المبحث الثاني: مثال تأثر علوم السنة بأصول الفقه من خلال نافذتها الأولى، وهي: ما درسته كتب أصول الفقه من علوم السنة:

٢٨٠ فقرة، ج ١ ص ٩١

الصفحة ٢ من ٧

  1. وأما كتاب (جماع العلم) ، فغالبه يحكي مناظراتٍ للشافعي حول حجية (خبر الواحد) .

    ج ١ ص ١٠٢
  2. وسنقف مع كلام الإمام الشافعي في مواطنه المتفرقة، مقسمين وقفنا على قسمين: الأول: إثبات أن الإمام الشافعي لم يقسم الأخبار إلى (متواتر) و (آحاد) ، مع بيان التقسيم الذي كان يرضاه الإمام الشافعي. والثاني: حكم (خبر الآحاد) عند أهل الحديث، وفيهم الإمام الشافعي.

  3. ولإثبات أن الإمام الشافعي لم يقسم الأخبار تقسيم أهل الكلام إلى (متواتر) و (آحاد) ، ولبيان التقسيم الذي ورد

    ج ١ ص ١٠٣في كلامه على أنه التقسيم الذي يرضاه، هو والمحدثون من أهل القرن الثالث فما قبله = أقول لإثبات وبيان ذلك:

    أولاً: إن الإمام الشافعي لم يصرح بذلك التقسيم، وعندي أنه لم يلمح إليه أيضاً ولم يرضه، كما سأثبته لك من بعد. أما أنه ذكر خبر الواحد، أو كما يسميه هو بـ (خبر الخاصة) في كتابه (الرسالة) ، لا بلفظه، ولا بمعناه.

  4. أما أنه لم يذكره بلفظه، فهذا قد يظنه بعضهم أمراً هيناً. وليس بهين، كما سيأتي بيانه عند كلامنا عما جاء في (جماع العلم) للشافعي (١) .

    1. (١)انظر (ص ١٠٦ - ١٠٨) .
  5. وأما أنه لم يذكره بمعناه، فهذا هو التالي:

    وثانياً: أن افمام الشافعي لم يتفوه بما يذكره الأصوليون في تعريفهم للحديث المتواتر، بذكر شروطه المعلومة عندهم؛ فمن أين لمن نسب للشافعي ذلك التقسيم دليل نسبته إليه بعد ذلك؟!

  6. إن كل ما حصل، هو أنهم نزلوا ألفاظاً أخرى للشافعي أطلقها على مايقابل (خبر الواحد) منزلة (المتواتر) عند الأصوليين. وهذا يكون له وجه، لو أن الشافعي بين من معاني تلك الألفاظ ما يوافق معنى (المتواتر) عند الأصوليين؛ لكن الشافعي لم يفعل ذلك! أما استنباط أنه أراد بتلك الألفاظ معنى (المتواتر) من ذكرها في مقابل (خبر الخاصة) ، فلا وجه له، لما تقدم بيانه آنفاً.

  7. وثالثاً: أما الألفاظ التي ذكرها الإمام الشافعي فيما يقابل (خبر الواحد) ، فهي: (السنة المجتمع عليها) ، و (خبر العامة عن العامة) (١) . وما عبارتان بمعنى واحدٍ، يطلقهما الإمام الشافعي في مقابل (خبر الخاصة) .

    1. (١)انظر الرسالة للشافعي (رقم ١٢٥٩ -١٣٢٩) ، وجماع العلم له (رقم ١٦٩ - ١٧٢، ٣٠٢) .
    ج ١ ص ١٠٤
  8. فهل يلزم من هذه الألفاظ أنها تعني (المتواتر) عند الأصوليين؟! هذه دعوى لا دليل عليها كما سبق.

  9. ثم هذان اللفظان، بذاتهما، وبمعناهما اللغوي، يدلان على أن المراد منهما غير (المتواتر) عند الأصوليين. فإن معناهما هو: الأمر الذي أجمعت الأمة على نقله، مما لم يرد في كتاب الله، أمةً بعد أمة، لا يختلف في الإجماع به اثنان؛ مثل: أن صلاة الظهر أربع. وهذا أمر فوق (متواتر الأصوليين) ، أو هو أعلى أنواعه عندهم. لأن من (المتواتر) ما قد يخفى على الخاصة، فضلاً عن العامة؛ يخفى العلم به، فضلاً عن العلم بتواتره. كما تجده في أمثلة (المتواتر) التي يذكرونها، وكما في كتب (الأحاديث المتواترة) (٢) .

    1. (٢)انظر (ص ١٣٠، ١٣٥) .
  10. والذي نخرج به من هذا، أن ما يقابل (خبر الآحاد) عند الشافعي، من تلك الألفاظ التي استخدمها فيما يقابله = ليس هو (المتواتر) عند الأصوليين بكل ما يحويه معناه عندهم. لأن ـ وانتبه لما بعد لأن ـ الذي يقابل (السنة المجتمع عليها) و (خبر العامة عن العامة) ليس هو (خبر الآحاد) وحده، بل هو (خبر الآحاد) وبعض من (المتواتر) أو (المتواتر) جله!!!

  11. نعم.. ولا تعجل بالرد من قبل أن يقضى إليك بالحجة!

    ج ١ ص ١٠٥
  12. لكن بعد أن نثبت لك معاني تلك الألفاظ التي ذكرها الشافعي فيما يقابل (خبر الآحاد) ، لا من دلالة الألفاظ نفسها (وهي كافية) كما سبق ذكره، بل من كلام الشافعي نفسه.

  13. فقد بوب الإمام الشافعي في كتابه (جماع العلم) باباً بعنوان: (حكاية قول من رد خبر الخاصة) ، قال فيه بعد مقدمةٍ يسيرة، حاكياً مناظرته في ذلك: ((قال ـ يعني الشافعي ـ: فكانت جملة قولهم أن قالوا: لا يسع أحادً من الحكام ولا من المفتين أن يفتي ولا يحكم إلا من جهة (الإحاطة) (١) . و (الإحاطة) : كل ما علم أنه حق في الظاهر والباطن، يشهد به على الله. وذلك: الكتاب، والسنة والمجتمع عليها، وكل ما اجتمع الناس ولم يتفرقوا فيه. فالحكم كله واحد، يلزمنا أن لا نقبل منهم إلا ما قلنا؛ مثل: أن الظهر أربع. لن ذلك لا ينازع فيه، ولا دافع له من المسلمين، ولا يسع احداً يشك فيه.

    1. (١)يعني بالإحاطة: أعلى درجات العلم واليقين. قال في تاج العروس ـ حوط ـ (١٩ / ٢٢١ـ ٢٢٢) : ((ومن المجاز: كل من بلغ أقصى شيء، وأحصى علمه، فقد أحاط به علمه، وأحاط به علماً، وهذا مثل قولهم: فتله علماً. ويقال: علمه علم إحاطة، إذا علمه من جميع وجوهه ولم يفته منها شيء ... ))
  14. (قال الشافعي:) قلت له: لست أحسبه يخفى عليك، ولا على أحدٍ حضرك، أنه لا يوجد في علم الخاصة ما يوجد في علم العامة.

    قال: وكيف؟

  15. (قال الشافعي:) قلت: علم العامة على ما وصفت، لا

    ج ١ ص ١٠٦تلقى أحداً من المسلمين إلا وجدت علمه عنده، ولا يرد أحد شيئاً على أحدٍ فيه، كما وصفت في جمل الفرائض وعدد الصلوات وما أشبهها ... )) (١) .

    1. (١)جماع العلم (ص ٣٦ رقم ١٦٨ ـ ١٧٢) ن وانظر أيضاً (رقم ١٧٨ـ ١٧٩) ، وانظر كذلك الرسالة (رقم ١٣٢٩) .
  16. فهذا ـ كما ترى كلام صريح، فسر به الإمام الشافعي المقصود من (السنة المجتمع عليها) و (خبر العامة) الذي يقابل (خبر الآحاد) ؛ فإذا به ليس هو (المتواتر) ، بل هو معنى قسيم لمعنى (المتواتر) .

    قال الإمام الشافعي في (جماع العلم) أيضاً: ((قلت: أفرأيت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأي شيءٍ تثبت؟

    قال: أقول القول الأول الذي قاله لك صاحبنا.

    فقلت له: ما هو؟

    قال: زعم أنها تثبت من أحد ثلاثة وجوه.

    قلت: فاذكر الأول منها؟

    قال: (خبر العامة عن العامة) .

    قلت: أكقولكم الأول، مثل أن الظهر أربع؟

    قال: نعم.

    ج ١ ص ١٠٧فقلت: هذا مما لا يخالك فيه أحد علمته. فما الوجه الثاني؟

    قال: (تواتر الأخبار)

    فقلت له: حدد لي (تواتر الأخبار) بأقل مما يثبت الخبر، واجعله له مثالاً، لنعلم ما يقول وتقول؟

    قال: نعم، إذا وجدت هؤلاء النفر، للأربعة الذين جعلتهم مثالاً (١) ، يروون، فتتفق رواياتهم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم شيئاً أو أحل = استدللت على أنهم: بتباين بلدانهم، وأن كل واحدٍ منهم قبل العلم عن غير الذي قبله عنه صاحبه، وقبله عنه من أداه إلينا، ممن لم يقبل عن صاحبه = أن روايتهم إذا كانت هكذا تتفق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فالغلط لا يمكن فيها ... )) (٢) .

    1. (١)هم: سعيد بن المسيب (المدني) ، وعطاء بن أبي رباح (المكي) ، وعلقمة النخعي (الكوفي) ، والحسن بن أبي الحسن (البصري) . انظر جماع العلم (رقم ٢٨٢ ـ ٢٨٥) .
    2. (٢)جامع العلم (ص ٥٥ - ٥٦ رقم ٢٩٧- ٣٠٩) .
  17. إذن فهذا هو (المتواتر) بلفظه ومعناه عند الأصوليين، هو غير (خبر العامة) و (السنة المجتمع عليها) ، كما ينص عليه هذا النقل!!!

  18. وأيضاً فهذا يعني أن الإمام الشافعي عندما ترك لفظ (المتواتر) أثناء كلامه في كتابه (الرسالة) عن خبر الواحد، لم يكن تركه إياه لأنه لم يكن معروفاً بهذا اللفظ عنده، ولا لأنه استبدله بما يرادف معناه (فهذا ما أبطلناه الآن) ؛ ولكن لأنه قسم لم يرض الإمام الشافعي تقسيم الخبار على اعتباره، كما في كلام خصمه الذي نقلناه هنا.

  19. وإلا فلم هجر الإمام الشافعي هذا اللفظ ومعناه:
  20. (المتواتر) ؟! ولم أغلفه تماماً في كتابه (الرسالة) ؟!

    ج ١ ص ١٠٨
  21. وزيادة الاستدلال على ذلك، في التالي:
  22. وخامساً: ومما يقطع بأن الإمام الشافعي لا يقول بقسم (المتواتر) قسماً من اقسام الأخبار، هو أنه كان يرد على الأصوليين شروطه التي اشترطوها له!!

  23. فالإمام الشافعي لا يرى أن في شروط (المتواتر) المذكورة عند الأصوليين ما يفي باستحالة وقوع الغلط وباستحالة التواطؤ على الكذب، على أصولهم وعلى منهجهم في قبول الأخبار وردها.

  24. وتنبه هنا غاية التنبه: أنه ليس معنى ذلك أن الشافعي لا يقول بإفادة (المتواتر) للعلم، بلى هو عنده مفيد للعلم!! ككثيرٍ من (أخبار الخاصة) غيره. لكن إفادتها

    للعلم من جهةٍ غير الجهة التي يزعمها المتكلمون، كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى (١)

    1. (١)انظر (ص ١٤٩ - ١٥٨) .
  25. وهذه قاصمة الظهر!! أن يكون الإمام الشافعي لا يرى شروط الحديث (المتواتر) شروطاً صالحة لإفادة (العلم) ، فكيف يكون بعد ذلك ممن يقول بـ (التواتر) على تلك الشروط؟!!!

  26. وهذا كله في بقية مناظرة الإمام الشافعي لخصمه، التي سبق نقل طرفٍ منها آنفاً. حيث أكمل الشافعي مناظرته بقوله لذاك الخصم: ((وقلت له: لا يكون تواتر الأخبار عندك عن أربعةٍ في بلد؟ ولا إن قبل عنهم أهل بلدهم (٢) !! حتى يكون المدني يروي عن مدني، والمكي يروي عن مكي، والبصري يروي عن بصري، والكوفي يروي عن كوفي، حتى ينتهي كل واحدٍ منهم

    ج ١ ص ١٠٩بحديثه عن رجلٍ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم غير الذي روى عنه صاحبه، ويجمعوا جميعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم = للعلة التي وصفت؟

    قال: نعم، لأنهم إذا كانوا في بلدٍ واحدٍ أمكن فيهم التواطؤ على الخبر، ولا يمكن فيهم إذا كانوا في بلدان مختلفة.

    1. (٢)انظر (ص ١٤٩- ١٥٨) .
  27. (قال الشافعي:) فقلت له: لبئس ما نبثت (١) به على من جعلته إماماً في دينك، إذا ابتدأت وتعقبت!!)) (٢) .

    1. (١)النبث: النبش والبحث في الأرض. انظر تاج العروس ـ نبث ـ (٥ /٣٦٦-٣٨٦) . والمعنى: لبئس ما نبشته على أئمتك من التهمة بالكذب على النبي صلى الله عليه وسلم!!
    2. (٢)جماع العلم (رقم ٣٠٩ - ٣١١) .
  28. هذا أول ردود الشافعي على أحد شروط (المتواتر) التي يشترطها الأصوليون، وهو شرط: استحالة التواطؤ على الكذب.

  29. فيرى الإمام الشافعي أن اشتراط هذا الشرط، واعتبار أن تحققه يتم بأن يكون كل راوٍ من بلدٍ بعيدٍ عن الآخر= فيه حط شديد على أئمة الدين، وثقات الأمة وعدولها، إذ جعلها ذلك الشرط وكأنهم لا يحول بينهم وبين التواطؤ على الكذب إلا عدم القدرة على التواطؤ، لمثل بعد البلدان!!!

  30. سبحانك! هذا بهتان عظيم!!

  31. ثم أقول (من عند نفسي) : إن استحالة التواطؤ على الكذب، لا تتم ـ مع ذلك ـ ببعد البلدان بين الرواة، لاحتمال الرحلة واللقاء، ولاحتمال المراسلة! لكن تلك الاستحالة إنما تستفاد مما عرفناه (بالنقل المتواتر) من أحوال أولئك الأئمة، الدالة على: شدة التدين، وتعظيم الحرمات، والدفع عن حياض الشريعة، وجميل

    صفاتهم، وحسن سيرتهم في كل أمرهم. وهذا

    ج ١ ص ١١٠ليس فقط من الأئمة الكبار، بل حتى مع ثقات النقلة وعدول الرواة، لما عرفناه (بالنقل المتواتر أيضاً) من شدة الأئمة في توثيقهم، وبالغ تحريمهم في تعديلهم، واحتياطهم في احتياطهم لسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم في كل ذلك!!

  32. ثم بين لي الفرق في درجة اليقين بين: رواية عشرة من التابعين من بلدان مختلفة لحديث واحد، ورواية فقهاء المدينة السبعة لحديث واحدٍ أيضاً؟!

  33. فإذا رجعنا إلى أن استحالة التواطؤ على الكذب راجعة إلى مافي كل واحدٍ من الرواة من الصفات الداعية إلى قبول خبره، رجعنا ـ إذن إلى أن المعتبر هو وجود هذه الصفات، دون ما سواها من الشروط التي لا معنى لا شتراطها، لأنه لا علاقة لها بإفادة تلك الاستحالة.

  34. فإن قال صاحب تلك الشروط: أنا لا أشترط العدالة أصلاً في رواة (المتواتر) .

  35. قلنا: ذلك أدعى إلى أن لا يفيد خبرهم العلم عندك! لأنه إذا كان الخبر ـ عندك ـ لا يفيد العلم إلا باستحالة التواطؤ على الكذب ببعد البلدان، وبينا لك أن بعد البلدان ليس هو بالذي يدل على تلك الاستحالة في رواية الثقات العدول؛ فمن (باب أولى) أن لا يدل بعد البلدان على تلك الاستحالة في رواية غير العدول!!

  36. فإن قال: إنما ذكرت (بعد البلدان) مثلاً لما يدل على استحالة التواطؤ على الكذب، وإلا فمرادي تحقق هذه الاستحالة، كيفما تحققت.

    قلت: فبينا لك بطلان ذلك المثل، فهات غيره؟!

  37. فإنه لا مفر لك من أن تزعم: أن استحالة التواطؤ على الكذب لا تتحقق إلا بالخبر الصريح: بأن فلاناً لم ير فلاناً ولا فلان لقي فلاناً، ولا تراسلوا أيضاً!! ومتى تقع على مثل هذا الخبر، وأنى تقف عليه، ليثبت بذلك خبر عندك؟!!!

    ج ١ ص ١١١
  38. ولا بد بعد ذلك أيضاً ـ على مذهبك في قبول الأخبارـ أن لا تقبل ذلك الخبر بنفي اللقاء والمراسلة، إلا أن يكون خبراً متواتراً على الشروط التي ذكرتها (على ما فيها) ، ليتم عندك اليقين بصدق ذلك الخبر!!!

  39. وأقول أخيراً: إن شرط (استحالة التواطؤ على الكذب) بمثل بعد البلدان، دليل على أن مشترطه الأول (ومن على شاكلته) في عزمه رد السنن كلها، حتى ما سماه بـ (المتواتر) ! لأن تلك الاستحالة لا تستفاد مما زعم أنها تستفاد منه، كما قدمنا!!!

  40. وذلك هو ما صرح به الإمام الدارمي، من نية وعزم صاحب ذلك التقسيم (إلى متواتر وآحاد) ، كما سبق نقله عنه (١) .

    1. (١)اانظر (ص ٩٨، ١١٧، ١٢٣) .