إنكار الصحابة على من عارض النصوص بآراء الرجال
٧ فقرات، ج ١ ص ١٧١
- ج ١ ص ١٧١
وَلِهَذَا لَمَّا عَارَضَ بِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ " بِرَأْيِهِ وَعَقْلِهِ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ، أَقْبَلَ عَلَيْهِ أَبُوهُ عَبْدُ اللَّهِ فَسَبَّهُ سَبًّا مَا سَبَّهُ مِثْلَهُ، وَقَالَ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَقُولُ: وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ» .
- ج ١ ص ١٧٢
وَلَمَّا حَدَّثَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: " «إِنَّ الْحَيَاءَ خَيْرٌ كُلُّهُ " فَعَارَضَهُ مُعَارِضٌ بِقَوْلِهِ: إِنَّ مِنْهُ وَقَارًا وَمِنْهُ ضَعْفًا، فَاشْتَدَّ غَضَبُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَقَالَ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَقُولُ: إِنَّ مِنْهُ كَذَا وَمِنْهُ كَذَا» ؟ وَظَنَّ أَنَّ الْمُعَارِضَ زِنْدِيقٌ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا نُجَيْدٍ، إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ.
-
وَلَمَّا «حَدَّثَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ. . " الْحَدِيثَ، قَالَ مُعَاوِيَةُ: مَا أَرَى بِهَذَا بَأْسًا، يَعْنِي بَيْعَ آنِيَةِ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ مُتَفَاضِلًا، غَضِبَ عُبَادَةُ وَقَالَ: أَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَقُولُ: مَا أَرَى بِهَذَا بَأْسًا؟ قَالَ: لَا أُسَاكِنُكَ بِأَرْضٍ أَنْتَ بِهَا أَبَدًا» ، وَمُعَاوِيَةُ لَمْ يُعَارِضِ النَّصَّ بِالرَّأْيِ، وَكَانَ أَتْقَى لِلَّهِ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا خَصَّ عُمُومَهُ وَقَيَّدَ مُطْلَقَهُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ وَمَا يُشَابِهُهَا، وَرَأَى أَنَّ التَّفَاضُلَ فِي مُقَابَلَةِ أَثَرِ الصَّنْعَةِ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْحَدِيثِ، وَهَذَا مِمَّا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ عُبَادَةُ مُقَابَلَتَهُ لِمَا رَوَاهُ بِهَذَا الرَّأْيِ، وَلَوْ قَالَ لَهُ: نَعَمْ، حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّأْسِ وَالْعَيْنِ وَلَا يَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ، وَلَكِنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ لَا تَدْخُلُ فِي لَفْظِهِ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا قَالَ: " «الْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ وَزْنًا بِوَزْنٍ» " ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ لَيْسَتْ فِي مُقَابَلَةِ الْفِضَّةِ، وَإِنَّمَا هِيَ فِي مُقَابَلَةِ الصَّنْعَةِ، وَلَا تَذْهَبُ الصَّنْعَةُ هَدَرًا، لَمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ عُبَادَةُ، فَإِنَّ هَذَا مِنْ تَمَامِ فَهْمِ النُّصُوصِ وَبَيَانِ مَا أُرِيدَ بِهَا، كَمَا أَنَّهُ هُوَ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ لَمَّا وَرَّثُوا الْمُسْلِمَ مِنَ الْكَافِرِ وَلَمْ يُوَرِّثُوا الْكَافِرَ مِنَ الْمُسْلِمِ لَمْ يُعَارِضُوا قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» " بِعُقُولِهِمْ وَآرَائِهِمْ، بَلْ قَيَّدُوا مُطْلَقَ هَذَا اللَّفْظِ وَخَصَّصُوا عُمُومَهُ وَظَنُّوا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْحَرْبِيُّ، كَمَا فَعَلَ ذَلِكَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» " حَيْثُ حَمَلُوهُ عَلَى الْحَرْبِيِّ
ج ١ ص ١٧٣دُونَ الذِّمِّيِّ وَالْمُعَاهَدِ، وَالصَّحَابَةُ فِي هَذَا التَّقْيِيدِ وَالتَّخْصِيصِ أَعْذَرُ مِنْ هَؤُلَاءِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، لَيْسَ هَذَا مَوْضِعُهَا.
-
وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ يَشْتَدُّ عَلَيْهِمْ مُعَارَضَةُ النُّصُوصِ بِآرَاءِ الرِّجَالِ، وَلَا يُقِرُّونَ عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَحْتَجُّ فِي مُتْعَةِ الْحَجِّ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمْرِهِ لِأَصْحَابِهِ بِهَا، فَيَقُولُونَ لَهُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ أَفْرَدَا الْحَجَّ وَلَمْ يَتَمَتَّعَا، فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ قَالَ: " «يُوشِكُ أَنْ تَنْزِلَ عَلَيْكُمْ حِجَارَةٌ مِنَ السَّمَاءِ " ، أَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَقُولُونَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَرَحِمَ اللَّهُ ابْنَ عَبَّاسٍ» ، كَيْفَ لَوْ رَأَى قَوْمًا يُعَارِضُونَ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِ أَرِسْطُو وَأَفْلَاطُونَ وَابْنِ سِينَا وَالْفَارَابِيِّ وَجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ وَبِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ وَأَبِي الْهُذَيْلِ الْعَلَّافِ وَأَضْرَابِهِمْ؟ .
-
وَلَقَدْ «سُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ فَأَمَرَ بِهَا، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ أَبَاكَ يَنْهَى عَنْهَا، فَقَالَ: إِنَّ أَبِي لَمْ يُرِدْ مَا تَقُولُونَ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ قَالَ: أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَقُّ أَنْ تَتَّبِعُوا أَمْ أَمْرُ عُمَرَ» ؟ .
-
وَلَمَّا حَدَّثَ حُمَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ «عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} [الأعراف: ١٤٣] قَالَ: " وَضَعَ أُصْبُعَهُ عَلَى طَرَفِ خِنْصَرِهِ فَسَاخَ الْجَبَلُ " أَنْكَرَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ وَقَالَ: أَتُحَدِّثُ بِهَا؟ فَضَرَبَ حُمَيْدٌ فِي صَدْرِهِ وَقَالَ: أُحَدِّثُكَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَقُولُ: أَتُحَدِّثُ بِهَذَا» ؟ فَكَانَتْ نُصُوصُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَلَّ فِي صُدُورِهِمْ وَأَعْظَمَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ أَنْ يُعَارِضُوهَا بِقَوْلِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، وَلَا تَثْبُتُ قَدَمُ أَحَدٍ عَلَى الْإِيمَانِ إِلَّا عَلَى ذَلِكَ.
-
الثَّامِنُ وَالثَلَاثُونَ: أَنَّ الْمَعْقُولَاتِ لَيْسَ لَهَا ضَابِطٌ، وَلَا هِيَ مَحْصُورَةٌ فِي نَوْعٍ مُعَيَّنٍ، فَإِنَّهُ مَا مِنْ أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ إِلَّا وَلَهُمْ عَقْلِيَّاتٌ يَخْتَصِمُونَ إِلَيْهَا وَيَخْتَصُّونَ بِهَا، فَلِلْفُرْسِ عَقْلِيَّاتٌ، وَلِلْهِنْدِ عَقْلِيَّاتٌ، وَلِلْمَجُوسِ عَقْلِيَّاتٌ، وَلِلصَّائِبَةِ عَقْلِيَّاتٌ، وَكُلُّ طَائِفَةٍ مِنْ هَذِهِ الطَّوَائِفِ لَيْسُوا مُتَّفِقِينَ عَلَى الْعَقْلِيَّاتِ، بَلْ فِيهَا مِنَ الِاخْتِلَافِ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْمُعْتَنِينَ بِهِ، وَنَحْنُ نُعْفِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الْمَعْقُولَاتِ وَاضْطِرَابِهَا وَنُحَاكِمُكُمْ إِلَى
ج ١ ص ١٧٤الْمَعْقُولَاتِ الَّتِي فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَإِنَّهُ مَا مِنْ مُدَّةٍ مِنَ الْمُدَدِ إِلَّا وَقَدِ ابْتُدِعَتْ فِيهَا بِدَعٌ يَزْعُمُ أَرْبَابُهَا أَنَّ الْعَقْلَ دَلَّ عَلَيْهَا، وَنَحْنُ نَسُوقُ إِلَيْكَ الْأَمْرَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى أَنْ يَصِلَ إِلَيْكَ بِعَوْنِ اللَّهِ فَنَقُولُ: لَمَّا أَظْلَمَتِ الْأَرْضُ وَبَعُدَ عَهْدُهَا بِنُورِ الْوَحْيِ فَكَانُوا كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ قَالَ: " «إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا، وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ» " فَكَانَ أَهْلُ الْعَقْلِ كُلُّهُمْ فِي مَقْتِهِ إِلَّا بَقَايَا مُتَمَسِّكِينَ بِالْوَحْيِ، فَلَمْ يَسْتَفِيدُوا بِعُقُولِهِمْ حِينَ فَقَدُوا نُورَ الْوَحْيِ إِلَّا عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ وَالصُّلْبَانِ وَالنِّيرَانِ وَالْكَوَاكِبِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْحَيْرَةَ وَالشَّكَّ، أَوِ السِّحْرَ أَوْ تَعْطِيلَ الصَّانِعِ وَالْكُفْرَ بِهِ، فَأَطْلَعَ اللَّهُ شَمْسَ الرِّسَالَةِ فِي تِلْكَ الظُّلْمَةِ سِرَاجًا مُنِيرًا، وَأَنْعَمَ بِهَا عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فِي عُقُولِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ، وَمَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ نِعْمَةً لَا يَسْتَطِيعُونَ لَهَا شُكُورًا، فَأَبْصَرُوا بِنُورِ الْوَحْيِ مَا لَمْ يَكُونُوا بِعُقُولِهِمْ يُبْصِرُونَهُ، وَرَأَوْا فِي ضَوْءِ الرِّسَالَةِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهُ، فَكَانُوا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: ٢٥٧] ، وَقَالَ تَعَالَى: {الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [إبراهيم: ١] ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى: ٥٢] وَقَالَ: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} [الأنعام: ١٢٢] فَمَضَى الرَّعِيلُ الْأَوَّلُ وَضَوْءُ ذَلِكَ النُّورِ لَمْ تُطْفِئْهُ عَوَاصِفُ الْأَهْوَاءِ ; وَلَيْسَ يَلْتَبِسُ بِظُلْمِ الْآرَاءِ، وَأَوْصَوْا مَنْ بَعْدَهُمْ أَلَّا يُفَارِقُوا ذَلِكَ النُّورَ الَّذِي اقْتَبَسُوهُ مِنْهُمْ، فَلَمَّا كَانَ فِي أَوَاخِرِ عَصْرِهِمْ حَدَثَتِ الشِّيعَةُ وَالْخَوَارِجُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ، فَبَعِدُوا عَنِ النُّورِ
ج ١ ص ١٧٥الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ أَوَائِلُ الْأُمَّةِ، وَمَعَ هَذَا فَلَمْ يُفَارِقُوهُ بِالْكُلِّيَّةِ، بَلْ كَانُوا لِلنُّصُوصِ مُعَظِّمِينَ وَبِهَا مُسْتَدِلِّينَ، وَلَهَا عَلَى الْآرَاءِ وَالْعُقُولِ مُقَدِّمِينَ، وَلَمْ يَدَّعِ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنَّ عِنْدَهُ عَقْلِيَّاتٍ تُعَارِضُ الْوَحْيَ وَالنُّصُوصَ، وَإِنَّمَا أَتَوْا مِنْ سُوءِ الْفَهْمِ فِيهَا، فَصَاحَ بِهِمْ مَنْ أَدْرَكَهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ وَكِبَارِ التَّابِعِينَ مِنْ كُلِّ قُطْرٍ، وَرَمَوْهُمْ بِالْعَظَائِمِ، وَتَبَرَّءُوا مِنْهُمْ وَحَذَّرُوا مِنْ سَبِيلِهِمْ أَشَدَّ التَّحْذِيرِ، وَكَانُوا لَا يَرَوْنَ السَّلَامَ عَلَيْهِمْ وَمُجَالَسَتَهُمْ.