المبحث الثاني: مثال تأثر علوم السنة بأصول الفقه من خلال نافذتها الأولى، وهي: ما درسته كتب أصول الفقه من علوم السنة:
٢٨٠ فقرة، ج ١ ص ٩١
الصفحة ٥ من ٧
- ج ١ ص ١٣٠
فأقول: كلا، بل بعض (المتواتر المعنوي) من (خبر العامة عن العامة) ، وبعضه ليس منه. فليس (المتواتر المعنوي) هو (خبر العامة عن العامة) ، وإلا لو كان هو لتطابق.
-
والدليل على أن بعض (المتواتر المعنوي) لا يدخل في حد (خبر العامة عن العامة) ، هو: أولاً أنهم يتوسعون في (المتواتر المعنوي) توسعاً يدل على أنه عندهم غير (خبر العامة عن العامة) (١) ، بل ربما ذكروا ما اختلف في وضعه وكذبه أنه (متواتر تواتراً معنوياً) (٢) . ولم يكن هذا عن خطأ منهم في التمثيل، لا يتناول التقعيد. بل هذا هو (المتواتر المعنوي) عندهم، تقعديداً وتأصيلاً، بالدليل التالي:
وثانياً: أنهم ذكروا (المتواتر المعنوي) في مقابل (المتواتر اللفظي) ، وذكروا لهما الشروط نفسها والتعريف نفسه. فلو روى أربعة عندهم حديثاً بألفاظٍ مختلفة ومعنى واحدٍ، واستحال تواطؤهم على الكذب، ونقل إلينا خبرهم في جميع الطبقات على ما وصفنا = فهذا عندهم (متواتر المعنى) ؛ وهذا عندنا ليس هو (خبر العامة عن العامة) .
- (١)من أمثلة: صلاة الضحى والترغيب فيها، والسجود في المفصل، وسجود الشكر، ودخول أطفال المسلمين الجنة، وأنه صلى الله عليه وسلم كان قليلً الكل وأنه كان إذا تغذى لا يتعشى وأنه ربما طوى أياماً = انظر نظم المتناثر للكتاني (رقم ٨٨، ٨٩، ٩٠، ١٠٥، ١٦١) .
- (٢)من أمثلته: وجود الأبدال = انظر نظم المتناثر للكتاني (رقم ٢٧٩) .
- ج ١ ص ١٣١
فليس (المتواتر المعنوي) هو (خبر العامة عن العامة) ، هذا شيء وذاك شيء آخر.
-
إذن فـ (السنة المجتمع عليها) أو (خبر العامة عن العامة) هو القسم الأول من أقسام (السنن) ؛ كذا بإطلاق (السنة) ، بلا قيد (المسندة) . فإن قيدتها بإنها (السنن المسندة) فليس (خبر العامة) قسماً من أقسامها، كما تقدم.
-
أما القسم الثاني (عند المحدثين كما ذكره الشافعي) : فهو (خبر الخاصة) وهو (الآحاد) ، وهو كل ما سوى (خبر العامة عن العامة) ، وهو ـ أيضاً ـ كل الأ×بار المسندة بألفاظها، وكل الآثار المروية بحروفها.
-
ومن (خبر الخاصة) : ما يرويه الواحد، وما يرويه الاثنان، والثلاثة، والعشرة.. والمائة مثل حديث ((من كذب علي متعمداً..) ) فمن (خبر الخاصة) : (الفرد) ، و (الغريب) ، و (العزيز) ، و (المشهور) ، و (المستفيض) ، بل و (المتواتر) عند عامة الأصوليين والمصنفين في علوم الحديث، وكما قدمناه من تفسير البيهقي لـ (خبر الخاصة) (١)
ولذلك قال ابن حبان عبارته القاطعة: ((إن الأخبار كلها أخبار آحاد) ) (٢)
هذا هو التقسيم الذي ذكره الإمام الشافعي، والذي لا يخالفه عليه المحدثون ولا غيرهم، لأنه مما لا يختلف أحد على اعتباره منطوقاً أو ضمناً
وكان يكفي ذكر هذا المبحث الطويل، حول تقسيم
ج ١ ص ١٣٢الأحاديث إلى (متواتر) و (آحاد) ، لبيان أثر اصول الفقه على علوم الحديث، ولإظهار كيف تدرج هذا التأثير، حتى طغى على كلام أهل الفن (المحدثين) ، فردت أقوال، وتؤولت أخرى، ونزل كلام على غير مراد قائله؛ حتى انطمست ـ أو كادت ـ معالم الحق والصواب
لكن بعد تقرير التقسيم الآنف الذكر ـ وهو التقسيم الذي رضيه المحدثون ـ تبين أن كل الأحاديث المسندة (أخبار آحاد) . و (خبر الواحد) العدل عند الأصوليين لا يفيد ـ بذاته ـ إلا الظن، فهل هذا الحكم لـ (خبر الواحد) هو نفسه حكم المحدثين عليه أيضاً؟
- (١)انظر (ص ١١٩ - ١٢٠) .
- (٢)انظر (ص ١٢١) .
-
لذلك كان واجباً علي بيان حكم (خبر الواحد) العدل عند المحدثين.
-
فأقول: أولاً: لست أريد استيعاب كل ما يتعلق بهذه المسألة، فهذا أمر عظيم، لكنه ليس بحثي. لذلك فسأتجوز في هذه المسألة ما استطعت ذلك.
-
وثانياً: أنه مع أن الأحاديث النبوية عند أهل الحديث قسم واحد، فكلها (خبر آحاد) ، كما سبق تقريره = إلا أن المحدثين أعرف الناس بتفاوت مراتبها في الصحة، وأدراهم باختلاف درجاتها في القوة، وألحظهم لدقيق فروق ثبوتها. ولهم في ذلك صولات وجولات، لها في علمهم ساحات مباركات، لا تخفى على من نخاطبه ويدري الخطاب
لكن عدم اعتبار المحدثين لهذا التفاوت ولتلك الفروق في درجات الصحة والقوة مسوغاً لتقسيم الأحاديث على أساسه، يدل دلالةً واضحةً على أن تلك الفروق في درجات الثبوت لم تبلغ درجة التأثير على حجية الأخبار، فجميعها يشملها حكم واحد
ج ١ ص ١٣٣يستفاد منها، لكن تتفاوت مراتب هذا الحكم الواحد.
-
وعندها نقول: إذا استفاد اليقين و (العلم) من بعض الأحاديث النبوية المتكلمون والجهلاء بالسنة وبعض من أعدائها وبعض من تأثر بهم في مثل ما أسموه بـ (المتواتر) وهو عند المحدثين من (الآحاد) ، وفي بعض (الآحاد) أيضاً إذا احتفت به القرائن عند المحققين في أصول الفقه (١) = إذا استفادوا (العلم) من بعضها، فالمحدثون الذين هم حملة الآثار وأمناء الوحي وورثة النبوة أولى بما يربو على ذلك ويزيد
فكل ما يفيد (العلم) عند الأصوليين يفيده عند المحدثين من باب أولى.
- (١)انظر العدة في أصول الفقه لأبي يعلى الحنبلي (٣/٩٠٠- ٩٠١) ، والبرهان لجويني (١/٥٧٦ - ٥٧٧، ٥٧٨ رقم ٥٠٤، ٥٠٧) ، وشرح اللمع للشيرازي (رقم ٦٦٩) ، وإحكام الفصول للباجي (٣٢٩ - ٣٣٠رقم ٢٩٨) ، والإحكام للآمدي (٢/٤٨- ٤٩) ، وروضة الناظر لابن قدامة (١/٣٦٣ - ٣٦٤) ، وشرح مختصر الروضة للطوفي (٢/٨٣- ٨٤، ١٠٨) ، والبحر المحيط للزركشي (٤/٢٦٣ - ٢٦٦) ، وشرح الكوكب المنير لابن النجار (٢/ ٣٤٨ - ٣٥٢) ، وتيسير التحرير لأمير بادشاه (٣/٧٦) ، وإرشاد الفحول للشوكاني (٩٤- ٩٥) ، وغيرها.
-
لكن بقي ما قال الأصوليون إنه يفيد (الظن الموجب للعمل دون العلم) بذاته، وهو (الآحاد) عندهم. غير أن المحققين منهم قالوا بإفادة (الآحاد) لـ (العلم) إذا احتفت به قرائن تقوية، و (العلم) حينها نظري عندهم، كما سبق آنفاً.
-
فنقول لهم: رضينا بهذا القدر منكم، فاثبتوا عليه
والحمد لله أن الأصوليين لم يتدخلوا في تحديق القرائن؛ إنما ضربوا أمثلةً عليها
قال بدر الدين الزركشي (محمد بن بهادر بن عبد الله الشافعي، المتوفى سنة ٧٩٤هـ) في كتابه (البحر المحيط في أصول الفقه) : ((لم يتعرضوا لضابط القرائن، وقال المازري: لا يمكن أن يشار إليها بعبارة تضبطها. قلت (القائل الزركشي) : ويمكن أن يقال: هي ما لا يبقى معها احتمال، وتسكن النفس عنده، مثل مكونها إلى الخبر المتواتر أو قريباً منه)) (١) .
قلت: وكل هذا يرضاه المحدثون من الأصوليين
فإن صحح المحدثون حديثاً، مما تفرد بروايته راوٍ واحد، وهم (أعني المحدثين) أهل هذه الصنعة، وأعرف الناس بقواعدها وجزئياتها، وأخبرهم بأصولها وفروعها؛ ثم تصحيحهم ذلك الحديث معناه أنه انتفت عنه كل: العلل الظاهرة (من طعن في الرواة أو سقط في الإسناد) والعلل الباطنة (من شذوذ وتفرد من لا يحتمل التفرد بمثل ما تفرد به) ، وقف عند العلل الباطنة، وقلب وجوهها ومعانيها عند المحدثين؛ لتعلم بعد ذلك كله، أنه إذا صحح المحدثون حديثاً (غريباً) (فرداً) = أنه أفاد العلم عندهم، لأنه استحال عندهم بعد النظر والاستدلال احتمال الكذب والغلط، ولاحت قرائن تفيد اليقين بذلك
ولا يعترض على المحدثين: بأن الأصوليين أو الفقهاء (غير المحدثين) لا يستفيدون (العلم) من ذلك الخبر، لأن عدم استفادتهم منه (العلم) لا ينفي أن غيرهم ممن الشأن شأنهم والفن فنهم والعلم علمهم = قد استفاد منه العلم
ولئن كان (المتواتر) منه ما هو عام يعرفه العامة، ومنه ما
ج ١ ص ١٣٥هو خاص لا يعرفه إلا الخاصة من أهل العلم (١) . فكذلك القرائن: منها ماه وعام يعرفها الأصوليون والمحدثون، ومنها ما هو خاص لا يعرفه إلا المحدثون.
- (١)البحر المحيط للزركشي (٤/٢٦٦) .
- (١)علم الحديث لشيخ الإسلام ابن تيمية (١١٩، ١٥٧) .
-
وما أشبه ذلك بـ (المتواتر) أيضاً، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في (علم الحديث) : ((وعلماء الحديث يتواتر عندهم ما لا يتواتر عند غيرهم، لكونهم سمعوا ما لم يسمع به غيرهم، وعلموا من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يعلم غيرهم) ) (٢) .
- (٢)علم الحديث لشيخ الإسلام ابن تيمية (١٥٨) .
-
يقول ابن قيم الجوزية في (الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة) : ((وكما أن العلم بالتواتر ينقسم إلى عام وخاص، فيتواتر عند الخاصة ما لا يكون معلوماً لغيرهم، فضلاً أن يتواتر عندهم= فأهل الحديث: لشدة
عنايتهم بسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم وضبطهم لأقواله وأفعاله وأحواله، يعلمون من ذلك علماً لا يكون فيه، مما لا شعور لغيرهم به البتة)) (٣) .
- (٣)مختصر الصواعق المرسلة (ص ٥٣٧) . ...
-
وكان قد قال (رحمه الله) قل ذلك: ((وخصومهم ـ يعني خصوم أهل الحديث ـ إما أن ينكروا حصول (العمل) لأنفسهم، أو لأهل الحديث. فإن أنكروا حصوله لأنفسهم، لم يقدح ذلك في حصوله لغيرهم. وإن أنكروا حصوله لأهل الحديث، كانوا مكابرين لهم على ما يعملونه من نفوسهم، بمنزلة من يكابر غيره على ما يجده في نفسه من فرحه وألمه وخوفه وحبه. والمناظرة إذا انتهت إلى هذا الحد لم يبق فيها فائدة، وينبغي العدول إلى ما أمر الله به رسوله من المباهلة)) (٤)
ج ١ ص ١٣٦واسمع الإمام مسلماً وهو يقول في كتابه (التمييز) : ((واعلم ـ رحمك الله ـ أن صناعة الحديث، ومعرفة أسبابه من الصحيح والسقيم، إنما هي لأهل الحديث خاصة؛ لأنهم الحفاظ لروايات الناس، العارفون بها دون غيرهم. إذ الأصل الذي يعتمدون لأديانهم: السنن والآثار المنقولة، من عصر إلى عصر، من لدن النبي صلى الله عليه وسلم إلى عصرنا هذا. فلا سبيل لمن نابذهم من الناس، وخالفهم في المذهب، إلى: معرفة الحديث، ومعرفة الرجال من علماء الأمصار فيما مضى من الأعصار من نقال الأخبار وحمال الآثار. وأهل الحديث هم الذين يعرفونهم ويميزونهم، حتى ينزلوهم منازلهم في التعديل والتجريح) ) (١) .
- (٤)مختصر الصواعق المرسلة (ص ٥٢٥ - ٥٢٦) .
- (١)التمييز لمسلم (ص ٢١٨) .
-
ثم قف على هذا الفصل النوراني، وسأنقله لك على طوله من كلام الإمام أبي المظفر منصور بن محمد التميمي السمعاني الشافعي (ت ٤٨٩هـ) . يقول (رحمه الله) في كتابه (الانتصار لأهل السنة) : ((واعلم أن الخبر وإن كان يحتمل الصدق والكذب والظن وللتجوز فيه مدخل، ولكن هذا الذي قلناه (يعني من إفادة خبر الواحد للعلم) لا يناله أحد، إلا بعد أن يكون معظم أوقاته وأيامه مشتغلاً بالحديث، والبحث عن سيرة النقلة والرواة، ليقف على رسوخهم في هذا العلم، وكنه معرفتهم به، وصدق ورعهم في أقوالهم وأفعالهم، وشدة حذرهم من الطغيان والزلل، وما بذلوه من شدة العناية في تمهيد هذا الأمر، والبحث عن أحوال الرواة، والوقوف على صحيح الأخبار وسقيمها. ولقد كانوا بحيث لو قتلوا لم يسامحوا أحداً في كلمةٍ واحدةٍ يتقولها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا فعلوا هم بأنفسهم ذلك. وقد نقلوا هذا الدين إلينا كما نقل إليهم، وأدوا كما أدى إليهم. وكانوا في صدق العناية
ج ١ ص ١٣٧والاهتمام بهذا الشأن: ما يجل عن الوصف، ويقصر دونه الذكر. وإذا وقف المرء على هذا من شأنهم، وعرف حالهم، وخبر صدقهم وورعهم وأمانتهم، ظهر له العلم فيما نقلوه ورووه.
-
والذي يزيد ما قلنا إيضاحاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل عن الفرقة الناجية قال: ((ما أنا عليه وأصحابي) ) (١) ، فلا بد من تعرف ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه، وليس طريق معرفته
إلا النقل، فيجب الرجوع إلى ذلك. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تنازعوا الأمر أهله) ) (٢) ، بكما يرجع في معرفة مذاهب الفقهاء الذين صاروا قدوةً في هذه الأمة إلى أهل الققه، ويرجع في معرفة اللغة إلى أهل اللغة، وفي النحو إلى أهل النحو= كذا يرجع في معرفة ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى أهل الرواية والنقل، لأنهم عنوا بهذا الشأن، واشتغلوا بحفظه والفحص عنه ونقله، ولولاهم لا ندرس علم النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يقف أحد على سنته وطريقته!
- (١)حديث إسناده ضعيف بهذه الزيادة.
- (٢)حديث صحيح. أخرجه الترمذي (رقم ٢٦٤١) ، وغيره من طريق عبد الرحمن بن زياد الإفريقي: وهو ضعيف. ويغني عنه حديث العرباض بن سارية ـ مرفوعاً ـ: ((وإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلافاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ)) . وهو حديث صحيح، أنظر إرواء الغليل للألباني (رقم ٢٤٥٥) .
-
فإن قالوا: فقد كثرت الآثار في أيدي الناس واختلط عليهم؟
-
قلنا: ما اختلط إلا على الجاهلين بها، فأما العلماء بها فإنهم ينتقدونها انتقاد الجهابذة الدراهم والدنانير، فيميزون زيوفها،
ج ١ ص ١٣٨ويأخذون جيادها. ولئن دخل في أغمار الرواة من وسم بالغلط في الأحاديث، فلا يروج ذلك على جهابذة الحديث ورتوت (١) . العلماء، حتى إنهم عدوا أغاليط من غلط في الأسانيد والمتون. بل تراهم يعدون على كل واحدٍ منهم في كم حديث غلط، وفي كم حرفٍ حرف، وماذا صحف.
- (١)الرت: الرئيس، وجمعه: رتون. انظر القاموس المحيط ـ رت ـ (١٩٤) .
-
(إلى أن قال:) فتدبر ـ رحمك الله ـ أيجعل حكم من أفنى عمره في طلب آثار النبي صلى الله عليه وسلم شرقاً وغرباً، براً وبحراً، وارتحل في الحديث الواحد فراسخ؛ واتهم أباه وأدناه في خبر يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان موضع التهمة، ولم يحابه في مقال ولا خطاب، غضباً لله، وحميةً لدينه؛ ثم ألف الكتب في معرفة المحدثين: أسمائهم وأنسابهم، وقدر أعمارهم، وذكر أصارهم، وشمائلهم وأخبارهم؛ وفصل بين الرديء والجيد، والصحيح والسقيم، حباً لله ورسوله، وغيرةً على الإسلام والسنة؛ ثم استعمل آثاره كلها، حتى فيما عدا العبادات، من أكله وطعامه وشرابه ونومه ويقظته وقيامه وقعوده ودخوله وخروجه، وجميع سيرته وسننه، حتى في خطواته ولحظاته؛ ثم دعا الناس إلى ذلك، وحثهم عليه، وندبهم إلى استعماله، وحبب إليهم ذلك بكل ما يمكنه، حتى في بذلك ماله ونفسه = كمن أفنى عمره في أتباع أهوائه وآرائه وخواطره وهواجسه؟!!! (٢) ) .
- (٢)الحجة في بيان المحجة لأبي القاسم التيمي (٢ / ٢٢١ - ٢٢٣، ٢٣٤- ٢٣٥) ، ومختصر الصواعق المرسلة لابن القيم (ص ٥٦١- ٥٦٢) .
-
إذن فالأصل في (خبر الآحاد) الذي يصححه المحدثون أنه يفيد (العلم) عندهم، لأن تصحيح الحديث يقتضي عندهم: ادتماع غلبة الظن بصدق الخبر، مع قرائن إثباته. لأن غلبة
ج ١ ص ١٣٩الظن تحصل بمجرد صحة السند، أي بانتفاء العلل الظاهرة. أما انتفاء العلل الباطنة، فهو قرائن الإثبات وعلامات مطابقة الخبر لواقع الحال، وهو (العلم) .
-
إذا علمت ذلك، بعد قراءتك كلام أبي المظفر السمعاني الآنف الذكر، فلا بد أنك توافقه وتوافقني في أن المرجع في تمييز الثابت من المشكوك فيه من سنة النبي صلى الله عليه وسلم هم المحدثون، وأنهم القضاة الذين يحتكم إليهم في ذلك، وأنه لا يحق لمن ليس منهم أن ينازعهم شأنهم وأمرهم.
-
فإن قفلت: فما القول فيما لو اختلفوا في تصحيح حديث، فضعفه بعضهم وصححه آخرون؟
قلت: كما لو اختلف الفقهاء! فإن كنت من أهل فنهم، وتفقه أصوله وضوابطه، ومارست علومه ودقائقه؛ فارجع إلى حجة كل، ووازن، فلعلك تخرج بيقين، وترى الشمس كما رآها بعض من سبقك. أما إن لم تكن ممن يفهم هذا العلم، فاتبع، أو قلد، واختر في ذلك أعلمهم علماً وأتقاهم ديناً!!
-
المهم في ذلك، أن لا يكون اختلافهم دليلاً عندك على عدم استفادتهم العلم من صحيح (خبر الآحاد) ، كما لم يكن اختلافهم في تواتر خبر دليلاً على عدم إفادة (المتواتر) للعلم. ((وليس خطؤنا نحن إن أخطأنا، وجهلنا إن جهلنا، حجة على وجوب ضياع الدين. بل الحق ثابت معروف عند طائفة، وإن جهلته أخرى، والباطل كذلك أيضاً. كما يجهل قوم ما نعلمه نحن أيضاً، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء) ) (١) .
- (١)الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (١ / ١٣٧) .
-
ولئن كنا آنفاً نقلنا لك كلاماً نورانياً، فسننقل لك الآن
ج ١ ص ١٤٠كلاماً على ضده، لتعلم أنه (من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب) ، وإن كان إماماً في فنه علماً في علمه
يقول إمام الحرمين أبو المعالي الجويني في (البرهان) : ((ذهبت الحشوية من الحنابلة، وكتبة الحديث: إلى أن خبر الواحد العدل يوجب العلم. وهذا خزي، لا يخفى مدركه على ذي لب.
-
فنقول لهؤلاء: أتجوزون أن يزل العدل الذي وصفتموه ويخطىء؟
-
فإن قالوا: لا، كان ذلك بهتاً، وهتكاً وخرقاً لحجاب الهيبة، ولا حاجة إلى مزيد البيان فيه. والقول القريب فيه: أنه قد زل من الرواة الإثبات جمع لا يعدون كثرةً. ولو لم يكن الغلط متصوراً، لما رجع راوٍ عن روايته، والأمر بخلاف ما تخيلوه.
-
فإذا تبين إمكان الخطأ، فالقطع بالصدق مع ذلك محال.
-
ثم هذا في العدل في علم الله تعالى، ونحن لا نقطع بعدالة واحد، بل يجوز أن يضمر خلاف ما يظهر. ولا متعلق إلا ظنهم أن خبر الواحد يوجب العمل، وقد تكلمنا عليه بما فيه مقنع)) (١) .
- (١)البرهان للجويني (١/٦٠٦- ٦٠٧ رقم ٥٤٥) .
-
هذا كلام الجويني كاملاً بنصه.
-
ويكفي كلامه هذا ضعفاً، أن مثلي (في ضعفه) يرد على مثله (في إمامته وجلالته في الفقه وأصوله)
أما نبزة للحنابلة بـ (الحشوية) ، فـ (شنشنة نعرفها من أخزم) ،
ج ١ ص ١٤١وما كان لمثله أن نعرفه بها. لكنه تاب (رحمه الله) ، ومن تاب تاب الله عليه
وأما قوله: ((إن خبر الواحد العدل يوجب العلم) ) نقلاً عن المحدثين، فليس هذا قولهم مطلقاً، ومن هنا أتي ودخل عليه الداخل
فالمحدثون يستفيدون (العلم) مما صح عندهم من (خبر الواحد العدل) ، كما تقدم. والصحيح عندهم: ما اجتمع فيه أمران: الأول: غلبة الظن بصدق الخبر، بثقة الناقلين واتصال السند بالخبر؛ والثاني: قرائن مفيدة العلم، وهي انتفاء الشذوذ وجميع العلل الخفية القادحة. وقد سبق ذكر ذلك، وأنه أحد خصائص من فقه في علمهم، ووفقه الله تعالى للتقوى والعمل.
-
وقد سبق عن محققي الأصوليين، ومنهم إمام الحرمين: أن خبر الواحد يمكن أن يفيد العلم بالقرائن الشاهدة على صدقه (١)
- (١)انظر البرهان للجويني (رقم ٤٠٥، ٥٠٧) ، وانظر ما سبق (ص ١٣٣) .
-
فماذا ينكر إمام الحرمين من استفادة المحدثين للعلم من خبر الواحد المحتف بما يقوية؟
وعدم استفادة الأصوليين وغير المحدثين للعلم من قرائن استفاد المحدثون منها العلم، ليس دليلاً على عدم استفادة العلم من تلك القرائن مطلقاً. بل ليس أمراً مستنكراً ولا مستغرباً، بل هو المعروف المألوف، أن كل مختص بفن أعرف من غيره به، فـ (صاحب البيت أدرى بما فيه.. فلام النزاع؟
وقد قرر الأصوليون ذلك (٢)
- (٢)انظر روضة الناظر لابن قدامة ـ وحاشية تحقيقه ـ (١/٣٥٣- ٣٥٥) ، وشرح الكوكب المنير لابن النجار ـ وحاشية تحقيقه (٢/٣٣٥-٣٣٦) ، وشرح مختصر الروضة للطوفي (٢/٨٣-٨٤) وتيسير التحرير لأمير بادشاه (٣/٣٥) .
- ج ١ ص ١٤٢
يقول الآمدي في (الإحكام في أصول الأحكام) : ((وبتقدير اتحاد الواقعة وقرائنها، لا يلزم من حصول العلم بذلك العدد لبعض الأشخاص حصوله لشخص آخر، لتفاوتهم في قوة الإدراك والفهم للقرائن. إذ التفاوت فيما بين الناس في ذلك ظاهر جداً: حتى إن منهم من له قوة فهم أدق المعاني واغمضها في أدنى دقيقة من غير كذ ولا تعب، ومنهم من انتهى في البلادة إلى حد لا يدرك له على فهم أظهر ما يكون من المعاني مع اجد والاجتهاد في ذلك، ومنهم من حاله متوسطة بين الدرجتين؛ وهذا أمر واضح لا مراء فيه) ) (١) .
- (١)الإحكام للىمدي (٢/٤٢) .
-
ولعمري! إن مثل المحدثين وأهل الكلام مثل الأول والثاني في مقالة الآمدي المتقدمة!!!
-
وقد كان المحدثون وأئمة النقد منهم دائمي التصريح بأن خفايا علمهم ودقائق فنهم لا تبلغها كثير من الأفهام، ولا تعقلها غالب العقول.
-
يقول عبد الرحمن بن مهدي (ت ١٩٨هـ) : ((معرفة الحديث إلهام) ) (٢) .
- (٢)علل الحديث لابن أبي حاتم (١/٩) ، ومعرفة علوم الحديث للحاكم (١١٣) .
-
ويقول أيضاً: ((إنكارنا الحديث عند الجهال كهانة) ) (٣) .
- (٣)علل الحديث لابن أبي حاتم (١/٩) .
-
ويقول أبو داود في (رسالته إلى أهل مكة) : ((وربما أتوقف عن مثل هذه ـ يعني إبراز العلل ـ لأنه ضرر على العامة أن يكشف لهم كل ما كان من هذا الباب فيما مضى من عيوب
ج ١ ص ١٤٣الحديث، لأن علم العامة يقصر عن مثل هذا)) (١) .
- (١)رسالة أبي داود إلى أهل مكة (٣١ـ ٣٢) .
-
ثم قال ابن مندة (أبو عبد الله محمد بن يحيى بن إبراهيم الأصبهاني الحافظ، المتوفى سنة ٣٠١هـ) : ((إنما خص الله بمعرفة هذه الأخبار نفراً يسيراً من كثيرٍ ممن يدعي علم الحديث، فأما سائر الناس: من يدعي كثرة كتابة الحديث، أو متفقه في علم الشافعي وأبي حنيفة ن أو متبع لكلام الحارث المحاسبي والجنيد وأهل الخواطر = فليس لهم أن يتكلموا في شيء من علم الحدث، إلا من أخذه عن أهله وأهل المعرفة به، فحينئذ يتكلم بمعرفته) ) (٢) .
- (٢)شرح العلل لابن رجب (١/٣٣٩- ٣٤٠) .