المبحث الثاني: مثال تأثر علوم السنة بأصول الفقه من خلال نافذتها الأولى، وهي: ما درسته كتب أصول الفقه من علوم السنة:
٢٨٠ فقرة، ج ١ ص ٩١
الصفحة ٦ من ٧
- ج ١ ص ١٤٣
فالذي يظهر بعد كل هذا: أن محل النزاع لم يحرر بين الأصوليين والمحدثين! فالأصوليون فهموا أن المحدثين يقولون بإفادة خبر الواحد العدل العلم مطلقاً، ولا يقول ذل المحدثون؛ لكنهم يقولون: إن كل خبر صح عندنا فهو مفيد للعلم، والصحيح عندهم: خبر الواحد العدل المحتف بما يقويه من القرائن. لكن لجهل كثير من الأصوليين بعلم الحديث، ولعدم معرفة غالبهم بدقائق فنه، ظنوا أن المحدثين يكتفون بظاهر الإسناد، دون التدقيق في باطن علله،
ودون نقد المتون (٣) ! وهذا من خصائص علمهم التي لا يعلمها إلا العالمون!!
- (٣)انظر كتاب (مقاييس نقد متون السنة) للدكتور مسفر غرم الله الدميني، وكتاب (اهتمام المحدثين بنقد الحديث سنداً ومتناً) للدكتور محمد لقمان السلفي.
-
وليس أدل على نفي ما نسبه الأصوليون للمحدثين، من القول بإفادة خبر الواحد العدل العلم مطلقاً: من تغليط المحدثين
ج ١ ص ١٤٤للثاقات، وتوهيمهم العدول، وقولهم بشذوذ ما صح سنده أحياناً، وبتعليل ما ظاهره الثبوت أخرى، وترجح أحج المتعارضين من الأحاديث المقبولة كذلك! كل ذلك يكذب ما نسب إليهم، ويدفع ما ألصق عليهم!!!
-
وهذا كله حق واضح، وقول ناصح، بحمد الله تعالى. لذلك فمن قلة الإنصاف إطلاق الأصوليين القول: ((بعدم إفادة خبر الواحد العدل العلم) ) ، وإن جاء بعد ذلك تقييد هذا الأطلاق بصفقة: غير المحف بالقرائن الشاهدة على صدقه!
-
فأولاً: لأن ذلك الحكم يوهم أنه هو الأصل الغالب في صحيح الأخبار، وليس كذلك بحمد الله تعالى. فالغالب في روايات العدول، عند المحدثين، الثبوت والصحة، بالقرائن الشاهدة على صدق خبرهم المشروحة سابقاً.
-
وأخيراً: لأن استثناء الأصوليين من ذلك الحكم العام: ما احتفت به القرائن، جاء وكأنه استثناء منقطع!! بدليل اعراضهم على المحدثين استفادتهم العلم بتلك القرائن من خبر الواحد العدل!!!
-
وثالثاً: حجة في العقائد والأحكام، عند السلف كلهم، وفيهم المحدثون.
-
وخالف في ذلك كثير من الأصوليين، من الأشاعرة والماتريدية، فقالوا: هو حجة في الفروع دون الأصول.
-
فأول ما يقال لهم: ومن فرق بين الأصول والفروع قبلكم؟! ومن إلى هذه البدعة سبقكم؟! وما ضابط الأصول والفروع عندكم؟!
- ج ١ ص ١٤٥
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في (منهاج السنة النبوية) على لسان أهل السنة والجماعة: ((قالوا: والفرق بين مسائل الأصول والفروع إنما هو من أقوال أهل البدع من أهل الكلام من المعتزلة والجهمية ومن سلك سبيلهم، وانتقل هذا القول إلى أقوام تكلموا بذلك في أصول الفقه، ولم يعرفوا حقيقة هذا القول ولا غوره.
قالوا: والفرق في ذلك بين مسائل الأصول والفروع كما أنه بدعة محدثة في الإسلام، لم يدل عليها كتاب ولا سنة ولا إجماع، بل ولا قالها أحد من السلف والأئمة = فهي باطلة عقلاً ... )) (١) ـ ثم أطال في رد ذلك ونقضه.
- (١)منهاج السنة النبوية لابن تيمية (٥/٨٧- ٨٨ فما بعدها) .
-
ولابن قيم الجوزية فصل بديع في هذا المعنى، عقده في كتابه (الصواعق المرسلة) (٢) ، حتم على كل مبتغٍ للحق في هذه المسألة أن يقرأه ويتدبره.
- (٢)مختصر الصواعق المرسلة (٥٦٣ - ٥٧٠) .
-
فإذا احتج المخالف للسلف بخبر الواحد العدل غير المفيد للعلم في الأحكام دون العقائد، بناءً على التفريق بينهما، ثم تبين له أن هذا التفريق باطل، فلا فرق أصلاً، ولا ظابط له = استلزم ذلك احتجاجه بخبر الواحد العدل مطلقاً، في الأصول والفروع! خاصةً وأن مآل الأحكام العملية عقائد علمية، بتضمن الحكم خبراً عن الله تعالى: أن هذا الفعل يرضيه، وأن ذلك يسخطه (٣) .
- (٣)انظر المصدر السابق.
-
وثاني ما يقال لهم: إن الإجماع من الصحابة والتابعين وتابعيهم منعقد على وجوب الأخذ بخبر الواحد العدل مطلقاً، في العقائد والأحكام، ولم يكونوا يوجبون في أحاديث العقائد إلا
ج ١ ص ١٤٦ما يوجبونه في أحاديث الأحكام من التثبت والتحري.
-
قال ابن عبد البر (أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد النمري الأندلسي، المتوفى سنة ٤٦٣هـ) في كتابه (التمهيد) : ((والذي نقول به: إنه (يعني: خبر الواحد) يوجب العمل دون العلم، كشهادة الشاهدين والأربعة سواء. وعلى ذلك أكثر أهل الفقه والأثر، وكلهم يدين بخبر الواحد العدل في الاعتقادات، ويعادي ويوالي عليها، ويجعلها شرعاً وديناً في معتقده، على ذلك جميع أهل السنة ولهم في الأحكام ما ذكرنا)) (١) .
- (١)التمهيد لابن عبد البر (١/٨) ، والنظر (ص ٢٠٢- ٢٠٣) .
-
وقال ابن قيم الجوزية في رده على من لم يحتج بخبر الآحاد في العقائد، في كتابه (الصواعق المرسلة) ، قال: ((وأما المقام الثامن: وهو انعقاد الإجماع المعلوم المتيقن على قبول هذه الأحاديث، وإثبات صفات الرب تعالى بها. فهذا لا يشك فيه من له أقل خبرةٍ بالمنقول؛ فإن الصحابة هم الذين رووا هذه الأحاديث، وتلقاها
بعضهم عن بعض بالقبول، ولم ينكرها أحد منهم على من رواها، ثم تلقها عنهم جميع التابعين، من أولهم إلى آخرهم ... )) (٢) .
- (٢)مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم (٥٧٧) .
-
إذن: فانعقد الإجماع، وانسد الباب، وقيل الحمد لله رب العالمين!
-
ورابعاً: أن كثيراً من مصطلحات هذا الباب مصطلحات غريبة على علوم الحديث، لا يعرفها سلف المحدثين، ولا يرضاها متقدموهم. كما سبق في التقسيم ذاته إلى (متواتر) و (آحاد) ، من أن أهل الحديث لم يكونوا قائليه ولا قابليه.
- ج ١ ص ١٤٧
فبالأحرى أن يكون ما تفرع عن هذا التقسيم، ن حكم كل قسم ٍ (مثلاً) ، غير داخلٍ في مصطلح القوم، ولا بالذي يرضونه.
-
ومن هذه المصطلحات: (العلم: الضروري، والنظري) ، و (الظن الموجب للعمل دون العلم) = فهي علم غريب وألقاب متطفلة على علوم الحديث ومصطلحه.
-
سال أبو بكر المروذي (أحمد بن محمد بن الحجاج، المتوفى سنة ٢٧٥هـ) الإمام أحمد، قائلاً: ((ها هنا إنسان يقول: إن الخبر يوجب عملاً ولا يوجب علماً؟ قال: فعابه، وقال: ما أدري ما هذا؟!!) ) (١) .
- (١)العدة في أصول الفقه للقاضي أبي يعلى الحنبلي (٣/٨٩٩) .
-
بعدم الرضى الصريح هذا يجيب إمام أهل الحديث ومقدمهم على هذه الألقاب الدخيلة.
-
وقد سبق أن المحدثين لا يجهلون أن (خبر الواحد) العدل بذاته لا يفيد اليقين، المستفاد مما احتفت به قرائن تقويه. لكن لما كان (خبر الواحد) العدل عند المحدثين حجة توجب الالتزام بطلبه وتصديق خبره مطلقاً، لم يروا هناك حاجةً إلى تلك الألقاب والتقسيمات، لأنه لا فائدة منها ولا طائل تحتها!
-
وبعد أن لم يكن لتلك الألقاب وتقسيمها معنى، انظاف إلى ذلك أنها ألقاب سوء وأسماء شؤم على السنة النبوية! فكيف يقال عن الحجة الملزمة: (ظن) ؟! وما العمل الذي يوجبه ما لا يفيد حتى العلم به؟!!!
-
وأضف إلى ذلك أن هذه الألقاب صدرت أول ما صدرت عن موردٍ مسموم، ونبعها مستنقع وخيم. فإنما خرجت (أولاً)
- ج ١ ص ١٤٨
من فم جهمي، أو شفتي فيلسوف دهري. فما هي إلا نفثات ساحرٍ أثيم، أو فحيح ثعبان أرقم، أو وسوسة شيطان مارد= فمن يصغي لهؤلاء؟! أم من يقترب منهم؟!!
-
ومن زعم أن الإمام الشافعي يقول: إن (خبر الواحد) العدل يفيد الظن الموجب للعمل دون العلم، فقد أخطأ عليه خطأ بيناً!!
-
وسوف نقف مع الإمام الشافعي من هذه المسألة قريباً إن شاء الله تعالى.
-
أما الإمام أحمد الذي نقلنا عنه إنكاره لتلك الألقاب، فيقول: ((إذا كان الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحاً ونقله الثقات فهو سنة، ويجب العمل به على من عقله وبلغه، ولا يلتفت إلى غيره من رأي ولا قياس) ) (١) .
وقال أيضاً: ((خبر الواحد صحيح إذا كان غسناده صحيحاً) ) (٢) .
وقال أيضاً: ((من الناس من يحتج في رد خبر الواحد: بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقنع بقول ذي اليدين، وليس هذا شبيه ذاك، ذو اليدين أخبر بخلاف يقينه (أي: يقين النبي صلى الله عليه وسلم) . ونحن ليس عندنا علم نرده، وإنما هو علم يأتينا به)) (٣) .
- (١)العدة في أصول الفقه لأبي يعلى (٣/٨٥٩) .
- (٢)العدة في أصول الفقه لأبي يعلى (٣/٨٥٩) .
- (٣)العدة في أصول الفقه لأبي يعلى (٣/٨٦٠) .
-
انظر إلى أدب العبارة، وتعظيم الأثر، وشدة التسنن؛ في قوله عن (خبر الواحد) العدل: (سنة) ، و (صحيح) ، بل و (علم) ! أين هذا من قولهم: ظن يوجب عملاً ولا يوجب علماً؟!!
- ج ١ ص ١٤٩
ولا تقل: الخلاف لفظي!
-
أولاً: لأنه ليس كل خلاف لفظي أمراً هيناً. فإن كان في هذا الخلاف اللفظي تعظيم للسنة وحفاظ على حرمتها، أو عدم تعظيم لها ولا حفاظ على حرمتها؛ فهل يكون الأمر هيناً؟!
-
وثانياً: أن قولهم بأن (خبر الواحد) العدل ظني الثبوت، مهد لهم هذا اللفظ السيء أن هذا الخبر لا يثبت اليقينيات (العقائد) ! فالخلاف من هذا الوجه ليس لفظياً، بل هو حقيقي معنوي (١) !!
- (١)انظر البحر المحيط للزركشي (٤/٢٦٦) .
-
أما الإمام الشافعي ودعوى قوله بإفادة (خبر الواحد) العدل للظن دون العلم، فغير صحيح عنه، بل هو خطأ بين عليه.
-
وقد تعرض الإمام الشافعي لهذه المسألة في مواطن من كتبه، فسأنقلها لك، لنعرف حكم الشافعي وقوله فيها.
قال الإمام الشافعي في (الرسالة) : ((فإن قال قائل: هل يفترق معنى قولك (حجة) ؟
-
قيل له إن شاء الله: نعم.
-
فإن قال: أبن لي؟
-
قلنا: أما ما كان نص كتابٍ بين أو سنةٍ مجتمع عليها فالعذر فيها مقطوع، ولا يسع الشك في واحد منها، ومن امتنع من قبوله استتيب.
-
فأما ما كان من سنةٍ من خبر الخاصة، الذي قد يختلف الخبر فيه، فيكون الخبر محتملاً للتأويل، وجاء الخبر فيه من
ج ١ ص ١٥٠طريق الانفراد= فالحجة فيه عندي أن يلزم العالمين، حتى لا يكون لهم رد ما كان منصوصاً منه، كما يلزمهم أن يقبلوا شهادة العدول، لا أن ذلك إحاطة كما يكون نص الكتاب وخبر العامة عن رسول الله.
-
ولو شك في هذا شاك لم نقل له: تب، وقلنا: ليس لك ـ إن كنت عالماً ـ أن تشك، كما ليس لك إلا أن تقضي بشهادة الشهود العدول، وإن أمكن فيهم الغلط، ولكن تقضي بذلك على الظاهر من صدقهم، والله ولي ما غاب عنك منهم)) (١) .
- (١)الرسالة للشافعي (ص ٤٦٠- ٤٦١ رقم ١٢٥٦- ١٢٦١) .
-
هذا أول تلك المواطن، وأقواها تمسكاً لمن نسب إلى الشافعي غير مراده.
-
لكني أكمله بنقل آخر، ثم نتبعهما بالبيان.
قال الإمام الشافعي في (الرسالة) أيضاً: ((العلم من وجوه: منه إحاطة في الظاهر والباطن، ومنه حق في الظاهر.