- ذكر إسناده عن الهيثم بن حبيب الصرفي
١٢٨ فقرة، ج ١ ص ٣٩٨
الصفحة ١ من ٤
- ج ١ ص ٣٩٨
- إفطار صوم في السفر
ذكر إسناده عن الهيثم بن حبيب الصرفي.
-
أبو حنيفة، رحمه الله تعالى، (عن الهيثم بن حبيب الصرفي) أحد التابعين الأجلاء (عن أنس بن مالك، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لليلتين اختلتا) أي بقيتا من شهر رمضان (من المدينة) متعلق بخرج (إلى مكة) أي يقصد فتحها (فصام حتى أتى قديداً) وهو بالتصغير، موضع بين الحرمين (مشى الناس إليه الجهد) بضم الجيم، وفتحها، أي المشقة من جهة الصوم في تلك الحالة، حيث لا يمكنهم مخالفته عليه السلام في العمل بالرخصة، وترك العزيمة (فأفطر) لما رأى بهم من الضرورة (فلم يزله بمفطر حتى أتى مكة) وفيه تنبيه على أن الصوم في السفر أفضل، لمن يكون له قوة، كما يشير إليه إطلاق قوله سبحانه وتعالى: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} (١) .
-
وأما حديث "لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي الْسَّفَر" فمحمول على حالة الضعف والضرورة، والحديث رواه عبد الرزاق في جامعه، ولفظه: "خرج رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح في شهر رمضان حتى مر بقديد في الطريق، وذلك في نحو الظهيرة، فعطش الناس، فجعلوا يمدون أعناقهم، وتتوق أنفسهم إليه، فدعى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح ماء، فأمسكه على يده حتى رآه الناس ثم شرب، فشرب الناس" .
-
وَرَوَى أيقد، عن أبي جعفر، قال: لما أن كان النبي صلى الله عليه وسلم مخرجه للفتح بعسفان، أو بالكديد، نُووِلَ قدحاً، وهو على راحلته في شهر رمضان، فجعلت
ج ١ ص ٣٩٩الرفاق تمر به والقدح على يده، ثم شرب، فبلغه بعد ذلك أن أناساً صاموا، فقال: أولئك العاصون.
-
وروى أحمد، عن ابن سعد والترمذي، بسند حسن، عن عمر، قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوتين في رمضان، يوم بدر، ويوم الفتح، فأفطر فيهما.
-
- وظيفة صبح وشام
وبه (عن الهيثم، عن أبي صالح) وهو ذكوان السمان الزيات المدني، كان يجلب السمن والزيت إلى الكوفة وهو مولى جويرية بنت الحارث، زوج النبي صلى الله عليه وسلم وهو تابعي جليل، مشهور، كثير الحديث، واسع الرواية.
-
روى عن أبي هريرة، وأبي سعيد، وعنه ابنه سهيل، والأعمش (عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قال حين يصبح) أي يدخل في الصباح وهو أول النهار (أعوذ بكلمات الله التامات) أي الجامعات الكاملات وهي الآيات القرآنية المشتملة على المعجزات، وهي التامة، الكافيات للبليات والآفات (ثلاث مرات) أي متواليات على ما هو الظاهر (لم يضره عقرب حتى يمسي) أي يدخل في المساء، وهو أول الليل، وقيل آخر النهار، على اختلاف في أوله (ومن قال) أي كذلك (حين يمسي، لم يضره عقرب حتى يصبح) .
-
(وفي رواية، قال) : أي النبي صلى الله عليه وسلم (من قال: أعوذ بكلمات الله التامات حين يصبح قبل طلوع الشمس ثلاث مرات، لم يضره عقرب يومئذ) أي في يوم ذلك
ج ١ ص ٤٠٠(وإذا قال حين يمسي) أي ثلاث مرات (لم يضره عقرب ليلته) أي في ليلة ذلك.
-
والحديث رواه الطبراني في الأوسط، بلفظ: من قال حين يصبح وحين يمسي.
-
وفي رواية، حين يمسي فقط، وكذا في رواية مسلم، والأربعة، والدارمي، وابن السني عن معقل بن يسار، وفي الأذكار للنووي، روينا في صحيح مسلم عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله ما لقيت من عقرب حتى لدغني البارحة، قال: أما لو قلت حين أمسيت أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضرك.
-
وروينا في كتاب ابن السني، وقال فيه: من قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، ثلاثاً لم يضره. انتهى.
-
وفي رواية للترمذي بسند حسن: من قال حين يمسي ثلاث مرات لم يضره حية في تلك الليلة، قال سهيل: فكان أهلنا يقولونها كل ليلة، فلدغت جارية منهم، فلم تجد وجعها.
-
هذا، وروى الحافظ أبو نعيم في تاريخ أصبهان، والمستغفري في الدعوات، والبيهقي في الشعب، عن علي أنه قال: لدغت النبي صلى الله عليه وسلم عقرب، وهو في الصلاة فلما فرغ قال: لعن الله العقرب، لا تدع مصلياً ولا غيره، ولا نبياً ولا غيره إلا لدغته، وتناول نعله فقتله بها، ثم دعا بماء وملح، وجعل يمسح عليها ويقرأ: {قُلْ هُوَ الله أَحدَ} والمعوذتين.
-
وروى ابن أبي شيبة، عن جابر بن عبد الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس وهو عاصب إصبعه من لدغة عقرب.
-
وبه (عن الهيثم عن عامر الشعبي، عن مسروق، عن عائشة، قالت: كان
ج ١ ص ٤٠١رسول الله صلى الله عليه وسلم يصيب من وجهها) أي باللمس أو القبلة (وهو صائم) أي فرضاً أو نفلاً، والجملة حالية، تعني كلام أحد الروايات، أي تريد عائشة بهذه الإصابة القبلة، لما صرحت بها في رواية أخرى، فقد روى أحمد والشيخان، والأربعة، عن عائشة، أنه عليه الصلاة والسلام كان يقبل وهو صائم، وقد سبق بعض ما يتعلق به.
-
وبه (عن الهيثم، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمن كلب الصيد) وقد روى أحمد والنسائي، عن جابر أنه عليه الصلاة والسلام، نهى في ثمن الكلب، إلا الكلب المعلم.
-
وفي رواية الترمذي، نهى عن ثمن الكلب إلا كلب الصيد.
-
واعلم أن بيع العين الطاهرة صحيح بالاتفاق، وأما بيع العين النجسة في نفسها، كالكلب، والخنزير، والخمر، والسرجين هل تصح أم لا؟ قال أبو حنيفة: يصح بيع الكلب والسرجين، وأن يُوَكّلَ المسلمُ ذمياً في بيع الخمر وأتباعها
واختلف أصحاب مالك في بيع الكلب، فمنهم من أجازه مطلقاً، ومنهم من كرهه، ومنهم من خص الجواز بالمأذون في إمساكه.
وقال الشافعي وأحمد: لا يجوز بيع شيء من ذلك أصلاً، ولا قيمة للكلب إن قتل أو أتلف، كذا في اختلاف الأئمة.
قال الدميري في حياة الحيوان: لا يصح بيع جميع الكلاب عندنا، خلافاً لمالك، فإنه أباح بيعها.
ج ١ ص ٤٠٢وقال أبو حنيفة: يجوز بيع غير العقور، انتهى، وفي فتاوي قاضي خان أن بيع الكلب المعلم عندنا جائز، ومفهومه، عدم جواز بيع الكلب، إذا لم يكن معلماً، وهو المطابق لرواية هذا الحديث، والله أعلم.
-
- أكل الأرنب
وبه: (عن الهيثم، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله، قال: خرج غلام من الأنصار قبل أحد) بكسر القاف، وفتح الموحدة، أي إلى جانب أحد، وهو بضمتين، جبل عظيم بقرب المدينة، وقد ورد في حقه، "أحد جبل يحبنا ونحبه" ، (فمر) أي فذهب في طريقه (فاصطاد أرنباً) وهو حيوان يشبه العناق، قصير اليدين، طويل الرجلين، اسم جنس يطلق على الذكر والأنثى (فلم يجد) أي معه (ما يذبحها) أي من آلات الحديد، كالسكين ونحوه (فذبحها بحجر) أي حاد (فجاء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد علقها بيده، فأمره بأكلها) .
-
وفيه تنبيه على جواز الذبح بكل ما فيه حدة، إذ المقصود هو إخراج الدم، واستثنى السن والظفر القائمين، أي غير المنزوعين، إذ يموت الحيوان بذلك خنقاً، بخلاف ما إذا كانا منزوعين، فإنه يجوز الذبح بهما، لكنه يكره لما فيه من استعمال جزء الآدمي.
-
(وفي رواية: أن رجلاً أصاب أرنبين، فذبحهما بمروة) بفتح الميم (يعني الحجر) أي الأبيض البراق، وهو أصلب الحجارة (فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بأكلها) .
- ج ١ ص ٤٠٣
(وفي رواية: أصاب رجل من بني سلمة أرنباً، فأخذ، فلم يجد سكيناً، فذبحها بحجر، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بأكلها) . واعلم، أنه يحل أكل الأرنب عند العلماء كافة، إلا ما حكى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وابن أبي ليلى، أنهما كرها أكلها.
-
أما حجتنا، ما رواه الإمام الأعظم والهمام الأقدم، وقد روى الجماعة عن أنس، قال: أنفخنا أرنباً بمر الظهران فسعى القوم عليها، فغلبوا، فأدركتها، فأتيت بها أبا طلحة، فذبحها، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بوركها وفخذها، فقبله.
-
وفي البخاري، في كتاب الهبة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبله وأكل منه.
-
وروى أحمد والنسائي، وابن ماجه، والحاكم، وابن حبان، عن محمد بن صفوان، أنه صاد أرنبين، فذبحهما بمروتين وأتي النبي صلى الله عليه وسلم، فأمره بأكلها.
-
واحتج ابن أبي ليلى، ومن وافقه بما روى الترمذي عن حبان بن جزء، عن أخيه خزيمة بن جزء، قال: قلت: يا رسول الله، ما تقول في الأرنب؟ قال: لا آكله، ولا أُحَرِّمُه، قال: قلت: ولم يا رسول الله؟ قال: فإني اجتنبت لأنها تدمى، أي تحيض، وغاية هذا الحديث استقذارها، مع جواز أكلها، وليس ما يدل على تحريمها، ولا تكريمها، ولا كراهتها.
-
- إذا تعارضتا تساقطتا
وبه (عن الهيثم، عن رجل، عن جابر بن عبد الله) أي الأنصاري، قال:
ج ١ ص ٤٠٤(اختصم رجلان في ناقة، كل واحد منهما يقيم البينة) أي الشهود (أنها ناقة نتجتها) أي أولدها (في ملكه، قضى بها النبي صلى الله عليه وسلم للذي في يده) ترجيحاً لجانبه.
-
(وفي رواية: أن الرجلين أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناقة) أي لأجل ناقة (تخاصما البينة أنه له فأقام هذا) أي أحدهما (أنه نتجتها، وأقام هذا) أي الآخر (بينة أنه نتجتها، فجعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي في يده) فإن البيِّنتين لما تعارضتا، تساقطتا، فرجح صاحب اليد، لأن الأصل فيه أنها ملكه.
-
- حج الحائض
وبه: (عن الهيثم، عن رجل، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، أنها قدمت) مع رسول الله صلى الله عليه وسلم (عام الفتح وهي متمتعة) أي ناوية للعمرة، في أشهر الحج (وهي حائض) أي فلم تقدر أن تطوف لعمرتها (فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم) أي برفض العمرة بالشروع في إحرام الحج (فرفضت عمرتها) أي فتركت أعمالها، فاستقبلت بأعمال الحج، وذبحت لرفضها كما سيأتي في الحديث الذي يليه.
- ج ١ ص ٤٠٥
وفي المواهب اللدنية، لما نزل صلى الله عليه وسلم بسرف خرج إلى أصحابه، فقال: من لم يكن معه هدي، وأحب أن يجعلها عمرة، فليفعل - ومن كان معه هدي فلا. وحاضت عائشة فخرج عليها صلى الله عليه وسلم وهي تبكي، فقال: ما يبكيك يا هنتاه؟ قالت: سمعت قولك لأصحابك، فطمثت العمرة، قال: وما شأنك؟ قالت: لا أصلي، قال: فلا يضرك، إنما أنت امرأة من بنات آدم، كتب الله عليك ما كتب عليهن، فكوني في حجك، فعسى الله أن يرزقكيها، أي العمرة، رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
-
وفي رواية قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يذكر إلاَّ الحج حين جئنا بسرف، فطمثت، فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك؟ فقالت: والله إني لوددت أني لم أكن خرجت العام، فقال: مالك، لعلك نفثت، أي حضت، قلت: نعم، قال: هذا شيء كتبه الله على ابن آدم، فافعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري، "الحديث" .
-
وقد اختلف فيما أحرمت به عائشة، كما اختلف، هل كانت متمتعة، أم مفردة؟ أم قارنة؟ وإذا كانت متمتعة، فقيل إنها أولاً أحرمت بالحج، هو ظاهر الحديث، لكن في حجة الوداع من المغازي عند البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، قالت: وكنت فيمن أهل بعمرة، وزاد أحمد من وجه آخر، ولم أسق هدياً، وهذا يقوي قول الكوفيين أن عائشة تركت العمرة وحجت مفردة، وتمسكوا في ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام لها: "دعي عمرتك" .
-
وفي رواية: ارفضي عمرتك لمسلم، أمسكي، أي عن عمرتك.
-
وفي رواية: اقضي عمرتك، وقد استدل الكوفيون بذلك على أن للمرأة إذا أهلت بالعمرة متمتعة، فحاضت قبل أن تطوف أن تترك العمرة وتهل بالحج مفردة، كما صنعت عائشة.
- ج ١ ص ٤٠٦
وبه: (عن الهيثم، عن رجل، عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبح لرفضها العمرة بقرة) وهذا زيادة خير منها، وإلا كان ذبح الشاة تكفيها ..
-
- البول في الماء يوجب الرسومة
وبه: (عن الهيثم الصواف) أي بياع الصوف، وهو لا ينافي كونه ابن حبيب الصيرفي (عن محمد بن سيرين) هو من أجلاء التابعين (عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبال) أي فضلاً أن يغاط، أو المراد بالبول، المعنى الأعم، والمراد، أن لا يلقى النجس (في الماء الدائم) أي الراكد الواقف (ثم يغتسل) بالنصب (منه أو يتوضأ) وهو عندنا محمول على ما إذا لم يكن عشراً في عشر، وعند غيرنا على ما عدا القلتين، وهذا إذا كان النهي تحريماً، ولا يبعد أن يكون تنزيهاً، فإنه ولو كان الماء كثيراً فإنه يوجب الوسوسة في الطهارة.
-
وقد روى أبو داود عن مكحول مرسلاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يبول الرجل في مستحمه.
-
والحديث الذي رواه الإمام أخرجه مسلم عن جابر بلفظه: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبال في الماء الراكد.
-
ورواه الشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه.
-
وفي رواية لمسلم قال: لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم، وهو جنب، قالوا: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناول تناولاً.