فصل المقام الخامس هذه الأخبار لو لم تفد اليقين فإن الظن الغالب حاصل منها
٤٦ فقرة، ج ١ ص ٥٩٠
الصفحة ٢ من ٢
- ج ١ ص ٦٠٢
ثُمَّ نَظَرْنَا فَرَأَيْنَا فِرْقَةَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ لَهَا أَطْلَبُ وَفِيهَا أَرْغَبُ، وَلَهَا أَجْمَعُ، وَلِأَصْحَابِهَا أَتْبَعُ، فَعَلِمْنَا يَقِينًا أَنَّهُمْ أَهْلُهَا دُونَ مَنْ عَدَاهُمْ مِنْ جَمِيعِ الْفِرَقِ، فَإِنَّ صَاحِبَ كُلِّ حِرْفَةٍ أَوْ صِنَاعَةٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ دَلَالَةٌ وَآلَةٌ مِنْ آلَاتِ تِلْكَ الصِّنَاعَةِ وَالْحِرْفَةِ ثُمَّ ادَّعَى تِلْكَ الصِّنَاعَةَ كَانَ فِي دَعْوَاهُ مُبْطِلًا، فَإِذَا كَانَتْ مَعَهُ آلَاتُ الصِّنَاعَةِ وَالْحِرْفَةِ شَهِدَتْ لَهُ تِلْكَ الْآلَاتُ بِصِنَاعَتِهِ، بَلْ شَهِدَ لَهُ كُلٌّ مِنْ غَايَتِهِ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ، كَمَا إِذَا رَأَيْتَ رَجُلًا قَدْ فَتَحَ بَابَ دُكَّانِهِ عَلَى بَزٍّ عَلِمْتَ أَنَّهُ بَزَّازٌ أَوْ عَلَى تَمْرٍ عَلِمْتَ أَنَّهُ تَمَّارٌ أَوْ عَلَى عِطْرٍ عَلِمْتَ أَنَّهُ عَطَّارٌ، أَوْ إِذَا رَأَيْتَ بَيْنَ يَدَيْهِ الْكِيرَ وَالسَّنْدَانَ وَالْمِطْرَقَةَ عَلِمْتَ أَنَّهُ حَدَّادٌ، وَكُلُّ صَاحِبِ صَنْعَةٍ يَسْتَدِلُّ عَلَى صِنَاعَتِهِ بِآلَتِهِ فَحُكِمَ لَهُ بِهَا بِالْمُعَايَنَةِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ، فَلَوْ رَأَيْتَ بَيْنَ يَدَيْ إِنْسَانٍ قَدُومًا أَوْ مِنْشَارًا وَمِثْقَبًا وَهُوَ مُسْتَعِدٌّ لِلْعَمَلِ بِهَا ثُمَّ سَمَّيْتَهُ خَيَّاطًا جَهِلْتَ، وَلَوْ قَالَ صَاحِبُ التَّمْرِ لِصَاحِبِ الْعِطْرِ: أَنَا عَطَّارٌ، وَصَاحِبُ الْبِنَاءِ لِلْبَزَّازِ: أَنَا بَزَّازٌ، قَالَ لَهُ: كَذَبْتَ، وَصَدَّقَهُ النَّاسُ عَلَى تَكْذِيبِهِ، ثُمَّ كَلُّ صَاحِبِ صَنْعَةٍ وَحِرْفَةٍ يَفْتَخِرُ بِصِنَاعَتِهِ وَيُجَالِسُ أَهْلَهَا وَيَأْلَفُهُمْ وَيَسْتَفِيدُ مِنْهُمْ وَيَحْرِصُ عَلَى بُلُوغِ الْغَايَةِ فِي صِنَاعَتِهِ، وَأَنْ يَكُونَ فِيهَا أُسْتَاذًا، وَرَأَيْنَا أَصْحَابَ الْحَدِيثِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا هُمُ الَّذِينَ رَحَلُوا فِي هَذِهِ الْآثَارِ وَطَلَبُوا فَأَخَذُوهَا مِنْ مَعَادِنِهَا وَحَفِظُوهَا وَاغْتَبَطُوا بِهَا وَدَعَوْا إِلَى اتِّبَاعِهَا، وَعَابُوا مَنْ خَالَفَهُمْ، وَكَثُرَتْ عِنْدَهُمْ وَفِي أَيْدِيهِمْ، حَتَّى اشْتَهَرُوا بِهَا كَمَا يَشْتَهِرُ أَصْحَابُ الْحِرَفِ وَالصِّنَاعَاتِ بِصِنَاعَتِهِمْ وَحِرَفِهِمْ، ثُمَّ رَأَيْنَا قَوْمًا انْسَلَخُوا مِنْ حِفْظِهَا وَمَعْرِفَتِهَا وَتَنَكَّبُوا عَنِ اتِّبَاعِ صَحِيحِهَا وَشَهِيرِهَا، وَغَنُوا عَنْ صُحْبَةِ أَهْلِهَا، وَطَعَنُوا فِيهَا وَفِيهِمْ، وَزَهَّدُوا النَّاسَ فِي حَقِّهَا وَضَرَبُوا لَهَا وَلِأَهْلِهَا أَسْوَأَ الْأَمْثَالِ، وَلَقَّبُوهُمْ أَقْبَحَ الْأَلْقَابِ، فَسَمَّوْهُمْ نَوَاصِبَ وَمُشَبِّهَةً وَحَشْوِيَّةً وَمُجَسِّمَةً، فَعَلِمْنَا بِهَذِهِ الدَّلَائِلِ الظَّاهِرَةِ وَالشَّوَاهِدِ الْقَائِمَةِ أَنَّ أُولَئِكَ أَحَقُّ بِهَا مِنْ سَائِرِ الْفِرَقِ.
-
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الِاتِّبَاعَ هُوَ الْأَخْذُ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي صَحَّتْ عَنْهُ وَالْخُضُوعُ لَهَا وَالتَّسْلِيمُ لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَجَدْنَا أَهْلَ الْأَهْوَاءِ بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ، فَهَذِهِ عَلَامَةٌ ظَاهِرَةٌ وَدَلِيلٌ وَاضِحٌ يَشْهَدُ لِأَهْلِ السُّنَّةِ بِاسْتِحْقَاقِهَا، وَعَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ بِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِهَا.
قُلْتُ: وَلَهُمْ عَلَامَاتٌ أُخَرُ (وَمِنْهَا) أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يَتْرُكُونَ أَقْوَالَ النَّاسِ لَهُمْ، وَأَهْلَ
ج ١ ص ٦٠٣الْبِدَعِ يَتْرُكُونَهَا لِأَقْوَالِ النَّاسِ (وَمِنْهَا) أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يَعْرِضُونَ أَقْوَالَ النَّاسِ عَلَيْهِمْ فَمَا وَافَقَهَا قَبِلُوهُ وَمَا خَالَفَهَا طَرَحُوهُ، وَأَهْلَ الْبِدَعِ يَعْرِضُونَهَا عَلَى آرَاءِ الرِّجَالِ، فَمَا وَافَقَ آرَاءَهَا مِنْهَا قَبِلُوهُ وَمَا خَالَفَهَا تَرَكُوهُ وَتَأَوَّلُوهُ (وَمِنْهَا) أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يَدْعُونَ عِنْدَ التَّنَازُعِ إِلَى التَّحَاكُمِ إِلَيْهَا دُونَ آرَاءِ الرِّجَالِ وَعُقُولِهَا وَأَهْلَ الْبِدَعِ يَدْعُونَ إِلَى التَّحَاكُمِ إِلَى آرَاءِ الرِّجَالِ وَمَعْقُولَاتِهَا (وَمِنْهَا) أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ إِذَا صَحَّتْ لَهُمُ السُّنَّةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَتَوَقَّفُوا عَنِ الْعَمَلِ بِهَا وَاعْتِقَادِ مُوجِبِهَا عَلَى أَنْ يُوَافِقَهَا مُوَافِقٌ، بَلْ يُبَادِرُونَ إِلَى الْعَمَلِ بِهَا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى مَنْ وَافَقَهَا أَوْ خَالَفَهَا، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى ذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِهِ، وَعَابَ عَلَى مَنْ يَقُولُ: لَا أَعْمَلُ بِالْحَدِيثِ حَتَّى أَعْرِفَ مَنْ قَالَ بِهِ ذَهَبَ إِلَيْهِ، بَلِ الْوَاجِبُ عَلَى مَنْ بَلَغَتْهُ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ أَنْ يَقْبَلَهَا وَأَنْ يُعَامِلَهَا بِمَا كَانَ يُعَامِلُهَا بِهِ الصَّحَابَةُ حِينَ يَسْمَعُونَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُنْزِلُ نَفْسَهُ مَنْزِلَةَ مَنْ سَمِعَهَا مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَأَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ مَنِ اسْتَبَانَتْ لَهُ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَدَعَهَا لِقَوْلِ أَحَدٍ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ عَلَامَاتِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُمْ لَا يَتْرُكُونَهَا إِذَا ثَبَتَتْ عِنْدَهُمْ لِقَوْلِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ كَائِنًا مَنْ كَانَ.
-
وَمِنْهَا: أَنَّهُمْ لَا يَنْتَسِبُونَ إِلَى مَقَالَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَلَا إِلَى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ غَيْرِ الرَّسُولِ فَلَيْسَ لَهُمْ لَقَبٌ يُعْرَفُونَ بِهِ وَلَا نِسْبَةٌ يَنْتَسِبُونَ إِلَيْهَا، إِذَا انْتَسَبَ سِوَاهُمْ إِلَى الْمَقَالَاتِ الْمُحْدَثَةِ وَأَرْبَابِهَا كَمَا قَالَ بَعْضُ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَقَدْ سُئِلَ عَنْهَا فَقَالَ: السُّنَّةُ مَا لَا اسْمَ لَهُ سِوَى السُّنَّةِ، وَأَهْلُ الْبِدَعِ يَنْتَسِبُونَ إِلَى الْمَقَالَةِ تَارَةً كَالْقَدَرِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ، وَإِلَى الْقَائِلِ تَارَةً كَالْهَاشِمِيَّةِ وَالنَّجَّارِيَّةِ وَالضَّرَاوِيَّةِ، وَإِلَى الْفِعْلِ تَارَةً كَالْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ بَرِيئُونَ مِنْ هَذِهِ النِّسَبِ كُلِّهَا، وَإِنَّمَا نِسْبَتُهُمْ إِلَى الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ (وَمِنْهَا) أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ إِنَّمَا يَنْصُرُونَ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ وَالْآثَارَ السَّلَفِيَّةَ، وَأَهْلَ الْبِدَعِ يَنْصُرُونَ مَقَالَاتِهِمْ وَمَذَاهِبَهُمْ (وَمِنْهَا) أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ إِذَا ذَكَرُوا السُّنَّةَ وَجَرَّدُوا الدَّعْوَةَ إِلَيْهَا نَفَرَتْ مِنْ ذَلِكَ قُلُوبُ أَهْلِ الْبِدَعِ فَلَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا} [الإسراء: ٤٦] وَأَهْلَ الْبِدَعِ إِذَا ذَكَرْتَ لَهُمْ شُيُوخَهُمْ وَمَقَالَاتِهِمُ اسْتَبْشَرُوا بِهَا فَهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الزمر: ٤٥]
- ج ١ ص ٦٠٤
مِنْهَا: أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يَعْرِفُونَ الْحَقَّ وَيَرْحَمُونَ الْخَلْقَ فَلَهُمْ نَصِيبٌ وَافِرٌ مِنَ الْعِلْمِ وَالرَّحْمَةِ، وَرَبُّهُمْ تَعَالَى وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا، وَأَهْلَ الْبِدَعِ يُكَذِّبُونَ بِالْحَقِّ وَيُكَفِّرُونَ الْخَلْقَ، فَلَا عِلْمَ عِنْدَهُمْ وَلَا رَحْمَةَ، وَإِذَا قَامَتْ عَلَيْهِمْ حُجَّةُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَدَلُوا إِلَى حَبْسِهِمْ وَعُقُولِهِمْ إِذَا أَمْكَنَهُمْ، وَرَثَةُ فِرْعَوْنَ فَإِنَّهُ لَمَّا قَامَتْ عَلَيْهِ حُجَّةُ مُوسَى وَلَمْ يُمْكِنْهُ عَنْهَا جَوَابٌ قَالَ: {لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} [الشعراء: ٢٩] (وَمِنْهَا) أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ إِنَّمَا يُوَالُونَ وَيُعَادُونَ عَلَى سُنَّةِ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَهْلَ الْبِدَعِ يُوَالُونَ وَيُعَادُونَ عَلَى أَقْوَالٍ ابْتَدَعُوهَا (وَمِنْهَا) أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ لَمْ يُؤَصِّلُوا أُصُولًا حَكَّمُوهَا وَحَاكَمُوا خُصُومَهُمْ إِلَيْهَا وَحَكَمُوا عَلَى مَنْ خَالَفَهَا بِالْفِسْقِ وَالتَّكْفِيرِ، بَلْ عِنْدَهُمُ الْأُصُولُ كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ.
-
وَمِنْهَا: أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ إِذَا قِيلَ لَهُمْ قَالَ اللَّهُ وَقَالَ رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَتْ قُلُوبُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ وَلَمْ تَعْدُهُ إِلَى أَحَدٍ سِوَاهُ، وَلَمْ تَلْتَفِتْ إِلَى مَاذَا قَالَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ، وَأَهْلَ الْبِدَعِ بِخِلَافِ ذَلِكَ.
-
(وَمِنْهَا) أَنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ يَأْخُذُونَ مِنَ السُّنَّةِ مَا وَافَقَ أَهْوَاءَهُمْ، صَحِيحًا كَانَ أَوْ ضَعِيفًا وَيَتْرُكُونَ مَا لَمْ يُوَافِقْ أَهْوَاءَهُمْ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، فَإِذَا عَجَزُوا عَنْ رَدِّهِ نَفَوْهُ عِوَجًا بِالتَّأْوِيلَاتِ الْمُسْتَنْكَرَةِ الَّتِي هِيَ تَحْرِيفٌ لَهُ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَأَهْلَ السُّنَّةِ لَيْسَ لَهُمْ هَوًى فِي غَيْرِهَا.