المبحث الثاني: مثال تأثر علوم السنة بأصول الفقه من خلال نافذتها الأولى، وهي: ما درسته كتب أصول الفقه من علوم السنة:
٢٨٠ فقرة، ج ١ ص ٩١
الصفحة ٤ من ٧
- ج ١ ص ١١٨
وعلى هذا فما جاء في كلام الشافعي، مما سيأتي ذكر بعضه إن شاء الله تعالى (١) ، من تقسيم السنن إلى: (خبر عامةٍ عن عامة) أو (سنةٍ مجتمع عليها) ، ويقابل هذا القسم (خبر الخاصة = فإنه لا يعني به التقسيم المشهور عن الأصوليين، يس القسم الأول عنده هو (المتواتر) ، ولا الثاني هو (الآحاد) عندهم.
- (١)انظر (ص ١٤٩ - ١٥٨) .
-
ومن ثم فليس حكم (خبر العامة عن العامة) هو حكم (المواتر) ، ولا حم (خبر الخاصة) هو حكم (خبر الآحاد) نفسه عن الأصوليين!
-
لكن الحكم سوف نعود إليه مستقبلاً بالتفصيل، ويهمنا هنا معرفة التقسيم الذي كان يرد في كلام الشافعي، ما هو؟ لأنه هو التقسيم الذي كان معتبراً عند علماء الأمة في أزهى عصورها وأقواها تمسكاً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
- ج ١ ص ١١٩
لكن تأكيداً لما سبق، من أن تقسم الإمام الشافعي ليس هو تقسيم الأصوليين، ومدخلاً لبيان تقسيم الشافعي وشرحه =
- أقول:
-
إنه إن بقي من يزعم أن (خبر العامة) عند الشافعي هو (المتواتر) ، بعد هذا كله، فما عليه إن أتم النظر فيما يلي:
هذا الإمام أحمد بن أحمد بن الحسين البيهقي (ت ٤٥٨هـ) ، الذي نصر المذهب الشافعي بما لم ينصره أحد مثله، حتى قيل: ((ما من شافعي إلا وللشافعي في عنقه منه، إلا البيهقي؛ فإنه له على الشافعي منه، لتصانيفه في نصرته لمذهبه واقاويله) ) (١) .
- (١)طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٤ / ١٠- ١١) .
-
هذا الإمام الذي هو أولى الناس بمعرفة أقوال الشافعي وفهماها، نقل عن إمامه (الشافعي) تقسيمه الأخبار إلى (خبر عامة) و (خبر خاصة) ، وذلك في مقدمة كتابه (دلائل النبوة) (٢) .
- (٢)دلائل النبوة للبيهقي (١ / ٢٢) .
-
وبعد هذال النقل، وفي هذه المقدمة ذاتها، يقول البيهقي: ((ومما يجب معرفته في هذا الباب: أن تعلم أن (الأخبار الخاصة) المروية على ثلاثة أنواع:
نوع اتفق أهل العلم بالحديث على صحته، وهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون مروياً من أوجهٍ كثيرةٍ، وطرق شتى، حتى دخل في حد الاشتهار، وبعد من توهم الخطأ فيه، أو تواطؤ الرواية على الكذب فيه.
- ج ١ ص ١٢٠
فهذا الضرب من الحديث يحصل به العلم المكتسب، وذلك مثل الأحاديث التي رويت في القدر والرؤية والحوض ...
-
(إلى أن قال:) والضرب الثاني: أن يكون مروياً من جهة (الآحاد) ، ويكون مستعملاً في الدعوات والترغيب والترهيب والأحكام..)) (١) .
- (١)دلائل النبوة للبيهقي (١ / ٣٢) .
-
فانظر ـ حفظك الله ـ كيف قسم (أخبار الخاصة) : إلى ما يسمى بـ (المتواتر) ، وما سماه هو بـ (الآحاد) ؛ فـ (خبر الخاصة) عنده شامل لكلا القسمين
ولن أدخل في مناقشة هذا التقسيم الآن، وبيان منزعه القائد إليه، فهذا مما سيأتي ـ إن شاء ربي ـ ذكره (٢) . لكن الغرض من ذكر هذا النقل عن البيهقي، حتى تعلم كيف فهم أئمة الشافعية كلام إمامهم.
- (٢)انظر (ص ١٩٩) .
-
ولم يتفرد البيهقي دون بقية الشافعية بهذا الفهم لكلام إمامه، بل هو مسبوق إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير
حيث إن تقسيم الشافعي (دون البيهقي) هو التقسيم الحديثي الحقيقي للسنن، وهو التقسيم الذي يوافقه عليه كل من له ممارسة لعلم الحديث، ممن لم يتأثر بذلك التقسيم الغريب على علوم السنة، النابع منت علمٍ دخيل على معارف الأمة وحضارتها.
-
ولذلك تجد حافظاً من كبار أئمة الحديث ونقادهم، وهو شافعي معتز بشافعيته (٣)
- (٣)انظر لمثل قوله في صحيحه (٥ / ٤٩٧ - ٤٩٨عقب الحديث رقم ٢١٢٥) : ((ولا يتوهمن متوهم أن الجمع بين الأخبار على حسب = ما جمعنا بينها في هذا النوع من أنواع السنن = يضاد قول الشافعي رحمه الله ورضوانه عليه، وذلك أن كل أصلٍ تكلمنا عليه في كتبنا، أو فرع استنبطناه من السنن في مصنفاتنا، هي كلها قول الشافعي، وهو راجع عما في كتبه، وإن كان ذلك المشهور من قوله. وذاك أني سمعت ابن خزيمة يقول: سمعت المزني يقول: سمعت الشافعي يقول: إذا صح لكم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذوا به ودعوا قولي ... )) ـ إلى آخر كلامه وهو مهم.
-
أيضاً، وله علم واسع كذلك بـ (علم
ج ١ ص ١٢١الكلام) (١) وهو ابن حبان (ت ٣٥٤هـ) = يقول في مقدمة (صحيحه) : ((فأما الأخبار، فإنها كلها أخبار آحاد. لأنه ليس يوجد عن النبي صلى الله عليه وسلم خبر من رواية عدلين، روى أحدهما عن عدلين، وكل واحد منهما عن عدلين، حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما استحال هذا، وبطل، ثبت أن الأخبار كلها أخبار آحاد. وأن من تنكب عن قبول أخبار الأحاد، فقد عمد إلى ترك السنن كلها، لعدم وجود السنن إلا من رواية الآحاد) ) (٢) .
- (١)يقول عنه السيوطي في تدريب الراوي ((١/٨٩) : ((كان عارفاً بالكلام والنحو والفلسفة ... )) . وأنا أشك في كلمة (النحو) ، فما أدخلها بين (اللكلام و (الفلسفة) ؟ وأحسبها (والمنطق) .
- (٢)الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (١/١٥٦) .
-
ويوافق ابن حبان على ذلك إمام آخر، هو أيضاً من أئمة الحديث، ومن أئمة الشافعية، وهو أبو بكر محمد بين موسى الحازمي (ت٥٨٤هـ) . حيث قال عقب نقله لكلام ابن حبان، في كتابه (شروط الأئمة الخمسة) : ((ومن سبر مطالع الأخبار عرف أن ما ذكره ابن حبان أقرب إلى الصواب) ) (٣) . ثم قال بعد ذلك: ((ثم الحديث الواحد لا يخلو إما أن يكون من قبيل التواتر، أو من قبيل الآحاد. وإثبات التواتر في الآحاد عسر
ج ١ ص ١٢٢جداً، سيما على مذهب من لم يعبر العدد في تحديده. وأما الآحاد: فعند أكثر الفقهاء توجب العمل دون العلم، فلا تعويل على مذهب الكوفيين في ذلك، وقد ذهب بعض أهل الحديث على أنه يوجب العلم. وتفاصيل مذاهب الكل مذكورة في كتب أصول الفقه، وعلى الجملة فقد اتفقوا أنه لا يشترط في قبول الآحاد العدد قل أو كثر، والله أعلم)) (١)
- (٣)شروط الأئمة الخمسة للحازمي (ص ٤٤) .
- (١)شروط الأئمة الخمسة للحازمي (ص ٥٠) .
-
فانظر إلى هذا الكلام، ولا حظ مشاربه المختلفة، ودقق في ألفاظه لا ستخراج خفايا معانية.
-
ثم وازنه بقول ابن الصلاح من بعد في (معرفة أنواع علم الحديث) عن المتواتر: ((ولا يكاد يوجد في رواياتهم.. ومن سئل عن إبراز مثالٍ لذلك فيما يروى من الحديث أعياه تطلبه ... نعم، حديث ((من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) ) نراه مثالاً لذلك ... )) (٢) .
- (٢)انظر (ص ٩١، ٩٤- ٩٦) .
-
وهذا من ابن الصلاح بعد تقريره أن (المتواتر) من اصطلاحات أصول الفقه، ومن إضافات الأصوليين على علوم الحديث، كما سبق نقله عنه.
-
بل يقول ابن أبي الدم الشافعي (ت ٦٤٢هـ) : ((ومن رام من المحدثين وغيرهم ذكر حديثٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم (متواتر) ، وجدت فيه شروط (المتواتر) الآتي ذكرها، فقد رام محالاً ... (ثم قال بعد ذكر شروط المتواتر (ومثل هذا لا يقع في الأحاديث النبوية) ) (٣) .
- (٣)لقط اللآلىء المتناثرة للزبيدي (١٧، ١٩) ، وقد تحرف في مطبوع الكتاب كلام ابن أبي الدم هذا تحريفاً محيلاً، صوبته من نماذج صورة المخطوطة في مقدمة تحقيق الكتاب
- ج ١ ص ١٢٣
وقبل هؤلاء كلهم، ذكرنا فيما سبق كلاماً نفيساً للإمام عثمان بن سعيد الدارمي، منقولاً من كتابه (الرد على بشر بن غياث المريسي) . وكان ذلك الكلام عبارة ً عن مناظرةٍ بين الدارمي والمريسي، حول تقسيم المريسي أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم إلى مفيدٍ للعلم وغير مفيدٍ له، وأن المريسي لا يحتج إلا بالقسم الأول: المفيد للعلم، وهو (المتواتر) . فقال الدارمي له أثناء رده عليه: ((قد أبطلت بدعواك هذه جميع الآثار التي تروى عن النبي صلى الله عليه وسلم، ما احتججت منها لضلالك، وما لم تحتج) ) (١)
لقد صرح المريسي بأنه يحتج بـ (المتواتر) ، فلم يكون قوله هذا مبطلاً إلا حتجاج بالأحاديث كلها؟
الجواب عن هذا السؤال: هو لأن (المتواتر) صورة خيالية، لا وجود لها في واقع الروايات الحديثية. ومعنى ذلك: أن جميع الأحاديث النبوية ليست إلا (أخبار آحاد) ، وليس فيها (خبر متواتر) . لذلك كان القول بعدم الاحتجاج إلا بـ (المتواتر) مبطلاً الاحتجاج بالأحاديث كلها، لأنه ليس في الأحاديث كلها خبر (متواتر) أصلاً
ثم بعد هؤلاء كلهم يقول الحافظ ابن حجر (أحمد بن علي بن محمد الكناني، العسقلاني أصلاً المصري، المتوفى سنة ٨٥٢هـ) في كتابه (نزهة النظر) ، بعد ذكره لكلام ابن الصلاح الآنف الذكر: ((وما ادعاه من العزة ممنوع، وكذا ما ادعاه غيره من العدم. لأن ذلك نشأ عن قلة الاطلاع على كثرة الطرق وأحوال الرجال وصفاتهم المقتضية لإبعاد العادة أن يتواطؤوا
ج ١ ص ١٢٤على الكذب أو يحصل منهم اتفاقاً ... )) (١) . ثم ذكر الحافظ دليله على إمكان وجود (المتواتر) وجود كثرة، فيما يقوله هو
فما أدري هل يوصف الدارمي وابن حبان والحازمي وابن الصلاح وابن أبي الدم بقلة الاطلاع على كثرة الطرق وأحوال الرجال؟
ولن أدخل بين هؤلاء الإمام الشافعي، الذي رفض (المتواتر) ونقض شروطه
بالله عليك أنصف
ثم الحافظ ابن حجر هو القائل قبيل كلامه السابق في (نزهة النظر) : ((وإنما أبهمت شروط التواتر في الأصل (يعني النخبة) ، لأنه على هذه الكيفية ليس من مباحث علم الإسناد. إذ علم الإسناد يبحث فيه عن صحة
الحديث أو ضعفه، ليعمل به أو يترك، من حيث: صفات الرجال، وصيغ الأداء. والمتواتر لا يبحث عن رجاله، بل يجب العمل به من غير بحث)) (٢) .
- (١)انظر (ص ٩٨، ١١١، ١١٧) .
- (١)نزهة النظر (ص ٦١) .
- (٢)نزهة النظر (ص ٦٠) .
-
فأولاً: الحافظ نفسه يعترف أن (المتواتر) ليس من مباحث (علم الإسناد) ، و (علم الإسناد) هو علم الحديث و (مصطلح أهل الأثر) الذي صنف له الحافظ كتابه (نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر) .
-
فهذا قول جديد لإمام آخر ينص فيه على أن تقسيم الأحاديث إلى (متواتر) و (آحاد) ليس من عمل المحدثين، ولا ألقاب هذا التقسيم من مصطلحاتهم
ج ١ ص ١٢٥وثانياً: ينص الحافظ أيضاً أن (المتواتر) لا علاقة له بالأسانيد ولا بأحوال الرجال، وهو كذلك عند الأصوليين أيضاً ز فهل يصح بعد ذلك تفسيره لسبب قول ابن الصلاح بعزة (المتواتر) ولقول ابن حبان وغيره بعدم وجوده، بأنه ناشئ عن قلة الاطلاع على كثرة الطرق وأحوال الرجال وصفاتهم؟
لقد قرر الحافظ فيما سبق أنه لا علاقة لـ (المتواتر) بالطرق وأحوال رواتها، بل قرر قبل ذلك أن ((العلم بالتواتر حاصل لمن ليس له أهلية النظر، كالعامي) ) (١) ،
فكيف يكون قول أولئك الأئمة ممن نفى وجود (المتواتر) ناشئاً عن قلة الاطلاع على الطرق وأحوال الرواة؟ سلمنا أنهم كذلك فهل ينزلون عن درجة (العامي) ؟
ولذلك تعقب الحافظ ابن حجر أحد تلامذته، وهو قاسم بن قطلوبغا (ت٧٨٩هـ) في حاشيته على (نخبة الفكر) ، المسماة (القول المبتكر على شرح نخبة الفكر) ، فقال: ((تقدم أن (التواتر) ليس من مباحث علم الإسناد، وأنه لا يبحث عن رجاله؛ وحينئذٍ فلو سلم قلة اطلاع من ذكرهم المصنف على أحوال الرجال وصفاتهم لم يوجب ما ذكره)) (٢) .
- (١)نزهة النظر (ص ٥٩) .
- (٢)ححاشية ابن قطلوبغا (ص ٢٥) ، وااليواقيت والدرر للمناوي (١/١٤٥) .
-
ثم لم اطلع السخاوي (محمد بن عبد الرحمن بن محمد القاهري الشافعي، المتوفى سنة ٩٠٢هـ) ) على هذا الانتقاد لكلام شيخه الحافظ ابن حجر، أجاب بجواب ضعيف، يعود بالنقض على شيخه أيضاً، وعلى عامة الأئمة قبله كذلك
قال السخاوي في (فتح المغيث) : ((وقد توقف بعض
ج ١ ص ١٢٦الآخذين عنه من الحنفية، في أول مقالته هذه، مع ما سلف من أنه لا دخل لصفات الخبرين في (المتواتر) . وهو واضح الاليام، فما هنا بالنظر إلى كون أهل هذه الطبقة مثلاً تبعد العادة لجلالتهم تواطؤ ثلاثةٍ منهم على الكذب أو الغلط، وكون غيرها لا نحطاط أهلها عن هؤلاء لا يحصل ذلك إلا بعشرةٍ مثلاً، وغيرها لعدم اتصفاف أهلها بالعدالة وعرفتهم بالفسق ونحوه لا يحصل إلا بمزيد كثيرٍ من العدد. نعم يمكن بالنظر لما أشرت إليه أن يكون المتواتر من مباحثنا)) (١) .
- (١)فتح المغيث للسخاوي (٤ / ٢٠) .
-
رأيت؟ عاد به الأمر إلى أن (المتواتر) من مباحث علم الإسناد
مع أن السخاوي نفسه قال قبل ذلك في (فتح المغيث) عن (المتواتر) : ((وليس من مباحث هذا الفن، فإنه لا يبحث عن رجاله، لكونه لا دخل لصفات المخبرين فيه) ) (٢) .
والسخاوي نفسه أيضاً قال في (الغاية شرح الهداية) : ((إذا علم هذا، فإنما لم يفرد ابن الصلاح لـ (المتواتر) نوعاً خاصاً، لأنه ليس من مباحث الإسناد ... )) (٣) .
- (٢)فتح المغيث للسخاوي (٤ /١٤) .
- (٣)الغاية شرح الهداية للسخاوي (١/٢٣٢) .
-
وقال السخاوي نفسه أخيراً في كتابه (التوضيح الأبهر لتذكرة ابن الملقن في علم الأثر) : ((وليس (التواتر) المعروف في الفقه وأصوله من مباحثنا)) (٤) .
- (٤)التوضيح الأبهر للسخاوي (ص ١٨) .
-
فانظر ـ رعاك الله ـ إلى تدرج أثر أصول الفقه على مصنفات علوم الحديث، عبر العصور، وعلى الإمام الواحد أيضاً
ولست أريد الدخول في معمعة التعقبات على الحافظ ابن حجر، والردود عليها، والردود على هذه الردود، الواردة في حواشي (النزهة) وشروحها، وفي كتب علوم الحديث المتأخرة عن الحافظ ابن حجر، حول هذه المسألة. لكني اكتفيت بما يدل على أن (المتواتر) ليس من مباحث علوم الحديث، ولا وجود له في واقع الروايات الحديثية. وذلك قادني إلى ذكر كلام الحافظ ابن حجر الآنف الذكر، وإلى ما نقلته عن كلامه من تعقب ورد.
-
غير أننا استفدنا من ذلك فائدةً بينةً، وهي تعمق أثر أصول الفقه على
ج ١ ص ١٢٧مصنفات علوم الحديث، عبر العصور المتلاحقة.
-
ونعود الآن إلى التقسيم الذي وعدنا ببيانه.
-
إذن: ما هو التقسيم الذي ذكره الإمام الشافعي، والذي يرضاه المحدثون ولا يردونه؟
-
لقد قسم الإمام الشافعي (السنة) إلى قسمين، هما:
الأول: السنة المجتمع عليها، وهي نقل العامة عن العامة، جيلاً بعد جيل وأمةً بعد أمة. من أمثال: عدد ركعات الفروض، وأوقات الصلوات إجمالاً، ونحو ذلك من جمل الفرائض وغيرها. فهذا وأمثاله، مما لم يرد في كتاب الله تعالى، هو القسم الأول من السنن.
-
وهو أعلى من (الإجماع) ، إذ (الإجماع) هو: اتفاق علماء العصر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم على أمرٍ من أمور الدين بعد وفاته (١) .
- (١)انظر جمع الجوامع لابن السبكي (١/١٧٧) .
- ج ١ ص ١٢٨
وأما (خبر العامة عن العامة) فهو إجماع على إجماع
ثم هو أيضاً غير (الإجماع) ، لأنه أعلى منه أولاً، ولأن الإجماع لا يجوز الجزم بنسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم دائماً (١) ، أما (خبر العامة عن العامة) فهو (سنة مجتمع عليها) . ثم أيضاً قد فرق بينهما الإمام الشافعي، وهو صاحب هذا التقسيم (٢) .
- (١)، انظر الرسالة للشافعي (رقم ١٣٠٩- ١٣١١) .
- (٢)انظر الرسالة للشافعي (رقم ١٣٢٨- ١٣٣١) .
-
وبعبارة أخرى: كل (خبر عامة عن عامة) (إجماع) من وجه، وليس كل (إجماع) (خبر عامة عن عامة) .
-
ثم هذا القسم من السنن ليس هو من عمل المحدثين، ولا من متعلقات علمهم، ولا هو الذي نقله حملة الآثار؛ فهذا تنقله الأمة جيلاً بعد جيل. بل هذا القسم لا يختص به العلماء دون العامة من العقلاء، فيستوي في العلم به جميعهم. كما سبق أن نقلنا عن الشافعي قوله: ((علم العامة: على ما وصفت، لا تلقى أحداً من المسلمين إلا وجدت علمه عنده، ولا يرد منها أحدً شيئاً على أحدٍ فيه..) ) (٣) .
- (٣)جماع العلم للشافعي (رقم ١٧٢) .
-
لذلك فليس هذا القسم قسماً من أقسام الأحاديث المسندة، ولا يحوز هذا القسم جزءاً من الأحاديث الموجودة في دواوين السنة، ولا يصح أن نقسم الآثار المروية بالأسانيد إلى (خبرعامة) و (خبر خاصة) .
-
(٢) ولا تظنن أن الشافعي قسم الأحاديث المسندة إلى (خبر عامة) و (خبر خاصة) ، إنما قسم الحجة الشرعية إلى أقسام، كان منها القسم الأول الذي ذكر فيه: كتاب الله، و (خبر العامة عن
ج ١ ص ١٢٩العامة) . (١)
- (١)ر الرسالة للشافعي (رقم ١٢٥٦- ١٢٦١-١٣٢٨- ١٣٣٠، ٩٦١- ٩٧١) .
-
وبذلك يفترق (خبر العامة) عن (المتواتر) عند الأصوليين، بوجه آخر. فـ (المتواتر) عندهم يقتسم مع (خبر الآحاد) الأحاديث المسندة في كتب السنة، وليس كذلك (خبر العامة) ، كما قدمنا ذكره.
-
ومن لازم ذلك: أن لا تقول: ((إن هذا الحديث (خبر عامة) لأنه رواه كذا من الصحابة وأخرجه فلان وفلان)) ؛ لأنه لو لم يروه فلان وفلان، فقد تناقلته الأمة. وأنت بقولك ((رواه فلان وفلان) ) على (خبر العامة) ، كمن يثبت البحر أمامه بغرفاتٍ منه
ولا أقول إن إخراج الأحاديث التي فيها ما ثبت بـ (خبر العامة) لا فائدة فيه؛ لكنك لا تخالفني في أن عقد باب ـ مثلاً ـ في: إثبات أن صلاة المغرب بين العصر والعشاء = أنه لا فائدة من هذا التبويب لكن الفائدة تحصل بما في الأحاديث التي فيه من الفوائد والأحكام الأخرى.
-
ومن ذلك كله، تعلم لم قال ابن حبان: ((إن الأخبار كلها أخبار آحاد) ) ، لأنه لا قسيم لها في الدواوين المسندة
ومن لازم هذا كله أيضاً: أنه لا يوجد حديث من (خبر العامة) منقول بألفاظه وحروفه عن النبي صلى الله عليه وسلم
نعم.. ولا حديث ((من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) )
لكن تحريم الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم: (خبر عامةٍ عن عامة) ،
ج ١ ص ١٣٠لأنه مما تناقلته الأمة جيلاً بعد جيل، يستوي في العلم بذلك عالمهم وعاميهم.
-
فيقال لي: إذن رجعت إلى أن (المتواتر المعنوي) هو (خبر العامة) عن العامة) .