نقل كلام ابن جني في المجاز والرد عليه

٧٥ فقرة، ج ١ ص ٣٣٥

الصفحة ١ من ٢

  1. الْوَجْهُ الْحَادِي وَالْخَمْسِينَ: قَالَ ابْنُ جِنِّي: بَابٌ فِي الْمَجَازِ إِذَا كَثُرَ أُلْحِقَ بِالْحَقِيقَةِ:

    اعْلَمْ أَنَّ أَكْثَرَ اللُّغَةِ مَعَ تَأَمُّلِهِ مَجَازٌ لَا حَقِيقَةٌ، وَذَلِكَ عَامَّةُ الْأَفْعَالِ، نَحْوَ: قَامَ زَيْدٌ وَقَعَدَ

    ج ١ ص ٣٣٦عُمَرُ وَانْطَلَقَ بِشْرٌ وَجَاءَ الصَّيْفُ وَانْهَزَمَ الشِّتَاءُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْفِعْلَ يُفَادُ مِنْهُ مَعْنَى الْجِنْسِيَّةِ، فَقَوْلُكَ: قَامَ زَيْدٌ، أَيِ: الْجِنْسُ مِنَ الْفِعْلِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ جَمِيعُ الْقِيَامِ، وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ وَهُوَ جِنْسٌ، وَالْجِنْسُ يُطْبِقُ جَمِيعَ الْمَاضِي وَجَمِيعَ الْحَاضِرِ وَجَمِيعَ الْآتِي الْكَائِنَاتِ مِنْ كُلِّ مَنْ وُجِدَ مِنْهُ الْقِيَامُ، فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ لِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَلَا فِي مِائَةِ أَلْفِ سَنَةٍ مُضَاعَفَةُ الْقِيَامِ كُلِّهِ الدَّاخِلِ تَحْتَ الْوَهْمِ، هَذَا مُحَالٌ عِنْدَ كُلِّ ذِي لُبٍّ.

    ج ١ ص ٣٣٥
  2. فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ عَلِمْتَ أَنَّ قَامَ زَيْدٌ مَجَازٌ لَا حَقِيقَةٌ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى وَضْعِ الْكُلِّ مَوْضِعَ الْبَعْضِ لِلِاتِّبَاعِ وَالْمُبَالَغَةِ، وَنِسْبَةُ الْقَلِيلِ بِالْكَثِيرِ، وَيَدُلُّ عَلَى انْتِظَامِ ذَلِكَ بِجَمِيعِ جِنْسِهِ أَنَّكَ تَعْلَمُهُ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ ذَلِكَ الْفِعْلِ، فَتَقُولُ: قَوْمَةً وَقَوْمَتَيْنِ وَقِيَامًا حَسَنًا وَقِيَامًا قَبِيحًا، فَإِعْمَالُكَ إِيَّاهُ فِي جَمِيعِ أَجْزَائِهِ ; يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَوْضُوعٌ عِنْدَهُمْ عَلَى صَلَاحِهِ لِتَنَاوُلِ جَمِيعِهَا، وَإِنَّمَا يَعْمَلُ الْفِعْلُ مِنَ الْمَصَادِرِ فِيمَا فِيهِ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، أَلَا تَرَاكَ لَا تَقُولُ قُمْتُ جُلُوسًا وَلَا ذَهَبْتُ مَجِيئًا، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لَمَّا لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ: لَعَمْرِي لَقَدْ أَحْبَبْتُكَ الْحُبَّ كُلَّهُ، فَانْتِظَامُهُ لِجَمِيعِهِ يَدُلُّ عَلَى وَضْعِهِ عَلَى اعْتِرَافِهِ وَاسْتِيعَابِهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْآخَرِ:

    وَقَدْ يَجْمَعُ اللَّهُ الشَّتِيتَيْنِ بَعْدَمَا ... يَظُنَّانِ كُلَّ الظَّنِّ أَنْ لَا تَلَاقِيَا

    فَقَوْلُهُ كُلَّ الظَّنِّ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ، قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: قَوْلُنَا زَيْدٌ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِنَا: خَرَجْتُ فَإِذَا الْأَسَدُ، تَعْرِيفُهُ هُنَا تَعْرِيفُ الْجِنْسِ، كَقَوْلِكَ: الْأَسَدُ أَشَدُّ مِنَ الذِّئْبِ، وَأَنْتَ لَا تُرِيدُ خَرَجْتُ وَجَمِيعُ الْأَسَدِ الَّتِي يَتَنَاوَلُهَا الْوَهْمُ عَلَى الْبَابِ، هَذَا مُحَالٌ وَاعْتِقَادُهُ اخْتِلَالٌ، وَإِنَّمَا أَرَدْتَ خَرَجْتُ فَإِذَا وَاحِدٌ مِنَ الْجِنْسِ بِالْبَابِ، فَوَضَعْتَ لَفْظَ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْوَاحِدِ مَجَازًا لِمَا فِيهِ مِنَ الِاتِّسَاعِ وَالتَّوْكِيدِ.

  3. أَمَّا الِاتِّسَاعُ فَبِأَنْ وَضَعْتَ اللَّفْظَ الْمُعْتَادَ لِلْجَمَاعَةِ عَلَى الْوَاحِدِ، وَأَمَّا التَّوْكِيدُ فَلِأَنَّكَ عَظَّمْتَ قَدْرَ ذَلِكَ الْوَاحِدِ بِالْجَمَاعَةِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا مِثْلُهُ فِي كَوْنِهِ أَسَدًا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمِثْلُهُ قَعَدَ جَعْفَرٌ وَانْطَلَقَ مُحَمَّدٌ وَجَاءَ اللَّيْلُ وَانْصَرَمَ النَّهَارُ.

  4. وَكَذَلِكَ أَفْعَالُ الْقَدِيمِ سُبْحَانَهُ نَحْوَ: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَمَا كَانَ مِثْلَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ عَزَّ اسْمُهُ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ خَلَقَ أَفْعَالَنَا، وَلَوْ كَانَ خَالِقًا حَقِيقِيَّةً لَا مَحَالَةَ لَكَانَ خَالِقَ الْكُفْرِ وَالْعُدْوَانِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَفْعَالِنَا، وَكَذَلِكَ عَلِمَ اللَّهُ قِيَامَ زَيْدٍ مَجَازٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَيْسَتِ الْحَالُ الَّتِي عَلِمَ اللَّهُ عَلَيْهَا قِيَامَ زَيْدٍ هِيَ الَّتِي عَلِمَ اللَّهُ عَلَيْهَا قِيَامَ عُمَرَ، وَلَسْنَا

    ج ١ ص ٣٣٧نُثْبِتُ لَهُ سُبْحَانَهُ عِلْمًا لِأَنَّهُ عَالِمٌ لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنَّا مَعَ ذَلِكَ نَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ حَالُ عِلْمِهِ بِقُعُودِ زَيْدٍ هِيَ حَالَ عِلْمِهِ بِجُلُوسِ عَمْرٍو، وَنَحْوَ ذَلِكَ.

  5. وَكَذَلِكَ قَوْلُكَ ضَرَبْتُ عَمْرًا مَجَازٌ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ جِهَةِ التَّجَوُّزِ فِي الْفِعْلِ وَأَنَّكَ إِنَّمَا فَعَلْتَ بَعْضَ الضَّرْبِ لَا جَمِيعَهُ، وَلَكِنْ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّكَ إِنَّمَا فَعَلْتَ بَعْضَهُ لَا جَمِيعَهُ.

  6. أَلَا تَرَاكَ تَقُولُ ضَرَبْتُ زَيْدًا، وَلَعَلَّكَ إِنَّمَا ضَرَبْتَ يَدَهُ أَوْ إِصْبَعَهُ أَوْ نَاحِيَةً مِنْ نَوَاحِي جَسَدِهِ، وَلِهَذَا إِذَا احْتَاطَ الْإِنْسَانُ أَوِ اسْتَظْهَرَ جَاءَ بِبَدَلِ الْبَعْضِ فَقَالَ ضَرَبْتُ زَيْدًا رَأْسَهُ أَوْ وَجْهَهُ، نَعَمْ، ثُمَّ إِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ مُتَجَوِّزٌ أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ ضَرَبْتُ زَيْدًا رَأْسَهُ فَيُبَدِّلُ لِلِاحْتِيَاطِ، وَهُوَ إِنَّمَا ضَرَبَ نَاحِيَةً مِنْ نَوَاحِي رَأْسِهِ لَا رَأْسَهُ كُلَّهُ، وَلِهَذَا يَحْتَاطُ بَعْضُهُمْ فِي نَحْوِ هَذَا فَيَقُولُ ضَرَبْتُ زَيْدًا جَانِبَ وَجْهِهِ الْأَيْمَنِ، أَوْ ضَرَبَهُ عَلَى رَأْسِهِ.

  7. وَإِذَا عَرَفْتَ التَّوْكِيدَ وَلِمَ وَقَعَ فِي الْكَلَامِ نَحْوَ نَفْسِهِ وَعَيْنِهِ وَأَجْمَعَ وَكُلِّهِ وَكُلِّهِمْ وَكِلَيْهِمَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، عَرَفْتَ مِنْهُ حَالَ سَعَةِ الْمَجَازِ فِي هَذَا الْكَلَامِ، أَلَا تَرَاكَ تَقُولُ قَطَعَ الْأَمِيرُ اللِّصَّ، وَيَكُونُ الْقَطْعُ بِأَمْرِهِ لَا بِيَدِهِ، فَإِذَا قُلْتَ قَطَعَ الْأَمِيرُ لِصًّا، رَفَعْتَ الْمَجَازَ مِنْ جِهَةِ الْفِعْلِ، وَصِرْتَ إِلَى الْحَقِيقَةِ، لَكِنْ بَقِيَ عَلَيْكَ التَّجْوِيزُ فِي مَكَانٍ آخَرَ وَهُوَ قَطْعُ اللِّصِّ، وَإِنَّمَا فِعْلُهُ قَطْعُ يَدِهِ أَوْ رِجْلِهِ، فَإِذَا احْتَطْتَ قُلْتَ: قَطَعَ الْأَمِيرُ يَدَ اللِّصِّ أَوْ رِجْلَهُ.

    قُلْتُ: وَبَقِيَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ: وَذَلِكَ مَجَازٌ أَيْضًا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَهُوَ أَنَّ الْيَدَ رَسْمٌ لِلْعُضْوِ إِلَى الْمَنَاكِبِ، وَهُوَ لَمْ يَقْطَعْهَا كُلَّهَا إِنَّمَا قَطَعَ بَعْضَهَا، فَإِذَا احْتَاطَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقُولَ: قَطَعَ الْأَمِيرُ نَفْسَهُ مِنْ يَدِ اللِّصِّ مَا بَيْنَ الْكُوعِ وَالْأَصَابِعِ، وَذَلِكَ مَجَازٌ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّهُ سَمَّاهُ لِصًّا وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ وَجَدَ جَمِيعَ أَفْرَادِ اللُّصُوصِيَّةِ كَمَا قَرَّرَهُ فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ، وَذَلِكَ مُحَالٌ فَقَدْ أَوْقَعَ الْبَعْضَ مَوْقِعَ الْكُلِّ وَذَلِكَ مَجَازٌ، فَإِذَا احْتَاطَ قَالَ قَطْعَ الْأَمِيرُ نَفْسَهُ مِنْ يَدٍ وَمَنْ وَجَدَ مِنْهُ بَعْضَ اللُّصُوصِيَّةِ مَا بَيْنَ الْكُوعِ وَالْأَصَابِعِ، وَيَبْقَى عَلَيْهِ مَجَازٌ آخَرُ عِنْدَهُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَهُوَ أَنَّ الْقَطْعَ عِنْدَهُ دَالٌّ عَلَى جَمِيعِ أَفْرَادِ الْجِنْسِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فَأَوْقَعَ الْقَطْعَ عَلَى فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْقَطْعِ لِمَنْ وَجَدَ مِنْهُ بَعْضَ أَفْرَادِ اللُّصُوصِيَّةِ أَوْقَعَهُ فِي جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ يَدِهِ.

  8. فَيَا ضَحِكَةَ الْعُقَلَاءِ وَيَا شَمَاتَةَ الْأَعْدَاءِ بِهَذِهِ الْعُقُولِ السَّخِيفَةِ الَّتِي كَادَهَا عَدُوُّهَا وَيَأْبَى اللَّهُ أَنْ يُوَفِّقَ عَقْلَ مَنْ أَنْكَرَ عِلْمَهُ وَقُدْرَتَهُ وَيَكْذِبَ عَلَيْهِ حَيْثُ يَزْعُمُ أَنَّ غَالِبَ كَلَامِهِ مَجَازٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ لِشُهُودِ هَذَا الَّذِي هُوَ بِأَقْبَحِ الْهَذَيَانِ أَشْبَهَ مِنْهُ بِالْفَصَاحَةِ وَالْبَيَانِ.

  9. قَالَ وَكَذَلِكَ قَوْلُكَ جَاءَ الْجَيْشُ أَجْمَعُ، وَلَوْلَا أَنَّهُ قَدْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا جَاءَ بَعْضُهُمْ إِنْ أَطْلَقْتَ الْمَجِيءَ عَلَى جَمِيعِهِمْ لَمَا كَانَ لِقَوْلِكَ أَجْمَعُ مَعْنًى، فَوُقُوعُ التَّوْكِيدِ فِي هَذِهِ اللُّغَةِ أَقْوَى دَلِيلٍ عَلَى شِيَاعِ الْمَجَازِ فِيهَا وَاشْتِمَالِهِ عَلَيْهَا حَتَّى إِنَّ أَهْلَ الْعَرَبِيَّةِ أَفْرَدُوا لِذَلِكَ بَابًا لِعِنَايَتِهِمْ بِهِ، وَكَوْنِهِ مِمَّا لَا يُضَاعُ وَلَا يُهْمَلُ مِثْلُهُ، كَمَا أَفْرَدُوا لِكُلِّ مَعْنًى أَهَمَّهُمْ بَابًا كَالصِّفَةِ وَالْعَطْفِ وَالْإِضَافَةِ وَالنِّدَاءِ وَالنُّدْبَةِ وَالْقَسَمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

    قَالَ ابْنُ جِنِّي: وَكَذَلِكَ أَيْضًا حَذْفُ الْمُضَافِ مَجَازٌ لَا حَقِيقَةٌ وَقَدْ كَثُرَ حَتَّى إِنَّ فِي الْقُرْآنِ وَهُوَ أَفْصَحُ الْكَلَامِ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ مَوْضِعٍ بَلْ ثَلَاثُمِائَةِ مَوْضِعٍ، وَفِي الشَّعْرِ مِنْهُ مَا لَا أُحْصِيهِ، قَالَ: وَهَذَا يَدْفَعُ دَفْعَ أَبِي الْحَسَنِ الْقِيَاسَ عَنْ حَذْفِ الْمُضَافِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَقِيقَةً، أَوْ لَا يَعْلَمُ أَبُو الْحَسَنِ كَثْرَةَ الْمَجَازِ عَلَيْهِ وَسِعَةَ اسْتِعْمَالِهِ وَانْتِشَارَ مَوَاقِعِهِ، كَقَامَ أَخُوكَ، وَجَاءَ الْجَيْشُ، وَضَرَبْتُ زَيْدًا، وَنَحْوِ ذَلِكَ، كُلُّ ذَلِكَ مَجَازٌ، وَهُوَ عَلَى غَايَةِ الِانْقِيَادِ وَالِاطِّرَادِ فَكَذَلِكَ حَذْفُ الْمُضَافِ.

    ج ١ ص ٣٣٨
  10. فَإِنْ قِيلَ: يَجِيءُ مِنْ هَذَا أَنْ تَقُولَ ضَرَبْتُ زَيْدًا وَإِنَّمَا ضَرَبْتُ غُلَامَهُ وَوَلَدَهُ، قِيلَ: هَذَا الَّذِي شَنَّعْتُ بِهِ بِعَيْنِهِ جَائِزٌ، أَلَا تَرَاكَ تَقُولُ: إِنَّمَا ضَرَبْتُ زَيْدًا لِضَرْبِكَ لِغُلَامِهِ، وَأَهَنْتُهُ بِإِهَانَتِكَ وَلَدَهُ، وَهَذَا بَابُ إِنَّمَا يُصْلِحُهُ وَيُفْسِدُهُ الْمَعْرِفَةُ بِهِ، فَإِنْ فُهِمَ عَنْكَ فِي قَوْلِكَ ضَرَبْتُ زَيْدًا أَنَّكَ إِنَّمَا أَرَدْتَ بِذَلِكَ ضَرَبْتُ غُلَامَهُ أَوْ أَخَاهُ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يُفْهَمْ عَنْكَ لَمْ يَجُزْ، كَمَا أَنَّكَ إِنْ فُهِمَ بِقَوْلِكَ أَكَلْتُ الطَّعَامَ أَكَلْتُ بَعْضَهُ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى الْبَدَلِ.

  11. وَإِنْ لَمْ يُفْهَمْ عَنْكَ وَأَرَدْتَ إِفْهَامَ الْمُخَاطَبِ إِيَّاهُ لَمْ تَجِدْ بُدًّا مِنَ الْبَيَانِ وَأَنْ تَقُولَ بَعْضَهُ أَوْ نِصْفَهُ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّاعِرَ لَمَّا فَهِمَ عَنْهُ مَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ:

    صَبَّحْنَ مِنْ كَاظِمَةِ الْحِصْنِ الْخَرِبِ ... يَحْمِلْنَ عَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ

    وَإِنَّمَا أَرَادَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الثِّقَةِ يَفْهَمُ ذَلِكَ لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنَ الْبَيَانِ، وَعَلَى ذَلِكَ قَوْلُ الْآخَرِ:

    عَلِيمٌ بِمَا أَعْيَا النَّطَاسِيَّ حِذْيَمًا

    إِنَّمَا أَرَادَ ابْنَ حِذْيَمٍ.

    ج ١ ص ٣٣٩قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَى إِلْحَاقِ الْمَجَازِ بِالْحَقِيقَةِ عِنْدَهُمْ وَسُلُوكِهِ طَرِيقَتَهُمْ فِي نُفُوسِهِمْ أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ وَكَّدَتْهُ كَمَا وَكَّدَتِ الْحَقِيقَةَ، وَذَلِكَ قَوْلُ الْفَرَزْدَقِ:

    عَشِيَّةَ سَالَ الْمِرْبَدَانِ كِلَاهُمَا ... سَحَابَةَ مَوْتٍ بِالسُّيُوفِ الصَّوَارِمِ

    وَإِنَّمَا هُوَ مُرِيدٌ وَاحِدٌ فَثَنَّاهُ مَجَازًا لِمَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنْ مُجَاوِرِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ رَفَعَ ذَلِكَ وَوَكَّدَهُ وَإِنْ كَانَ مَجَازًا، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سُمِّيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ جَانِبَيْهِ مِرْبَدًا.

    وَقَالَ الْآخَرُ:

    إِذَا الْبَيْضَةُ الصَّمَّاءُ عَضَّتْ صَفِيحَةً ... بِحَرْبَاتِهَا صَاحَتْ صِيَاحًا وَصَلَّتِ

    فَأَكَّدَ صَاحَتْ وَهُوَ مَجَازٌ بِقَوْلِهِ (صِيَاحًا) وَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: ١٦٤] فَلَيْسَ هُوَ مِنْ بَابِ الْمَجَازِ، بَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: خَلَقَ اللَّهُ كَلَامًا فِي الشَّجَرَةِ فَكَلَّمَ بِهِ مُوسَى، وَإِذَا أَحْدَثَهُ كَانَ مُتَكَلِّمًا بِهِ، وَأَمَّا أَنْ يُحَدِّثَهُ فِي فَمٍ أَوْ شَجَرَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا فَهُوَ شَيْءٌ آخَرُ، وَلَكِنَّ الْكَلَامَ وَاقِعٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ مِنَّا إِنَّمَا يَسْتَحِقُّ هَذِهِ الصِّفَةَ لِكَوْنِهِ مُتَكَلِّمًا لَا غَيْرُ، لَا لِأَنَّهُ أَحْدَثَهُ مِنْ آلَةِ نُطْقِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَكُونُ مُتَكَلِّمًا حَتَّى يُحَرِّكَ بِهِ آلَةَ نُطْقِهِ.

  12. فَإِنْ قُلْتَ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ أَحَدَنَا عَمِلَ لَهُ مُصَوِّتَةً وَحَرَّكَهَا وَاجْتَزَأَ بِأَصْوَاتِهَا عَنْ أَصْوَاتِ الْحُرُوفِ الْمُتَقَطِّعَةِ الْمَسْمُوعَةِ فِي كَلَامِنَا، أَكُنْتَ تُسَمِّيهِ مُتَكَلِّمًا وَتُسَمِّي تِلْكَ الْأَصْوَاتِ كَلَامًا، وَذَلِكَ الْمُصَوِّتُ بِهِ مُتَكَلِّمًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي قُوَّةِ الْبَشَرِ أَنْ يُورِدُوا الْكَلَامَ بِالْآلَاتِ الَّتِي يَصْنَعُوهَا عَلَى سَمْتِ الْحُرُوفِ الْمَنْطُوقِ بِهَا وَصُورَتِهَا لِعَجْزِهِمْ عَنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَأْتُونَ بِأَصْوَاتٍ فِيهَا الشَّبَهُ الْيَسِيرُ مِنْ حُرُوفِهَا، فَلَا يَسْتَحِقُّ لِذَلِكَ أَنْ تَكُونَ كَلَامًا، وَلَا يَكُونُ النَّاطِقُ بِهَا مُتَكَلِّمًا، كَمَا أَنَّ الَّذِي يُصَوِّرُ الْحَيَوَانَ تَجْسِيمًا وَتَزْوِيقًا لَا يُقَالُ خَالِقٌ لِلْحَيَوَانِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ مُصَوِّرٌ وَحًا وَمُشَبِّهٌ، وَأَمَّا الْقَدِيمُ سُبْحَانَهُ فَإِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِحْدَاثِ الْكَلَامِ عَلَى صُورَتِهِ الْحَقِيقِيَّةِ وَأَصْوَاتِهِ الْحَيَوَانِيَّةِ فِي الشَّجَرَةِ وَالْهَوَاءِ وَمَا شَاءَ، وَهَذَا فَرْقٌ.

  13. فَإِنْ قُلْتَ: فَقَدْ أَحَالَ سِيَبَوَبْهِ قَوْلَنَا اشْرَبْ مَاءَ الْبَحْرِ، وَهَذَا مِنْهُ حَظْرٌ لِلْمَجَازِ الَّذِي أَنْتَ مُدَّعٍ شِيَاعَهُ وَانْتِشَارَهُ.

  14. قِيلَ: إِنَّمَا أَحَالَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ يُرِيدُ بِهِ الْحَقِيقَةَ، وَهَذَا مُسْتَقِيمٌ، إِذِ الْإِنْسَانُ

    ج ١ ص ٣٤٠الْوَاحِدُ لَا يَشْرَبُ مَاءَ الْبَحْرِ كُلَّهُ، فَأَمَّا إِنْ أَرَادَ بَعْضَهُ ثُمَّ أَطْلَقَ اللَّفْظَ وَلَا يُرِيدُ بِهِ جَمْعَهُ فَلَا مَحَالَةَ فِي جَوَازِهِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ:

    نَزَلُوا بِالْعِزَّةِ يَسِيلُ عَلَيْهِمْ ... مَاءُ الْفُرَاتِ يَجِيءُ فِي أَطْوَادِ

    إِنَّهُ لَمْ يُرِدْ جَمِيعَهُ لِأَنَّهُ قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ مَائِهِ مُخْتَلِجًا قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَى أَرْضِهِ بِشُرْبٍ أَوْ سَقْيِ زَرْعٍ وَنَحْوِهِ، فَسِيبَوَيْهِ إِنَّمَا وَضَعَ اللَّفْظَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى أَصْلِ وَضْعِهِ فِي اللُّغَةِ مِنَ الْعُمُومِ، وَاجْتَنَبَ الْمُسْتَعْمَلَ فِيهِ مِنَ الْخُصُوصِ، وَمِثْلُ تَوْكِيدِهِ الْمَجَازَ فِيمَا مَضَى قَوْلُنَا قَامَ زَيْدٌ قِيَامًا وَجَلَسَ جُلُوسًا، فَقَدْ قَدَّمْنَا الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّ قَامَ وَقَعَدَ مَجَازٌ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يُؤَكَّدُ بِالْمَصْدَرِ، وَكَذَلِكَ يَكُونُ قَوْلُهُ: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: ١٦٤] مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مَجَازًا عَلَى مَا مَضَى.

  15. وَمِنَ التَّوْكِيدِ فِي الْمَجَازِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [النمل: ٢٣] وَلَمْ تُؤْتَ لِحْيَةَ رَجُلٍ وَلَا ذَكَرَهُ، قَالَ: وَوَجْهُ هَذَا عِنْدِي أَنْ يَكُونَ مِمَّا حُذِفَتْ صِفَتُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ قَالَ: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [النمل: ٢٣] تُؤْتَاهُ الْمَرْأَةُ الْمَلِكَةُ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ أُوتِيَتْ لِحْيَةً وَذَكَرًا لَمْ تَكُنِ امْرَأَةً أَصْلًا، وَلَمَا قِيلَ فِيهَا (وَأُوتِيَتْ) وَقِيلَ فِيهَا (وَأُوتِيَ) وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: ١٦] وَهُوَ سُبْحَانَهُ شَيْءٌ، وَهُوَ مَا يَسْتَثْنِيهِ الْعَقْلُ بِبَدِيهَتِهِ وَلَا يُحْوَجُ إِلَى التَّشَاغُلِ بِاسْتِثْنَائِهِ، فَإِنَّ الشَّيْءَ كَائِنًا مَا كَانَ لَا يَخْلُقُ نَفْسَهُ.

  16. فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف: ٧٦] فَحَقِيقَةٌ لَا مَجَازٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَيْسَ عَالِمًا بِعِلْمٍ، فَهُوَ إِذًا الْعَلِيمُ الَّذِي فَوْقَ ذَوِي الْعُلُومِ أَجْمَعِينَ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ وَفَوْقَ كُلِّ عَالِمٍ عَلِيمٌ، لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ عَالِمٌ وَلَا عَالِمَ فَوْقَهُ.

  17. فَإِنْ قُلْتَ: لَيْسَ قَوْلُهُ {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [النمل: ٢٣] ، {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف: ٧٦] اللَّفْظُ الْمُعْتَادَ لِلتَّوْكِيدِ قِيلَ: هُوَ إِنْ لَمْ يَأْتِ نَابِعًا عَلَى سِمَةِ التَّوْكِيدِ فَإِنَّهُ بِمَعْنَى التَّوْكِيدِ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ إِذَا قُلْتَ: عَمَمْتُ بِالضَّرْبِ جَمِيعَ الْقَوْمِ، فَفَائِدَتُهُ فَائِدَةُ قَوْلِكَ ضَرَبْتُ الْقَوْمَ كُلَّهُمْ، فَإِذَا كَانَ الْمَعْنَيَانِ وَاحِدًا كَانَ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ لَغْوًا غَيْرَ مُعْتَدٍّ بِهِ " هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ " .

  18. وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ وَشَيْخَهُ أَبَا عَلِيٍّ مِنْ كِبَارِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالِاعْتِزَالِ الْمُنْكِرِينَ لِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَكْلِيمِهِ، فَلَا يُكَلِّمُ أَحَدًا الْبَتَّةَ، وَلَا يُحَاسِبُ عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِنَفْسِهِ وَكَلَامِهِ، وَأَنَّ الْقُرْآنَ وَالْكُتُبَ السَّمَاوِيَّةَ مَخْلُوقٌ مِنْ

    ج ١ ص ٣٤١بَعْضِ مَخْلُوقَاتِهِ، وَلَيْسَ لَهُ صِفَةٌ تَقُومُ لَهُ، فَلَا عِلْمَ لَهُ عِنْدَهُمْ وَلَا قُدْرَةَ وَلَا حَيَاةَ وَلَا إِرَادَةَ وَلَا سَمْعَ وَلَا بَصَرَ، وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ، وَأَنَّهَا وَاقِعَةٌ مِنْهُمْ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَأَنَّهُ شَاءَ مِنْهُمْ خِلَافَهَا، وَشَاءُوا هُمْ خِلَافَ مَا شَاءَ، فَغَلَبَتْ مَشِيئَتُهُمْ، وَكَانَ مَا شَاءُوهُ هُمْ دُونَ مَا شَاءَ هُوَ، فَيَكُونُ مَا لَا يَشَاءُ، وَيَشَاءُ مَا لَا يَكُونُ، وَهُوَ خَالِقٌ عِنْدَ هَذَا الضَّالِّ الْمُضِلِّ وَعَالِمٌ مَجَازًا لَا حَقِيقَةً، وَالْمَجَازُ يَصِحُّ نَفْيُهُ، فَهُوَ إِذًا عِنْدَهُ لَا خَالِقٌ وَلَا عَالِمٌ إِلَّا عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ.

  19. فَمِنْ هَذَا خَطَؤُهُ وَضَلَالُهُ فِي أَصْلِ دِينِهِ وَمُعْتَقَدِهِ فِي رَبِّهِ وَإِلَهِهِ، فَمَا الظَّنُّ بِخَطَئِهِ وَضَلَالِهِ فِي أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ وَلُغَةِ الْعَرَبِ، فَحَقِيقٌ بِمَنْ هَذَا مَبْلَغُ عِلْمِهِ وَنِهَايَةُ فَهْمِهِ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ أَكْثَرَ اللُّغَةِ مَجَازٌ وَيَأْتِي بِذَلِكَ الْهَذَيَانِ، وَلَكِنَّ سُنَّةَ اللَّهِ جَارِيَةٌ أَنْ يَفْضَحَ مَنِ اسْتَهْزَأَ بِحِزْبِهِ وَجُنْدِهِ، وَكَانَ الرَّجُلُ وَشَيْخُهُ فِي زَمَنِ قُوَّةِ شَوْكَةِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَكَانَتِ الدَّوْلَةُ دَوْلَةَ رَفْضٍ وَاعْتِزَالٍ، وَكَانَ السُّلْطَانُ عَضُدُ الدَّوْلَةِ ابْنُ بُوَيْهِ، وَلَهُ صَنَّفَ أَبُو عَلِيٍّ (الْإِيضَاحَ) ، وَكَانَ الْوَزِيرُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبَّادٍ مُعْتَزِلِيًّا، وَقَاضِي الْقُضَاةِ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ أَحْمَدَ مُعْتَزِلِيًّا، (وَأَوَّلُ) مَنْ عُرِفَ مِنْهُ تَقْسِيمُ الْكَلَامِ إِلَى حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ هُمُ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْجَهْمِيَّةُ.

  20. وَهَذَا الْوَجْهُ مُقَدِّمَةٌ بَيْنَ يَدَيْ رَدِّ مَا فِي كَلَامِهِ مِنْ بَاطِلٍ، فَإِنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى حَقٍّ وَبَاطِلٍ.

  21. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ مَا ادَّعَى فِيهِ أَنَّهُ مَجَازٌ دَلَّ عَلَى الْمُرَادِ مِنْهُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفِهِ عَلَى قَرِينَةٍ، وَهَذَا حَدُّ الْحَقِيقَةِ عِنْدَهُمْ، فَإِنَّ الْمَعْنَى يَسْبِقُ إِلَى الْفَهْمِ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ بِمُجَرَّدِهِ، وَلَا يَصِحُّ نَفْيُهُ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَرِينَةٍ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَجَازًا، فَإِنْ قَالَ: بَلْ تَرْكِيبُهُ مَعَ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ وَاتِّصَالِهِ بِالْمَفْعُولِ وَالْحَالِ وَالتَّمْيِيزِ وَالتَّوَابِعِ وَالِاسْتِثْنَاءِ وَنَحْوِهَا مِنَ الْقَرَائِنِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى، قِيلَ لَهُ: فَلَا يَخْلُو كَلَامٌ مُفِيدٌ مِنْ هَذَا التَّرْكِيبِ الْبَتَّةَ، أَفَنُقُولُ إِنَّ الْجَمِيعَ مَجَازٌ، أَوِ النِّصْفَ مَجَازٌ وَالنِّصْفَ حَقِيقَةٌ، فَإِنْ قُلْتَ فِي الْجَمِيعِ مَجَازٌ، كُنْتَ مُبْطِلًا، رَافِعًا لِلْحَقِيقَةِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَمُدَّعٍ عَلَى خِطَابِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَخِطَابِ الْأُمَمِ أَنَّهُ كُلُّهُ مَجَازٌ لَا حَقِيقَةٌ، وَيَكْفِيكَ هَذَا جَهْلًا وَكَذِبًا، وَإِنْ قُلْتَ: بَلِ الْبَعْضُ حَقِيقَةٌ وَالْبَعْضِ مَجَازٌ قِيلَ لَكَ: فَمَا ضَابِطُ ذَلِكَ؟ وَلَا يُمْكِنُكَ أَنْ تَأْتِيَ بِضَابِطٍ أَبَدًا، وَقَدْ أَغْلَقْتَ عَلَى نَفْسِكَ بَابَ الْحَقِيقَةِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَإِنَّ كُلَّ لَفْظٍ تُقِرُّ بِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ يَلْزَمُكَ فِيهِ نَظِيرُ مَا ادَّعَيْتَ أَنَّهُ مَجَازٌ، وَلَا شَيْءَ أَبْلَغُ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَعِلْمِ اللَّهِ، وَاللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَقَدِ ادَّعَيْتَ أَنَّهُ مَجَازٌ لَا حَقِيقَةٌ، وَلَا شَيْءَ أَظْهَرُ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ عَلَى الْخَلَائِقِ عِيَانًا جَهْرَةً، فَإِذَا

    ج ١ ص ٣٤٢رَآهَا النَّاسُ وَقَالُوا: طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَكَانَ هَذَا عِنْدَكَ مَجَازًا عَلَى أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهَا جَمِيعُ أَفْرَادِ طُلُوعِ الْمَاضِي وَالْحَاضِرِ وَالْآتِي فِي آنٍ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ عِنْدَكَ هُوَ الْحَقِيقَةُ، فَإِذَا كَانَ هَذَا كُلُّهُ مَجَازًا عِنْدَكَ فَمَا الظَّنُّ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَلْفَاظِ.

  22. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْفِعْلَ لَا عُمُومَ لَهُ وَلَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى وَحْدَةٍ وَلَا كَثْرَةٍ وَلَا عُمُومٍ وَلَا خُصُوصٍ، بَلْ هُوَ دَالٌّ عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَهُوَ مُطْلَقُ الْحَقِيقَةِ، فَإِذَا أَرَادُوا تَقْيِيدَهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَتَوْا بِمَا يَدُلُّ عَلَى مُرَادِهِمْ.

  23. فَيَأْتُونَ فِي الْمَرْأَةِ بِتَاءِ التَّأْنِيثِ نَحْوَ ضَرَبَتْ، وَفِي الْمَرْأَتَيْنِ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ، وَفِي الْجَمْعِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَالْجَمْعُ حَقِيقَةٌ، فَدَعَوَاكَ إِنَّ ضَرَبَتْ مَوْضُوعٌ لِجَمِيعِ أَفْرَادِ الضَّرْبِ الْمَوْهُومَةِ الَّتِي لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْحَصْرِ كَذِبٌ عَلَى اللُّغَةِ، فَإِنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَضَعِ الْفِعْلَ كَذَلِكَ الْبَتَّةَ وَلَا أَفَادَتْهُ بِهِ وَلَا دَلَّتْ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا وَضَعَتِ الْفِعْلَ بِالْإِخْبَارِ عَنْ فِعْلٍ صَدَرَ عَنِ الْفَاعِلِ وَيَصْدُرُ مِنْهُ أَوْ يَطْلُبُهُ، يُوَضِّحُهُ:

    الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ دَلَالَةَ الْمَاضِي وَالْمُضَارِعِ وَالْأَمْرِ عَلَى الْمَصْدَرِ وَاحِدَةٌ، فَلَوْ كَانَ (ضَرَبَتْ) مَوْضُوعًا لِجَمِيعِ أَفْرَادِ الضَّرْبِ كُلِّهَا مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا لَكَانَ الضَّرْبُ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ مَوْضُوعَةُ لَفْظَةِ اضْرِبْ أَوْقَعَ كُلَّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الضَّرْبِ كُلِّهَا مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا الْمَوْهُومَةِ فِي جَمِيعِ الْمَاضِي وَالْحَاضِرِ وَالْمُسْتَقْبَلِ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ، وَأَيُّ قَرِينَةٍ عَلَى اللُّغَةِ وَأَوْضَاعِهَا أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ؟ وَهَذَا أَمْرٌ يَقْطَعُ الْعَاقِلُ بِأَنَّ هَذَا لَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ الْمُتَكَلِّمِ وَلَا السَّامِعِ، وَلَا قَصَدَهَ الْوَاضِعُ أَصْلًا، وَمَنْ نَسَبَ الْأَمْرَ بِهِ إِلَى ذَلِكَ فَقَدْ نَسَبَهُ إِلَى أَعْظَمِ الْجَهْلِ وَالَى الْعَجْزِ عَنِ التَّكَلُّمِ بِالْحَقِيقَةِ، فَإِنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُ عِنْدَ هَذَا الْقَائِلِ إِلَى التَّخَلُّصِ مِنَ الْمَجَازِ وَالتَّكَلُّمِ بِالْحَقِيقَةِ الْبَتَّةَ، فَإِنَّ غَايَةَ مَا يَقْدِرُ أَنْ يُقَالَ: أَوْقَعَ فَرْدًا مِنْ أَفْرَادِ الضَّرْبِ عَلَى جُزْءٍ مِنَ الْمَضْرُوبِ، وَمَعَ هَذَا فَلَمْ يَخْلُصْ عِنْدَهُ لِأَنَّ أَوْقَعَ فِعْلٌ وَهُوَ دَالٌّ عِنْدَهُ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْإِيقَاعِ فِي الْمَاضِي وَالْحَاضِرِ وَالْأَمْرِ، يُوَضِّحُهُ:

    الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّ هَذَا يَسْتَلْزِمُ تَعْجِيزَ الْخَالِقِ عَنِ التَّكَلُّمِ بِالْحَقِيقَةِ أَمْرًا أَوْ خَبَرًا، فَإِنَّ أَوَامِرَهُ سُبْحَانَهُ كُلَّهَا بِالْأَفْعَالِ وَإِخْبَارَهُ عَنْ نَفْسِهِ وَخَلْقِهِ عَامَّةٌ بِالْأَفْعَالِ، وَقَدْ صَرَّحَ هَذَا بِأَنَّهَا مَجَازٌ، وَقَدْ عَجَزَ اللَّهُ بِأَنْ يَأْمُرَ بِلَفْظِ الْحَقِيقَةِ أَوْ يُخْبِرَ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ بِلَفْظِ حَقِيقَةٍ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [البقرة: ٤٣] ، وَ {اتَّقُوا اللَّهَ} [البقرة: ٢٧٨] وَ {آمَنُوا} [البقرة: ٩] وَ {وَاسْمَعُوا} [البقرة: ٩٣] وَ {وَجَاهَدُوا} [البقرة: ٢١٨] وَ {اصْبِرُوا} [آل عمران: ٢٠٠] وَ {وَاذْكُرُوا اللَّهَ} [البقرة: ٢٠٣] وَ {فَارْهَبُونِ} [البقرة: ٤٠]

  24. وَ {وَاخْشَوْنِ} [المائدة: ٣] وَ {ادْعُونِي} [غافر: ٦٠] وَأَمْثَالُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ مَجَازٌ فَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَأْمُرَ بِلَفْظِ الْحَقِيقَةِ أَوْ يُخْبِرَ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ فِعْلِهِ أَوْ عَنْ فِعْلِ خَلْقِهِ بِهَا، مَاذَا يَقُولُ سُبْحَانَهُ حَتَّى يَكُونَ مُتَكَلِّمًا بِالْحَقِيقَةِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: ١] وَ {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: ١] وَ {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} [الفلق: ١] وَأَضْعَافُ ذَلِكَ كُلِّهِ مَجَازٌ، وَكَذَلِكَ فِي جَانِبِ الْخَبَرِ نَحْوَهُ {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ} [البقرة: ٣٠] وَ {قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ} [آل عمران: ٤٢] وَ {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البقرة: ٣١] وَقَوْلُهُ {إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ} [البقرة: ٣٤] وَأَكْثَرُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ فِعْلٍ وَمِائَةِ أَلْفِ خَبَرٍ، فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ مَجَازًا عِنْدَكَ فَكَيْفَ يَصْنَعُ مَنْ أَرَادَ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِالْحَقِيقَةِ.

    ج ١ ص ٣٤٣
  25. الْوَجْهُ السَّادِسُ: قَوْلُهُ: وَيَدُلُّ عَلَى انْتِظَامِهِ لِجَمِيعِ جِنْسِ الْمَصْدَرِ أَنَّكَ تَعْلَمُهُ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ ذَلِكَ الْفِعْلِ نَحْوَ قُمْتُ قَوْمَةً وَقَوْمَتَيْنِ وَمِائَةَ قَوْمَةٍ، وَقِيَامًا حَسَنًا وَقَبِيحًا.

  26. وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ مَا يُبْطِلُ قَوْلَهُ، فَإِنَّ الْعَرَبَ وَضَعَتْهُ مُطْلَقًا غَيْرَ عَامٍّ بَلْ صَالِحًا لِلْعَمَلِ فِي الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ، وَالْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ، وَهُوَ فِي كُلِّ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مَوْضُوعِهِ وَيُسْتَعْمَلْ فِي غَيْرِهِ، وَالْعَجَبُ أَنَّكَ صَرَّحْتَ فِي آخِرِ كَلَامِكَ بِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِصَلَاحِيَتِهِ لِذَلِكَ كُلِّهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضُوعٍ لِلْعُمُومِ، فَبَطَلَ قَوْلُكَ: إِنَّهُ مَوْضُوعٌ لِجَمِيعِ الْجِنْسِ، بِقَوْلِكَ: إِنَّهُ مَوْضُوعٌ لِأَنْ يَكُونَ صَالِحًا لِلْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ وَهُوَ يَنْفِي الْمَجَازَ وَيُبَيِّنُ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْجَمِيعِ، وَهَذَا الَّذِي يَعْقِلُهُ بَنُو آدَمَ.

  27. وَأَمَّا اسْتِدْلَالُكَ عَلَى ذَلِكَ بِأَعْمَالِ الْفِعْلِ فِيهِ فَمِنْ أَعْجَبِ الْعَجَبِ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ فِي الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ وَالْمَرَّتَيْنِ وَالْمَرَّاتِ وَالْمُطْلَقِ وَالْعَامِّ، فَإِنْ كَانَ إِعْمَالُهُ فِي الْعَامِّ، نَحْوُ: يَظُنَّانِ كُلَّ الظَّنِّ، وَبَابُهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ، فَهَلْ كَانَ إِعْمَالُهُ فِي الْخَاصِّ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ، فَمَا خَرَجَ عَنْ مَوْضُوعِهِ حَيْثُ أُعْمِلَ، وَهَذَا ظَاهِرٌ بِحَمْدِ اللَّهِ.

  28. الْوَجْهُ السَّابِعُ: قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ: إِنْ قَامَ زَيْدٌ، بِمَنْزِلَةِ: خَرَجْتُ فَإِذَا الْأَسَدُ، تَعْرِيفُهُ هُنَا تَعْرِيفُ جِنْسٍ، كَقَوْلِكَ الْأَسَدُ أَشَدُّ مِنَ الذِّئْبِ، وَأَنَّكَ لَا تُرِيدُ خَرَجْتُ وَجَمِيعُ الْأَسَدِ الَّتِي يَتَنَاوَلُهَا الْوَهْمُ عَلَى الْبَابِ، وَإِنَّمَا تُرِيدُ فَإِذَا وَاحِدٌ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ بِالْبَابِ، فَوَضَعْتَ لَفْظَ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْوَاحِدِ مَجَازًا خَطَأً مِنْهُ وَوَهْمٌ ظَاهِرٌ يَنْقُضُ آخِرُ كَلَامِهِ فِيهِ أَوَّلَهُ، فَإِنَّهُ صَرَّحَ أَوَّلًا بِأَنَّ التَّعْرِيفَ الْمَذْكُورَ هُنَا تَعْرِيفُ الْجِنْسِ، وَهَذَا حَقٌّ.

  29. فَإِنَّ التَّعْرِيفَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ تَعْرِيفُ الشَّخْصِ، وَتَعْرِيفُ الْجِنْسِ، وَتَعْرِيفُ الْعُمُومِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ تَعْرِيفَ الشَّخْصِ وَلَا تَعْرِيفَ الْعَامِّ قَطْعًا، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ حَقِيقَةٌ فِيمَا اسْتُعْمِلَ فِيهِ، وَلَيْسَ

    ج ١ ص ٣٤٤لَفْظُ الْأَسَدِ فِي قَوْلِكَ خَرَجْتُ فَإِذَا الْأَسَدُ لَفْظُ جَمَاعَةٍ وُضِعَ عَلَى الْوَاحِدِ حَتَّى يَكُونَ مَجَازًا فَإِنَّ اسْمَ الْجِنْسِ الْمُعَرَّفَ بِاللَّامِ لَمْ يُوضَعْ لِلْجَمَاعَةِ حَتَّى يَكُونَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْوَاحِدِ الْمُطْلَقِ مَجَازًا، وَلَوْ كَانَ اسْتِعْمَالُهُ فِي التَّعْرِيفِ الْمُطْلَقِ مَجَازًا لَكَانَ اسْتِعْمَالُهُ فِي التَّعْرِيفِ الشَّخْصِيِّ أَوْلَى بِالْمَجَازِ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنِ الْعُمُومِ مِنْ تَعْرِيفِ الْجِنْسِ، فَيَكُونُ كُلُّ اسْمٍ مُعَرَّفٍ بِاللَّامِ الَّتِي لِلْعَهْدِ وَلِلْجِنْسِ مَجَازًا وَهَذَا لَا يَقُولُهُ مَنْ يَدْرِي مَا يَقُولُ يُوَضِّحُهُ:

    الْوَجْهُ الثَّامِنُ: أَنَّ هَذَا قَلْبٌ لِلْحَقَائِقِ، فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي اللَّامِ أَنْ تُفِيدَ تَعْرِيفَ الْمَاهِيَّةِ، فَالْعَهْدُ بِهَا أَوْلَى مِنَ الْجِنْسِ لِكَمَالِ التَّعْرِيفِ بِهِ، وَالْجِنْسُ أَوْلَى بِهَا مِنَ الْعُمُومِ لِأَنَّهَا تُفِيدُ الْمَاهِيَّةَ الذِّهْنِيَّةَ.

  30. فَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، فَإِنَّهُ نَوْعَانِ: شَخْصِيٌّ وَجِنْسِيٌّ، فَالْقَائِلُ: اشْتَرِ اللَّحْمَ وَاسْتَقِ الْمَاءَ، يُرِيدُ بِاللَّامِ تَعْرِيفَ الْجِنْسِ الْمَعْهُودِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُخَاطَبِ، كَمَا أَنَّ الْقَائِلَ إِذَا قَالَ: قَالَ الرَّجُلُ، وَدَخَلْتُ الْبَيْتَ، يُرِيدُ تَعْرِيفَ الشَّخْصِ الْمَعْهُودِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُخَاطَبِ، فَمَنِ ادَّعَى أَنَّهُمْ نَقَلُوا هَذَا اللَّفْظَ مِنَ الْجَمْعِ إِلَى الْوَاحِدِ فَهُوَ مُخْطِئٌ، يُوَضِّحُهُ:

    الْوَجْهُ التَّاسِعُ: وَهُوَ أَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَرَوْنَ الْمُفْرَدَ الْمُعَرَّفَ بِاللَّامِ مِنْ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ بِحَالٍ، وَإِنَّمَا يُثْبِتُونَ الْعُمُومَ لِلْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ بِاللَّامِ، سَوَاءٌ كَانَ جَمْعَ قِلَّةٍ نَحْوِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، أَوْ جَمْعَ كَثْرَةٍ نَحْوِ الرِّجَالِ وَالْعِبَادِ، فَالْأَسَدُ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ، وَإِذَا كَانَ لَيْسَ مِنْ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ فَلَمْ يُوضَعْ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَلَا اسْتُعْمِلَ إِلَّا فِي مَوْضُوعِهِ، وَمَنْ يَجْعَلُهُ لِلْعُمُومِ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ وَالْفُقَهَاءِ يَقُولُونَ: إِنَّمَا يَكُونُ لِلْعُمُومِ حَيْثُ يَصْلُحُ أَنْ تَخْلُفَ اللَّامُ فِيهِ كُلٌّ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر: ٢] وَنَحْوَ قَوْلِهِ: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا} [المعارج: ١٩] وَلِهَذَا صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ، وَذَلِكَ حَيْثُ لَا يَكُونُ عَهْدُ الْقَرِينَةِ وَالسِّيَاقِ دَالًّا عَلَى إِرَادَةِ جَمِيعِ أَفْرَادِ الْجِنْسِ.

  31. وَهَذَا مُنْتَفٍ فِي قَوْلِهِ (خَرَجْتُ فَإِذَا الْأَسَدُ) فَهُوَ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ بِقَرِينَةٍ، كَمَا يَدُلُّ عَلَى الْعَهْدِ بِقَرِينَةٍ، فَدَعْوَى الْمَجَازِ فِي بَعْضِ مَوَارِدِهِ دُونَ بَعْضٍ، تَحَكُّمٌ بَارِدٌ لَا مَعْنَى لَهُ، وَدَعْوَى الْمَجَازِ فِي جَمِيعِهَا بَاطِلٌ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنَّهُ حَقِيقَةٌ حَيْثُ اسْتُعْمِلَ، وَهُوَ الصَّوَابُ.

  32. الْوَجْهُ الْعَاشِرُ: قَوْلُهُ: (خَرَجْتُ فَإِذَا الْأَسَدُ) اتِّسَاعٌ وَتَوْكِيدٌ وَتَشْبِيهٌ، أَمَّا الِاتِّسَاعُ فَإِنَّهُ وَضْعُ اللَّفْظَةِ الْمُعْتَادَةِ لِلْجَمَاعَةِ عَلَى الْوَاحِدِ، وَأَمَّا التَّوْكِيدُ فَلِأَنَّهُ عَظَّمَ قَدْرَ ذَلِكَ الْوَاحِدِ بِأَنْ جَاءَ بِاللَّفْظَةِ عَلَى اللَّفْظِ الْمُعْتَادِ لِلْجَمَاعَةِ، وَأَمَّا التَّشْبِيهُ فَلِأَنَّهُ شَبَّهَ الْوَاحِدَ بِالْجَمَاعَةِ.

    ج ١ ص ٣٤٥ثُمَّ قَالَ: وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمِثْلُهُ قَعَدَ جَعْفَرٌ وَانْطَلَقَ مُحَمَّدٌ، وَجَاءَ اللَّيْلُ وَانْصَرَمَ النَّهَارُ خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْأَسَدَ دَلَّ عَلَى الْجَمْعِ، وَأَنَّهُ تَجَوَّزَ فَاسْتَعْمَلَهُ فِي الْوَاحِدِ، وَقَدْ عَرَفْتَ مَا فِيهِ، الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَهُ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ قَعَدَ جَعْفَرٌ، وَانْطَلَقَ مُحَمَّدٌ، وَجَاءَ اللَّيْلُ مِثْلَهُ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ لَا تَدُلُّ عَلَى قُعُودٍ وَانْطِلَاقٍ وَمَجِيءٍ عَامٍّ لِكُلِّ فَرْدٍ الْبَتَّةَ، بِحَيْثُ يَكُونُ اسْتِعْمَالُهَا فِيمَنْ وَجَدَ مِنْهُ بَعْضَ ذَلِكَ الْجِنْسِ مَجَازًا، فَلَيْسَ ثَمَّ دَلَالَتَانِ عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ بِخِلَافِ الْأَسَدِ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ تَقْدِيرُ دَلَالَتِهِ عَامَّةً وَخَاصَّةً لَهُ، فَإِذَا اسْتُعْمِلَ فِي أَحَدِهِمَا يَكُونُ اسْتِعْمَالُهُ لَهُ فِي غَيْرِ مَدْلُولِهِ الْآخَرِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْأَفْعَالِ؟ فَهَلْ يَعْقِلُ ذُو تَحْصِيلٍ لِقَامَ وَقَعَدَ وَانْطَلَقَ دَلَالَتَيْنِ قَطُّ عَامَّةً وَخَاصَّةً، وَلَيْسَ الْعَجَبُ مِنْ تَسْوِيدِ الْوَرَقِ بِهَذَا الْهَذَيَانِ، وَإِنَّمَا الْعَجَبُ مِنْ أَذْهَانٍ تَقْبَلُهُ وَتَسْتَحْسِنُهُ.

  33. الْوَجْهُ الْحَادِيَ عَشَرَ: قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ أَفْعَالُ الْقَدِيمِ نَحْوَ: خَلْقِ اللَّهِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ.

  34. فَيُقَالُ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَقُولُهُ الْجَاحِدُونَ لِخَلْقِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ، وَتَعَالَى عُلُوًّا كَبِيرًا، وَقَبَّحَ اللَّهُ قَوْلًا يَتَضَمَّنُ أَنْ يَكُونَ خَالِقًا مَجَازًا لَا حَقِيقَةً، وَأَنْ يَكُونَ خَلْقُ اللَّهِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مَجَازًا لَا حَقِيقَةً، وَمِنْ هُنَا قَالَ السَّلَفُ الَّذِينَ بَلَغَتْهُمْ مَقَالَةُ هَؤُلَاءِ إِنَّهُمْ شَرٌّ قَوْلًا مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَقَالُوا: إِنَّا لَنَحْكِي كَلَامَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَحْكِيَ كَلَامَ هَؤُلَاءِ، وَقَالُوا: إِنَّهُمْ مَلِيشُونَ مُعَطِّلُونَ نَافُونَ لِلْمَعْبُودِ عَزَّ وَجَلَّ " مَلِيشُونَ " أَيْ: يَصِفُونَهُ بِصِفَةِ لَا شَيْءَ.

  35. الْوَجْهُ الثَّانِيَ عَشَرَ: أَنَّ الْمَجَازَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ اسْتِعْمَالٌ فِي الْحَقِيقَةِ أَوْ وَضْعٌ سَابِقٌ، وَإِنْ لَمْ يُسْتَعْمَلْ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ، فَيَكُونُ لِلَّفْظِ جِهَتَانِ: جِهَةٌ حَقِيقَةٌ، وَجِهَةٌ مَجَازٌ، كَالْأَسَدِ وَالْحِمَارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، يُتَجَوَّزُ بِهِ مِنْ حَقِيقَتِهِ الَّتِي وُضِعَ لَهَا أَوَّلًا إِلَى مَجَازِهِ الَّذِي اسْتُعْمِلَ فِيهِ ثَانِيًا لِعَلَاقَةٍ بَيْنَهُمَا، فَأَيْنَ سَبَقَ لِقَوْلِنَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَعَلِمَ اللَّهُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسِ اسْتِعْمَالُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَفْهُومِ لِيَكُونَ إِطْلَاقُهُ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ، فَلَمْ يُسْتَعْمَلْ خَلَقَ إِلَّا فِي مَوْضُوعِهِ الْأَصْلِيِّ وَلَا اسْمُ اللَّهِ إِلَّا فِي مَوْضُوعِهِ، وَلَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا فِي مَوْضُوعِهِمَا، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَائِلُ يَرَى الْمَجَازَ فِي النِّسْبَةِ كَمَا يَخْتَارُهُ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ، أَوْ لَيْسَ مِمَّنْ يَرَى الْمَجَازَ فِي النِّسْبَةِ، فَإِنْ لَمْ يَرَ فِي النِّسْبَةِ مَجَازًا، فَالْمُفْرَدَاتُ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي مَوْضُوعَاتِهَا، وَلَا مَجَازَ فِي النِّسْبَةِ فَكَيْفَ

    ج ١ ص ٣٤٦يَكُونُ خَلْقُ اللَّهِ مَجَازًا، أَوْ إِنْ كَانَ مِمَّنْ يَرَى الْمَجَازَ فِي النِّسْبَةِ، كَأَنْبَتَ الْمَاءُ الْبَقْلَ، فَأَضَافَ الْإِنْبَاتَ إِلَى الْمَاءِ وَلَيْسَ لَهُ فِي الْحَقِيقَةِ، فَهَذِهِ النِّسْبَةُ فِي قَوْلِنَا خَلَقَ اللَّهُ أَصْدَقَ النِّسَبِ الْحَقِيقِيَّةِ الَّتِي إِنْ كَانَتْ مَجَازًا لَمْ يُتَصَوَّرْ أَنْ يَكُونَ فِي الْكَلَامِ نِسْبَةُ حَقِيقَةٍ الْبَتَّةَ، لَا فِي الْقَدِيمِ وَلَا فِي الْحَدِيثِ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الضَّلَالِ.

  36. الْوَجْهُ الثَّالِثَ عَشَرَ: أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَعْلُومَاتِ أَظْهَرُ مِنْ كَوْنِ اللَّهِ خَالِقًا، وَلِهَذَا أَقَرَّتْ بِهِ جَمِيعُ الْأُمَمِ، مُؤْمِنِهِمْ وَكَافِرِهِمْ، وَلِظُهُورِ ذَلِكَ، وَكَوْنِ الْعِلْمِ بِهِ بَدِيهِيًّا فِطْرِيًّا، احْتَجَّ اللَّهُ بِهِ عَلَى مَنْ أَشْرَكَ بِهِ فِي عِبَادَتِهِ، فَقَالَ: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [العنكبوت: ٦١] فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ، فَعَلِمَ أَنَّ كَوْنَهُ سُبْحَانَهُ خَالِقًا مِنْ أَظْهَرِ شَيْءٍ عِنْدَ الْعُقُولِ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْخَبَرُ عَنْهُ بِذَلِكَ مَجَازًا، وَهُوَ أَصْلُ كُلِّ حَقِيقَةٍ، فَجَمِيعُ الْحَقَائِقِ تَنْتَهِي إِلَى خَلْقِهِ وَإِيجَادِهِ، فَهُوَ الَّذِي خَلَقَ وَهُوَ الَّذِي عَلَّمَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ - خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ - اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ - الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ - عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: ١ - ٥] فَجَمِيعُ الْمَوْجُودَاتِ انْتَهَتْ إِلَى خَلْقِهِ وَتَعْلِيمِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ كَوْنُهُ خَالِقًا عَالِمًا مَجَازًا؟ وَإِذَا كَانَ كَوْنُهُ خَالِقًا عَالِمًا مَجَازًا لَمْ يَبْقَ لَهُ فِعْلٌ حَقِيقَةً وَلَا اسْمٌ حَقِيقَةً، فَصَارَتْ أَفْعَالُهُ كُلُّهَا مَجَازَاتٍ، وَأَسْمَاؤُهُ الْحُسْنَى كُلُّهَا مَجَازَاتٍ.

  37. الْوَجْهُ الْخَامِسَ عَشَرَ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ بِذَلِكَ خَلْقُ أَفْعَالِنَا، وَلَوْ كَانَ خَالِقًا حَقِيقَةً لَا مَحَالَةَ لَكَانَ خَالِقًا لِلْكُفْرِ وَالْعُدْوَانِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَفْعَالِنَا.

  38. كَلَامٌ بَاطِلٌ عَلَى أَصْلِ أَصْحَابِهِ الْقَدَرِيَّةِ وَعَلَى أَصْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ، بَلْ عَلَى أُصُولِ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ، فَإِنَّ جَمِيعَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ الْخَالِقُ حَقِيقَةً لَا مَجَازًا، بَلْ وَعُبَّادُ الْأَصْنَامِ وَجَمِيعُ الْمِلَلِ.

  39. وَأَمَّا إِخْوَانُهُ الْقَدَرِيَّةُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا إِنَّهُ غَيْرُ خَالِقٍ لِأَفْعَالِ الْحَيَوَانِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، فَإِنَّهُ لَا يَقُولُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِنَّهُ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا مَجَازًا لِكَوْنِهِ غَيْرَ خَالِقٍ لِأَفْعَالِ الْحَيَوَانِ، فَإِنَّهَا لَمْ تَدْخُلْ تَحْتَ قَوْلِهِ: {خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [العنكبوت: ٤٤] بَلْ لَمْ تَدْخُلْ عِنْدَهُمْ تَحْتَ قَوْلِهِ: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: ١٦] وَإِنْ دَخَلَتْ تَحْتَ هَذَا اللَّفْظِ فَهُوَ عِنْدَهُمْ عَامٌّ مَخْصُوصٌ بِالْعَقْلِ نَحْوَ قَوْلِهِ: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [النمل: ٢٣] ، {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} [الأحقاف: ٢٥] فَإِنِ ادَّعَوُا الْمَجَازَ فَهُمْ يَدَّعُونَهُ فِي مِثْلِ هَذَا

    ج ١ ص ٣٤٧لِكَوْنِهِ عَالِمًا مَخْصُوصًا، وَأَمَّا نَحْوُ قَوْلِهِ: {خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [العنكبوت: ٤٤] فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ قَطُّ إِنَّهُ مَجَازٌ قَبْلَ ابْنِ جِنِّي بِنَاءً عَلَى مَا أَصْلُهُ مِنَ الْأَصْلِ الْفَاسِدِ: أَنَّ الْفِعْلَ مَوْضُوعٌ لِجَمِيعِ أَفْرَادِ الْمَصْدَرِ، فَإِذَا اسْتُعْمِلَ فِي بَعْضِهَا كَانَ مَجَازًا.

  40. الْوَجْهُ السَّادِسَ عَشَرَ: أَنَّهُ أَثْبَتَ الْمَجَازَ بِإِنْكَارِ عُمُومِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَشِيئَتِهِ لِلْكَائِنَاتِ، وَإِثْبَاتِ عِدَّةِ خَالِقِينَ مَعَهُ فَكَانَ دَلِيلُهُ أَخْبَثَ مِنَ الْحُكْمِ الْمُسْتَدَلِّ عَلَيْهِ، وَقَدِ اتَّفَقَتِ الرُّسُلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ وَجَمِيعُ كُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى إِثْبَاتِ الْقُدْرَةِ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، وَأَنَّهُ كَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ، وَأَنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَأَنَّهُ لَا يَكُونُ فِي مِلْكِهِ مَا لَا يَشَاءُ، وَأَنَّهُ لَوْ شَاءَ لَمَا عَصَاهُ أَحَدٌ، وَلَوْ شَاءَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ، وَأَنَّهُ أَعَانَ أَهْلَ طَاعَتِهِ بِمَا لَمْ يُعِنْ بِهِ أَهْلَ مَعْصِيَتِهِ، وَوَفَّقَ أَهْلَ الْإِيمَانِ لِمَا لَمْ يُوَفِّقْ لَهُ أَهْلَ الْكُفْرِ، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الْمُسْلِمَ مُسْلِمًا، وَأَنَّهُ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ.