[باب ما يجوز من الشروط مع الكفار ومدة المهادنة وغير ذلك]

٩٥ فقرة، ج ٨ ص ٣٧

الصفحة ٢ من ٣

  1. وَالْقَصْوَاءُ بِفَتْحِ الْقَافِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ وَمَدٌّ: اسْمُ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِيلَ كَانَ طَرَفُ أُذُنِهَا مَقْطُوعًا، وَالْقَصْوُ: الْقَطْعُ مِنْ طَرَفِ الْأُذُنِ، وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ تَكُونَ بِالْقَصْرِ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ نُسَخِ أَبِي ذَرٍّ. وَزَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّهَا كَانَتْ لَا تُسْبَقُ فَقِيلَ لَهَا الْقَصْوَاءُ لِأَنَّهَا بَلَغَتْ مِنْ السَّبْقِ أَقْصَاهُ قَوْلُهُ: (وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ) أَيْ بِعَادَةٍ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ: فِي هَذَا الْفَصْلِ جَوَازُ الِاسْتِتَارِ عَنْ طَلَائِعِ الْمُشْرِكِينَ وَمُفَاجَأَتِهِمْ بِالْجَيْشِ طَلَبًا لِغِرَّتِهِمْ وَجَوَازُ التَّنَكُّبِ عَنْ الطَّرِيقِ السَّهْلِ

    ج ٨ ص ٤٦. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    ج ٨ ص ٤٥
  2. ــ

    [نيل الأوطار]

  3. إلَى الْوَعْرِ لِلْمَصْلَحَةِ، وَجَوَازُ الْحُكْمِ عَلَى الشَّيْءِ بِمَا عُرِفَ مِنْ عَادَتِهِ وَإِنْ جَازَ أَنْ يَطْرَأَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَإِذَا وَقَعَ مِنْ شَخْصٍ هَفْوَةٌ لَا يُعْهَدُ مِنْهُ مِثْلُهَا لَا يُنْسَبُ إلَيْهَا وَيُرَدُّ عَلَى مَنْ نَسَبَهُ إلَيْهَا وَمَعْذِرَةُ مَنْ نَسَبَهُ مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ صُورَةَ الْحَالِ قَوْلُهُ: (حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ) زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مَكَّةَ: أَنْ حَبَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَنْ دُخُولِ مَكَّةَ كَمَا حَبَسَ الْفِيلَ عَنْ دُخُولِهَا، وَقِصَّةُ الْفِيلِ مَشْهُورَةٌ.

  4. وَمُنَاسَبَةُ ذِكْرِهَا أَنَّ الصَّحَابَةَ لَوْ دَخَلُوا مَكَّةَ عَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ وَصَدَّهُمْ قُرَيْشٌ عَنْ ذَلِكَ لَوَقَعَ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ قَدْ يُفْضِي إلَى سَفْكِ الدِّمَاءِ وَنَهْبِ الْأَمْوَالِ كَمَا لَوْ قُدِّرَ دُخُولُ الْفِيلِ وَأَصْحَابِهِ مَكَّةَ، لَكِنْ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّه تَعَالَى فِي الْمَوْضِعَيْنِ أَنَّهُ سَيَدْخُلُ فِي الْإِسْلَامِ خَلْقٌ مِنْهُمْ، وَسَيَخْرُجُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ نَاسٌ يُسْلِمُونَ وَيُجَاهِدُونَ، وَكَانَ بِمَكَّةَ فِي الْحُدَيْبِيَةِ جَمْعٌ كَثِيرٌ مُؤْمِنُونَ مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ، فَلَوْ طَرَقَ الصَّحَابَةُ مَكَّةَ لَمَا أُمِنَ أَنْ يُصَابَ مِنْهُمْ نَاسٌ بِغَيْرِ عَمْدٍ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ {وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ} [الفتح: ٢٥] الْآيَةَ. وَوَقَعَ لِلْمُهَلَّبِ اسْتِبْعَادُ جَوَازِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ وَهِيَ حَابِسُ الْفِيلِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ: الْمُرَادُ حَبَسَهَا أَمْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ إطْلَاقُهُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، فَيُقَالُ: حَبَسَهَا اللَّهُ حَابِسُ الْفِيلِ، كَذَا أَجَابَ ابْنُ الْمُنِيرِ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ أَنَّ الْأَسْمَاءَ تَوْقِيفِيَّةٌ. وَقَدْ تَوَسَّطَ الْغَزَالِيُّ وَطَائِفَةٌ فَقَالُوا: مَحَلُّ الْمَنْعِ مَا لَمْ يَرِدْ نَصٌّ بِمَا يُشْتَقُّ مِنْهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ الِاسْمُ الْمُشْتَقُّ مُشْعِرًا بِنَقْصٍ، فَيَجُوزُ تَسْمِيَتُهُ الْوَاقِي لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ} [غافر: ٩] وَلَا يَجُوزُ تَسْمِيَتُهُ الْبِنَاءَ وَإِنْ وَرَدَ قَوْله تَعَالَى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} [الذاريات: ٤٧] قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ جَوَازُ التَّشْبِيهِ مِنْ الْجِهَةِ الْعَامَّةِ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْجِهَةُ الْخَاصَّةُ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ الْفِيلِ كَانُوا عَلَى بَاطِلٍ مَحْضٍ، وَأَصْحَابُ هَذِهِ النَّاقَةِ كَانُوا عَلَى حَقٍّ مَحْضٍ، وَلَكِنْ جَاءَ التَّشْبِيهُ مِنْ جِهَةِ إرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى مَنَعَ الْحَرَمَ مُطْلَقًا. أَمَّا مِنْ أَهْلِ الْبَاطِلِ فَوَاضِحٌ. وَأَمَّا مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ فَلِلْمَعْنَى الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.

    وَقَالَ الْخَطَّابِيِّ: مَعْنَى تَعْظِيمِ حُرُمَاتِ اللَّهِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ تَرْكُ الْقِتَالِ فِي الْحَرَمِ وَالْجُنُوحُ إلَى الْمُسَالَمَةِ وَالْكَفِّ عَنْ إرَادَةِ سَفْكِ الدِّمَاءِ قَوْلُهُ: (وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَقَدْ حُفِظَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - الْحَلِفُ فِي أَكْثَرَ مِنْ ثَمَانِينَ مَوْضِعًا قَوْلُهُ: (خُطَّةً) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ: أَيْ خَصْلَةٌ يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ: أَيْ مِنْ تَرْكِ الْقِتَالِ فِي الْحَرَمِ. وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْحُرُمَاتِ: حُرُمَاتِ الْحَرَمِ وَالشَّهْرِ وَالْإِحْرَامِ. قَالَ الْحَافِظُ: وَفِي الثَّالِثِ نَظَرٌ لِأَنَّهُمْ لَوْ عَظَّمُوا الْإِحْرَامَ مَا صَدُّوهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِابْنِ إِسْحَاقَ " يَسْأَلُونَنِي فِيهَا صِلَةَ الرَّحِمِ " وَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ حُرُمَاتِ اللَّهِ قَوْلُهُ: (إلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إيَّاهَا) أَيْ أَجَبْتُهُمْ إلَيْهَا. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: لَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ مَعَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهَا فِي كُلِّ حَالَةٍ. وَالْجَوَابُ أَنَّهُ كَانَ أَمْرًا وَاجِبًا حَتْمًا فَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى

    ج ٨ ص ٤٧. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  5. ــ

    [نيل الأوطار]

  6. الِاسْتِثْنَاءِ كَذَا قَالَ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} [الفتح: ٢٧] فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ مَعَ تَحَقُّقِ وُقُوعِ ذَلِكَ تَعْلِيمًا وَإِرْشَادًا، فَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ سَقَطَ مِنْ الرَّاوِي أَوْ كَانَتْ الْقِصَّةُ قَبْلَ نُزُولِ الْأَمْرِ بِذَلِكَ. وَلَا يُعَارِضُهُ كَوْنُ الْكَهْفِ مَكِّيَّةٌ، إذْ لَا مَانِعَ أَنْ يَتَأَخَّرَ نُزُولُ بَعْضِ السُّورَةِ قَوْلُهُ: (ثُمَّ زَجَرَهَا) أَيْ النَّاقَةَ فَوَثَبَتْ: أَيْ قَامَتْ

    قَوْلُهُ: (عَلَى ثَمَدٍ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَالْمِيمِ: أَيْ حُفَيْرَةٌ فِيهَا مَاءٌ قَلِيلٌ، يُقَالُ مَاءٌ مَثْمُودٌ: أَيْ قَلِيلٌ فَيَكُونُ لَفْظُ قَلِيلٍ بَعْدَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنْ يُرَادَ لُغَةُ مَنْ يَقُولُ إنَّ الثَّمَدَ: الْمَاءُ الْكَثِيرُ، وَقِيلَ الثَّمَدُ: مَا يَظْهَرُ مِنْ الْمَاءِ فِي الشِّتَاءِ وَيَذْهَبُ فِي الصَّيْفِ قَوْلُهُ (يَتَبَرَّضُهُ النَّاسُ) بِالْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَبَعْدَهَا ضَادٌ مُعْجَمَةٌ: وَهُوَ الْأَخْذُ قَلِيلًا قَلِيلًا، وَأَصْلُ الْبَرْضِ بِالْفَتْحِ وَالسُّكُونِ: الْيَسِيرُ مِنْ الْعَطَاءِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ: هُوَ جَمْعُ الْمَاءِ بِالْكَفَّيْنِ قَوْلُهُ: (فَلَمْ يَلْبَثْ) لَفْظُ الْبُخَارِيِّ " فَلَمْ يُلْبِثْهُ " بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ اللَّامِ مِنْ الْإِلْبَاثِ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ الْمُثَقَّلَةِ: أَيْ لَمْ يَتْرُكُوهُ يَلْبَثُ: أَيْ يُقِيمُ قَوْلُهُ: (وَشُكِيَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ قَوْلُهُ: (فَانْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ) أَيْ أَخْرَجَ سَهْمًا مِنْ جَعْبَتِهِ قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِيهِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ نَاجِيَةَ بْنَ جُنْدُبَ هُوَ الَّذِي نَزَلَ بِالسَّهْمِ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ. وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ أَنَّهُ خَالِدُ بْنُ عِبَادَةَ الْغِفَارِيُّ. وَيُجْمَعُ بِأَنَّهُمْ تَعَاوَنُوا عَلَى ذَلِكَ بِالْحَفْرِ وَغَيْرِهِ.

  7. وَفِي الْبُخَارِيِّ وَفِي الْمَغَازِي مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ فِي قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَلَسَ عَلَى الْبِئْرِ ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ فَمَضْمَضَ وَدَعَا ثُمَّ صَبَّهُ فِيهَا ثُمَّ قَالَ: دَعُوهَا سَاعَةً ثُمَّ إنَّهُمْ ارْتَوَوْا بَعْدَ ذَلِكَ» .

  8. وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِوُقُوعِ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا قَوْلُهُ: (يَجِيشُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْجِيمِ وَآخِرِهِ مُعْجَمَةٌ: أَيْ يَفُورُ، وَقَوْلُهُ: (بِالرِّيِّ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا، وَقَوْلُهُ: (صَدَرُوا عَنْهُ) أَيْ رَجَعُوا رِوَاءً بَعْدَ وُرُودِهِمْ قَوْلُهُ: (بُدَيْلُ) بِمُوَحَّدَةٍ مُصَغَّرًا، ابْنُ وَرْقَاءَ بِالْقَافِ وَالْمَدِّ: صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ قَوْلُهُ: (فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ) سَمَّى الْوَاقِدِيُّ مِنْهُمْ عَمْرَو بْنَ سَالِمٍ وَخِرَاشَ بْنَ أُمَيَّةَ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ مِنْهُمْ خَارِجَةُ بْنُ كُرْزٍ، وَيَزِيدُ بْنُ أُمَيَّةَ كَذَا فِي الْفَتْحِ

    ١ -

    قَوْلُهُ: (وَكَانُوا عَيْبَةَ نُصْحِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) الْعَيْبَةُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ: مَا يُوضَعُ فِيهِ الثِّيَابُ لِحِفْظِهَا: أَيْ أَنَّهُمْ مَوْضِعُ النُّصْحِ لَهُ وَالْأَمَانَةُ عَلَى سِرِّهِ، وَنُصْحِ بِضَمِّ النُّونِ. وَحَكَى ابْنُ التِّينِ فَتْحَهَا كَأَنَّهُ شَبَّهَ الصَّدْرَ الَّذِي هُوَ مُسْتَوْدَعُ السِّرِّ بِالْعَيْبَةِ الَّتِي هِيَ مُسْتَوْدَعُ الثِّيَابِ وَقَوْلُهُ: (مِنْ أَهْلِ تِهَامَةَ) بِكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ: مَكَّةَ وَمَا حَوْلَهَا وَأَصْلُهَا مِنْ التِّهَمِ وَهُوَ شِدَّةُ الْحَرِّ وَرُكُودِ الرِّيحِ قَوْلُهُ: (إنِّي تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ وَعَامِرَ بْنَ لُؤَيٍّ) إنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى هَذَيْنِ لِكَوْنِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ كَانُوا بِمَكَّةَ أَجْمَعَ تَرْجِعُ أَنْسَابِهِمْ إلَيْهِمَا، وَبَقِيَ

    ج ٨ ص ٤٨. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  9. ــ

    [نيل الأوطار]

  10. مِنْ قُرَيْشٍ بَنُو أُسَامَةَ بْنِ لُؤَيٍّ وَبَنُو عَوْفِ بْنِ لُؤَيٍّ. وَلَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ مِنْهُمْ أَحَدٌ وَكَذَلِكَ قُرَيْشٌ الظَّوَاهِرُ الَّذِينَ مِنْهُمْ بَنُو تَمِيمِ بْنِ غَالِبِ وَمُحَارِبُ بْنُ فِهْرٍ.

    قَالَ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ: بَنُو عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ وَكَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ هُمَا الصَّرِيحَانِ لَا شَكَّ فِيهِمَا بِخِلَافِ أُسَامَةَ وَعَوْفٍ: أَيْ فَفِيهِمَا الْخِلَافُ. قَالَ: وَهُمْ قُرَيْشُ الْبِطَاحِ: أَيْ بِخِلَافِ قُرَيْشِ الظَّوَاهِرِ قَوْلُهُ: (نَزَلُوا أَعْدَادَ مِيَاهِ الْحُدَيْبِيَةِ) الْأَعْدَادُ بِالْفَتْحِ جَمْعُ عِدٍّ بِالْكَسْرِ وَالتَّشْدِيدِ: وَهُوَ الْمَاءُ الَّذِي لَا انْقِطَاعَ لَهُ. وَغَفَلَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ: هُوَ مَوْضِعٌ بِمَكَّةَ، وَقَوْلُ بُدَيْلُ هَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ كَانَ بِالْحُدَيْبِيَةِ مِيَاهٌ كَثِيرَةٌ وَأَنَّ قُرَيْشًا سَبَقُوا إلَى النُّزُولِ عَلَيْهَا فَلِذَا عَطِشَ الْمُسْلِمُونَ حَيْثُ نَزَلُوا عَلَى الثَّمَدِ الْمَذْكُورِ قَوْلُهُ: (مَعَهُمْ الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ) الْعُوذُ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ: جَمْعُ عَائِذٍ وَهِيَ النَّاقَةُ ذَاتُ اللَّبَنِ، وَالْمَطَافِيلُ الْأُمَّهَاتُ اللَّاتِي مَعَهَا أَطْفَالُهَا، يُرِيدُ أَنَّهُمْ خَرَجُوا مَعَهُمْ بِذَوَاتِ الْأَلْبَانِ مِنْ الْإِبِلِ لِيَتَزَوَّدُوا أَلْبَانَهَا وَلَا يَرْجِعُوا حَتَّى يَمْنَعُوهُ، أَوْ كَنَّى بِذَلِكَ عَنْ النِّسَاءِ مَعَهُنَّ الْأَطْفَالُ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ خَرَجُوا مَعَهُمْ بِنِسَائِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ لِإِرَادَةِ طُولِ الْمُقَامِ، وَلِيَكُونَ أَدْعَى إلَى عَدَمِ الْفِرَارِ. قَالَ الْحَافِظُ: وَيُحْتَمَلُ إرَادَةُ الْمَعْنَى الْأَعَمِّ. قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: كُلُّ أُنْثَى إذَا وَضَعَتْ فَهِيَ إلَى سَبْعَةِ أَيَّامٍ عَائِذٍ وَالْجَمْعُ عُوذٌ كَأَنَّهَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تُعَوِّذُ وَلَدَهَا وَتَلْتَزِمُ الشُّغْلَ بِهِ. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ هُوَ الَّذِي يَعُوذُ بِهَا لِأَنَّهَا تَعْطِفُ عَلَيْهِ بِالشَّفَقَةِ وَالْحُنُوِّ كَمَا قَالُوا تِجَارَةٌ رَابِحَةٌ وَإِنْ كَانَتْ مَرْبُوحًا فِيهَا. وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ مَعَهُمْ " الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ وَالنِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ " .

  11. قَوْلُهُ: (قَدْ نَهَكَتْهُمْ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْهَاءِ: أَيْ أَبْلَغَتْ فِيهِمْ حَتَّى أَضْعَفَتْهُمْ إمَّا أَضْعَفَتْ قُوَّتَهُمْ وَإِمَّا أَضْعَفَتْ أَمْوَالَهُمْ قَوْلُهُ: (مَادَدْتُهُمْ) أَيْ جَعَلْتُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ مُدَّةً تُتْرَكُ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فِيهَا، وَالْمُرَادُ بِالنَّاسِ الْمَذْكُورِينَ سَائِرُ كُفَّارِ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ قَوْلُهُ: (فَإِنْ أَظْهَرْ فَإِنْ شَاءُوا) هُوَ شَرْطٌ بَعْدَ شَرْطٍ، وَالتَّقْدِيرُ فَإِنْ ظَهَرَ عَلَى غَيْرِهِمْ كَفَاهُمْ الْمَئُونَةَ وَإِنْ أَظْهَرْ أَنَا عَلَى غَيْرِهِمْ، فَإِنْ شَاءُوا أَطَاعُونِي وَإِلَّا فَلَا تَنْقَضِي مُدَّةُ الصُّلْحِ إلَّا وَقَدْ جَمُّوا: أَيْ اسْتَرَاحُوا، وَهُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ الْمَضْمُومَةِ: أَيْ قَوَوْا.

  12. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ «وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا قَاتَلُوا وَبِهِمْ قُوَّةٌ» وَإِنَّمَا رَدَّدَ الْأَمْرَ مَعَ أَنَّهُ جَازِمٌ بِأَنَّ اللَّهَ سَيَنْصُرُهُ وَيُظْهِرُهُ لِوَعْدِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ بِذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ التَّنَزُّلِ مَعَ الْخَصْمِ وَفَرْضِ الْأَمْرِ كَمَا زَعَمَ الْخَصْمُ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ حُذِفَ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ وَهُوَ التَّصْرِيحُ بِظُهُورِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ، لَكِنْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ، وَلَفْظُهُ «فَإِنْ أَصَابُونِي كَانَ الَّذِي أَرَادُوا» وَلِابْنِ عَائِذٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ الزُّهْرِيِّ «فَإِنْ ظَهَرَ النَّاسُ عَلَيَّ فَذَلِكَ الَّذِي يَبْتَغُونَ» ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحَذْفَ وَقَعَ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ تَأَدُّبًا قَوْلُهُ: (حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي) السَّالِفَةُ بِالْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ بَعْدَهَا فَاءٌ: صَفْحَةُ الْعُنُقِ، وَكَنَّى بِذَلِكَ عَنْ الْقَتْلِ. قَالَ الدَّاوُدِيُّ: الْمُرَادُ الْمَوْتُ: أَيْ حَتَّى أَمُوتَ وَأَبْقَى

    ج ٨ ص ٤٩. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  13. ــ

    [نيل الأوطار]

  14. مُنْفَرِدًا فِي قَبْرِي.

  15. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنَّهُ يُقَاتِلُ حَتَّى يَنْفَرِدَ وَحْدَهُ فِي مُقَاتَلَتِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: لَعَلَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَبَّهَ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى: أَيْ إنَّ لِي مِنْ الْقُوَّةِ بِاَللَّهِ وَالْحَوْلِ بِهِ مَا يَقْتَضِي أَنِّي أُقَاتِلُ عَنْ دِينِهِ لَوْ انْفَرَدْت، فَكَيْفَ لَا أُقَاتِلُ عَنْ دِينِهِ مَعَ وُجُودِ الْمُسْلِمِينَ وَكَثْرَتِهِمْ وَنَفَاذِ بَصَائِرِهِمْ فِي نَصْرِ دِينِ اللَّهِ تَعَالَى قَوْلُهُ: (أَوْ لَيُنْفِذَنَّ اللَّهُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْفَاءِ: أَيْ لَيُمْضِيَنَّ اللَّهُ أَمْرَهُ فِي نَصْرِ دِينِهِ. وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ «وَلَيُنْفِذَنَّ اللَّهُ أَمْرَهُ» بِدُونِ شَكٍّ. قَالَ الْحَافِظُ: وَحُسْنُ الْإِتْيَانِ بِهَذَا الْجَزْمِ بَعْدَ ذَلِكَ التَّرَدُّدِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُورِدْهُ إلَّا عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ قَوْلُهُ: (فَقَامَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ) هُوَ ابْنُ مُعَتِّبٍ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْفَوْقِيَّةِ الْمَكْسُورَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةُ الثَّقَفِيُّ قَوْلُهُ: (أَلَسْتُمْ بِالْوَالِدِ) هَكَذَا رِوَايَةُ الْأَكْثَرِ مِنْ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ. وَرِوَايَةُ أَبِي ذَرٍّ " أَلَسْتُمْ بِالْوَلَدِ وَأَلَسْتُ بِالْوَالِدِ " وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ الَّذِي فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَابْنِ إِسْحَاقَ وَغَيْرِهِمَا، وَزَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّ أُمَّ عُرْوَةَ هِيَ سُبَيْعَةُ بِنْتُ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، فَأَرَادَ بِقَوْلِهِ " أَلَسْتُمْ بِالْوَالِدِ " أَنَّكُمْ حَيٌّ قَدْ وَلَدُونِي فِي الْجُمْلَةِ لِكَوْنِ أُمِّي مِنْكُمْ قَوْلُهُ: (اسْتَنْفَرْت أَهْلَ عُكَاظٍ) بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْكَافِ وَآخِرُ مُعْجَمَةٌ: أَيْ دَعَوْتُهُمْ إلَى نَصْرِكُمْ قَوْلُهُ: (فَلَمَّا بَلَّحُوا) بِالْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ ثُمَّ مُهْمَلَةٌ مَضْمُومَةٌ: أَيْ امْتَنَعُوا، وَالتَّبَالُحُ: التَّمَنُّعُ مِنْ الْإِجَابَةِ، وَبَلَحَ الْغَرِيمُ: إذَا امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ مَا عَلَيْهِ، زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ " فَقَالُوا: صَدَقْتَ مَا أَنْتَ عِنْدَنَا بِمُتَّهَمٍ "

  16. قَوْلُهُ: (خُطَّةُ رُشْدٍ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ، وَالرُّشْدُ بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَبِفَتْحِهِمَا: أَيْ خَصْلَةُ خَيْرٍ وَصَلَاحٍ وَإِنْصَافٍ. وَقَدْ بَيَّنَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّ سَبَبَ تَقْدِيمِ عُرْوَةَ لِهَذَا الْكَلَامِ عِنْدَ قُرَيْشٍ مَا رَآهُ مِنْ رَدِّهِمْ الْعَنِيفِ عَلَى مَنْ يَجِيءُ مِنْ عِنْدِ الْمُسْلِمِينَ قَوْلُهُ: (آتِهِ) بِالْمَدِّ وَالْجَزْمِ، وَقَالُوا ائْتِهِ بِأَلْفِ وَصْلٍ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ مُثَنَّاةٌ مِنْ فَوْقُ مَكْسُورَةٌ قَوْلُهُ: (اجْتَاحَ) بِجِيمٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ: أَيْ أَهْلَكَ أَهْلَهُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَحَذَفَ الْجَزَاءَ مِنْ قَوْلِهِ إنْ تَكُنْ الْأُخْرَى تَأَدُّبًا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالتَّقْدِيرُ: إنْ تَكُنْ الْغَلَبَةُ لِقُرَيْشٍ لَا آمَنُهُمْ عَلَيْكَ مَثَلًا، وَقَوْلُهُ: " فَإِنِّي وَاَللَّهِ لَأَرَى وُجُوهًا " إلَى آخِرِهِ كَالتَّعْلِيلِ لِهَذَا الْمَحْذُوفِ قَوْلُهُ: (أَشْوَابًا) بِتَقْدِيمِ الْمُعْجَمَةِ عَلَى الْوَاوِ كَذَا لِلْأَكْثَرِ. وَوَقَعَ لِأَبِي ذَرٍّ عَنْ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَوْبَاشًا بِتَقْدِيمِ الْوَاوِ، وَالْأَشْوَابُ: الْأَخْلَاطُ مِنْ أَنْوَاعٍ شَتَّى، وَالْأَوْبَاشُ: الْأَخْلَاطُ مِنْ السَّفَلَةِ، فَالْأَوْبَاشُ أَخَصُّ مِنْ الْأَشْوَابِ. كَذَا فِي الْفَتْحِ

    قَوْلُهُ: (اُمْصُصْ بِبَظْرِ اللَّاتِ) بِأَلِفِ وَصْلٍ وَمُهْمَلَتَيْنِ الْأُولَى مَفْتُوحَةٌ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ عَنْ رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ ضَمَّ الصَّادِ الْأُولَى وَخَطَّأَهَا، وَالْبَظْرُ: بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ: قِطْعَةٌ تَبْقَى بَعْدَ الْخِتَانِ فِي فَرْجِ الْمَرْأَةِ، وَاللَّاتُ: اسْمُ أَحَدِ الْأَصْنَامِ الَّتِي كَانَتْ قُرَيْشٌ وَثَقِيفٌ يَعْبُدُونَهَا، وَكَانَتْ عَادَةُ الْعَرَبِ الشَّتْمَ بِذَلِكَ وَلَكِنْ بِلَفْظِ الْأُمِّ، فَأَرَادَ أَبُو بَكْرٍ

    ج ٨ ص ٥٠. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  17. ــ

    [نيل الأوطار]

  18. الْمُبَالَغَةَ فِي سَبِّ عُرْوَةَ بِإِقَامَةِ مَنْ كَانَ يَعْبُدُهَا مَقَامَ أُمِّهِ، وَحَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ مَا أَغْضَبَهُ مِنْ نِسْبَةِ الْمُسْلِمِينَ إلَى الْفِرَارِ.

  19. وَفِيهِ جَوَازُ النُّطْقِ بِمَا يُسْتَبْشَعُ مِنْ الْأَلْفَاظِ لِإِرَادَةِ زَجْرِ مَنْ بَدَا مِنْهُ مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ ذَلِكَ

    قَوْلُهُ: (لَوْلَا يَدٌ) أَيْ نِعْمَةٌ. وَقَدْ بَيَّنَ عَبْدُ الْعَزِيزِ الْآفَاقِيُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْيَدَ الْمَذْكُورَةَ هِيَ أَنَّ عُرْوَةَ كَانَ تَحَمَّلَ بِدِيَةٍ فَأَعَانَهُ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ بِعَوْنٍ حَسَنٍ.

  20. وَفِي رِوَايَةِ الْوَاقِدِيِّ بِعَشْرِ قَلَائِصَ قَوْلُهُ: (بِنَعْلِ السَّيْفِ) هُوَ مَا يَكُونُ أَسْفَلَ الْقِرَابِ مِنْ فِضَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا قَوْلُهُ: (أَخِّرْ يَدَكَ) فِعْلُ أَمْرٍ مِنْ التَّأْخِيرِ، زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ " قَبْلَ أَنْ لَا تَصِلَ إلَيْكَ " قَوْلُهُ: (أَيْ غُدَرُ) بِالْمُعْجَمَةِ بِوَزْنِ عُمَرَ مَعْدُولٌ عَنْ غَادِرٍ مُبَالَغَةٌ فِي وَصْفِهِ بِالْغَدْرِ قَوْلُهُ: (أَلَسْتُ أَسْعَى فِي غَدْرَتِكَ) أَيْ فِي دَفْعِ شَرِّ غُدْرَتِكَ. وَقَدْ بَسَطَ الْقِصَّةَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَابْنُ الْكَلْبِيِّ وَالْوَاقِدِيُّ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ خَرَجَ الْمُغِيرَةُ لِزِيَارَةِ الْمُقَوْقَسِ بِمِصْرَ هُوَ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ نَفَرًا مِنْ ثَقِيفٍ مِنْ بَنِي مَالِكٍ، فَأَحْسَنَ إلَيْهِمْ وَأَعْطَاهُمْ وَقَصَّرَ بِالْمُغِيرَةِ، فَحَصَلَتْ لَهُ الْغَيْرَةُ مِنْهُمْ، فَلَمَّا كَانُوا بِالطَّرِيقِ شَرِبُوا الْخَمْرَ، فَلَمَّا سَكِرُوا وَنَامُوا وَثَبَ الْمُغِيرَةُ فَقَتَلَهُمْ وَلَحِقَ بِالْمَدِينَةِ فَأَسْلَمَ، فَتَهَايَجَ الْفَرِيقَانِ بَنُو مَالِكٍ وَالْأَحْلَافُ رَهْطُ الْمُغِيرَةِ، فَسَعَى عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ وَهُوَ عَمُّ الْمُغِيرَةِ حَتَّى أَخَذُوا مِنْهُ دِيَةَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ نَفْسًا، وَالْقِصَّةُ طَوِيلَةٌ

    قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الْمَالُ فَلَسْتُ مِنْهُ فِي شَيْءٍ) أَيْ لَا أَتَعَرَّضُ لَهُ لِكَوْنِهِ مَأْخُوذًا عَلَى طَرِيقَةِ الْغَدْرِ. وَاسْتُفِيدَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ أَمْوَالَ الْكُفَّارِ غَدْرًا فِي حَالِ الْأَمْنِ؛ لِأَنَّ الرُّفْقَةَ يُصْطَحَبُونَ عَلَى الْأَمَانَةِ، وَالْأَمَانَةُ تُؤَدَّى إلَى أَهْلِهَا مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، فَإِنَّ أَمْوَالَ الْكُفَّارِ إنَّمَا تَحِلُّ بِالْمُحَارَبَةِ وَالْمُغَالَبَةِ، وَلَعَلَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَرَكَ الْمَالَ فِي يَدِهِ لَإِمْكَانِ أَنْ يُسْلِمَ قَوْمُهُ فَيَرُدُّ إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ قَوْلُهُ: (يَرْمُقُ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَآخِرُهُ قَافٌ: أَيْ يَلْحَظُ قَوْلُهُ: (مَا يُحِدُّونَ إلَيْهِ النَّظَرَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ: أَيْ يُدِيمُونَ

    قَوْلُهُ: (وَوَفَدْت عَلَى قَيْصَرَ) هُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، وَخَصَّ قَيْصَرَ وَمَنْ بَعْدَهُ لِكَوْنِهِمْ أَعْظَمَ مُلُوكِ ذَلِكَ الزَّمَانِ قَوْلُهُ: (فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ) فِي رِوَايَةِ الْآفَاقِيِّ " فَقَامَ الْحُلَيْسُ " بِمُهْمَلَتَيْنِ. مُصَغَّرًا، وَسَمَّى ابْنُ إِسْحَاقَ وَالزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارَ أَبَاهُ عَلْقَمَةَ وَهُوَ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ قَوْلُهُ: (فَابْعَثُوهَا لَهُ) أَيْ أَثِيرُوهَا دَفْعَةً وَاحِدَةً.

  21. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ " فَلَمَّا رَأَى الْهَدْيَ يَسِيلُ عَلَيْهِ مِنْ عَرْضِ الْوَادِي بِقَلَائِدِهِ قَدْ حُبِسَ عَنْ مَحَلِّهِ رَجَعَ وَلَمْ يَصِلْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " وَعِنْدَ الْحَاكِمِ " أَنَّهُ صَاحَ الْحُلَيْسُ: هَلَكَتْ قُرَيْشٌ وَرَبُّ الْكَعْبَةِ، إنَّ الْقَوْمَ إنَّمَا أَتَوْا عُمَّارًا، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَجَلَ يَا أَخَا بَنِي كِنَانَةَ فَأَعْلِمْهُمْ بِذَلِكَ " . قَالَ الْحَافِظُ: فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَاطَبَهُ عَلَى بُعْدٍ قَوْلُهُ: (مِكْرَزُ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْكَافِ وَفَتْحِ الرَّاءِ بَعْدَهَا زَايٌ. وَهُوَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ قَوْلُهُ: (وَهُوَ رَجُلٌ فَاجِرٌ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ " غَادِرٌ " وَرَجَّحَهَا الْحَافِظُ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا فِي مَغَازِي الْوَاقِدِيِّ " أَنَّهُ قَتَلَ رَجُلًا غَدْرًا "

  22. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    ج ٨ ص ٥١
  23. ــ

    [نيل الأوطار]

  24. وَفِيهَا أَيْضًا " أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَبِيتَ الْمُسْلِمُونَ بِالْحُدَيْبِيَةِ. فَخَرَجَ فِي خَمْسِينَ رَجُلًا فَأَخَذَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةُ وَهُوَ عَلَى الْحَرَسِ فَانْفَلَتَ مِنْهُمْ مِكْرَزٌ، فَكَأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَشَارَ إلَى ذَلِكَ " .

  25. قَوْلُهُ: (إذَا جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو) فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ " فَدَعَتْ قُرَيْشٌ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو فَقَالُوا: اذْهَبْ إلَى هَذَا الرَّجُلِ فَصَالِحْهُ " قَوْلُهُ: (فَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ) . . . إلَخْ. قَالَ الْحَافِظُ: هَذَا مُرْسَلٌ لَمْ أَقِفْ عَلَى مَنْ وَصَلَهُ بِذِكْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ، لَكِنْ لَهُ شَاهِدٌ مَوْصُولٌ عَنْهُ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: " بَعَثَتْ قُرَيْشٌ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو وَحُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ الْعُزَّى إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيُصَالِحُوهُ، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُهَيْلًا قَالَ: لَقَدْ سُهِّلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ " وَلِلطَّبَرَانِيِّ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَوْلُهُ: (فَدَعَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْكَاتِبَ) هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَمَا بَيَّنَهُ ابْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ فِي هَذَا الْوَجْهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا فِي الصُّلْحِ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ. وَأَخْرَجَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ مِنْ طَرِيقِ عَمْرو بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: الْكِتَابُ عِنْدَنَا كَاتِبُهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةُ. قَالَ الْحَافِظُ: وَيُجْمَعُ أَنَّ أَصْلَ كِتَابِ الصُّلْحِ بِخَطِّ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَمَا هُوَ فِي الصَّحِيحِ، وَنَسَخَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةُ لِسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو مِثْلَهُ قَوْلُهُ: (هَذَا مَا قَاضَى) بِوَزْنِ فَاعَلٍ مِنْ قَضَيْتُ الشَّيْءَ: فَصَلْتُ الْحُكْمَ فِيهِ قَوْلُهُ: (ضُغْطَةً) بِضَمِّ الضَّادِ وَسُكُونِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَتَيْنِ ثُمَّ طَاءٌ مُهْمَلَةٌ: أَيْ قَهْرًا.

  26. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ " أَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَيْنَا عَنْوَةً

    قَوْلُهُ: (فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ. . . إلَخْ) قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الْقَائِلِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ

    قَوْلُهُ: (أَبُو جَنْدَلٍ) بِالْجِيمِ وَالنُّونِ بِوَزْنِ جَعْفَرٍ، وَكَانَ اسْمُهُ الْعَاصِي فَتَرَكَهُ لَمَّا أَسْلَمَ، وَكَانَ مَحْبُوسًا بِمَكَّةَ مَمْنُوعًا مِنْ الْهِجْرَةِ وَعُذِّبَ بِسَبَبِ الْإِسْلَامِ، وَكَانَ سُهَيْلٌ أَوْثَقَهُ وَسَجَنَهُ حِينَ أَسْلَمَ فَخَرَجَ مِنْ السِّجْنِ وَتَنَكَّبَ الطَّرِيقَ وَرَكِبَ الْجِبَالَ حَتَّى هَبَطَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَفَرِحَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ وَتَلَقَّوْهُ

    قَوْلُهُ: (يَرْسُفُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا فَاءٌ: أَيْ يَمْشِي مَشْيًا بَطِيئًا بِسَبَبِ الْقَيْدِ

    قَوْلُهُ: (إنَّا لَمْ نَقْضِ الْكِتَابَ) أَيْ لَمْ نَفْرُغْ مِنْ كِتَابَتِهِ

    قَوْلُهُ: (فَأَجِزْهُ لِي) بِالزَّايِ بِصِيغَةِ فِعْلِ الْأَمْرِ مِنْ الْإِجَازَةِ: أَيْ امْضِ فِعْلِي فِيهِ فَلَا أَرُدُّهُ إلَيْكَ وَأَسْتَثْنِيهِ مِنْ الْقَضِيَّةِ. وَوَقَعَ عِنْدَ الْحُمَيْدِيِّ فِي الْجَمْعِ بِالرَّاءِ، وَرَجَّحَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ الزَّايَ.

  27. وَفِيهِ أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْعُقُودِ بِالْقَوْلِ، وَلَوْ تَأَخَّرَتْ الْكِتَابَةُ وَالْإِشْهَادُ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ أَمْضَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِسُهَيْلٍ الْأَمْرَ فِي رَدِّ ابْنِهِ إلَيْهِ، وَكَانَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَلَطُّفٌ مَعَهُ لِقَوْلِهِ: " لَمْ نَقْضِ الْكِتَابَ بَعْدَ " رَجَاءَ أَنْ يُجِيبَهُ

    ١ -

    قَوْلُهُ: (قَالَ مِكْرَزٌ: بَلَى قَدْ أَجَزْنَاهُ) هَذِهِ رِوَايَةُ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَرِوَايَةُ الْأَكْثَرِ مِنْ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ بَلْ بِالْإِضْرَابِ. وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ مَا وَقَعَ مِنْ مِكْرَزٍ مِنْ الْإِجَازَةِ لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا وَصَفَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِ مِنْ الْفُجُورِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْفُجُورَ حَقِيقَةٌ وَلَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ لَا يَقَعَ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ الْبِرِّ نَادِرًا، أَوْ قَالَ ذَلِكَ نِفَاقًا وَفِي

    ج ٨ ص ٥٢. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  28. ــ

    [نيل الأوطار]

  29. بَاطِنِهِ خِلَافُهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا أَجَابَ بِهِ سُهَيْلٌ عَلَى مِكْرَزٍ لَمَّا قَالَ ذَلِكَ، وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّ سُهَيْلًا لَمْ يُجِبْهُ لِأَنَّ مِكْرَزًا لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ جُعِلَ لَهُ أَمْرُ عَقْدِ الصُّلْحِ بِخِلَافِ سُهَيْلٍ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْوَاقِدِيَّ رَوَى أَنَّ مِكْرَزًا كَانَ مِمَّنْ جَاءَ فِي الصُّلْحِ مَعَ سُهَيْلٍ وَكَانَ مَعَهُمَا حُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى، لَكِنْ ذَكَرَ فِي رِوَايَتِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إجَازَةَ مِكْرَزٍ لَمْ تَكُنْ فِي أَنْ لَا يَرُدَّهُ إلَى سُهَيْلٍ بَلْ فِي تَأْمِينِهِ مِنْ التَّعْذِيبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَأَنَّ مِكْرَزًا وَحُوَيْطِبًا أَخَذَا أَبَا جَنْدَلٍ فَأَدْخَلَاهُ فُسْطَاطًا وَكَفَّا أَبَاهُ عَنْهُ.

  30. وَفِي مَغَازِي ابْنِ عَائِذٍ نَحْوُ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَلَفْظُهُ " فَقَالَ مِكْرَزٌ وَكَانَ مِمَّنْ أَقْبَلَ مَعَ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو فِي الْتِمَاسِ الصُّلْحِ: أَنَا لَهُ جَارٌ، وَأَخَذَ بِيَدِهِ فَأَدْخَلَهُ فُسْطَاطًا " قَالَ الْحَافِظُ: وَهَذَا لَوْ ثَبَتَ لَكَانَ أَقْوَى مِنْ الِاحْتِمَالَاتِ الْأُوَلِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُجِزْهُ بِأَنْ يُقِرَّهُ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ لِيَكُفَّ الْعَذَابَ عَنْهُ لِيَرْجِعَ إلَى طَوَاعِيَةِ أَبِيهِ فَمَا خَرَجَ بِذَلِكَ عَنْ الْفُجُورِ، لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ مَا فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحِ السَّابِقَةِ بِلَفْظِ " فَقَالَ مِكْرَزٌ " : قَدْ أَجَزْنَاهُ لَكَ يُخَاطِبُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ

    قَوْلُهُ: (فَقَالَ أَبُو جَنْدَلٍ: أَيْ مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ. . . إلَخْ) زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ «فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يَا أَبَا جَنْدَلٍ اصْبِرْ وَاحْتَسِبْ فَإِنَّا لَا نَقْدِرُ وَإِنَّ اللَّهُ جَاعِلٌ لَك فَرَجًا وَمَخْرَجًا» . قَالَ الْخَطَّابِيِّ: تَأَوَّلَ الْعُلَمَاءُ مَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ أَبِي جَنْدَلٍ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَبَاحَ التَّقِيَّةَ لِلْمُسْلِمِ إذَا خَافَ الْهَلَاكَ. وَرَخَّصَ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِالْكُفْرِ مَعَ إضْمَارِ الْإِيمَانِ إنْ لَمْ تُمْكِنْهُ التَّوْرِيَةُ فَلَمْ يَكُنْ رَدُّهُ إلَيْهِمْ إسْلَامًا لِأَبِي جَنْدَلٍ إلَى الْهَلَاكِ مَعَ وُجُودِ السَّبِيلِ إلَى الْخَلَاصِ مِنْ الْمَوْتِ بِالتَّقِيَّةِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ إنَّمَا رَدَّهُ إلَى أَبِيهِ.

  31. وَالْغَالِبُ أَنَّ أَبَاهُ لَا يَبْلُغُ بِهِ إلَى الْهَلَاكِ وَإِنْ عَذَّبَهُ أَوْ سَجَنَهُ فَلَهُ مَنْدُوحَةٌ بِالتَّقِيَّةِ أَيْضًا. وَأَمَّا مَا يُخَافُ عَلَيْهِ مِنْ الْفِتْنَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ امْتِحَانٌ مِنْ اللَّهِ يَبْتَلِي بِهِ صَبْرَ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ. وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ يَجُوزُ الصُّلْحُ مَعَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى أَنْ يَرُدَّ إلَيْهِمْ مَنْ جَاءَ مُسْلِمًا مِنْ عِنْدِهِمْ إلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ أَمْ لَا؟ فَقِيلَ: نَعَمْ عَلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ قِصَّةُ أَبِي جَنْدَلٍ وَأَبِي بَصِيرٍ. وَقِيلَ: لَا، وَأَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي الْقِصَّةِ مَنْسُوخٌ، وَأَنَّ نَاسِخَهُ حَدِيثُ «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ بَيْنَ مُشْرِكِينَ» وَقَدْ تَقَدَّمَ وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَفْصِلُ بَيْنَ الْعَاقِلِ وَبَيْنَ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ فَلَا يُرَدَّانِ. وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: ضَابِطُ جَوَازِ الرَّدِّ أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُ بِحَيْثُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْهِجْرَةُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ

    قَوْلُهُ: (أَلَسْتُ نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا؟ قَالَ: بَلَى) زَادَ الْوَاقِدِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ " قَالَ: قَالَ عُمَرُ: لَقَدْ دَخَلَنِي أَمْرٌ عَظِيمٌ وَرَاجَعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُرَاجَعَةً مَا رَجَعْتُهُ مِثْلَهَا قَطُّ

    قَوْلُهُ: (فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ

    قَوْلُهُ: (أَوْ لَيْسَ كُنْتَ حَدَّثْتَنَا. . . إلَخْ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ كَانَ الصَّحَابَةُ لَا يَشُكُّونَ فِي الْفَتْحِ لِرُؤْيَا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا رَأَوْا الصُّلْحَ دَخَلَهُمْ

    ج ٨ ص ٥٣. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  32. ــ

    [نيل الأوطار]

  33. مِنْ ذَلِكَ أَمْرٌ عَظِيمٌ حَتَّى كَادُوا يَهْلِكُونَ. وَعِنْدَ الْوَاقِدِيِّ «إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ رَأَى فِي مَنَامِهِ قَبْلَ أَنْ يَعْتَمِرَ أَنَّهُ دَخَلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ الْبَيْتَ، فَلَمَّا رَأَوْا تَأْخِيرَ ذَلِكَ شَقَّ عَلَيْهِمْ» قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الْفَصْلِ جَوَازُ الْبَحْثِ فِي الْعِلْمِ حَتَّى يَظْهَرَ الْمَعْنَى، وَأَنَّ الْكَلَامَ يُحْمَلُ عَلَى عُمُومِهِ وَإِطْلَاقِهِ حَتَّى تَظْهَرَ إرَادَةُ التَّخْصِيصِ وَالتَّقْيِيدِ، وَأَنَّ مَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ وَلَمْ يَذْكُرْ مُدَّةً مُعَيَّنَةً لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى تَنْقَضِيَ أَيَّامُ حَيَاتِهِ

    قَوْلُهُ: (فَأَتَيْت أَبَا بَكْرٍ. . . إلَخْ) لَمْ يَذْكُرْ عُمَرُ أَنَّهُ رَاجَعَ أَحَدًا فِي ذَلِكَ غَيْرَ أَبِي بَكْرٍ لِمَا لَهُ عِنْدَهُ مِنْ الْجَلَالَةِ، وَفِي جَوَابِ أَبِي بَكْرٍ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَجَابَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَلِيلٌ عَلَى سَعَةِ عِلْمِهِ وَجَوْدَةِ عِرْفَانِهِ بِأَحْوَالِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلُهُ: (فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا زَايٌ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: هُوَ لِلْإِبِلِ بِمَنْزِلَةِ الرِّكَابِ لِلْفَرَسِ، وَالْمُرَادُ التَّمَسُّكُ بِأَمْرِهِ وَتَرْكُ الْمُخَالَفَةِ لَهُ كَاَلَّذِي يُمْسِكُ بِرِكَابِ الْفَارِسِ فَلَا يُفَارِقُهُ

    قَوْلُهُ: (قَالَ عُمَرُ: فَعَمِلْتُ لِذَلِكَ أَعْمَالًا) الْقَائِلُ هُوَ الزُّهْرِيُّ كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ؛ لِأَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ. قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ " أَعْمَالًا " أَيْ مِنْ الذَّهَابِ وَالْمَجِيءِ وَالسُّؤَالِ وَالْجَوَابِ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ شَكًّا مِنْ عُمَرَ بَلْ طَلَبًا لِكَشْفِ مَا خَفَيَ عَلَيْهِ، وَحَثًّا عَلَى إذْلَالِ الْكُفَّارِ بِمَا عُرِفَ مِنْ قُوَّتِهِ فِي نُصْرَةِ الدِّينِ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَتَفْسِيرُ الْأَعْمَالِ بِمَا ذَكَرَ مَرْدُودٌ، بَلْ الْمُرَادُ بِهِ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ لِتُكَفِّرَ عَنْهُ مَا مَضَى مِنْ التَّوَقُّفِ فِي الِامْتِثَالِ ابْتِدَاءً، وَقَدْ وَرَدَ عَنْ عُمَرَ التَّصْرِيحُ بِمُرَادِهِ، فَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ " وَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ: مَازِلْتُ أَتَصَدَّقُ وَأَصُومُ وَأُصَلِّي وَأُعْتِقُ مِنْ الَّذِي صَنَعْت يَوْمَئِذٍ مَخَافَةَ كَلَامِي الَّذِي تَكَلَّمْتُ بِهِ " وَعِنْدَ الْوَاقِدِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ عُمَرُ: " لَقَدْ أَعْتَقْتُ بِسَبَبِ ذَلِكَ رِقَابًا وَصُمْت دَهْرًا " . قَالَ السُّهَيْلِيُّ: هَذَا الشَّكُّ الَّذِي حَصَلَ لِعُمَرَ هُوَ مَا لَا يَسْتَمِرُّ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْوَسْوَسَةِ. قَالَ الْحَافِظُ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ تَوَقُّفٌ مِنْهُ لِيَقِفَ عَلَى الْحِكْمَةِ وَتَنْكَشِفَ عَنْهُ الشُّبْهَةُ. وَنَظِيرُهُ قِصَّتُهُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وَإِنْ كَانَ فِي الْأُولَى لَمْ يُطَابِقْ اجْتِهَادُهُ الْحُكْمَ بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ هَذِهِ الْقِصَّةُ، وَإِنَّمَا عَمَلَ الْأَعْمَالَ الْمَذْكُورَةَ لِهَذِهِ، وَإِلَّا فَجَمِيعُ مَا صَدَرَ مِنْهُ كَانَ مَعْذُورًا فِيهِ، بَلْ هُوَ فِيهِ مَأْجُورٌ لِأَنَّهُ مُجْتَهِدٌ فِيهِ

    قَوْلُهُ: (فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ) زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ «فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ أَشْهَدَ جَمَاعَةً عَلَى الصُّلْحِ رِجَالٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَرِجَالٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْهُمْ عَلِيٌّ وَأَبُو بَكْرٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَمِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ وَهُوَ مُشْرِكٌ»

  34. قَوْلُهُ: (فَوَاَللَّهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ أَحَدٌ) قِيلَ كَأَنَّهُمْ تَوَقَّفُوا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِذَلِكَ لِلنَّدْبِ أَوْ لِرَجَاءِ نُزُولِ الْوَحْيِ بِإِبْطَالِ الصُّلْحِ الْمَذْكُورِ أَوْ أَنْ يُخَصِّصَهُ بِالْإِذْنِ بِدُخُولِهِمْ مَكَّةَ ذَلِكَ الْعَامَ لَإِتْمَامِ نُسُكِهِمْ وَسَوَّغَ لَهُمْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ زَمَانَ وُقُوعِ

    ج ٨ ص ٥٤. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  35. ــ

    [نيل الأوطار]

  36. النَّسْخِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَهَمَّتْهُمْ صُورَةُ الْحَالِ فَاسْتَغْرَقُوا فِي الْفِكْرِ لِمَا لَحِقَهُمْ مِنْ الذُّلِّ عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ مَعَ ظُهُورِ قُوَّتِهِمْ وَاقْتِدَارِهِمْ فِي اعْتِقَادِهِمْ عَلَى بُلُوغِ غَرَضِهِمْ وَقَضَاءِ نُسُكِهِمْ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ، أَوْ أَخَّرُوا الِامْتِثَالَ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ لَا يَقْتَضِي الْفَوْرَ. قَالَ الْحَافِظُ: وَيُحْتَمَلُ مَجْمُوعُ هَذِهِ الْأُمُورِ لِمَجْمُوعِهِمْ

    قَوْلُهُ: (فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنْ النَّاسِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِ الْمَشُورَةِ، وَأَنَّ الْفِعْلَ إذَا انْضَمَّ إلَى الْقَوْلِ كَانَ أَبْلَغَ مِنْ الْقَوْلِ الْمُجَرَّدِ وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ الْفِعْلَ مُطْلَقًا أَبْلَغُ مِنْ الْقَوْلِ، نَعَمْ فِيهِ أَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِالْأَفْعَالِ أَكْثَرُ مِنْهُ بِالْأَقْوَالِ وَهَذَا مَعْلُومٌ مُشَاهَدٌ.

  37. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِ أُمِّ سَلَمَةَ وَوُفُورِ عَقْلِهَا حَتَّى قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: لَا نَعْلَمُ امْرَأَةً أَشَارَتْ بِرَأْيٍ فَأَصَابَتْ إلَّا أُمَّ سَلَمَةَ. وَتُعُقِّبَ بِإِشَارَةِ بِنْتِ شُعَيْبٍ عَلَى أَبِيهَا فِي أَمْرِ مُوسَى، وَنَظِيرُ هَذِهِ الْقِصَّةِ مَا وَقَعَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُمْ بِالْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ، فَلَمَّا اسْتَمَرُّوا عَلَى الِامْتِنَاعِ تَنَاوَلَ الْقَدَحَ فَشَرِبَ، فَلَمَّا رَأَوْهُ يَشْرَبُ شَرِبُوا

    قَوْلُهُ: (نَحَرَ بُدْنَهُ) زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ " أَنَّهَا كَانَتْ سَبْعِينَ بَدَنَةً كَانَ فِيهَا جَمَلٌ لِأَبِي جَهْلٍ فِي رَأْسِهِ بَرَّةٌ مِنْ فِضَّةٍ لِيَغِيظَ بِهِ الْمُشْرِكِينَ، وَكَانَ غَنِمُهُ مِنْهُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ

    قَوْلُهُ: (وَدَعَا حَالِقَهُ) قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: بَلَغَنِي أَنَّ الَّذِي حَلَقَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمَ هُوَ خِرَاشُ - بِمُعْجَمَتَيْنِ - ابْنُ أُمَيَّةَ بْنُ الْفَضْلِ الْخُزَاعِيُّ

    قَوْلُهُ: (فَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ اسْمُهُ عُتْبَةُ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْفَوْقِيَّةِ ابْنُ أُسَيْدٍ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ ابْنُ جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ، كَذَا قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَبِهَذَا يُعْرَفُ أَنَّ

    قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ: أَيْ بِالْحَلِفِ؛ لِأَنَّ بَنِي زُهْرَةَ مِنْ قُرَيْشٍ

    قَوْلُهُ: (فَأَرْسَلُوا فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ) سَمَّاهُمَا ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ خُنَيْسَ بِمُعْجَمَةٍ وَنُونٍ وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ مُصَغَّرًا ابْنَ جَابِرٍ، وَمَوْلًى لَهُ يُقَالُ لَهُ كُوَيْرٌ.

  38. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: أَنَّ الْأَخْنَسَ بْنَ شَرِيقٍ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ فِي طَلَبِهِ، زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ " فَكَتَبَ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ وَالْأَزْهَرُ بْنُ عَبْدِ عَوْفٍ إلَى رَسُولِ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كِتَابًا وَبَعَثَا بِهِ مَعَ مَوْلًى لَهُمَا وَرَجُلٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ اسْتَأْجَرَاهُ ". قَالَ الْحَافِظُ: وَالْأَخْنَسُ مِنْ ثَقِيفٍ رَهْطِ أَبِي بَصِيرٍ وَأَزْهَرُ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ حُلَفَاءِ أَبِي بَصِيرٍ، فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا الْمُطَالَبَةُ بِرَدِّهِ. وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْمُطَالَبَةَ بِالرَّدِّ تَخْتَصُّ بِمَنْ كَانَ مِنْ عَشِيرَةِ الْمَطْلُوبِ بِالْأَصَالَةِ أَوْ الْحِلْفِ. وَقِيلَ إنَّ اسْمَ أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ مَرْثَدُ بْنُ حُمْرَانَ، زَادَ الْوَاقِدِيُّ فَقَدِمَا بَعْدَ أَبِي بَصِيرٍ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ

    قَوْلُهُ: (فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ لِلْعَامِرِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ لِخُنَيْسِ بْنِ جَابِرٍ

    قَوْلُهُ: (فَاسْتَلَّهُ الْآخَرُ) أَيْ صَاحِبُ السَّيْفِ أَخْرَجَهُ مِنْ غِمْدِهِ

    قَوْلُهُ: (حَتَّى بَرَدَ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالرَّاءِ: أَيْ خَمَدَتْ حَوَاسُّهُ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ الْمَوْتِ لِأَنَّ الْمَيِّتَ تَسْكُنُ حَرَكَتُهُ، وَأَصْلُ الْبَرَدِ السُّكُونُ. قَالَ الْخَطَّابِيِّ: وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ " فَعَلَاهُ حَتَّى قَتَلَهُ

    قَوْلُهُ: (وَفَرَّ الْآخَرُ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ

    ج ٨ ص ٥٥. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  39. ــ

    [نيل الأوطار]

  40. وَخَرَجَ الْمَوْلَى يَشْتَدُّ " أَيْ هَرَبًا

    قَوْلُهُ: (ذُعْرًا) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ: أَيْ خَوْفًا

    قَوْلُهُ: (قُتِلَ صَاحِبِي) بِضَمِّ الْقَافِ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ الَّذِي يَجِيءُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ فِي زَمَنِ الْهُدْنَةِ قَتْلُ مَنْ جَاءَ فِي طَلَبِ رَدِّهِ إذَا شَرَطَ لَهُمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُنْكِرْ عَلَى أَبِي بَصِيرٍ قَتْلَهُ لِلْعَامِرِيِّ وَلَا أَمَرَ فِيهِ بِقَوَدٍ وَلَا دِيَةٍ

    قَوْلُهُ: (وَيْلُ امِّهِ) بِضَمِّ اللَّامِ وَوَصْلِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ الْمُشَدَّدَةِ: وَهِيَ كَلِمَةُ ذَمٍّ تَقُولُهَا الْعَرَبُ فِي الْمَدْحِ وَلَا يَقْصِدُونَ مَعْنَى مَا فِيهَا مِنْ الذَّمِّ؛ لِأَنَّ الْوَيْلَ: الْهَلَاكُ، فَهُوَ كَقَوْلِهِمْ: لِأُمِّهِ الْوَيْلُ وَلَا يَقْصِدُونَ، وَالْوَيْلُ يُطْلَقُ عَلَى الْعَذَابِ وَالْحَرْبِ وَالزَّجْرِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الْحَجِّ فِي قَوْلِهِ لِأَعْرَابِيٍّ " وَيْلُكَ " قَالَ الْفَرَّاءُ: أَصْلُهُ وَيْ فُلَانٍ: أَيْ لِفُلَانٍ: أَيْ حَزِنَ لَهُ فَكَثُرَ الِاسْتِعْمَالُ فَأَلْحَقُوا بِهَا اللَّامَ فَصَارَتْ كَأَنَّهَا مِنْهَا وَأَعْرَبُوهَا، وَتَبِعَهُ ابْنُ مَالِكٍ إلَّا أَنَّهُ قَالَ تَبَعًا لِلْخَلِيلِ: إنَّ وَيْ كَلِمَةُ تَعَجُّبِ وَهِيَ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَفْعَالِ وَاللَّامُ بَعْدَهَا مَكْسُورَةٌ، وَيَجُوزَ ضَمُّهَا اتِّبَاعًا لِلْهَمْزَةِ، وَحُذِفَتْ الْهَمْزَةُ تَخْفِيفًا، وَأَصْلُهُ مِنْ مُسَعِّرِ حَرْبٍ: أَيْ يُسَعِّرُهَا. قَالَ الْخَطَّابِيِّ: يَصِفُهُ بِالْإِقْدَامِ فِي الْحَرْبِ وَالتَّسْعِيرِ لِنَارِهَا

    قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ) أَيْ يُنَاصِرُهُ وَيُعَاضِدُهُ قَوْلُهُ: (سِيفَ الْبَحْرِ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا فَاءٌ: أَيْ سَاحِلُهُ (قَوْلُهُ عِصَابَةٌ)