[باب ما يجوز من الشروط مع الكفار ومدة المهادنة وغير ذلك]
٩٥ فقرة، ج ٨ ص ٣٧
الصفحة ٣ من ٣
- ج ٨ ص ٥٥
أَيْ جَمَاعَةٌ وَلَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا، وَهِيَ تُطْلَقُ عَلَى الْأَرْبَعِينَ فَمَا دُونِهَا.
-
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ " أَنَّهُمْ بَلَغُوا نَحْوَ السَّبْعِينَ نَفْسًا " وَزَعَمَ السُّهَيْلِيُّ أَنَّهُمْ بَلَغُوا ثَلَاثَمِائَةِ رَجُلٍ
قَوْلُهُ: (مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ: أَيْ بِخَبَرِ عِيرٍ، وَهِيَ الْقَافِلَةُ
قَوْلُهُ: (فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَيْهِمْ) فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ «فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى أَبِي بَصِيرٍ فَقَدِمَ كِتَابُهُ وَأَبُو بَصِيرٍ يَمُوتُ، فَمَاتَ وَكِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي يَدِهِ، فَدَفَنَهُ أَبُو جَنْدَلٍ مَكَانَهُ وَجَعَلَ عِنْدَ قَبْرِهِ مَسْجِدًا» .
-
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ فَعَلَ مِثْلَ أَبِي بَصِيرٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَوَدٌ وَلَا دِيَةٌ. وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو لَمَّا بَلَغَهُ قَتْلُ الْعَامِرِيِّ طَلَبَ بِدِيَتِهِ لِأَنَّهُ مِنْ رَهْطِهِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ: لَيْسَ عَلَى مُحَمَّدٍ مُطَالَبَةٌ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ وَفَّى بِمَا عَلَيْهِ وَأَسْلَمَهُ لِرَسُولِكُمْ وَلَمْ يَقْتُلْهُ بِأَمْرِهِ، وَلَا عَلَى أَبِي بَصِيرٍ أَيْضًا شَيْءٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى دِينِهِمْ
قَوْلُهُ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ} [الفتح: ٢٤] ظَاهِرُهُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْنِ أَبِي بَصِيرٍ. وَالْمَشْهُورُ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ بِسَبَبِ الْقَوْمِ الَّذِينَ أَرَادُوا مِنْ قُرَيْشٍ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْ الْمُسْلِمِينَ غِرَّةً فَظَفِرُوا بِهِمْ وَعَفَا عَنْهُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَزَلَتْ الْآيَةُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقِيلَ فِي نُزُولِهَا غَيْرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: (عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ) هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ سَعْدٍ، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ. وَوَقَعَ فِي مَغَازِي ابْنِ عَائِذٍ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ
ج ٨ ص ٥٦. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
ــ
[نيل الأوطار]
-
وَغَيْرِهِ أَنَّهُ كَانَ سَنَتَيْنِ، وَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ. وَيُجْمَعُ بِأَنَّ الْعَشْرَ السِّنِينَ هِيَ الْمُدَّةُ الَّتِي وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَيْهَا، وَالسَّنَتَيْنِ هِيَ الْمُدَّةُ الَّتِي انْتَهَى
أَمْرُ الصُّلْحِ فِيهَا حَتَّى وَقَعَ نَقْضُهُ عَلَى يَدِ قُرَيْشٍ. وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي كَامِلِ ابْنِ عَدِيٍّ وَمُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ فِي الْأَوْسَطِ لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ مُدَّةَ الصُّلْحِ كَانَتْ أَرْبَعَ سِنِينَ فَهُوَ مَعَ ضَعْفِ إسْنَادِهِ مُنْكَرٌ مُخَالِفٌ لِلصَّحِيحِ. وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي تَجُوزُ الْمُهَادَنَةُ فِيهَا مَعَ الْمُشْرِكِينَ، فَقِيلَ: لَا تُجَاوِزُ عَشْرَ سِنِينَ عَلَى مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَقِيلَ: تَجُوزُ الزِّيَادَةُ، وَقِيلَ: لَا تُجَاوِزُ أَرْبَعَ سِنِينَ. وَقِيلَ: ثَلَاثًا. وَقِيلَ: سَنَتَيْنِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الرَّاجِحُ
قَوْلُهُ: (عَيْبَةً مَكْفُوفَةً) أَيْ أَمْرًا مَطْوِيًّا فِي صُدُورٍ سَلِيمَةٍ، وَهُوَ إشَارَةٌ إلَى تَرْكِ الْمُؤَاخَذَةِ بِمَا تَقَدَّمَ بَيْنَهُمْ مِنْ أَسْبَابِ الْحَرْبِ وَغَيْرِهَا وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الْعَهْدِ الَّذِي وَقَعَ بَيْنَهُمْ
قَوْلُهُ: (وَإِنَّهُ لَا إغْلَالَ وَلَا إسْلَالَ) أَيْ لَا سَرِقَةَ وَلَا خِيَانَةَ، يُقَالُ: أَغَلَّ الرَّجُلُ: أَيْ خَانَ، أَمَّا فِي الْغَنِيمَةِ فَيُقَالُ: غَلَّ بِغَيْرِ أَلِفٍ، وَالْإِسْلَالُ مِنْ السَّلَّةِ وَهِيَ السَّرِقَةِ. وَقِيلَ: مِنْ سَلِّ السُّيُوفِ، وَالْإِغْلَالُ مِنْ لُبْسِ الدُّرُوعِ، وَوَهَّاهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَالْمُرَادُ أَنْ يَأْمَنَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ فِي نُفُوسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ سِرًّا وَجَهْرًا
قَوْلُهُ: (وَامْتَعَضُوا مِنْهُ) بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ: أَيْ أَنِفُوا وَشَقَّ عَلَيْهِمْ. قَالَ الْخَلِيلُ: مَعِضَ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ مِنْ الشَّيْءِ، وَامْتَعَضَ: تَوَجَّعَ مِنْهُ، وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: شَقَّ عَلَيْهِ وَأَنِفَ مِنْهُ. وَوَقَعَ مِنْ الرُّوَاةِ اخْتِلَافٌ فِي ضَبْطِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى مَا هُنَا، وَالْأَصِيلِيُّ وَالْهَمْدَانِيُّ بِظَاءٍ مُشَالَةٍ، وَعِنْدَ الْقَابِسِيِّ: امَّعَظُوا بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ، وَعِنْدَ النَّسَفِيِّ انَّغَضُوا بِنُونٍ وَغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ غَيْرِ مُشَالَةٍ، قَالَ عِيَاضٌ: وَكُلُّهَا تَغْيِيرَاتٌ حَتَّى وَقَعَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ: انْفَضُّوا بِفَاءٍ وَتَشْدِيدٍ، وَبَعْضُهُمْ أُغِيظُوا مِنْ الْغَيْظِ
قَوْلُهُ: (وَهِيَ عَاتِقٌ) أَيْ شَابَّةٌ
قَوْلُهُ: (فَامْتَحِنُوهُنَّ) الْآيَةَ: أَيْ اخْتَبِرُوهُنَّ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِيمَانِ بِاعْتِبَارِ مَا يَرْجِعُ إلَى ظَاهِرِ الْحَالِ دُونَ الِاطِّلَاعِ عَلَى مَا فِي الْقُلُوبِ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ} [الممتحنة: ١٠] وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " كَانَ امْتِحَانُهُنَّ أَنْ يَشْهَدْنَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ " وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا وَالْبَزَّارُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا " كَانَ يَمْتَحِنُهُنَّ، وَاَللَّهِ مَا خَرَجْنَ مِنْ بُغْضِ زَوْجٍ، وَاَللَّهِ مَا خَرَجْنَ رَغْبَةً عَنْ أَرْضٍ إلَى أَرْضٍ، وَاَللَّهِ مَا خَرَجْنَ الْتِمَاسَ دُنْيَا "
-
قَوْلُهُ: (قَالَ عُرْوَةُ: أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ) هُوَ مُتَّصِلٌ كَمَا فِي مَوَاضِعَ فِي الْبُخَارِيِّ قَوْلُهُ: (لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ أَنْ يَرُدُّوا إلَى الْمُشْرِكِينَ مَا أَنْفَقُوا) يَعْنِي قَوْله تَعَالَى: {وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا} [الممتحنة: ١٠] قَوْلُهُ: (قُرَيْبَةَ) بِالْقَافِ وَالْمُوَحَّدَةِ مُصَغَّرًا فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ، وَضَبَطَهَا الدِّمْيَاطِيُّ بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَبِعَهُ الذَّهَبِيُّ، وَكَذَا الْكُشْمِيهَنِيُّ، وَفِي الْقَامُوسِ بِالتَّصْغِيرِ وَقَدْ تُفْتَحُ انْتَهَى
، وَهِيَ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَهِيَ أُخْتُ أُمِّ سَلَمَةَ
ج ٨ ص ٥٧. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
ــ
[نيل الأوطار]
-
زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
قَوْلُهُ: (فَلَمَّا أَبَى الْكُفَّارُ أَنْ يُقِرُّوا. . . إلَخْ) أَيْ أَبَوْا أَنْ يَعْمَلُوا بِالْحُكْمِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي النِّكَاحِ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا} [الممتحنة: ١٠] قَالَ: مَنْ ذَهَبَ مِنْ أَزْوَاجِ الْمُسْلِمِينَ إلَى الْكُفَّارِ فَلْيُعْطِهِمْ الْكُفَّارُ صَدَقَاتِهِنَّ وَلْيُمْسِكُوهُنَّ، وَمَنْ ذَهَبَ مِنْ أَزْوَاجِ الْكُفَّارِ إلَى أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ فَكَذَلِكَ، هَذَا كُلُّهُ فِي صُلْحٍ بَيْنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَيْنَ قُرَيْشٍ.
-
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ أَيْضًا عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي كِتَابِ الشُّرُوطِ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ الْكُفَّارَ لَمَّا أَبَوْا أَنْ يُقِرُّوا بِمَا أَنْفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ كَمَا فِي الْآيَةِ، وَهُوَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا جَاءَتْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ إلَى الْمُسْلِمِينَ مُسْلِمَةً لَمْ يَرُدُّهَا الْمُسْلِمُونَ إلَى زَوْجِهَا الْمُشْرِكِ بَلْ يُعْطُونَهُ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنْ صَدَاقٍ وَنَحْوِهِ، وَكَذَا بِعَكْسِهِ، فَامْتَثَلَ الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ وَأَعْطَوْهُمْ وَأَبَى الْمُشْرِكُونَ أَنْ يَمْتَثِلُوا ذَلِكَ، فَحَبَسُوا مَنْ جَاءَتْ إلَيْهِمْ مُشْرِكَةً وَلَمْ يُعْطُوا زَوْجَهَا الْمُسْلِمَ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا، فَلِهَذَا نَزَلَتْ: {وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ} [الممتحنة: ١١] أَيْ أَصَبْتُمْ مِنْ صَدَقَاتِ الْمُشْرِكَاتِ عِوَضَ مَا فَاتَ مِنْ صَدَقَاتِ الْمُسْلِمَاتِ قَوْلُهُ: (وَمَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مِنْ الْمُهَاجِرَاتِ. . . إلَخْ) هَذَا النَّفْيَ لَا يُرِدْهُ ظَاهِرُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ وَالْقِصَّةُ؛ لِأَنَّ مَضْمُونَ الْقِصَّةِ أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ الْمُسْلِمِينَ ذَهَبَتْ إلَى زَوْجِهَا الْكَافِرِ فَأَبَى أَنْ يُعْطِيَ زَوْجَهَا الْمُسْلِمَ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا، فَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ مُسْلِمَةً فَالنَّفْيُ مَخْصُوصٌ بِالْمُهَاجِرَاتِ، فَيُحْتَمَلُ كَوْنُ مَنْ وَقَعَ مِنْهَا ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ الْمُهَاجِرَاتِ كَالْأَعْرَابِيَّاتِ مَثَلًا أَوْ الْحَصْرُ عَلَى عُمُومِهِ، وَتَكُونُ نَزَلَتْ فِي الْمَرْأَةِ الْمُشْرِكَةِ إذَا كَانَتْ تَحْتَ مُسْلِمٍ مَثَلًا فَهَرَبَتْ مِنْهُ إلَى الْكُفَّارِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ الْحَسَنِ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ} [الممتحنة: ١١] قَالَ: نَزَلَتْ فِي أُمِّ الْحَكَمِ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ ارْتَدَّتْ فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ ثَقَفِيٌّ، وَلَمْ تَرْتَدَّ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ غَيْرُهَا ثُمَّ أَسْلَمَتْ مَعَ ثَقِيفٍ حِينَ أَسْلَمُوا، فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا اُسْتُثْنِيَ مِنْ الْحَصْرِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ، أَوْ يُجْمَعُ بِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ هَاجَرَتْ فِيمَا قَبْلَ ذَلِكَ
قَوْلُهُ: (الْأَحَابِيشُ) لَمْ يَتَقَدَّمْ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ هَذَا اللَّفْظِ وَلَكِنَّهُ مَذْكُورٌ فِي غَيْرِهِ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ هَذِهِ الْقِصَّةِ " أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ عَيْنًا مِنْ خُزَاعَةَ، فَتَلَقَّاهُ فَقَالَ: إنَّ قُرَيْشًا قَدْ جَمَعُوا لَك الْأَحَابِيشَ وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ وَصَادُّوكَ عَنْ الْبَيْتِ، «فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَشِيرُوا عَلَيَّ، أَتَرَوْنَ أَنْ أَمِيلَ عَلَى ذَرَارِيِّهِمْ، فَإِنْ يَأْتُونَا كَانَ اللَّهُ قَدْ قَطَعَ جَنْبًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَإِلَّا تَرَكْنَاهُمْ مَحْرُوبِينَ، فَأَشَارَ إلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ بِتَرْكِ ذَلِكَ، فَقَالَ: امْضُوا بِسْمِ اللَّهِ» وَالْأَحَابِيشُ هُمْ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ وَبَنُو الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ وَالْقَارَّةُ وَهُوَ ابْنُ الْهَوْنِ بْنُ خُزَيْمَةَ.
- ج ٨ ص ٥٨
بَابُ جَوَازِ مُصَالَحَةِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمَالِ وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا (عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «أَتَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْلَ خَيْبَرَ، فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى أَلْجَأَهُمْ إلَى قَصْرِهِمْ وَغَلَبَهُمْ عَلَى الْأَرْضِ وَالزَّرْعِ وَالنَّخْلِ، فَصَالَحُوهُ عَلَى أَنْ يُجْلُوا مِنْهَا وَلَهُمْ مَا حَمَلَتْ رِكَابُهُمْ وَلِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّفْرَاءُ وَالْبَيْضَاءُ وَالْحَلْقَةُ وَهِيَ السِّلَاحُ وَيَخْرُجُونَ مِنْهَا، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَكْتُمُوا وَلَا يُغَيِّبُوا شَيْئًا، فَإِنْ فَعَلُوا فَلَا ذِمَّةَ لَهُمْ وَلَا عَهْدَ، فَغَيَّبُوا مَسْكًا فِيهِ مَالٌ وَحُلِيٌّ لِحُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ كَانَ احْتَمَلَهُ مَعَهُ إلَى خَيْبَرَ حِينَ أُجْلِيَتْ النَّضِيرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمِّ حُيَيِّ وَاسْمُهُ سَعْيَةُ: مَا فَعَلَ مَسْكُ حُيَيِّ الَّذِي جَاءَ بِهِ مِنْ النَّضِيرِ؟ فَقَالَ: أَذْهَبَتْهُ النَّفَقَاتُ وَالْحُرُوبُ، فَقَالَ: الْعَهْدُ قَرِيبٌ وَالْمَالُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ كَانَ حُيَيِّ قُتِلَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَعْيَةَ إلَى الزُّبَيْرِ فَمَسَّهُ بِعَذَابٍ، فَقَالَ: قَدْ رَأَيْتُ حُيَيًّا يَطُوفُ فِي خَرِبَةٍ هَاهُنَا، فَذَهَبُوا فَطَافُوا فَوَجَدُوا الْمَسْكَ فِي الْخَرِبَةِ، فَقَتَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْنَيْ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَأَحَدُهُمَا زَوْجُ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ، وَسَبَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نِسَاءَهُمْ وَذَرَارِيَّهُمْ، وَقَسَمَ أَمْوَالَهُمْ بِالنَّكْثِ الَّذِي نَكَثُوا، وَأَرَادَ أَنْ يُجْلِيَهُمْ مِنْهَا، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ دَعْنَا نَكُونُ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ نُصْلِحُهَا وَنَقُومُ عَلَيْهَا، وَلَمْ يَكُنْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا لِأَصْحَابِهِ غِلْمَانٌ يَقُومُونَ عَلَيْهَا وَكَانُوا لَا يَفْرُغُونَ أَنْ يَقُومُوا عَلَيْهَا فَأَعْطَاهُمْ خَيْبَرَ عَلَى أَنَّ لَهُمْ الشَّطْرَ مِنْ كُلِّ زَرْعٍ وَشَيْءٍ مَا بَدَا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ يَأْتِيهِمْ فِي كُلِّ عَامٍ فَيَخْرُصُهَا عَلَيْهِمْ ثُمَّ يُضَمِّنُهُمْ الشَّطْرَ، فَشَكَّوْا إلَى رَسُولِ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شِدَّةَ خَرْصِهِ وَأَرَادُوا أَنْ يَرْشُوهُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: تُطْعِمُونِي السُّحْتَ، وَاَللَّهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَحَبِّ النَّاسِ إلَيَّ، وَلَأَنْتُمْ أَبْغَضُ إلَيَّ مِنْ عِدَّتِكُمْ مِنْ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ، وَلَا يَحْمِلُنِي بُغْضِي إيَّاكُمْ، وَحُبِّي إيَّاهُ عَلَى أَنْ لَا أَعْدِلَ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: بِهَذَا قَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْطِي كُلَّ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ ثَمَانِينَ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ كُلَّ عَامٍ وَعِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ شَعِيرٍ، فَلَمَّا كَانَ زَمَنُ عُمَرَ غَشُّوا، فَأَلْقَوْا ابْنَ عُمَرَ مِنْ فَوْقِ بَيْتٍ فَفَدَعُوا يَدَيْهِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَنْ كَانَ لَهُ سَهْمٌ بِخَيْبَرَ فَلْيَحْضُرْ حَتَّى نَقْسِمَهَا بَيْنَهُمْ، فَقَسَمَهَا عُمَرُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ رَئِيسُهُمْ: لَا تُخْرِجْنَا دَعْنَا نَكُونُ فِيهَا كَمَا أَقَرَّنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ عُمَرُ لِرَئِيسِهِمْ: أَتُرَاهُ سَقَطَ عَلَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: كَيْفَ بِكَ إذَا رَقَصَتْ بِكَ رَاحِلَتُكَ نَحْوَ الشَّامِ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا وَقَسَمَهَا عُمَرُ بَيْنَ مَنْ كَانَ شَهِدَ خَيْبَرَ مِنْ أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
-
وَفِيهِ
ــ
[نيل الأوطار]
-
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- ج ٨ ص ٥٩
مِنْ الْفِقْهِ: أَنَّ تَبَيُّنَ عَدَمِ الْوَفَاءِ بِالشَّرْطِ الْمَشْرُوطِ يُفْسِدُ الصُّلْحَ حَتَّى فِي حَقِّ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ، وَأَنَّ قِسْمَةَ الثِّمَارِ خَرْصًا مِنْ غَيْرِ تَقَابُضٍ جَائِزَةٌ، وَأَنَّ عَقْدَ الْمُزَارَعَةِ وَالْمُسَاقَاةِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ مُدَّةٍ جَائِزٌ، وَأَنَّ مُعَاقَبَةَ مَنْ يَكْتُمُ مَالًا جَائِزَةٌ، وَأَنَّ مَا فُتِحَ عَنْوَةً يَجُوزُ قِسْمَتُهُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْفَوَائِدِ) .
-
٣٤٧١ - (وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ جُهَيْنَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَعَلَّكُمْ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا فَيَظْهَرُونَ عَلَيْكُمْ فَيَتَّقُونَكُمْ بِأَمْوَالِهِمْ دُونَ أَنْفُسِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ، فَتُصَالِحُونَهُمْ عَلَى صُلْحٍ فَلَا تُصِيبُوا مِنْهُمْ فَوْقَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) .
-
ــ
[نيل الأوطار]