- ذكر إسناده عن القاسم بن عبد الرحمن
٤٧٤ فقرة، ج ١ ص ٤٣٥
الصفحة ١ من ١٢
- ج ١ ص ٤٣٥
-ذكر إسناده عن القاسم بن عبد الرحمن، أي الشامي مولى عبد الرحمن بن الخالد، سمع أبا أمامة، روى عنه العلاء وابن الحارث، وغيره، قال عبد الرحمن ابن يزيد: ما رأيت أحداً أفضل من القاسم مولى عبد الرحمن، كذا في أسماء الرجال لصاحب المشكاة. والمفهوم مما سيأتي، أن القاسم هذا سبط ابن مسعود.
-
- حديث اختلاف الثمن
أبو حنيفة: (عن القاسم، عن أبيه، عن جده، أن عبد الله بن الأشعث بن قيس) أي ابن معد يكرب، كنيته أبو محمد الكندي، قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في وفد كندة، وكان رئيسهم، وذلك في سنة عشر، وكان رئيساً في الجاهلية، مطاعاً في قومه، وكان وجيهاً في الإسلام، ولما مات النبي صلى الله عليه وسلم، ارتد عن الإسلام، ثم راجع في خلافة أبي بكر. ونزل الكوفة، ومات بها سنة أربعين، وصلى عليه الحسين بن علي، روى عنه نفر (اشترى من ابن مسعود رقيقاً) أي مملوكاً، وهو اسم جنس، يقع على المفرد وغيره، ولهذا قال: (من رقيق الإمارة) بكسر الهمزة، أي الخلافة (فتقاضاه) عبد الله، أي ثمنه (فاختلفا) أي في قدره (فقال الأشعث: اشتريت منك بعشرة آلاف درهم، وقال عبد الله: بعتك بعشرين ألفاً) أي ألف درهم (فقال عبد الله: اجعل بيني وبينك رجلاً) أي يكون حكماً يفصل بيننا بوجه شرعي من الكتاب أو السنة (فقال الأشعث: فإني أجعلك بيني وبين نفسك) أي حكماً عدلاً،
ج ١ ص ٤٣٦والمعنى أني أرضى بما تقول فيَّ، وتحكم عليَّ، فإنك عالم عامل، وحكم عادل (قال عبد الله: فإني سأقضي بيني وبينك بقضاء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا اختلف البيِّعان) بتشديد التحتية المكسورة، أي المتبايعان، وهما البائع والمشتري (في شيء) عن مقدار الثمن ونحوه، ولم يكن بينهما بينة يشهد لأحدهما له، أو عليه، فإنه لو اختلفا في قدر الثمن، حكم لمن برهن، وذلك لأن في الجانب الآخر، ليس إلا مجرد الدعوى، والبينة أقوى، وأما إذا لم يبرهن (فالقول ما قال البائع) فإما أن يرضى المشتري به (أو يترادان البيع) أي يفسخانه، وأما إذا برهنا، فلمثبت الزيادة وهو البائع، لأن البينة شرعت للإثبات، ولا تعارض في الزيادة.
-
وفي المبسوط: وإن عجزا عن إقامة البينة، رضي كل بالزيادة، (وإلا تحالفا) أي حلف كل واحد منهما على الدعوى الآخر، إذا استحلف القاضي، والقياس: أن يكون الحلف على منكر الزيادة، لأنهما اتفقا على أصل البيع، وادعى البائع زيادة في الثمن، والمشتري منكر، فالقول قول المنكر مع يمينه، لكنا تركنا القياس بالحديث المشهور، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: "إذَا اخْتَلَفَ المتَبايِعَان وَالسِّلْعَةَ قائمَةٌ بِعَيْنِها، تحالفا وترادا" انتهى، وصفة اليمين: أن يحلف البائع بالله ما باعه بألف، ويحلف المشتري، ما اشتراه بألفين، لكن لا يحلف المنكر بعد هلاك المبيع.
-
(وفي رواية عن القاسم، عن أبيه) أي عبد الرحمن (عن جده) أي عبد الله (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وإذا اخْتَلَف البيعان والسلعة" ) بكسر أوله، وهي
ج ١ ص ٤٣٧المبيع (قائمة) أي موجودة حاضرة (فالقول قول البائع، أو يترادان، زاد في رواية: البيع) وهو مفعول به ليترادان.
-
(وفي رواية: إذا اختلف المتبايعان) أي المتعاقدان، في قدر الثمن (فالقول قول البائع، أو يترادان، وفي رواية عن عبد الله، أن الأشعث اشترى منه رقيقاً، فتقاضاه) أي عبد الله (واختلف في قدر الثمن، فقال عبد الله: بعشرين ألفاً) أي من الدرهم (بعته وقال الأشعث: بعشرة آلاف) أي من الدرهم (اشتريته، فقال عبد الله: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذَا اخْتَلَفَ البَيِّعَان فاَلْقَولُ للبائِع، أو يَتَرادَّان" ).
-
والحديث رواه أبو داود والنسائي والحاكم والبيهقي، عن ابن مسعود، مرفوعاً بلفظ: إذا اخْتَلَفَ البَيْعَانِ وَلَيْسَ بَيْنَهُما بَيِّنَة، فَهُوَ مَا يَقُولُ رَبُّ السلعة، أو يتتاركان.
-
وفي رواية للترمذي والبيهقي عنه: إذا اختلف البيعان، فالقول قول البائع، والمتبايع بالخيار.
-
وفي رواية لابن ماجه عنه: إذا اختلف البيعان، وليس بينهما بينة والمبيع قائم بعينه فالقول ما قال البائع، ويتركان المبيع.
- ج ١ ص ٤٣٨
- حديث السلام
وبه (عن القاسم، عن أبيه) أي عبد الرحمن (عن عبد الله) وهو جده على ما تقدم، وأريد به ابن مسعود والله أعلم (قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم عن يمينه ويساره تسليمتين) يسلم عن يمينه تسليمة، وعن يساره أخرى.
-
والحديث رواه أصحاب السنن الأربعة عن ابن مسعود، ولفظ النسائي: كان يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله، حتى يرى بياض خده الأيمن، وعن يساره السلام عليكم ورحمة الله، حتى يرى بياض خده الأيسر، وصححه الترمذي، وهو أرجح ما أخذ به مالك، من رواية عائشة، أنه عليه الصلاة والسلام كان يسلم في الصلاة بتسليمة واحدة تلقاء وجهه يميل إلى الشق الأيمن، لتقدم الرجال خلف الإمام دون النساء، فالحال أكشف الرجال مع أن الثانية اختص من الأولى، فلعلها خصت عمن كان بعيداً، كذا قرره ابن الهمام، وفيه: أن عائشة ليست مما لا يخفى عليها إذا صلى النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها، ولعل الجمع بينهما، أنه عليه الصلاة والسلام كان يفعل في بعض النوافل، مثل رواية عائشة وفي الفرائض، مثل رواية ابن مسعود، ثم بلغني عن مالك أنه حمل حديث عائشة على حال الانفراد، والله أعلم بالمراد.
-
- قطع يد السارق
وبه: (عن القاسم، عن أبيه، عن جده عبد الله قال: كان) أي كان الشأن (تقطع اليمين) أي يمين السارق (على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في عشرة دراهم، وفي
ج ١ ص ٤٣٩رواية إنما كان القطع) أي قطع اليد (في عشرة دراهم) وروى ابن ماجه عن أنس مرفوعاً: لا يقطع السارق في أقل من عشرة دراهم، ورواه أحمد عن ابن عمر ومرفوعاً: لا قطع فيما دون عشرة دراهم.
-
- خطبة النكاح
وبه (عن القاسم، عن أبيه، عن عبد الله قال: علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة الحاجة) ولما كانت الحاجة عامة قال: (يعني النكاح) وهو تفسير من أحد الرواة (أن) بفتح الهمزة وكسرها (الحمد لله) أي ثابت مستمرة (نحمده) في جميع أحوالنا (ونشكره) على حمده وسائر أفعالنا (ونستعينه) على جميع أمورنا (ونستغفره) من تقصيرنا (ونستهديه) في طاعتنا ومهماتنا (ونعوذ بالله من شرور أنفسنا) أي من أخلاقنا الذميمة (من يهدي الله فلا مضل له) من شيطان ونفس (ومن يضلله فلا هادي له) من نبي وولي (ونشهد أن لا إله إلا الله وحده) لا شريك له (ونشهد أن محمداً عبده ورسوله) أي وحبيبه وخليله ( {يا أيُّها الَّذينَ آمَنُوا اتَقُوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ} ) (١) وهو أن يطاع، فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، وقيل: إنه منسوخ بقوله تعالى: {فَاتَقوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ} (٢) ( {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وأنْتُم مُسلِمُون} ) أي
ج ١ ص ٤٤٠منقادون لله، مطيعون، وقيل متزوجون ( {واتَقُوا الله الذي تساءلون به} ) أي يتساءلون به والمعنى، بعضكم بعضاً في حال التعاطف، والتراحم بالله سبحانه، بتشديد السين وتخفيفها ( {والأرحام} ) بالنصب واعطف على الجلال، أي واتقوا الأرحام أن تقطعوها، إذ أوجب عليكم أن تصلوها. وقرأ حمزة بالخفض، على أنه عطف على الضمير المجرور في به، وهو فصيح على الصحيح ( {إن الله كان عليكم رقيباً} ) (١) أي مراقباً على أفعالكم، ومحافظاً لأحوالكم، ومجازياً بأعمالكم ( {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله} ) في جميع أحوالكم ( {وقُولُوا قَولاً سديداً} ) أي صواباً مستقيماً ( {يصلح لكم أعمالكم} ) فيه إيماء إلى أن سداد الأقوال سبب لصلاح الأعمال ( {ويغفر لكم ذنوبكم} ) ما صدر عنكم في بعض الأحوال ( {ومَنْ يُطِع الله ورسوله} ) في قوله وفعله ( {فقد فاز فوزاً عظيماً} ) (٢) أي أفلح وظفر على مقصوده ظفراً جسيماً.
-
والحديث رواه الأربعة والحاكم، وأبو عوانة، كلهم عن ابن مسعود، قال الترمذي: حسن، ورواه أحمد والدارمي أيضاً بألفاظ مختلفة، بينتها في شرح الحصن الحصين.
-
وبه (عن القاسم، عن أبيه، عن عبد الله، قال: علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة
ج ١ ص ٤٤١الصلاة) وهي الثناء على الله سبحانه (في القعدة) يعني يريد بها ابن مسعود (التشهد) أي المروي المشهور عنه، وقد سبق الكلام عليه رواية ودراية.
-
- الاستثناء في الحلف
وبه (عن القاسم، عن أبيه، عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ حَلَفَ على يمينٍ) أي محلوف عليه (واستثنى) أي قال: إن شاء الله، بلسانه متصلاً بيمينه (فله ثنياه) أي استثناه معتبر له.
-
والحديث رواه أبو داود والنسائي والحاكم، بسند صحيح، عن ابن عمر، بلفظ "من حلف على يمين فقال: إن شاء الله، فقد استثنى " أي فصح استثناؤه، ولا يحنث إذا خالف.
-
وبه (عن القاسم، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً، أَوْ قال ما لم أقل) أو للشك من الراوي؛ أو للتنويع في الرواية (فليتبوأ مَقْعَدَهُ مِنَ النار) هذا حديث مشهور، كاد أن يكون متواتراً، فقد رواه أحمد والشيخان والأربعة والحاكم والطبراني والدارقطني والخطيب وغيرهم بروايات متعددة عن الصحابة، فيهم العشرة المبشرة، بلفظ: "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار، وفي بعض الروايات: مَنْ قال ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار.
- ج ١ ص ٤٤٢
- إسناده عن خالد بن علقمة
إسناده، عن خالد بن علقمة؛ أحد أكابر المحدثين، شرحته.
-
- مسح الرأس ثلاثاً
وهو أبو حنيفة (عن خالد، عن عبد خير) من التابعين ابن يزيد يكنى أبا عمارة الداني، يقال إنه أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم، أسلم إلا أنه لم يلقه، وصحب علياً، وهو من أصحابه، ثقة مأمون، سكن الكوفة، أتى عليه مائة وعشرون سنة (عن علي رضي الله عنه أنه دعا بماء) أي طلب ماء الوضوء (فغسل كفيه) أي إلى رسغيه (ثلاثاً، ومضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً) أي على حدة، كما هو الوجه المختار (وغسل وجهه ثلاثاً وذراعيه) أي إلى مرفقيه (ثلاثاً ومسح رأسه) أي كله على ظاهره (ثلاثاً) كما ذهب إليه الشافعي، ولا يبعد أن يحمل ثلاثاً على ثلاث أوقات، ليطابق ما صح من مسح الرأس مرة في عدة روايات (وغسل قدميه) أي إلى كعبيه (ثلاثاً) وفي هذا رد على مدعين من أشياعه، وحمله على التقية، ساقط في مقام تحقيق القضية (ثم قال: هذا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي مثل وضوئه.
-
- مسح الرأس مرة
(وفي رواية) أي لأبي حنيفة (عن خالد، عن عبد خير، عن علي رضي الله عنه، أنه دعا بماء، فغسل كفيه ثلاثاً، ومضمض فاه ثلاثاً، واستنشق) أي أنفه
ج ١ ص ٤٤٣(ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وذراعيه، ومسح برأسه) مرة أي واحدة (وغسل قدميه ثلاثاً، ثم قال: هذا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي صفة وضوءه صلى الله عليه وسلم (كاملاً) أي آتياً على وجه الكمال من مراعاة الفرض والسنة، وهذا لأنه عليه الصلاة والسلام، أحياناً غسل أعضاءه مرة مرة، وأحياناً مرتين مرتين، ولم يزد على ثلاث أبداً، بل ورد وعيد في الزيادة عليها ووعد من الإسراف، ولو على نهر جار.
-
(وفي رواية أنه) يعني علياً (دعا بماء فأتي بإناء فيه ماء وهو طست) بسين مهملة، وروى بمعجمة، وهو إما عطف، تفسير لإناء، أو صحف، أو بالواو، ولما يأتي من أن الإناء كان مفتوحاً (قال عبد خير، ونحن) أي معشر أصحاب علي كرم الله وجهه (ننظر إليه) أي نظاراً عليه (لنطلع على ما يقع لديه، فأخذ بيده اليمنى الإناء، فأكفى) أي فأراق (على يده اليسرى ثم غسل يديه إلى رسغيه ثلاث مرات) أي خارجاً عن الإناء (ثم أدخل يده اليمنى الإناء، فملأ يده، ومضمض واستنشق فعل هذا) أي ما ذكر من المضمضة والاستنشاق، (ثلاث مرات) أي بمياه جديدة، مفصلات على ما هو الصحيح من روايات متعددات، (ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يده) أي جنسها الشامل لليمنى واليسرى، وأراد ذراعيه (إلى المرافق) أي منتهياً إليها. وفيه رد على الشيعة، حيث عكسوا فيها (ثلاث مرات ثم أخذ الماء بيده، ثم مسح) أي
ج ١ ص ٤٤٤فمسح (بها رأسه مرة) واحدة (ثم غسل قدميه) أي كل واحدة منهما ولذا (قال: ثلاثاً، ثلاثاً) بالتكرار (ثم غرف) أي أخذ الماء بكفه (فشرب منه) أي من سؤر الوضوء، فإنه مستحب (ثم قال: من سره أن ينظر إلى طهور رسول الله صلى الله عليه وسلم) بضم التاء، أو فتحها، أي استعمال الطهارة (فهذا طهوره) أي مثله.
-
(وفي رواية، أنه دعا بماء فغسل كفيه ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وغسل ذراعيه ثلاثاً، ثم أخذ ماء في كفه) أي ولم يكتف بما في يده من البلل (فصبه) أي فوضعه (على صلعته) بفتحتين، وبضم فسكون، أي مقدم شعره، على رأسه، فإنه كرم الله وجهه كان صلعاً.
-
وفي القاموس، الصلع محركة انحسار شعر مقدم الرأس، لنقصان مادة الشعر في تلك البقعة، وقصورها عنها، واستيلاء الجفاف عليها ولتطامن الدماغ عما يُماسُّه من القحف، فلا يسقيه سقيه إياه؛ وهو ملاق صلع كفرح، وهو أصلع، وهي صلعاء صلع وصلعان بضمهما، وموضع الصلع الصلعة، محركة أيضاً ويضم. (ثم قال) أي علي (من سره أن ينظر إلى طهور رسول الله صلى الله عليه وسلم فلينظر إلى هذا) أي طهوري، فإنه نظيره وعلى صفته.
-
وفي رواية عن علي أنه توضأ، أي غسل أعضاء وضوئه ثلاثاً، وقال: هذا
ج ١ ص ٤٤٥وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي شرح ابن الهمام. قال أبو داود ورواه وكيع عن إسرائيل، قال: توضأ ثلاثاً ثلاثاً فقط، قال: وأحاديث عثمان الصحاح كلها يدل على أن المسح مرة واحدة، فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثاً ثلاثاً. وقالوا: ومسح برأسه، ولم يذكروا عدداً. انتهى.
-
- مسح الرأس بيد واحدة
وروي عن أبي داود والطبراني، عن علي، في حكاية المسح ثلاثاً (قال عبد الله بن محمد) أحد رواة هذا الحديث (عن يعقوب) يعني يريد عبد الله، به عمن روى عن أبي حنيفة في هذا الحديث (عن خالد) أي بسنده المتقدم، أو بإسناد منقطع أو مرسل (إن النبي صلى الله عليه وسلم مسح رأسه ثلاثاً) أي بناء (على أنه وضع يده على يافوخه) أي مقدم رأسه (ثم مد يده إلى مؤخر رأسه، ثم إلى مقدم رأسه) أي ثم إلى مؤخر رأسه (فجعل ذلك) ما ذكر (ثلاث مرات) أي دفعات في الصورة، وهو في الحقيقة مرة واحدة، وإنما وقع مرات للاستيعاب، ولا يبعد أن يحمل على أنه وضع يديه على مقدم رأسه، ومده إلى مؤخره ثم مد يده اليمنى على طرفه الأيمن واليسرى على طرفه الأيمن، ويمكن أنه وضع يداً واحدة على مقدم رأسه، ومسحه إلى آخره، ثم وضعها على طرفه الأيمن ثم الأيسر ومسحها، ولا يضر الانفصال في المسح فإنه في حكم الإيصال
على طرفه الأيمن، ثم الأيسر والله أعلم بالأحوال فقوله: (لأنه لم يباين يده) أي لم يفارق من رأسه لبيان الأفضل، ولهذا يمسح الأذنين بماء الرأس مع أنه يفصل نعم إلا أن يحمل أن يضع ثلاث أصابع وهي ما عدا المسبحة والإبهام، ثم يمسح بهما الأذنين على ما هو المعروف في وصفها، (ولا أخذ الماء ثلاث مرات) ، كما يقول الشافعي: فإنه إذا تعدد المسح على موضع واحد صار غسلاً (فهو) أي ففعله
ج ١ ص ٤٤٦كرم الله وجهه "كمن جعل الماء في كفه ثم مد يده إلى كوعه" بضم الكاف، طرف الزند الذي يلي الإبهام، كالكاع أو هما طرف الزندين في الذراع مما يلي الرسغ على ما في القاموس، وهو المراد هنا.
-
وأما الباع فقدر مد اليدين كالبوع بضم ويقال: فلان ما يعرف بوعه من كوعه، والمعنى إلى كوعه أولاً وإلى ذراعيه ثانياً ولا يسمى مرتين حقيقة بل صورة، وهذا التأويل لازم جمعاً بين الأحاديث.
-
هذا وروى الحسن عن أبي حنيفة في مجرد إذا مسح ثلاثاً بماء واحد كان مسنوناً (ألا ترى أنه) أي علياً (بين الأحاديث التي روى عنه) أي بقية أصحابه (وهم الجارود ابن يزيد) أي العبدي قدم على النبي صلى الله عليه وسلم سنة تسع وأسلم مع وفد عبد القيس، ثم إنه سكن البصرة وقيل: بأرض فارس في خلافة عمر سنة إحدى وعشرين روى عنه جماعة (وخارجة بن مصعب) أي ابن الزبير وهو أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة (وأسد ابن عمر أن المسح كان مرة واحدة وبين) أي علي (أن معناه ما ذكرنا) أي على ما قدمناه.
-
- الإمام قد يصيب، وقد يخطىء
قال أبو حنيفة: وقد روى عن جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة) بالجر صفة أصحاب (على هذا اللفظ) متعلق بروى (وبيانه أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح رأسه ثلاثاً منهم عثمان، وعلي وابن مسعود وغيرهم رضي الله عنهم) قال البيهقي: وقد روى من أوجه غريبة عن عثمان مكرراً للمسح إلا أنه مع
ج ١ ص ٤٤٧خلاف الحفاظ ليس بحجة عند أهل العلم (فهل كان معناه) أي معنى تثليث مسح الرأس (محمولاً إلا على ما ذكرنا) لا على ما فهم الشافعي وأصحابه (فمن جعل أبا حنيفة غالطاً في رواية المسح ثلاثاً) أي مع أنه يقل بظاهره (فقد وهم) أي أخطأ فيما وهم وسهى فيما فهم، (وكان هو) أي الملفظ (بالغلط أولى) أي أحق (وأخلق) أي أجدر وأليق (وقد غلط شعبة) ، وهو إمام جليل يسمى أمير المؤمنين في علم الحديث، (وفي هذا الحديث) أي في إسناده (غلطاً فاحشاً) أي ظاهراً (عند الجمع) ، أي جميع المحدثين، (وهو) أي غلط (رواية هذا الحديث عن مالك عن عرفة) بضم مهملة فسكون راء وضم فاء رواهما طاوس (عن عبد خير. عن علي فصحف) أي حرف شعبة (الإسمين في إسناده، فقال: بدل خالد مالك، وبدل علقمة عرفطة) وهما غلطان في الحقيقة، (ولو كان هذا الغلط أو نحوه من أبي حنيفة لنسبوه) أي أعداؤه من المحدثين، أو الفقهاء المحدثين (إلى الجهالة) ، ما أي في الحديث، (ولقلة المعرفة) أي بالأسانيد، (ولأخرجوه من الدين) أي نقصاً من غير اليقين، مع أنه أفضل المجتهدين.
-
(وهذا) أي ما ذكر من النسبة المذمومة (من قلة الورع) أي من عدم التقوى (واتباع الهوى) من جهة التعصب الذي عمه البلوى، وذلك لأن الإمام قد يصيب، وقد يخطىء والإنسان قد يسهو وينسى وكل أحد يقبل كلامه ويرد إلا المعصوم من جانب الله الأحد على أن الإنسان مأخوذ من النسيان، فسبحان من لا ينسى وقد رفع عن هذه الأمة الخطأ والنسيان وقال تعالى: {فَلاَ تَنْسَى ... إِلاَّ مَا شَاءَ الله} (١)
- ج ١ ص ٤٤٨
- في كل من الطعن والطاعون شهادة
وبه (عن خالد بن علقمة عن عبد الله بن الحارث) أحد أجلاء التابعين (عن أبي موسى) الأشعري، (عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فَنَاءُ أُمتي) أي أكثر موتهم (بالطعن، والطاعون فقيل: يا رسول الله هذا الطعن قد علمناه) أي عرفناه في لغتنا أن المراد به طعن السلاح من نحو السيف والرماح (فما الطاعون؟) أي الدال على المبالغة في مقام الطعن حيث يقع الطعن ولا يرى ولا يمكن دفعه بالماعون (قال: وَخَزَ أَعْدَائِكم من الجِنّ) والوخز كالوعد الطعن بالرمح وغيره إلا أنه لا يكون نافذاً لكن الغالب يكون مهلكاً (وفي كل) أي من الطعن والطاعون (شهادة) أي إما حقيقة، أو حكماً. والحديث بعينه رواه أحمد والطبراني في الكبير، عن أبي موسى، وفي الأوسط عن ابن عمر.
-
- إسناده عن الحارث بن عبد الرحمن
- بين يدي الساعة ثلاثون كذاباً
إسناده عن الحارث بن عبد الرحمن.
-
أبو حنيفة، (عن الحارث) أي المذكور (عن أبي الجلاس) بضم الجيم وتخفيف اللام (قال: كنت ممن) أي من جمع (سمع من عبد الله الشيباني كلاماً عظيماً) بما يتعلق بذات الله تعالى أو صفاته أو نحو ذلك مما يعظم شأنه هنالك (فأتينا به علياً)
- ج ١ ص ٤٤٩
أي أحضرناه عند علي، (ونحن ننهى) أي نضرب وندق عنقه في طريقه، (فوجدنا علياً في الرحبة) بفتح الحاء وسكون أي رحبة مسجد الكوفة وهو ساحته وصنعة الموضع للطهارة والحكومة وأمثالها (مستلقياً على ظهره واضعاً إحدى رجليه على الأخرى) ثبت أنه عليه الصلاة والسلام استلقى على هذه الهيئة وجاء عنه أيضاً أنه نهى عنها وجمع بينهما أن النهي هو الذي يتوهم معه كشف بعض العورة (فسأله) أي علي (عن الكلام) أي الذي (نكلم به فتكلم به، فقال: أترويه عن الله) أي وحياً بادعاء النبوة أو إلهاماً بادعاء الولاية (أو عن كتابه) تصريحاً أو تلويحاً، (أو عن رسوله) بواسطة، أو بغيرها فإن طرق العلم منحصرة فيها (فقال: لا) أي لا رواية عن شيء من ذلك (قال: فعن ما) أي فعن من تروي؟ (قال: عن نفسي) أي من تلقاء نفسي، ومن جهة عقلي، (قال: أما) للتنبيه أنك (لو رويت عن الله تبارك وتعالى) أي بدعوى الوحي، أو الإلهام، (أو عن كتابه) أي بالزيادة عليه أو بتأويل لديه، (أو عن رسوله) بالافتراء عليه، (ضربت عنقك) أما سياسته أو لارتدادك، (ولو رويته عني أوجعتك عقوبة) أي تعزيراً (فكنت كاذباً) أي مردود الشهادة (ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: بين يدي الساعة ثلاثون كذاباً) أي دجالون، (وأنت منهم) هذا من كلام علي خطاباً له، فهذا من علامات النبوة في أشراط الساعة.
-
والحديث المرفوع رواه أحمد ومسلم عن جابر بن سمرة ولفظه: إن بين يدي الساعة كذابين فاحذروهم.
-
(وفي رواية عن أبي جلاس قال: كنت فيمن) أي في جملة من (سمع
ج ١ ص ٤٥٠من عبد الله الشيباني كلاماً عظيماً فأتينا به علياً، فوجدناه في الرحبة مستلقياً على ظهره واضعاً إحدى رجليه على الأخرى فسأله عن الكلام) أي عن كلام ذلك؛ (فتكلم) أي وفق ما هنالك (فقال: أترويه عن الله، أو عن كتابه، أو عن رسوله) ضربت عنقك إلى أن (قال: لا. قال: فعن من ترويه؟ قال: عن نفسي، قال: أما إنك لو رويت عن الله؛ أو عن كتابه، أو عن رسوله ضربت عنقك، ولو رويت عني أوجعتك عقوبة، فكنت كاذباً، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "بين يدي الساعة ثلاثون كذاباً فأنت منهم" ).
-
وبه (عن الحارث عن أبي صالح) سبق أنه ذكوان السمان الزيات المدني تابعي جليل مشهور كثير الرواية واسع الدراية (عن أم هانىء) بكسر النون بعدها همزة أخت علي بن أبي طالب (أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة) أي عنوة أو صلحاً، ويؤيد الأول قوله: (وضع لأمته) بسكون الهمزة وتخفيف أي أدرعه، (ودعا بماء) أي فأتى به (فصبه) ؛ أي فأفاضه عليه أي على بدنه جميعاً. والمعنى أنه اغتسل، (ثم
ج ١ ص ٤٥١دعا بثوب واحد) أي فلبسه واكتفى به (فصلى فيه) أي ركعتين (زاد) أي أبو صالح (في رواية) أي عنها (متوشحاً) أي حال.
-
- حديث صلاة الضحى
(وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع لامته يوم فتح مكة، ثم دعا بماء فأتي به في جفنة) أي صحفة كبيرة (فيها خبز العجين) الظاهر أنه من مقلوب الكلام أي عجين الخبز، والمعنى فيها أثر عجين، وفيه دليل على أن الماء إذا اختلط بطاهر وتوضأ أي للتنظيف، أو لقصد الطواف ونحوه لم يضره إلا إذا أخرجه عن طبع الماء، (فاستتر بثوب فاغتسل ثم دعا بثوب فتوشح به، ثم صلى ركعتين) . قال أبو حنيفة: (وهي الضحى) وهذه الصلاة صلاة الضحى، أو صلاته هي وقت الضحى، وإنما لم تحمل صلاته على شكر الوضوء فإنه ليس له صلاة على حدة كما حققه حجة الإسلام في الإحياء.
-
وروى الترمذي في شمائله عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: ما أخبرني أحد أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى إلا أم هانىء، فإنها حدثت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل بيتها يوم فتح مكة، فاغتسل فسبح ثماني ركعات، ما رأيت صلاته قط أخف منها غير أنه كان يتم الركوع والسجود، وقد بسطت هذه المسألة في شرح الشمائل والعدد لا مفهوم له عند جميع أرباب الفهم فلا يتوهم التنافي بين ركعتين، وبين غيرهما.
-
(وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع يوم فتح مكة لامته، ودعا بماء فأتي به في جفنة
ج ١ ص ٤٥٢وفيها أثر عجين، فاغتسل) أي بالماء الذي فيه، (وصلى أربعاً أو ركعتين في ثوب واحد متوشحاً) يحتمل أن يكون كل منها قيداً واقعياً ويحتمل احترازياً فيه أن باقي صلاته كان بهيئة أخرى، أو في ثوبين.
-
(وبه عن أبي هند عن عامر) أي الشعبي أنه كان (يحدث عن مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي صفات غزواته صلى الله عليه وسلم في حلقة بفتح الحاء واللام وتسكن (فيها ابن عمر) أي في داخلها أو قريباً منها (فقال ابن عمر: أنه) أي عامر (يحدث حديثاً) أي ثابتاً حديثاً صحيحاً (كأنه شهد القوم) أي حضرهم حال رحالهم وقتالهم وسائر أفعالهم وعرف رجالهم وبقية أحوالهم.