف: ١٣] وَقَالَ فِي الزَّرْعِ: {فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ} [الفتح: ٢٩] ، فَإِنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ يَكُونُ فِيهِ مَيْلٌ وَاعْوِجَاجٌ لِأَجْلِ ضَعْفِ سُوقِهِ، وَإِذَا اسْتَغْلَظَ السَّاقُ وَاشْتَدَّتِ السُّنْبُلَةُ اسْتَقَرَّتْ، وَمِنْهُ:

    قَدِ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى الْعِرَاقِ

    فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ اسْتِقْرَارَهُ وَثَبَاتَهُ عَلَيْهَا وَدُخُولَهُ دُخُولَ مُسْتَقِرٍّ ثَابِتٍ غَيْرِ مُزَلْزَلٍ، وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ الِاسْتِيلَاءَ أَوْ يَتَضَمَّنُهُ، فَالِاسْتِيلَاءُ لَازِمٌ مَعْنَى الِاسْتِوَاءِ لَا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، بَلْ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ، وَلَا يَصْلُحُ الِاسْتِيلَاءُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَصْلُحُ فِيهِ الِاسْتِوَاءُ، بَلْ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ، وَهَذَا لَهُ مَوْضِعٌ، وَلِهَذَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يُقَالَ: اسْتَوْلَتِ السُّنْبُلَةُ عَلَى سَاقِهَا، وَلَا اسْتَوْلَتِ السَّفِينَةُ عَلَى الْجَبَلِ، وَلَا اسْتَوْلَى الرَّجُلُ عَلَى السَّطْحِ إِذَا ارْتَفَعَ فَوْقَهُ.

  33. الْوَجْهُ التَّاسِعَ عَشَرَ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْبَيْتِ اسْتِيلَاءَ الْقَهْرِ وَالْمُلْكِ لَكَانَ الْمُسْتَوِي عَلَى الْعِرَاقِ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ، لَا أَخُوهُ بِشْرٌ، فَإِنَّ بَشَرًا لَمْ يَكُنْ يُنَازِعُ أَخَاهُ الْمُلْكَ وَلَمْ يَكُنْ مَلِكًا مِثْلَهُ، وَإِنَّمَا كَانَ نَائِبًا لَهُ عَلَيْهَا وَوَالِيًا مِنْ جِهَتِهِ، فَالْمُسْتَوْلِي عَلَيْهَا هُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ لَا بِشْرٌ، بِخِلَافِ الِاسْتِوَاءِ الْحَقِيقِيِّ وَهُوَ الِاسْتِقْرَارُ فِيهَا وَالْجُلُوسُ عَلَى سَرِيرِهَا، فَإِنَّ نُوَّابَ الْمُلُوكِ تَفْعَلُ هَذَا بِإِذْنِ الْمُلُوكِ.

  34. الْوَجْهُ الْعِشْرُونَ: أَنَّهُ لَا يُقَالُ لِمَنِ اسْتَوْلَى عَلَى بَلْدَةٍ وَلَمْ يَدْخُلْهَا وَلَمْ يَسْتَقِرَّ فِيهَا بَلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا بُعْدٌ كَثِيرٌ: أَنَّهُ قَدِ اسْتَوَى عَلَيْهَا، فَلَا يُقَالُ: اسْتَوَى أَبُو بَكْرٍ عَلَى الشَّامِ، وَلَا اسْتَوَى عُمَرُ عَلَى مِصْرَ وَالْعِرَاقِ، وَلَا قَالَ أَحَدٌ قَطُّ: اسْتَوَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْيَمَنِ، مَعَ أَنَّهُ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا خُلَفَاؤُهُ عَلَى هَذِهِ الْبِلَادِ، وَلَمْ يَزَلِ الشُّعَرَاءُ يَمْدَحُونَ الْمُلُوكَ وَالْخُلَفَاءَ بِالْفُتُوحَاتِ، وَيَتَوَسَّعُونَ فِي نَظْمِهِمْ وَاسْتِعَارَاتِهِمْ، فَلَمْ يُسْمَعْ عَنْ قَدِيمٍ مِنْهُمْ،

    ج ١ ص ٣٨١جَاهِلِيٍّ وَلَا إِسْلَامِيٍّ وَلَا مُحْدَثٍ أَنَّهُ مَدَحَ أَحَدًا قَطُّ أَنَّهُ اسْتَوَى عَلَى الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ الَّذِي فَتَحَهُ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهِ، فَهَذِهِ دَوَاوِينُهُمْ وَأَشْعَارُهُمْ مَوْجُودَةً.

  35. الْوَجْهُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: أَنَّهُ إِذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ تَحْرِيفِ لُغَةِ الْعَرَبِ وَحَمْلِ لَفْظِهَا عَلَى مَعْنًى لَمْ يُعْهَدِ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ الْبَتَّةَ، وَبَيْنَ حَمْلِ الْمُضَافِ الْمَأْلُوفِ حَذْفُهُ كَثِيرًا إِيجَارًا وَاخْتِصَارًا، فَالْحَمْلُ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ أَوْلَى، وَهَذَا الْبَيْتُ كَذَلِكَ، فَإِنَّا إِنْ حَمَلْنَا لَفْظَ اسْتَوَى فِيهِ عَلَى اسْتَوْلَى حَمَلْنَاهُ عَلَى مَعْنًى لَمْ يُعْهَدِ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ الْبَتَّةَ، وَإِنْ حَمَلْنَاهَا عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ وَتَقْدِيرُهُ قَدِ اسْتَوَى عَلَى سَرِيرِ الْعِرَاقِ حَمَلْنَاهُ عَلَى مَعْهُودٍ مَأْلُوفٍ، فَيَقُولُونَ: قَعَدَ فُلَانٌ عَلَى سَرِيرِ الْمُلْكِ، فَيَذْكُرُونَ الْمُضَافَ إِيضَاحًا وَبَيَانًا، وَيَحْذِفُونَ تَارَةً إِيجَازًا وَاخْتِصَارًا، إِذْ قَدْ عَلِمَ الْمُخَاطَبُ أَنَّ الْقُعُودَ وَالِاسْتِوَاءَ وَالْجُلُوسَ الَّذِي يُضَافُ وَيُقْصَدُ بِهِ الْمُلْكُ يَسْتَلْزِمُ سَرِيرَ الْمُلْكِ، فَحَذْفُ الْمُضَافِ أَقْرَبُ إِلَى لُغَةِ الْقَوْمِ مِنْ تَحْرِيفِ كَلَامِهِمْ، وَحَمْلُ لَفْظٍ عَلَى مَعْنَى لَفْظٍ آخَرَ لَمْ يُعْهَدِ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ.

  36. الْوَجْهُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: أَنَّهُ كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُنْزِلَ اللَّهُ بِآيَاتٍ مُتَعَدِّدَاتٍ فِي كِتَابِهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ بِلِسَانِ الْعَرَبِ، وَيَكُونُ مَعْنَى ذَلِكَ الْخِطَابِ مَشْهُورًا عَلَى لُغَتِهِمْ مَعْرُوفًا فِي عَادَةِ نِظَامِهِمْ، فَلَا يُرِيدُ ذَلِكَ الْمَعْنَى وَيَأْتِي بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ وَيَطَّرِدُ اسْتِعْمَالُهُ فِي مَوَارِدِهِ كُلِّهَا بِذَلِكَ اللَّفْظِ الَّذِي لَمْ يُرِدْ مَعْنَاهُ، وَلَا يُذْكَرُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ بِاللَّفْظِ الَّذِي يُرِيدُ مَعْنَاهُ، فَمَنْ تَصَوَّرَ هَذَا جَزَمَ بِبُطْلَانِهِ وَإِحَالَةِ نِسْبَتِهِ إِلَى مَنْ قَصْدُهُ الْبَيَانُ وَالْهُدَى.

  37. الْوَجْهُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمَجَازِيُّ لَذَكَرَ فِي اللَّفْظِ قَرِينَةً تَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْمَجَازَ إِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ قَرِينَةٌ وَإِلَّا كَانَتْ دَعْوَاهُ بَاطِلَةً لِأَنَّهُ خِلَافُ الْأَصْلِ وَلَا قَرِينَةَ مَعَهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ فِي مَوَارِدِ الِاسْتِوَاءِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ مَوْضِعٌ وَاحِدٌ قَدِ اقْتَرَنَتْ بِهِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى الْمَجَازِ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ السِّيَاقُ يَقْتَضِي بُطْلَانَ مَا ذُكِرَ مِنَ الْمَجَازِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْحَقِيقَةُ.

  38. الْوَجْهُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ تَجْرِيدَ الِاسْتِوَاءِ مِنَ اللَّامِ وَاقْتِرَانَهُ بِحَرْفِ عَلَى وَعَطْفَ فِعْلِهِ بِثُمَّ عَلَى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَكَوْنَهُ بَعْدَ أَيَّامِ التَّحْلِيقِ وَكَوْنَهُ سَابِقًا فِي الْخَلْقِ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَذِكْرَ تَدْبِيرِ أَمْرِ الْخَلِيقَةِ مَعَهُ الدَّالَّ عَلَى كَمَالِ الْمُلْكِ، فَإِنَّ الْعَرْشَ سَرِيرُ الْمَمْلَكَةِ، فَأَخْبَرَ أَنَّ لَهُ سَرِيرًا، كَمَا قَالَ أُمَيَّةُ:

    مَجِّدُوا اللَّهَ فَهُوَ لِلْمَجْدِ أَهْلٌ ... رَبُّنَا فِي السَّمَاءِ أَمْسَى كَبِيرًا

    بِالْبِنَا الْأَعْلَى الَّذِي سَبَقَ الْخَلْ ... قَ وَسَوَّى فَوْقَ السَّمَاءِ سَرِيرًا

    ج ١ ص ٣٨٢وَصَدَّقَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتَنْشَدَهُ الْأَسْوَدُ بْنُ سَرِيعٍ، فَقَدِ اسْتَوَى عَلَى سَرِيرِ مُلْكِهِ يُدَبِّرُ أَمْرَ الْمَمَالِكِ، وَهَذَا حَقِيقَةُ الْمُلْكِ، فَمَنْ أَنْكَرَ عَرْشَهُ وَأَنْكَرَ اسْتِوَاءَهُ عَلَيْهِ، أَوْ أَنْكَرَ تَدْبِيرَهُ، فَقَدْ قَدَحَ فِي مُلْكِهِ، فَهَذِهِ الْقَرَائِنُ تُفِيدُ الْقَطْعَ بِأَنَّ الِاسْتِوَاءَ عَلَى حَقِيقَتِهِ كَمَا قَالَ أَئِمَّةُ الْهُدَى.

  39. الْوَجْهُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الِاسْتِوَاءُ بِمَعْنَى الْمُلْكِ وَالْقَهْرِ لَجَازَ أَنْ يُقَالَ: اسْتَوَى عَلَى ابْنِ آدَمَ وَعَلَى الْجَبَلِ وَعَلَى الشَّمْسِ وَعَلَى الْقَمَرِ وَعَلَى الْبَحْرِ وَالشَّجَرِ وَالدَّوَابِّ، وَهَذَا لَا يُطْلِقُهُ مُسْلِمٌ.

  40. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا جَائِزٌ، وَإِنَّمَا خَصَّصَ الْعَرْشَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ أَجَلُّ الْمَخْلُوقَاتِ وَأَرْفَعُهَا وَأَوْسَعُهَا، فَتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهٌ عَلَى مَا دُونَهُ، قِيلَ: لَوْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا لَمْ يَكُنْ ذِكْرُ الْخَاصِّ مُنَافِيًا لِذِكْرِ الْعَامِّ، أَلَا تَرَى أَنَّ رُبُوبِيَّتَهُ لَمَّا كَانَتْ عَامَّةً لِلْأَشْيَاءِ لَمْ يَكُنْ تَخْصِيصُ الْعَرْشِ بِذِكْرِهِ مِنْهَا كَقَوْلِهِ: {رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [التوبة: ١٢٩] مَانِعًا مِنْ تَعْمِيمِ إِضَافَتِهَا كَقَوْلِهِ: {رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: ١٦٤] فَلَوْ كَانَ الِاسْتِوَاءُ بِمَعْنَى الْمُلْكِ وَالْقَهْرِ لَكَانَ لَمْ يَمْنَعْ إِضَافَتُهُ إِلَى الْعَرْشِ إِضَافَتَهُ إِلَى كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الظُّهُورِ.