المبحث الثاني: مثال تأثر علوم السنة بأصول الفقه من خلال نافذتها الأولى، وهي: ما درسته كتب أصول الفقه من علوم السنة:

٢٨٠ فقرة، ج ١ ص ٩١

الصفحة ٧ من ٧

  1. فالإحاطة منه: ما كان نص حكم الله أو سنةٍ لرسول الله نقلها العامة عن العامة. فهذان السبيلان اللذان يشهد بهما فيما أحل أنه حلال، وفيما حرم أنه حرام. وهذا الذي لا يسع عندنا جهله ولا الشك فيه.

    ج ١ ص ١٥٠
  2. وعلم الخاصة سنةً من خبر الخاصة، يعرفها العلماء، ولم يكلفها غيرهم، وهي موجودة فيهم أو في بعضهم، بصدق الخاص المخبر عن رسول الله بها. وهذا اللازم لأهل العلم أن يصيروا إليه، وهو الحق في الظاهر. كما نقتل بشاهدين، وذلك حق في الظاهر، وقد يمكن في الشاهدين الغلط)) (٢) .

    1. (٢)الرسالة للشافعي (ص ٤٧٨- ٤٧٩ رقم ١٣٢٨- ١٣٣٠) .
  3. هذا كلام الشافعي، وله كلام في موطن آخر من (الرسالة) هذا يغني عنه (١) ، وله كلام في كتبه الأخرى عن هذه المسألة، سوف نذكره لك خلال بياننا لمعاني كلام الشافعي، إن شاء الله تعالى.

    1. (١)انظر الرسالة للشافعي (ص ٣٥٧- ٣٥٩ رقم ٩٦١- ٦٩٧) .
    ج ١ ص ١٥١
  4. فأول ما أنبهك عليه في فهمنا لكلام الشافعي، أن تترك إلفك العلمي السابق، وما اعتدته من مباحث هذه المسألة عن أصول الفقه. ورجائي هذا ليس فيه تحكم ولا مصادرة، لكن أنت معي أن أولى ما حمل عليه كلام امرىءٍ هو كلامه نفسه، وما يتضمنه من معاني ألفاظه؛ وأن التحكم الحق والمصادرة الواقعة هي صرف كلام الرجل عن ظاهره ليوافق كلاماً لآخر. كيف إذا كان الحال بين الرجلين متبايناً؟! والجهة بينهما منقطعة؟! وهذا ما بيناه سابقاً (٢) ، من مفارقة (الرسالة) ومصنفها الإمام الشافعي، في العقيدة ومصادر التلقي والمنهج الفكري، عن كتب أصول الفقه بعده ومصنفيها (غالباً) .

    1. (٢)انظر (ص ٨٧) .
  5. ثم نقف مع كلام الشافعي وقفات:

    الوقفة الأولى: مع النقل الأول عن الشافعي، بما يدل على أنه في غير محل النزاع، ببيان أنه قسم في ذلك النقل تقسيماً يختلف عن التقسيم الذي نبحث فيه.

  6. فالإمام الشافعي إنما كان يقسم الحجة، كما صرح بذلك: ((فإن قال قائل: هل يفترق معنى قولك (حجة) ؟)) . أما نحن فنبحث في تقسيم أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، إلى (متواتر) و (آحاد) ، وفي حكم هذين القسمين.

  7. والفارق بين كل تقسيم وآخر أن الواجب على صاحب كل تقسيم أن يستوعب أقسامه، دون أمثلته، وهذا ما وقع للشافعي.

    ج ١ ص ١٥٢
  8. فعندما تكلم عن الحجة، من حيث الحكم المستنبط منها، هل هو قطعي أم ظني؛ استوعب هذين القسمين. فمثل للحجة المفيدة لحكم قطعي: بنص الكتاب ونص السنة المجتمع عليها، لأنهما جمعا قطعية الثبوت

    والدلالة. ومثل لحجة المفيدة لحكم ظني: بخبر خاصةٍ محتملٍ للتأويل لا يعرف إلا من جهة راوٍ واحد (حديث غريب) ، يشير بذلك إلى أنه ظني الدلالة والثبوت. فواضح من تمثيله أنه ترك: قطعي الثبوت ظني الدلالة، وقطعي الدلالة ظني الثبوت، وهما في الحقيقة مثالاان من أمثلة القسم الثاني عند الشافعي وهو الحجة المفيدة لحكمٍ غير مقطوع به.

  9. إذن فلا يعني تقسيم الشافعي ذاك أن كل خبر خاصةٍ (آحادٍ) يفيد عنده (الظن) ، لأنه لم يقل ذلك، ولم يقل ما يدل على ذلك.

  10. وقد تعقب ابن قيم الجوزية كلام الشافعي هذا بنحو ما ذكرنا، فقال في (الصواعق المرسلة) : ((فهذا نصه في خبرٍ يحتمل التأويل، ليس معه غير كونه خبر واحد، وهذا لا تنازع فيه، فإنه يحتمل سنداً ومتناً) ) (١) .

    1. (١)مختصر الصواعق المرسلة (ص ٥٣٠) .
  11. الوقفة الثانية: أن (خبر الخاصة) عند الشافعي، كما عند جميع المحدثين، هو أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم كلها، ما سماه الأصوليون بـ (المتواتر) وما سموه بـ (الآحاد) . كما سبق إثباته

    ج ١ ص ١٥٣بتوسع (١) ، وكما نقلناه من تفسير البيهقي أيضاً لكالم الشافعي (٢) .

    1. (١)انظر (ص ٩١- ١٣٢) .
    2. (٢)انظر (ص ١١٩- ١٣٢) .
  12. وإذا كان الأصوليون يستفيدون من بعض (خبر الخاصة) علماً، فأهل الحديث (والشافعي على رأسهم) أولى بذلك وبما فوقه. ولا يعقل أن يكون الشافعي لا يستفيد علماً من كل أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ويستفيد العلم من كثيرٍ منها الجهلاء بالسنة من أهل الكلام!!

  13. الوقفة الثالثة: أن الشافعي لم يطلق على (خبر الخاصة) أنه يفيد (الظن المودب للعمل دون العلم) ، ولم يتلفظ بهذه الألفاظ.

  14. أما حكم الشافعي على (خبر الخاصة) ، كما في النقل الثاني عنه، فهو أنه يفيد (الحق في الظاهر) .

  15. والحق في اللغة: نقيض الباطل، وهو الثابت الذي لا يسوغ إنكاره (٣) .

    1. (٣)انظر معجم مقاييس اللغة لابن فارس (٢/١٥) ، ولسان العرب (١٠/٤٩) ، والتعريفات للجرجاني (٢٠رقم ٥٩٠) ، والتعريف على مهمات التعاريف للمناوي (٢٨٧) .
  16. فأين (الحق من (الظن) ؟!!

  17. وأما أنه (لا يفيد العلم) ، فيكيف؟ ! والشافعي يقول في فاتحة كلامه: (( (العلم) من وجوه: منه إحاطة في الظاهر والباطن، ومنه حق في الظاهر)) .

  18. ويؤكد الشافعي أن (خبر الواحد) مفيد للعلم في كتابٍ آخر له، هو كتاب (اختلافه ومالك) . حيث ذكر مناظرةً له مع من لم

    ج ١ ص ١٥٤يقبل خبر الواحد فيما إذا خالفته فتوى بعض الصحابة، فقال الشافعي: ((أرأيت إن قال لك قائل: أتهم جميع ما رويت (يعني ما فتاوى الصحابة) عمن رويته عنه، فأخاف غلط كل محدثٍ منهم عمن حدث عنه، إذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه.

    قال: لا يجوز أن يتهم حديث أهل الثقة.

    قلت: فهل رواه عن أحدٍ منهم إلا واحد عن واحد؟

    قال: نعم.

    قلت: رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم واحد عن واحد؟

    قال: نعم.

    قلت: وعلمنا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قاله، علمنا بأن من سمينا قاله؟

    قال: نعم.

    قلت: فإذا استوى العلمان من خبر الصادقين، أيهما كان أولى بنا أن نصير إليه؟ آلخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بأن نأخذ به؟ أم الخبر عمن دون؟

    قال: بل الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ثبت.

    قلت: ثبوتهما واحد.

    قال: فالخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى أن يصار إليه.

  19. وإن أدخلتم على المخبرين عنه أنهم يمكن فيهم الغلط،

    ج ١ ص ١٥٥دخل عليكم في كل حديثٍ روي مخالفٍ الحديث الذي جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن قلتم: ثبت بخبر الصادقين، قلنا: فما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أولى عندنا أن يؤخذ أن يؤخذ به)) (١)

    1. (١)اختلاف مالك والشافعي ـ المطبوع أثناء كتاب الأم ـ (٧/١٩٢ـ ١٩٣) .
  20. قال ابن قيم الجوزية معلقاًً على كلام الشافعي هذا، في (الصواعق المرسلة) : ((فقد نص ـ كما ترى ـ بأنه إذا رواه واحد عن واحد عن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال، بصدق الراوي عندنا. ولا يناقض هذا نصه في (الرسالة) ، فإنه نفى هناك أن يكون العلم المستفاد منه مساوياً للعلم المستفاد من نص الكتاب وخبر التواتر، وهذا حق، فإن العلم يتفاوت في القوة والضعف)) (٢) .

    1. (٢)مختصر اصواعق المرسلة لابن القيم (ص ٥٣٠) .
  21. الوقفة الرابعة: أنه على افتراض أن قوله (حق في الظاهر) تساوي (الظن الموجب للعمل دون العلم) عند الأصوليين، فإن هذا يكون حكم (خبر الخاصة) بنفسه دون احتفافه بالقرائن.

  22. وهذا هو الواجب أن نصير إليه، فيمالو أطلق الإمام الشافعي على (خبر الخاصة) أنه يفيد (الظن) ، فضلاً عن إطلاقه عليه أنه يفيد (الحق في الظاهر) . لأنه لو أطلق على (خبر الخاصة) غير المحتف بالقرائن، ولا يجوز غير هذا المحمل. لأنه كما قدمنا في الوقفة الثانية: أن من (خبر الخاصة) (المتواتر) و (خبر الواحد) المحتف بالقرائن، وهما عند الأصوليين يفيدان العلم، فأنى لا يفيدانه للشافعي؟!

  23. ونرجع حينها إلى الفرق بين العبارتين المتحدتين في

    ج ١ ص ١٥٦المعنى، في تعظيم السنة، وحياطة حرمتها: (حق في الظاهر) ، و (ظن يوجب العمل دون العلم) !!

  24. بل يقول الشافعي عن الخبر المحتمل للتأويل والغريب في إسناده: ((فالحجة فيه عندي أن يلزم العالمين، حتى لا يكون لهم رد ما كان منصوصاً منه) ) ، كما سبق في النقل الأول عنه.

  25. فلاحظ الفرق بين العبارات في الأدب والتعظيم والإجلال للسن!!!

  26. الوقفة الخامسة: أن الإمام الشافعي لا يقيس (خبر الواحد العدل) على (شهادة العدلين) عند القضاة.

  27. وقد نص الإمام الشافعي على ذلك، عندما بدأ حجاجه في إثبات حجية خبر الواحد، طلب خصم الشافعي منه أن يوضح له حجية (خبر الواحد) بقياسه على أمرٍ معروف عندهما. فقال له الشافعي: ((أتريد أن أخبرك بشيء يكون هذا قياساً عليه؟

    قال: نعم!

  28. (قال الشافعي: ) قلت: هذا أصل في نفسه، فلا يكون قياساً على غيره، لأن القياس أضعف من الأصل)) (١) .

    1. (١)الرسالة (٣٧٢ رقم ١٠٠٤- ١٠٠٦) .
  29. ثم بعد ذلك بين الشافعي لخصمه ما تختلف فيها الشههادا عن (خبر الواحد) ، وما يتفقان فيه. فقال في باب بيان وجوه الاختلاف: ((ثم يكون بشر كلهم تجوز شهادته، ولا أقبل حديثه، من قبل ما يدخل في الحديث من كثرة الإحالة وإزالة بعض المعاني) ) (٢) .

    1. (٢)الرسالة (٣٧٣ رقم ١٠١٣) .
  30. فبين بهذا أنه يحتاط للرواية ما لا يحتاطه في الشهادة.

    ج ١ ص ١٥٧
  31. بل وذكر الإمام الشافعي أمثلةً للقرائن التي ترفع إفادة (خبر الواحد) عن (شهادة العدلين) مما لا يتوفر مثلها إلا لـ (خبر الواحد) . فقال في (جماع العلم) : ((فإن كنت أمرت بذلك (يعني: تقديم الحكم الثابت بغير إحاطة على الثابت بإحاطة) على صدق الشاهدين في الظاهر، فقبلتهما على الظاهر، ولا يعلم الغيب إلا الله. وإنا لنظلب من المحدث أكثر مما نطلب من الشاهد، فنجيز شهادة بشرٍ لا نقبل حديث واحدٍ منهم. ونجد الدلالة على صدق المحدث وغلطه ممن شركه من الحفاظ، وبالكتاب والسنة؛ ففي هذا دلالات، ولا يمكن هذا في الشهادات)) (١) .

    1. (١)جماع العلم للشافعي (٢٣- ٢٤ رقم ١٠١) .
  32. بهذا الكلام القاطع، يبين الإمام الشافعي قوة إفادة (خبر الواحد) العدل على إفادة (شهادة العدلين) مطلقاً، أي إفادة (خبر الواحد) نفسه دون القرائن. ثم أشار إلى بعض القرائن التي تحتف بـ (خبر الواحد) ـ ولا يمكن مثلها في (الشهادات) ـ فتقوي خبر الواحد، وتبلغه إلى درجة إفادة (العلم) في كثيرٍ من الأحيان.

  33. هذا مع أنه يكن أن تحتف بـ (الشهادة) قرائن ـ يمكن مثلها في (خبر الواحد) ـ فتقوي (الشهادة) لتفيد العلم كذلك! فليس حكم الشهادة أنها تفيد (الظن) مطلقاً أيضاً!! وعلى هذا، فلو قاس الإمام الشافعي (

    خبر الواحد) على (الشهادة) ، لكان القياس من هذه الجهة مقبولاً. لكن الشافعي لم يقس، ولم يرض هذا القياس! ولك أن تتفكر في سبب ذلك!!!

  34. الوقفة السادسة: أن الإمام الشافعي نص على أن (خبر الواحد) حق وحجة يلزم العالمين وأهل العلم منهم أن يصيروا إليه، هذا هو حكم (خبر الواحد) مطلقاً عند الشافعي.

    ج ١ ص ١٥٨
  35. إذن: فهو حجة عنده في العقائد والأحكام، والأصول والفروع!!

  36. أولاً: بدلالة إطلاقه السابق ذكره.

  37. ثانياً: لعدم ذكره لهذا التقسيم في كتبه، ولعدم اعتباره في شيءٍ من كلامه الاعتبار الدال على ذلك التفريق: بين الأصول والفروع.

  38. ثالثاً: ولأن هذا التقسيم إلى أصول وفروع تقسيم مبتدع وقول باطل مستحدث، كما سبق بيانه (١) . فحاشا الشافعي أن يتلفت إليه! وكذب من زعم هذا عليه!!

    1. (١)انظر (ص ١٤٤- ١٤٥) .
  39. وبهذا ننتهي من وقفاتنا مع كلام الشافعي (رحمه الله) ، بأن خرجنا منها بما دخلنا به، وهو أن الشافعي علم السنة وفقيه الملة!!

  40. وهنا ننتهي أيضاً من هذا المثال، الذي إنما سقناه لبيان تأثير (أصول الفقه) بما درسته من (علوم السنة) على (علوم السنة) وقد كان ـ بحمد الله ـ مثالاً حافلاً لما أردت التدليل به عليه، ودليلاً ماثلاً لما كنت ذهبت إليه.