المبحث الثاني: مثال تأثر علوم السنة بأصول الفقه من خلال نافذتها الأولى، وهي: ما درسته كتب أصول الفقه من علوم السنة:
٢٨٠ فقرة، ج ١ ص ٩١
الصفحة ١ من ٧
- ج ١ ص ٩١
إن من أول ما يبدأ به الأصولين باب (السنة) ، هو تقسيم الأخبار إلى قسمين: (متواتر) و (آحاد) ، والكلام عن إفادة كل قسم ٍ منها، وحكم العمل بخبرهما.
-
ثم وجدنا هذا التقسيم ذاته، والكلام نفسه، في كتب علوم الحديث. بدءأً بـ (الكفاية) للخطيب البغدادي (ت ٤٦٣هـ) ، وانتهاءً بالمصنفات المعاصرة في علوم الحديث.
-
والخطيب البغدادي عندما تكلم عن هذا التقسيم وأحكامه لم ينسب ما ذكره من ذلك إلى أهل الحديث، بل كلامه واضح أنه نقل عن كتب أصول الفقه!
-
حتى قال ابن الصلاح (أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري، المتوفي سنة ٦٤٣هـ) في كتابه: (معرفة أنواع علم الحديث) : ((ومن المشهور: المتواتر، الذي يذكره أهل الفقه وأصوله، وأهل الحديث لا يذكرونه باسمه الخاص المشعر بمعناه الخاص، وإن كان الخطيب قد ذكره، ففي كلامه ما يشعر بأنه اتبع فيه غير أهل الحديث. ولعل ذلك لكونه لا
ج ١ ص ٩٢تشمله صناعتهم، ولا يكاد يوجد في رواياتهم)) (١) .
- (١)علوم الحديث لابن الصلاح (٢٦٧) .
-
بل قال ابن أبي الدم الشافعي (إبراهيم بن عبد الله بن عبد المنعم الهمداني الحموي، المتوفي سنة ٦٤٢هـ) : ((اعلم أن الخبر المتواتر: إنما ذكره الأصوليون دون المحدثين، خلا الخطيب أبا بكر البغدادي، فإنه ذكره تباعاً للمذكورين. وإنما لم يذكره المحدثون لأنه لا يكاد يوجد في روايتهم، ولا يدخل في صناعتهم) ) (٢)
- (٢)لقط اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة للزبيدي (١٧) .
-
وقد اعترض على ابن الصلاح، بما نقله الحافظ زين الدين العراقي (عبد الرحيم بن الحسين، المتوفى سنة ٨٠٦هـ) في (التقييد والإيضاح) ، حيث قال: ((وقد اعترض عليه بأنه قد ذكره: أبو عبد الله الحاكم، وأبو محمد ابن حزم، وأبو عمر ابن عبد البر، وغيرهم من أهل الحديث.
-
والجواب عن المصنف: أنه إنما نفى عن أهل الحديث ذكره باسمه المشعر بمعناه الخاص، وهؤلاء المذكورون لم يقع في كلامهم التعبير عنه بما فسره به الأصوليون، وإنما يقع في كلامهم: أنه يتواتر عنه صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، أو أن الحديث الفلاني متواتر، وكقول ابن عبد البر في حديث المسح على الخفين: إنه استفاض وتواتر (٣) . وقد يريدون بالتواتر: الاشتهار، لا المعنى الذي فسره به الأصوليون)) (٤) .
- (٣)انظر التمهيد لابن عبد البر (١١ /١٣٧) .
- (٤)التقييد والإيضاح للعراقي (٢٦٦) .
-
وذكر الإمام البلقيني (سراج الدين أبو حفص عمر بن رسلان الكناني المصري الشافعي، المتوفى سنة ٨٠٥هـ) في كتابه
ج ١ ص ٩٣(محاسن الاصطلاح) هذا الاعتراض الذي ذكره العراقي، فقال: ((فائدة: لا يقال: فقد ذكره الحاكم وكتابه مشحون به، وابن خحزم في المحلى. لأنا نقول: ليس ما ذكراه على الشرط المذكور، إن صح النقل عنهما. ولكن قد يوجد معنى التواتر في الأمور المقطوع بها، وإن كان الإسناد بالتحديث ونحوه يعسر فيه ذلك) ) (١) .
قلت: ويجاب أيضاً عن هذا الاعتراض:
أما عن دعوى ذكر الحاكم لـ (المتواتر) : فدعوى غير صحيحة. فإنه لم يذكره في (معرفة علوم الحديث) في نوع من أنواع علومه، ولم يعرض له ببيانه أو ذكره بالمعنى المتعارف عليه عند الأصوليين. إنما كان يرد في
كلامه لفظ (التواتر) واشتقاقات هذا اللفظ على المعنى اللغوي للكلمة، كما يتضح من سياق كلامه الذثي ورد فيه ذلك اللفظ (٢) .
- (١)محاسن الاصطلاح للبلقيني (٤٥٣) .
- (٢)انظر معرفة علوم الحديث للحاكم (٥٠، ١٦٢، ١٨٨) ، والمدخل إلى الإكليل له (٤٠) ، والمستدرك له أيضاً (٣ / ٤٣٧) .
-
ومثل هذا الاستخدام لكلمة (المتواتر) ، على المعنى اللغوي، يرد أيضاً في كلام من قبل الحاكم؛ كأبي جعفر الطحاوي (أحمد بن محمد بن سلامه المصري الحنفي، المتوفى سنة ٣٢١هـ) (٣) ، وقبلهما وجدته في كلام الإمام البخاري (٤) ، والإمام مسلم (٥) ، وغيرهم.
- (٣)انظر شرح معاني الآثار للطحاوي (١ /٨٣، ١٣٥، ١٧٥، ٢٣٠، ٣٨٩، ٤٧٤) (٢ /٦) ، وبيان مشكل الآثار (٣ / ١٧٨) (٨ / ٩٥) (٩/ ٣٧) (١٢/ ٣١٦) .
- (٤)القراءة خلف الإمام للبخاري (ص ١٠) . وقد أشار إلي بمراجعته فضيلة الشيخ سعد الحميد.
- (٥)التمييز للإمام مسلم (١٨١) .
- ج ١ ص ٩٤
وأما ابن حزم وابن عبد البر: فكلاهما من علماء القرن الخامس، مثل الخطيب البغدادي. فلا يصح التعقب بهما على ابن الصلاح، لأنه لا دليل على سبقهما للخطيب في ذلك. وإن سبقاه فلا فائدة من ذلك، لأن مقصود ابن الصلاح أن (المتواتر) ليس من مصطلحات سلف المحدثين.
-
ثم إن ابن حزم إنما ذكر (المتواتر) في (الإحكام في أصول الأحكام) (١) ، وهو كتاب في (أصول الفقه) لا في (علوم الحديث) . وابن الصلاح إنما ذكر أن الخطيب أول من أدخل هذا التقسيم في (علوم الحديث) ، فلا تعقب عليه من هذا الوجه أيضاً.
- (١)الإحكام لابن حزم (١ /- ١٠٨) .
-
ونحوه ابن عبد البر، إذ ليس له كتاب مفرد في (علوم الحديث ٩ أصلاً!
-
فثبت بهذا أن من أوائل من أدخل هذا التقسيم في علوم الحديث هو الخطيب البغدادي!! ولا داعي للمشاحة في هذا القدر الثابت.
-
وقد نص الأئمة كما رأيت: أن الخطيب أخذ هذا التقسيم من كتب (أصول الفقه) ، وأنه تبع للأصوليين في ذلك.
-
أما من جاء بعد الخطيب، ممن صنف في علوم الحديث، فلا يكاد يخلو كتاب من ذكر هذا التقسيم (٢)
- (٢)من الكتب التي خلت من هذا التقسيم: كتاب (الاقتراح) لابن دقيق العيد، و (الموقظة) للذهبي.
-
وزادوا على الخطيب في التأثير بأصول الفقه، كما يأتي بيانه.
-
فهذا أبو عمرو ابن الصلاح، مع أنه نص على أن
ج ١ ص ٩٥الخطيب أول من ذكر هذا التقسيم في علوم الحديث، إلا أنه أضاف إلى اتباعه الخطيب في ذلك أشياء:
أولاً: قال: ((وأهل الحديث لا يذكرونه باسمه الخاص المشعر بمعناه الخاص) ) ، مما يشعر بأن لفظ (المتواتر) هو الذي لم يذكره أهل الحديث، وإن كان اعتبار معنى هذا اللفظ، بتقسيم الأخبار على أساسه، معروفاً عند المحدثين؛ هذا مفهوم عبارة ابن الصلاح.
-
وعلى هذا المفهوم جاء دفاع العراقي عن كلام ابن الصلاح، حيث قال ـ كما تقدم ـ: ((والجواب عن المصنف: أنه إنما نفى عن أهل الحديث ذكره باسمه المشعر بمعناه الخاص) ) .
-
وهذا من ابن الصلاح والعراقي زيادة في تعميق أثر أصول الفقه على علوم الحديث، في هذه المسألة.
-
وثانياً: اضطراب عبارة ابن الصلاح في التعبير عن وجود مثالٍ لـ (المتواتر) بشروطه عند الأصوليين، مما يدل على احترامه البالغ لذلك التقسيم، وعدم احتمال رفضه عنده، وإن خرج عن علوم الحديث وصناعة المحدثين!
-
فانظر إليه وهو يقول ـ معبراً عن سبب عدم ذكر المحدثين لـ (المتواتر) ـ: ((ولعل ذلك لكونه لا تشمله صناعتهم، ولا يكاد يوجد في رواياتهم) ) ، ثم يقول بعد ذكر شروط (المتواتر) : ((ومن سئل عن إبراز مثالٍ لذلك فيما يروى من الحديث أعياه تطلبه) ) ، ثم يقول أخيراً: ((نعم، حديث: ((من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) ) نراه مثالاً لذلك)) (١)
- (١)علوم الحديث لابن الصلاح (٢٦٧ - ٢٦٩) .
- ج ١ ص ٩٦
فانظر إلى هذا التردد، واضطراب العبارات، وهي في موطنٍ واحد!!
-
وثالثاً: أن ابن الصلاح بعد ذكره لبعد صورة (المتواتر) عن واقع الروايات الحديثية، حاول أن يضرب لـ (المتواتر) مثالاً! فجاءت عبارته في مطابقة المثل لـ (المتواتر) ضعيفة الثقة بذلك، فانظر إليه وهو يقول: ((نراه مثالاً لذلك) ) .
-
أما قول ابن الصلاح بعد ذكره للحديث: ((ولا يعرف حديث يروى عن أكثر من ستين نفساً من الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا هذا الحديث الواحد. وبلغ بهم بعض أهل الحديث أكثر من هذا العدد، وفي بعض ذلك عدد التواتر. ثم لم يزل عدد رواته في ازدياد،
وهلم جراً على التوالي والاستمرار)) (١)
- (١)المصدر السابق.
-
أما هذه العبارة، فهي أيضاً تشهد على أن ابن الصلاح لا يرى هذا المثل مطابقاً لـ (المتواتر) المعروف عند الأصوليين. فهو إنما طابق بين مثله و (المتواتر) من جهة العدد الكثير المشترط في (المتواتر) فقط، دون باقي شروطه، فهو يقول: ((وفي بعض ذلك عدد التواتر) ) . ولم يجزم ولا بعبارة واحدة بأن لـ (المتواتر) مثالاً واقعياً من الأحاديث النبوية، اجتمعت في هذا المثل شروط (المتواتر) جميعها.
-
ولا يخفى أن حديث ((من كذب علي..) ) ، ولو رواه مائة من الصحابة، إلا أن الأسانيد إلى كل واحدٍ من
ج ١ ص ٩٧هؤلاء الصحابة داخلة في خبر الآحاد، لأنها فقد شرط (استحالة التواطؤ على الكذب) عند الأصوليين
ولا يستطيع أحد أن يزعم أن حديث ((من كذب علي..) ) : رواه جمع من الصحابة، وعن كل واحد من هؤلاء الصحابة رواه جمع يستحيل تواطؤهم على الكذب ...
وهكذا إلى آخر إسناده وفي جميع طبقاته، وأنه أفاد العلم بذلك؛ لا يستطيع أحد أن يزعم ذلك بدليله أبداً (١) وهذه هي صورة (المتواتر) المفيدة للعلم، لا غير. فكيف يكون حديث ((من كذب علي ... ) ) بعد ذلك مثالاً للحديث (المتواتر)
- (١)انظر لقط اللآلىء المتناثرة لر لزبيدي (ص ٢٢) .
-
بزعمهم؟
ولذلك تردد ابن الصلاح ذلك التردد
لكنه بهذا المثال، الذي ذكره، فتح المجال لغيره، للتمثيل بنحو مثاله وللاعتراض عليه بكثرة (المتواتر) بعد ذلك
بل بلغ الاعتراض على ابن الصلاح قمة التأثر بأصول الفقه، عندما زعم ذلك المعترض، الذي نقلنا سابقاً رد العراقي والبلقيني عليه، أن (المتواتر) بشروطه ومعناه واسمه عند الأصوليين، من مصطلحات المحدثين أيضاً، ومن استخداماتهم
في ألقاب علمهم
وسوف نعود في موضع لاحق ـ إن شاء الله تعالى (٢) ـ إلى زيادة بيان تدرج هذا التقسيم (إلى متواتر وآحاد) في كتب علوم الحديث، وكيف أنه أصبح عند المتأخرين من أعظم ملامح أصول الحديث ومن أشهر تقسيماته
فإذا أردنا العودة إلى بدايات نشوء هذا التقسيم، وإلى معرفة موقف أئمة أهل الحديث منه = أقول:
أما أول من قسم الأخبار النبوية إلى مفيدٍ للعلم ومفيدٍ
ج ١ ص ٩٨للظن، فقد وقفت على نص لا حد الائمة، يذكر فيه اول من ابتدع هذا التقسيم
فيقول الا ما م النا قد عثمان بن سعيد الدار مي (ت ٢٨٠هـ) ،
في رده على بشير بن غياث المريسي الجهمي (ت ٢١٨هـ) :
((وادعيت أيضاً في دفع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحكةً لم يسبقك إلى مثلها عاقل من الأمة ولا جاهل فزعمت أنه لا تقوم الحجة من الآثار الصحيحة التي تروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا كل حديثٍ لو حلف رجل بطلاق امرأته أنه كذل لم تطلق امرأته (١) .
ثم قلت: ولو حلف رجل بهذه على حديثٍ لرسول الله صلى الله عليه وسلم صحيح عنه أنه كذب، ما طلقت امرأته (٢) .
- (٢)انظر (ص ١٢٣ - ١٢٧) .
- (١)كذا العبارة في المصدر، وأحسبها محرفة عن: ((إلا كل حديث لو حلف رجل بطلاق امرأته أنه] غير [كذب ٍ لم تطلق امرأته)) لأن المريسي يتكلم هنا عن الحديث المفيد للعلم عنده.
- (٢)كلام المريسي في هذه الجملة عن (خبر الآحاد) المفيد للظن عنده، ولذلك لا تطلق امرأته من حلف على أنه كذب، للشك في ثبوته، ولاحتمال صدق يمينه بأنه كذب، كما يزعم المريسي
-
فيقال لهذا المعارض الناقض على نفسه: قد أبطلت بدعواك هذه جميع الآثار التي تروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: ما احتججت منها لظلالك، وما لم تحتج، ولو كنت ممن يلتفت إلى تأويله. لقد سننت للناس سنةً، وحددت لهم في الأخبار حداً، لم يستفيدوا مثلها من أحدٍ من العالمين قبلك. وأوجبت على كل مختارٍ من الأئمة ـ في دعواك ـ أن لا يختار منها شيئاً حتى يبدأ باليمين بطلاق امرأته، فيحلف أن هذا الحديث صدق أو كذب ألبته. فإن كان شيئاً طلقت به امرأته استعمله، وإن لم تطلق تركه.
-
ويلك إن العلماء لم يزالوا يختارون هذه الآثار
ج ١ ص ٩٩ويستعملونها، وهم يعلمون أنه لا يجوز لأحدٍ منهم أن يحلف على أصحها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله ألبته، وعلى أضعفها: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقله ألبته (١) . ولكنهم كانوا لا يألون الجهد في اختيار الأحفظ منها، والأمثل فالأمثل من رواتها في أنفسهم. ويرون أن الأيمان التي ألزمتهم فيها بطلاق نسائهم مرفوعة عنهم؛ حتى ابتدعتها أنت، من غير أن يسبقك إليها مسلم أو كافر.
- (١)عدم جواز الحلف بذلك، لا لعدم الجزم بصدق أصحها أو بكذب اضعفها، ولكن لأن التكليف بهذا اليمين بدعة لم يأمر بها الشرع، ولا عمل بها الصحابة، ولا تابعوهم، ولا أحد أئمة الدين كما صرح بذلك الدارمي فيما يأتي من كلامه.
-
ففي دعواك يجب على القضاة والحكام أن لا يحكموا بشهادة العدول منهم، إلا بشيءٍ يمكن القاضي أن يحلف عليه بطلاق امرأته أن الشاهد به قد صدق، أو أنه إن حلف عليها بطلاق امرأته أنه كذب لم تطلق امرأته
ويحكمن سبقك إلى هذا التأويل من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، في اتباع الروايات واختيار ما يجب منها؟ إنما يجب على القاضي أن يفحص عن اشهود ويحتاط: فمن عدل منهم حكم بشهادته، وإن كان كاذباً في شهادته في علم الله بعد، ما لم يطلع القاضي منه على ذلك. وترد شهادة المجروح، وإن كان صادقاً في شهادته في علم الله بعد، ما لم يطلع القاضي على صدقه.
-
وكذلك المذهب في استعمال هذه الآثار وقبولها من رواتها، لا ما تأولت فيها، من هذه السخرية بنفسك والضحك (٢) )) (٣)
- (٢)ليس منى هذا الكلام للدرامي، أنه يرى بأن (خبر الواحد يوجب العمل، مع إفادته الظن. كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى (ص ١٥٦ ـ ١٥٧) .
- (٣)رد الدارمي على بشر المريسي (ص ١٣٨ - ١٣٩) .
- ج ١ ص ١٠٠
وهكذا يظهر أن هذا التقسيم للأحاديث إلى (متواتر) و (آحاد) ، إنما نشأ من فكرٍ أثيم، وعقليةٍ فاسدة، وبيد البدعة، وعلى عين أعداء السنة، الذين لا يسعون إلا لرفض السنن، واستعباد الناس لفلسفة اليونان، بدلاً من دين الرحمن.
-
ومن هذا يظهر أيضاً: أن هذا التقسيم إنما نشأ في آخر القرن الهجري الثاني وأوائل القرن الثالث، على يد بشر المريسي ومن على شاكلته من جهمية ومعتزلة.
-
وبذلك نفسر عدم استخدام المحدثين لهذا التقسيم وألقابه في القرن الثالث فما قبله، ونعرف سبب ذلك. أما ما قبل القرن الثالث، أعني غالب القرن الثاني فما قبله، فلأن هذا التقسيم لم يكن قد وجد أصلاً، لا عند أهل السنة ولا عند غيرهم. وأما في القرن الثالث، فلأن منشأ هذا التقسيم ومصدره هم الجهمية ومن شابههم، والعداء بين أهل السنة وهؤلاء، وبين علوم السنة وعلوم أولئك = كان بالغاً الغاية، محتدماً، لا مجال خلاله للتأثر بأي شيءٍ من جانب العدو، ولو كان أمراً شكلياً لا علاقة له بالمضمون (اقول: لو كان)
وقد سبق شرح هذا التنافر وأثره في الحفاظ على علوم السنة (١) .
- (١)انظر (ص ٧٠ - ٧١) .
-
ومن أجل ذلك بدأ الجدال وحميت المناظرات، من أواخر القرن الثاني وأوائل الثالث إلى ما بعد ذل، حول مسألة حجية (خبر الآحاد) . حيث إن ذلك التقسيم أول ما نشأ كان يصرح بد (خبر الآحاد) بالكلية، وعدم قبول شيءٍ من الأخبار إلا ما اسماه بـ (المتواتر) .
- ج ١ ص ١٠١
ثم إن هذا التقسيم بقي عند أهل الكلام على ما هو عليه، وإن كانت أحكام أقسامه بدأت بالتأثر بأحكام أهل السنة، خلال القرن الثالث، وأوائل الرابع (١) . ولو قدر بقاء عوامل قوة علوم السنة، كما كانت عليه، لرجونا زوال
ذلك التقسيم بالكلية!!
- (١)يظهر ذل من مذهب أبي علي الجبائي (محمد بن عبد الوهاب البصري، المتوفى سنة ٣٠٣هـ) أحد ائمة المعتزلة، الذي ذهب إلى قبول خبر الآحاد، إلا الحديث الفرد الذي لا يرويه إلا واحد، فهذا هو الذي يرده من أخبار الآحاد. انظر المعتمد لأبي الحسين البصري (٢ /١٣٨) ، والبرهان للجويني (١ /٦٠٧) .
-
لكن مع ظهور المذاهب الكلابية، من أشعريةٍ وما تريدية، وما كانت تكسبه بالرد على المعتزلة وغيرهم ـ مما سبق شرحه ـ من مؤهلات الاندساس في صفوف المدافعين عن السنة. مع ما انظم إلى ذل، من ضعف تلقي علوم السنة = بدأ ذلك التقسيم بالثبات والرسوخ، بعد أن أخذ مظهراً آخر، اقرب إلى مذهب المحدثين من مذهب اصحابه الحقيقيين الذين كانوا أول من ابتدعه، من جهمية ومعتزلة. ذلك القرب إلى مذهب المحدثين، ينحصر في حكم خبر الواحد، وهو الحكم المشهور: أنه يفيد الظن الموجب للعمل، ولا يحتج به في العقائد. وهذا القرب في هذه الجزئية، كان بذاته أحد عوامل ثبات ورسوخ فكرة ذلك التقسيم مع أحكام أقسامه، عبر العصور التالية للقرن الرابع الهجري.
-
والأعجب من ذلك كله، هو أن تلك المناظرات والمجادلات المشار إليها آنفاً، التي ابتدأت من أواخر القرن الثاني، بين أهل السنة وغيرهم من أصحاب ذلك التقسيم، حول حجية خبر الواحد = أصبحت فيما بعد حجةً من حجج صحة ذلك التقسيم عند القائلين به، معتبرين تلك المناظرات دليلاً على
ج ١ ص ١٠٢أن أهل الحديث كانوا يعترفون بذلك التقسيم، بدليل اعتنائهم بذكر حجية خبر الواحد!!! إذ جعلوا مجرد ذكر (خبر الآحاد) إثباتاً لمقابله عندهم، وهو (الخبر المتواتر) !!!
-
ولذلك فإني مضطر إلى الوقوف وقفةً طويلةً، مع أجل تلك المناظرات وأقدمها، ومع أحد أقوى حجج أولئك فيما ذهبوا إليه. تلكم هي مناظرات الإمام الشافعي حول القضية، في كتبه الأصولية، كـ (الرسالة) و (جماع العلم) (١) .
- (١)ولا يفوتني هنا التنويه بالكتاب الذي قعده الإمام البخاري في صحيحه حول هذه القضية، وهو (كتاب: أخبار الآحاد) = صحيح البخاري (١٣ /٢٤٤ - ٢٤٦) .
-
فقد عقد الإمام الشافعي في كتابه (الرسالة) فصلاً كبيراً، جاء في أوله سؤال لسائل عن حجية (خبر الواحد) . فبدأ الإمام الشافعي مع هذا السائل مناظرةً طويلةً جداً، عن هذه القضية وما له علاقة بها (٢) .
- (٢)انظر الرسالة للشافعي (ص ٣٦٩ - ٤٧١من رقم ٩٩٨ إلى رقم ١٣٠٨) .