فصل بيان أن التأويل شر من التعطيل
٣ فقرات، ج ١ ص ٤٩
- ج ١ ص ٤٩
فَصْلٌ
فِي بَيَانِ أَنَّ التَّأْوِيلَ شَرٌّ مِنَ التَّعْطِيلِ
فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ التَّشْبِيهَ وَالتَّعْطِيلَ وَالتَّلَاعُبَ بِالنُّصُوصِ وَإِسَاءَةَ الظَّنِّ بِهَا، فَإِنَّ الْمُعَطِّلَ وَالْمُؤَوِّلَ قَدِ اشْتَرَكَا فِي نَفْيِ حَقَائِقِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَامْتَازَ الْمُئَوِّلُ بِتَلَاعُبِهِ بِالنُّصُوصِ وَإِسَاءَةِ الظَّنِّ بِهَا وَنِسْبَةِ قَائِلِهَا إِلَى التَّكَلُّمِ بِمَا ظَاهِرُهُ الضَّلَالُ وَالْإِضْلَالُ، فَجَمَعُوا بَيْنَ أَرْبَعَةِ مَحَاذِيرَ: اعْتِقَادُهُمْ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مُحَالٌ بَاطِلٌ، فَفَهِمُوا التَّشْبِيهَ أَوَّلًا، ثُمَّ انْتَقَلُوا مِنْهُ إِلَى الْمَحْذُورِ الثَّانِي، وَهُوَ التَّعْطِيلُ، فَعَطَّلُوا حَقَائِقَهَا بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْفَهْمِ الَّذِي لَا يَلِيقُ بِهِمْ وَلَا يَلِيقُ بِالرَّبِّ سُبْحَانَهُ. الْمَحْذُورُ الثَّالِثُ: نِسْبَةُ الْمُتَكَلِّمِ الْكَامِلِ الْعِلْمِ، الْكَامِلِ الْبَيَانِ التَّامِّ النُّصْحِ، إِلَى ضِدِّ الْبَيَانِ وَالْهُدَى وَالْإِرْشَادِ، وَأَنَّ الْمُتَحَيِّرِينَ الْمُتَهَوِّكِينَ أَجَادُوا الْعِبَارَةَ فِي هَذَا الْبَابِ، وَعَبَّرُوا بِعِبَارَةٍ لَا تُوهِمُ مِنَ الْبَاطِلِ مَا أَوْهَمَتْهُ عِبَارَةُ الْمُتَكَلِّمِ بِتِلْكَ النُّصُوصِ، وَلَا رَيْبَ عِنْدَ كُلِّ عَاقِلٍ أَنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ أَنَّهُمْ كَانُوا أَعْلَمَ مِنْهُ أَوْ أَفْصَحَ لِلنَّاسِ. الْمَحْذُورُ الرَّابِعُ: تَلَاعُبُهُمْ بِالنُّصُوصِ وَانْتِهَاكُ حُرُمَاتِهَا. . فَلَوْ رَأَيْتَهَا وَهُمْ يَلُوكُونَهَا بِأَفْوَاهِهِمْ وَقَدْ حَلَّتْ بِهَا الْمَثُلَاتُ، وَتَلَاعَبَ بِهَا أَمْوَاجُ التَّأْوِيلَاتِ، وَنَادَى عَلَيْهَا أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي سُوقِ: مَنْ يَزِيدُ،
ج ١ ص ٥٠فَبَذَلَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي ثَمَنِهَا مِنَ التَّأْوِيلِ مَا يُرِيدُ، فَلَوْ رَأَيْتَهَا وَقَدْ عُزِلَتْ عَنْ سَلْطَنَةِ الْيَقِينِ، وَجُعِلَتْ تَحْتَ تَحَكُّمِ تَأْوِيلِ الْجَاهِلِينَ، هَذَا وَقَدْ قَعَدَ النُّفَاةُ عَلَى صِرَاطِهَا الْمُسْتَقِيمِ بِالدَّفْعِ فِي صُدُورِهَا وَالْأَعْجَازِ وَقَالُوا: لَا طَرِيقَ لَكِ عَلَيْنَا، وَإِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ فَعَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ، فَنَحْنُ أَهْلُ الْمَعْقُولَاتِ وَأَصْحَابُ الْبَرَاهِينِ، وَأَنْتِ أَدِلَّةٌ لَفْظِيَّةٌ، وَظَوَاهِرُ سَمْعِيَّةٌ، لَا تُفِيدُ الْعِلْمَ وَلَا الْيَقِينَ، فَسَنَدُكِ آحَادٌ وَهُوَ عُرْضَةٌ لِلطَّعْنِ فِي النَّاقِلِينَ، وَإِنْ صَحَّ وَتَوَاتَرَ فَفَهْمُ مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ مِنْهَا مَوْقُوفٌ عَلَى انْتِفَاءِ عَشَرَةِ أَشْيَاءَ لَا سَبِيلَ إِلَى الْعِلْمِ بِانْتِفَائِهَا عِنْدَ النَّاظِرِينَ وَالْبَاحِثِينَ.
-
فَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ! ! كَمْ هَدَمَتْ هَذِهِ الْمَعَاوِلُ مِنْ مَعَاقِلِ الْإِيمَانِ، وَتَثَلَّمَتْ بِهَا حُصُونُ حَقَائِقِ السُّنَّةِ وَالْقُرْآنِ، فَكَشْفُ عَوْرَاتٍ هَؤُلَاءِ وَبَيَانُ فَضَائِحِهِمْ مِنْ أَفْضَلِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ: " «إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ مَعَكَ مَا دُمْتَ تُنَافِحُ عَنْ رَسُولِهِ» " .
-
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَسْتَقِرُّ لِلْعَبْدِ قَدَمٌ فِي الْإِسْلَامِ حَتَّى يَعْقِدَ قَلْبَهُ عَلَى أَنَّ الدِّينَ كُلَّهُ لِلَّهِ، وَأَنَّ الْهُدَى هُدًى، وَأَنَّ الْحَقَّ دَائِرٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُجُودًا وَعَدَمًا، وَأَنَّهُ لَا مُطَاعَ سِوَاهُ وَلَا مَتْبُوعَ غَيْرُهُ، وَأَنَّ كَلَامَ غَيْرِهِ يُعْرَضُ عَلَى كَلَامِهِ فَإِنْ وَافَقَهُ قَبِلْنَاهُ، لَا لِأَنَّهُ قَالَهُ بَلْ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِهِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ، وَإِنْ خَالَفَهُ رَدَدْنَاهُ، وَلَا يُعْرَضُ كَلَامُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى آرَاءِ الْقِيَاسِيِّينَ وَلَا عَلَى عُقُولِ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ وَلَا أَذْوَاقِ الْمُتَزَهِّدِينَ، بَلْ تُعْرَضُ هَذِهِ كُلُّهَا عَلَى مَا جَاءَ بِهِ، عَرْضَ الدَّرَاهِمِ الْمَجْهُولَةِ عَلَى أَخْبَرِ النَّاقِدِينَ، فَمَا حَكَمَ بِصِحَّتِهِ فَهُوَ مِنْهُ الْمَقْبُولُ، وَمَا حَكَمَ بَرَدِّهِ فَهُوَ الْمَرْدُودُ.