الفصل الأول: الطور الأول لكتب علوم الحديث

١٣٥ فقرة، ج ١ ص ١٨٣

الصفحة ١ من ٤

  1. لقد اعتاد الباحثون في علوم السنة تقسيم كتب علوم الحديث إلى قسمين: هما طور ما قبل كتاب ابن الصلاح، وطور كتابه فما بعده (١) .

    1. (١)انظر مقدمة الحافظ ابن حجر لنزهة النظر (ص ٤٦ - ٥١) ، ومقدمة تدريب الراوي للسيوطي (١/٣٥ - ٣٦) .
    ج ١ ص ١٨٣
  2. فإذا أردنا أن ندرس كتب علوم الحديث، وهل هي سائرة على المنهج الصحيح في فهم مصطلحات الحديث؟ فلندرسها بناءً على هذا التقسيم.

  3. الطور الأول: كتب علوم الحديث قبل كتاب ابن الصلاح:

    قد قدمنا في عرضنا التاريخي لعلوم الحديث، أن أول من نعلمه تكلم على بعض علومها كلام تقعيد وتأصيل، هو الإمام الشافعي في كتابه العظيم (الرسالة) (٢) ، ثم تبعه الحميدي في جزءٍ له عن أصول الرواية، ثم مسلم

    في (مقدمة صحيحه) ، وأبو داود في (رسالته إلى أهل مكة) ، والترمذي في (العلل الصغيرة) (٣) .

    1. (٢)انظر (ص ٤٨) .
    2. (٣)انظر (ص ٥٨ـ ٥٩) .
  4. وهؤلاء ما بين القرن الثاني والثالث، فهم لب (أهل الاصطلاح) وقلبهم. فلا يقال عن هؤلاء: هل ساروا على المنهج الصحيح في فهم مصطلح الحديث؟ ‍‍‍

    ولم نزل في حاجةٍ ماسةٍ إلى دراسة كلامهم، في تلك الرسائل والمقدمات، دراسة تفهم، بعمقٍ كبير، دون أن نسلط على كلامهم فهوم من جاء بعدهم من غير (أهل الاصطلاح) .

    ج ١ ص ١٨٤
  5. وقد قدم الحافظ ابن رجب الحنبلي لذلك مثلاً رائعاً في شرحه لعلل الترمذي، غير أن شرحه هذا هو نفسه في حاجةٍ إلى دراسة ‍

    ثم في القرن الرابع الهجري: كتب الإمام الناقد ابن حبان البستي مقدمة صحيحه: (التقاسيم والأنواع) ، ومقدمة (المجروحين) ، ومقدمة (الثقات) . وتعد هذه المقدمات ـ وخاصة مقدمة الصحيح والمجروحين ـ من أهم ما كتب في علوم الحديث، لأنها: أولاً لإمام من أعيان علماء السنة في القرن الرابع، فهو لهذا من (أهل الاصطلاح ٩. ثم لما حوته من مباحث مهمة، وقواعد لا يستغنى عن العلم بها.

  6. وفي القرن الرابع أيضاً: كتب الإمام أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي (ت ٣٨٨هـ) مقدمة كتابه (معالم السنن ـ في شرح سنن أبي داود ـ) . ومع أن ما ذكره في تلك المقدمة كان قصيراً جداً، إلا أنه كان بها أول من قسم الحديث (من حيث القبول والرد) إلى ثلاثة أقسام صريحة: صحيح، وحسن، وضعيف.

  7. ثم كتب أيضاً الإمام أبو الحسن علي بن محمد بن خلف القابسي (ت ٤٠٣هـ) مقدمة لكتابه (مختصر الموطأ عن مالك) المعروف بـ (المخلص) ، تناول في هذه المقدمة: مسائل في

    ج ١ ص ١٨٥الاتصال والانقطاع، وصيغ الأداء، والرفع وأنواعه، ونحوها. أصل في هذه القضايا تأصيلاً مهماً، يزيده أهمية أن صاحبه من (أهل الاصطلاح) .

  8. لكننا نقف مع إمامين من أئمة القرن الرابع، هما: الرامهرمزي، وأبو عبد الله الحاكم، لأن لهما كتابين منفردين جامعين رائدين في علم الحديث.

  9. أما الكتاب الأول: فهو (المحدث الفاصل بين الراوي والواعي) للرامهرمزي (ت ٣٦٠هـ) . وهو كتاب جليل، عظيم النفع. جمع مادة ضخمةً متنوعة في فنون الرواية وآدابها.

  10. غير أن هذا الكتاب في باب أقسام الحديث وشرح مصطلحاته فقير ن حيث لم يكن ذلك من أغراض مصنفه.

  11. فقد صنفه الرامهرمزي رداً على من وضع من شأن أهل الحديث، فأراد أن يبين له فضائل علمهم، ومحاسن آداب حملته. وصنفه أيضاً لطلاب الحديث في زمانه. حثاً لهم على التحلي بتلك الآداب، لنيل تيك الفضائل

    . ثم يذكر محدثي عصره بأن لا يأتوا ما شنع عليهم بسببه، من إفناء الأعماء في تتبع الطرق وتكثير الأسانيد دون فائدة، وتاطلب شواذ المتون، من غير أن يطلبوا أبواب العلم النافعة الأخرى (١) .

    1. (١)انظر المحدث الفاصل (١٥٩ـ ١٢٦) .
  12. ومع جليل قدر كتاب الرامهرمزي وعظيم نفعه، غلا أننا ونحن نؤرخ لمصطلح الحديث، لن نجد فيه مادةً واسعةً للكلام عنها. غير أن الكتاب في أبوابه الأخرى، معتمد الاعتماد كله على كلام أئمة النقد من أئمة الحديث في القرن الثالث الهجري.

  13. ليبين بذلك منهجه في مسائل علوم الحديث، وهو تقريرها على

    ج ١ ص ١٨٦ما كان عليه (أهل الاصطلاح) .

  14. أما الكتاب الثاني: فهو كتاب (معرفة علوم الحديث) لأبي عبد الله الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥هـ) .

  15. فجاء كتاب الحاكم وكأنه مختص بما كان أهمله كتاب الرامهرمزي، من الاعتناء بمصطلح الحديث وشرح معناه وضرب الأمثلة له.

  16. فتناول بـ (نوع ... كذا) ، ذاكراً مصطلحه المسمى به. فتكلم الحاكم عن: (العالي) و (النازل) و (الموقوف) و (المرسل) و (المنقطع) و (المسلسل) و (المعنعن) و (المعضل) و (المدرج) و (الصحيح) و (السقيم) و (الغريب) ... وغير ذلك من الأنواع، التي بلغت عنده اثنين وخمسين نوعاً.

  17. وقد بين الحاكم سبب تصنيفه للكتاب في مقدمته، حيث أشار إلى خللٍ أصاب بعض طلال الحديث في طلبهم له، متعلقٍ بأسلوب التلقي وصرف الهمم.

    قال الحاكم: ((أما بعد فإني لما رأيت البدع في زماننا كثرت، ومعرفة الناس بأصول السنن قلت، مع إمعانهم في كتابة الأخبار وكثرة طلبها، على الإهمال والإغفال، دعاني ذلك إلى تصنيف كتاب خفيف ... ) ) (١) .

    1. (١)معرفة علوم الحديث للحاكم (١- ٢) .
  18. أما منهج الحاكم في كتابه، في تقرير قواعد علوم الحديث وشرح مصطلحه؛ فلا تنس ـ حفظك الله ـ أن الحاكم داخل في أئمة الحديث من أهل القرن الرابع، فهو من (أهل الاصطلاح) .

  19. ومع ذلك فالكتاب كله صريح بأنه ناقل لما عليه أئمة الحديث، من شيوخ الحاكم فمن قبلهم، وخاصة أئمة القرن الثالث الهجري.

    ج ١ ص ١٨٧
  20. وسأضرب لذلك أمثلة:
  21. ففي تقريره لمعنى مصطلح (المسند) ، وما يدخل فيه، يستدل على ذلك بقوله: ((وكل ذلك مخرج في المسانيد) ) (١) .

    وفي مصطلح (المرسل) يقول: ((فإن مشايخ الحديث لم يختلفوا في أن الحديث المرسل هو ... ) ) (٢) .

    1. (١)معرفة علوم الحديث للحاكم (٢٢) .
    2. (٢)معرفة علوم الحديث للحاكم (٢٥) . .
  22. وفي حكم الحديث (المعنعن) ينقل إجماع أئمة (أهل النقل) (٣) .

    1. (٣)معرفة علوم الحديث (٣٤) .
  23. وفي مصطلح (المعضل) ينقل تعريفه عن علي بن المديني (٤) .

    1. (٤)معرفة علوم الحديث (٣٦) .
  24. وفي باب (العدالة) ذكر أنه: ((يستشهد بأقاويل الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين) ) (٥) .

    1. (٥)معرفة علوم الحديث (٥٦) .
  25. وفي مصطلح (الشاذ) يسند عن الإمام الشافعي شرحه له (٦) .

    1. (٦)معرفة علوم الحديث (١١٩) .
  26. وفي باب (التدليس) أسند عن العلماء في بيان حكمه وأمثلته (٧) .

    1. (٧)معرفة علوم الحديث (١٠٣- ١١٠٩) .
  27. وكذا في باب (امعلل) (١) .

    1. (١)معرفة علوم الحديث (١١٢- ١١٣) .
    ج ١ ص ١٨٨
  28. ومثله في حكم الرواية عن المبتدع، ثم قال بعد أن أكثر النقل أذى إليه الاجتهاد في الوقت من مذاهب المتقدمين، ولم يحتمل الاختصار أكثر منه. وفي القلب أن أذكر ـ بمشيئة الله ـ في غير هذا الكتاب، مذاهب المحدثين بعد هذه الطبقة، من شيوخ شيوخي)) (٢) . تمعن هذا الاختيار، فيمن ذكر مذاهبهم، ومن ينوي ذكر مذاهبهم!

    1. (٢)معرفة علوم الحديث للحاكم (١٤٠) .
  29. وفي نوعي التصحيف في الأسانيد والمتون نقل كامل (٣) .

    1. (٣)معرفة علوم الحديث (١٤٦- ١٥٢) .
  30. وفي نوع (معرفة أسامي المحديثين) يقول: ((وقد كفانا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (رحمه الله) هذا النوع، فشفى بتصنيفه، وبين ولخص)) (٤) . ثم شرع بعد ذلك في أمثلةٍ، ضمنها نقولاً عن أئمة القرن الثالث (٥) .

    1. (٤)معرفة علوم الحديث (١٧٧) .
    2. (٥)معرفة علوم الحديث (١٧٨) .
  31. وفي نوع (الألقاب) نقل مخص، ثم قال: ((فأما الألقاب التي تعرف بها الرواة، فأكثر من أن يمكن ذكرها في هذا الموضع. وأصحاب التواريخ من أئمتنا (رضي الله عنهم) قد ذكروها، فأغنى ذلك عن ذكرها في هذا الموضع)) (٦) .

    1. (٦)معرفة علوم الحديث (٢١٥) .
  32. وفي باب (الكنى) نقول كثيرة عن أئمة الحديث في القرن

    ج ١ ص ١٨٩الثالث أيضاً (١) .

    1. (١)معرفة علوم الحديث (١٨٣- ١٨٥) .
  33. وفي نوع (رواية الأقران) يقول: ((منه الذي سماه مشايخنا (المدبج) (٢) ) .

    1. (٢)معرفة علوم الحديث للحاكم (٢١٥) .
  34. وفي آخر أنواع علوم الحديث عنده، وهو نوع مختص بطرق التحمل، وبيان حكمها اعتمد اعتماداً كاملاً على نقوله عن أئمة الحديث في قرونه الأولى (٣) .

    1. (٣)معرفة علوم الحديث (٢٥٦- ٢٦١) .
  35. وهكذا فالكتاب كله في شرح مصطلح أهل الحديث، على فهم أهل الحديث، على فهم أهل الحديث أنفسهم. لأن الحاكم يعلم أن: ((غير أهل هذا العلم) ) و ((غير أهل الصنعة) ) ، و ((غير المتبحر في صنعة الحديث) ) و ((غير الفرسان نقاد الحديث) ) (٤) = لا يفقه هذا العلم كما كان يعبر الحاكم بذلك كثيراً!

    1. (٤)انظر معرفة علوم الحديث للحاكم (١٨، ١٩، ٢١ ... ) .
  36. وعلى هذا المنهج نفسه ـ في الأغلب ـ صنف الحافظ أبو نعيم الأصبهاني (مستخرجه على معرفة علوم الحديث للحاكم) (٥) . لأن طبيعة المستخرجات تلزم بذلك (٦) .

    1. (٥)ذكر هذا المسترج الحافظ ابن حجر في مقدمة نزهة النظر (ص ٤٧) ، والسيوطي في تدريب الراوي (١/٣٥) .
    2. (٦)ووقفت على مسألةٍ نص الحافظ ابن حجر على متابعة أبي نعيم فيها للحاكم، انظر النكت على كتاب ابن الصلاح (٢/٦٢٢) .
  37. وهنا ننتهي من الكلام عن مصنفات علوم الحديث في (القرن الرابع) ، لندخل في (القرن الخامس الهجري) .

  38. وقد سبق في عرضنا التاريخي لمصطلح الحديث، وفي

    ج ١ ص ١٩٠تأريخ تأثر العلوم النقلية بالعلوم العقلية، ما ملخصه: أن هذا القرن هو أول القرون التي ظهر فيها أثر العلوم العقلية فيه على مصنفات علوم السنة. وإن كنا قد نبهنا هناك، أن هذا الأثر لم يكن عميقاًَ كما حصل للقرون اللاحقة لهذا القرن. مع ذلك فإن هذا التأثر أخرج محدثي هذا القرن، من أن يكونوا من (أهل الاصطلاح) .

  39. وما أن نلج هذا القرن (الخامس) ، حتى نجد أننا انقدنا إلى إمام المحدثين في عصره، ولمن جاء بعد عصره: الحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣هـ) . الذي قال عنه ابن نقطة الحنبلي (محمد بن عبد الغني البغدادي، المتوفى سنة ٤٦٣هـ) في كتابيه (التقييد لمعرفة راوة السنن والمسانيد) و (تكملة اٍلإكمال) : ((وله مصنفات في علوم الحديث لم يسبق إلى مثلها. ولا شبهة عند كل لبيب، أن أمتأخرين من أصحاب الحديث عيال على أبي بكر الخطيب) ) (١) .

    1. (١)التقييد لابن نقطة (ص ١٥٤) ، وتكملة الإكمال له (١/١٠٣) .
  40. الخطيب البغدادي الذي

    ((قل فن من فنون الحديث إلا وقد صنف فيه كتاباً مفرداً) ) (٢) كما يقول الحافظ ابن حجر، بحر من بحور الحديث، لا يستطيع باحث أن يتناوله بدراسةٍ شاملةٍ عميقةٍ لجميع جوانب حباته وعلومه ومصنفاته. بل كل كتابٍ من كتب هذا الإمام حقيق بدراسة مفردة، توقفنا على منهجه فيه.

    1. (٢)نزهة النظر لابن حجر (ص ٤٨) .